الدرس : 01 - سورة الشورى - تفسير الآيات 1- 7 ، ظاهرة الوحي

1994-01-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سورة الشورى.

الأحرف التي تبدأ بها هذه السورة دليل الإعجاز في القرآن الكريم:

 مع الآية الأولى:

﴿حم(1)عسق(2) ﴾

( سورة الشورى)

 هذه الأحرف التي تبدأ بها هذه السورة، والأحرف الأخرى وقف منها المفسِّرون مواقف متباينة، وقد ذكرت لكم هذه المواقف في دروسٍ سابقة، والملخَّص هو أن هذه الحروف إما أن الله سبحانه وتعالى أعلم بمراده، هذه وجهة نظر بعض المفسرين. أو أن من هذه الحروف نُظَِم هذا القرآن الكريم، وهذا دليل الإعجاز. أو أنها أسماءٌ لله عزَّ وجل، أوائل أسماء الله عزَّ وجل. أو أنها أوائل أسماء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم..

عالَم الشهود وعالَم الغيب:

﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3) ﴾

( سورة الشورى)

 كأن هذه السورة (سورة الشورى) تلحُّ على موضوع الوحي، وموضوع الوحي يقودنا إلى مقدِّمةٍ يسيرة، وهي أن في العالَم عالَم الشهود وعالَم الغيب، فعالم الشهود ما يتصل اتصالاً مباشراً بحواسِّنا، فالشيء قد تراه بعينك، أو قد تسمع صوته بأذنك، أو تشم رائحته بأنفك، أو تلمسه بيدك، فعالَم الحِس هو عالَم الشهود، وسبيل معرفة عالم الحس هو الحواس، فبالحواس نتعرَّف إلى عالم الحس، وما سُمِّيَ عالم الحس إلا لأن الحواس هي سبيل معرفته، لذلك فهناك اليقين الحسي، أي اليقين الذي يعتمد على الحواس في معرفة ما حول الإنسان.
 ولكن كل شيءٍ غاب عنك أيها الإنسان هو عالم الغيب، فقد غاب عن حواسِّك، ولا سبيل إلى معرفته إلا بالخبر الصادق، فنحن الآن أمام عالمين، عالم الحس وعالم الغيب، فعالم الحس نتعرَّف إليه من خلال الحواس، وعالم الغيب نتعرَّف إليه من خلال الخبر.
 وبشكلٍ مبسِّطٍ جداً: لو أنك في زيارة صديقٍ لك في بيته، الغرفة التي أنت فيها هذه بالنسبة إليك عالم الحس، لأنك تشاهد ما فيها ؛ من أثاث، ومن ثريَّا، ومقاعد، وأدوات، وتزيينات. لكن الغرفة التي إلى جوارها بعيدةٌ عن حواسِّك ولا تعلم عن مضمونها، وعن موجوداتها إلا من خلال إخبار صاحب البيت.

 

الشيء الذي يعجز عقل الإنسان عن إدراكه الله تعالى أخبره به:

 

 فأنت أمام شيئين: إما أن تتصل بعالم الحس من خلال الحواس، وإما أن تتصل بعالم الغيب من خلال الخبر، فهذا شيء مبسَّط جداً. فالشيء إذا ظهرت عينه فسبيل معرفته اليقين الحسي، إلا أن هناك شيئاً بين الحالتين إن شيءٌ غابت عينه وبقيت آثاره، فسبيل معرفته هو الاستنباط العقلي، فلو رأيت وراء الجدار دخاناً، والعقل لا يفهم الشيء إلا بسبب فتقول: لا دخَّان بلا نار، فيقينك بأن هناك ناراً خلف الجدار فهذا يقين استدلالي و ليس يقيناً حسياً.
 لكن الشيء إذا غابت عينه وغابت آثاره، فلا سبيل إلى معرفته إلا باليقين الإخباري، فعالم الغيب كالمستقبل الذي لا يقع. وكالماضي السحيق، وكالأشياء المُغَيَّبة عنك كعالم الجن، وعالم الملائكة، وذات الله عزَّ وجل، فهذه عوالم لا نعرفها بحواسِّنا، والوحي هو الذي أخبرنا بها، وهذا الكلام مفاده أن الإنسان مهما نما عقله، ومهما اتسعت آفاقه، و تعمَّقت ثقافته فهو بحاجةٍ إلى وحيٍ إلهيٍ يخبره عن شيءٍ غاب عنه وعن قدرة عقله في فهمه.
 فالقاعدة: إن الشيء الذي يعجز عقلك عن إدراكه فالله سبحانه وتعالى أخبرك به.

ظاهرة الوحي تعدُّ جزءاً من عقيدة المسلم:

 إذاً ظاهرة الوحي هي ظاهرة تعدُّ جزءاً من عقيدة المسلم، أما الأشياء التي ضمن نطاق العقل، فعن طريق الاستدلال، والحواسُّ وعن طريق المعاينة.
 على كلٍ فالعقل مبني على الحواس، إذ يأخذ الآثار ويستنتج النتائج، فهو يأخذ الآثار أولاً التي عرفتها الحواس، ويبني عليها استنتاجات عن طريق محاكمة العقل، فعالم الحس هو عالم الشهود، وعالم الغيب هو عالم الوحي.
 لماذا خلقنا الله عزَّ وجل ؟ هذا نعرفه من خلال الوحي. وأين كنا قبل أن نأتي إلى الدنيا ؟ وماذا بعد الموت ؟ وبماذا كلَّفنا الله ؟ كل ذلك نعرفه من خلال الوحي. إذاً حقيقة الكون ومبدعه وحقيقة الحياة وفلسفتُها و رسالة الإنسان ومهمَّته هذا كله نتعرَّف إليه من خلال الوحي، إذاً العقل وحده لا يكفي، وربَّما أغناك العقل في معرفة الله عزَّ وجل، لأن الكون كلَّه تجسيدٌ لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، والكون يجسِّد أسماء الله الحسنى.
 فمن خلال عقلك ذي المبادئ المتوافقة مع نظام الكون(مبدأ السببيَّة، والغائيَّة، وعدم التناقض ) فهذا العقل المتوافق مع مبادئ الكون يتعرَّف إلى أنه لابدَّ لهذا الكون من خالق. فمن هو الخالق ؟ يقول لك الوحي: الله الذي خلق السماوات والأرض.

الوحي الذي يأتي الأنبياء من لوازم كمال الله عز وجل:

 اقرأ القرآن من خلال عقلك فتقول: هذا ليس من كلام البشر، لأن فيه إعجازاً ؛ إعجازاً علمياً، وإعجازاً لغوياً، وإعجازاً تشريعياً، و إخبارياً، تربوياً، وتشعر بالدليل القاطع تلو الدليل أن هذا الكلام ليس كلام البشر، هذا بالعقل تستنبطه، وتؤمن أيضاً أن الذي جاء بهذا الكلام هو رسول من عند الله عزَّ وجل معه معجزة، وانتهى والآن دور العقل، فقد أوصلك إلى الله، وهو لا يحيط بالله لكن يصل إليه، وشتَّان بين الوصول والإحاطة، أوصلك إلى الله، وأوصلك إلى أن هذا الكلام كلامه، وإلى أن الذي جاء بهذا الكلام رسوله ونبيُّه.
 والآن جميع الموضوعات التي يعجز عقلك عن إدراكها أخبرك الوحي عنها ؛ وعن ذات الله، وعن أسمائه الحسنى، وعن سر وجودك على وجه الأرض، ولماذا خلقك ؟ وماذا بعد الموت ؟ وقبله ؟ وما سر هذه الحياة ؟ وما ينبغي لك أن تفعل ؟ فهناك أمر ونهي، وتوجيه، وإنذار، ووعد، ووعيد وهذا كلُّه بالوحي.
 والوحي الذي يأتي الأنبياء ولاسيما النبي عليه الصلاة والسلام، إنه من لوازم كمال الله عزَّ وجل، ولذلك جاءت الآية:

﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3) ﴾

( سورة الشورى)

رحمة الله عز وجل تقتضي دعوة عباده إلى الطاعة ليسعدهم في الدنيا و الآخرة:

 الوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليس شيئاً جديداً، ولا مستحدثاً، ولا شيئاً لم يسبق له مثيل، فهذه سنة الله في خلقه، فأي أبٍ (من باب التقريب والتمثيل) لابدَّ أن ينصح ابنه إذا انحرف عن سواء السبيل، فأن ينصح الأب ابنه، وأن يبيِّن له طريق الفلاح والنجاح في الدنيا فهذا شيءٌ من لوازم الآباء الصالحين، فإن فعلها أبٌ فليس معنى هذا أنه عمل شيئاً لم يفعله أحد. فشيءٌ طبيعيٌ جداً أن الله سبحانه وتعالى خالق الكون، ورب العالمين، رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لا يدع عباده من دون أمرٍ، ونهيٍ، وتوجيهٍ، وإرشادٍ، ونصحٍ، ووعدٍ، ووعيدٍ، وإنذارٍ، وتبيانٍ.. الخ.
 فكلمة

﴿ كذلك﴾

 أي يوحي الله إليك وحياً كهذا الوحي، كما أوحى الله إلى الأنبياء السابقين كذلك أوحى الله إليك، وإذا أوحى الله إليك فهو وحيٌ كما أوحى الله إلى الأنبياء السابقين، إذاً هذه سنة الله في خلقه، ورحمة الله سبحانه وتعالى بعباده تقتضي أن يأمرهم، وأن ينهاهم، وأن يبيِّن لهم، وأن يدعوهم إلى معرفته، وإلى طاعته حتى يسعدهم في الدنيا والآخرة.

ما من نبيٍ كُلِّفَ برسالةٍ إلا أوحى الله إليه كتاباً يكون منهجاً لأتباعه:

 لكن..

﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ (3) ﴾

( سورة الشورى)

 الله علمٌ على الذات وصاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، قال تعالى:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )

 فأسماء الله تعالى كلها حسنى، ولذلك فأية قصَّةٍ، أو أي تعبيرٍ ينتقص من كمال الله عزَّ وجل ؛ ومن عدالته، ورحمته، ولطفه، وقدرته، وقوَّته، وغناه، وعلمه فهذا الكلام مرفوضٌ لأن الله سبحانه وتعالى أسماؤه كلُّها حسنى، وصفاته كلُّها فضلى، إذاً:

﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ (3) ﴾

( سورة الشورى)

 فمضامين الكتب السماويَّة، أي ما من نبيٍ كُلِّفَ برسالةٍ إلا أوحى الله إليه كتاباً يكون منهجاً لأتباعه الذين يدعوهم إلى الله، إذاً كما أوحى الله إلى الأنبياء السابقين أوحى إليك، فهذا الوحي ليس جديداً، وليس غريباً، وليس مستحدثاً..

من احتاج إلى العزيز نال منه العزة و الكرامة:

﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3) ﴾

( سورة الشورى)

 قال علماء التفسير: العزيز في مُلكه، والحكيم في أفعاله. وكلمة عزيز شُرحت سابقاً، أي أن الله سبحانه وتعالى واحدٌ أحد، فردٌ صمد، عزيز أي واحد، ويستحيل أن تحيط به، ويحتاجه كل شيءٍ في كل شيء، عزيز، لذلك أنت محتاجٌ إليه، فإذا احتجت إلى العزيز نلت منه العزَّة والكرامة..

 

اجعل لربِّك كل  عزِّك يستقرُّ ويثبت
فإذا اعتززت بمن  يموت فإن عزَّك ميتُ
* * *

 الحكيم، كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل ما أراده الله وقع، وإرادته متعلِّقةٌ بالحكمة المُطلقة. فالإنسان أحياناً لا يكون حكيماً، لماذا ؟ لأنه قد تنقصه المعلومات، فيرتكب حماقةً بجهله، ولأنه قد يُضغَطُ عليه فيرتكبها، وقد يغريه شيءٌ فيرتكبها أيضاً، لكن الله سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن كل هذه الصفات التي تُعَدُّ في الإنسان صفات ضعفٍ، فحكمة الله مطلقة، ومعنى ذلك أي أن الذي وقع لابدَّ من أن يقع، ولو لم يقع لكان هذا نقصاً في حكمة الله، ولكان الله مَلوماً، فليس في الإمكان أبدع مما كان.
 وهذه عقيدة إذا آمن بها الإنسان ارتاحت نفسه، وارتاحت أعصابه، وعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيمٌ في أفعاله، وأن شيئاً في الكون لا يقع إلا بإذن الله، وأن كل شيءٍ يقع في الكون هو مزيجٌ من عدالته مع لطفه، وقدرته، وغناه، ورحمته وكل أسمائه الحسنى داخلةٌ في أفعاله.

 

 

دخول أسماء الله عز وجل في أفعاله:

 

 بعض المفسِّرين قال: حينما يتحدَّث ربنا عن أفعاله يستخدم ضمير الجمع فيقول:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾

( سورة يس: من آية " 12 " )

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9) ﴾

( سورة الحجر )

 أما إذا تحدَّث عن ذاته يقول:

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(14) ﴾

( سورة طه )

 فضمير الجمع الذي يستخدم في القرآن الكريم في معرض ذِكْرِ أفعال الله عزَّ وجل، يعني أن كل أسمائه الحسنى داخلةٌ في أفعاله.

معرفة أسماء الله الحسنى شيءٌ أساسيٌ في عقيدة المؤمن:

 إذاً:

﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3) ﴾

( سورة الشورى)

 فالحقيقة أنك حينما تؤمن بحكمة الله تستقبل قضاء الله وقدره بالرضا، وحينما تؤمن بحكمة الله ترضى عنه، وعن حظوظك من الدنيا، وترضى عن كل مصيبةٍ ساقها الله إليك، ولا تشعر إلا أن الذي بك هو أبدع ما يكون، وتقول مع بعض الأئمة العظام: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
 والإنسان أيها الأخوة إذا آمن بحكمة الله صان صحَّته من العطب، وإذا توهَّم أن هذا الذي أتاه ليـته لم يأتِ، وأن هذا لو لم يأتِ لكان كذا وكذا، فهذا التفكير ليس سليماً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَني فَعَلْتُ كَذَا كانَ كَذَا وَكَذَا، وَ لَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَما شاء فَعَلَ، فإنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَملَ الشَّيْطانِ))

 

( رواه مسلم عن أبي هريرة )

 فمعرفة أسماء الله الحسنى شيءٌ أساسيٌ جداً في عقيدة المؤمن، وإذا قلت: الله خالق الكون. فهذا لا يكفي و أن تؤمن بوجوده، وبأنه هو الخالق، وهو الرب فهذا لا يكفي، والدليل أن إبليس قال:

﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) ﴾

( سورة ص )

الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله فهذا إيمان لا يقدم و لا يؤخر:

 الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله ليس كافياً، بل لابدَّ من إيمانٍ يحدث فيك تأثيراً.
 فدائماً أيها الأخوة هذه القاعدة أساسيَّة: ومعتقدك إذا بقي في معزلٍ عن سلوكك فهذا المعتقد غير كافٍ. والمعتقد الصحيح هو الذي يفعل فعله في سلوكك، فأنت في اللحظة التي تتريَّث تقول: هذا لا أفعله لأنه لا يرضي الله، وهذا أفعله لأنه يرضي الله، فالآن إيمانك فعل فعله فيك، أما إذا كان إيمانك لا يقوى على توجيه سلوكك فهذا الإيمان لا يكفي، ولذلك ابحث عن إيمانٍ يكفي، ويكون له أثرٌ واضحٌ في مواقفك، أما إن لم تكن المواقف متأثِّرة بالإيمان فهذه المعتقدات أو هذا الإيمان لا يقدِّم ولا يؤخِّر، والعبرة أن يكون عملك صالحاً، ولا يكون عملك صالحاً إلا إذا عرفت الله المعرفة الكافية، لا أقول: المعرفة المطلقة.لأن المعرفة المطلقة ليست في مقدور أحد، إذ لا يعرف الله إلا الله، لكن المعرفة الكافية التي تحملك على طاعة الله، فمادامت معارفك، ومعتقداتك، ويقينيَّاتك تحملك على طاعة الله، كترك الحرام وأخذ الحلال، فالآن مبدئياً هذه العقيدة جيَّدة وكافية لاستقامتك على أمر الله.

الحسد والضيق واليأس مشاعر ناتجة عن ضعف الإيمان:

 الإنسان إذا ضعفت معرفته بالله ضاقت نفسه، وتبرَّم من حياته، وألجأه ضعفه في إيمانه إلى متاعب كثيرة جداً، فيقع في الحسد، والضيق، واليأس، والتشاؤم، والضجر، وفي الشعور بالقهر، والشعور بالظلم، فهذه كلها مشاعر ناتجة عن ضعف الإيمان، أما إذا آمنت بالله حقَّ الإيمان ورأيته هو المتصرِّف، وهو الحكيم، والقدير، والفعَّال، والغني، و السميع، والمجيب، والعليم، والرقيب، والقريب، وهو الذي إذا ناديته قال: لبَّيك يا عبدي. وإذا تعاملت معه بهذه الطريقة، طريقة المعرفة، والسؤال، والدعاء، والجواب حُلَّت كل مشكلاتك.

ملكية الله عزَّ وجل للسماوات والأرض:

 أيها الأخوة... أنت في مُلْك الله عزَّ وجل وأنت مِلْكُ الله، يقول الله عزَّ وجل:

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(4) ﴾

( سورة الشورى)

﴿له﴾

 هذه اللام كما قال عنها علماء اللغة: لام المُلكيَّة. أي أن هذا الكون كلَّه بسماواته وأرضه له إيجاداً وتصرُّفاً ومصيراً، فهو الذي أوجده، وهو الذي يتصرَّف به، وإليه مصيره. فإذا قلنا: له. هكذا، ملكية الله عزَّ وجل للسماوات والأرض، ولمن في السماوات والأرض ملكيَّةٌ تامَّة كاملة، أوجده، ويتصرَّف به وإليه مصيره.
 فأين المفر ؟ لو أنك عصيت الله عزَّ وجل فأنت في قبضته، ودائماً في قبضته، وخللٌ بسيطٌ جداً جداً في جسم الإنسان يجعل حياته جحيماً، والمال عندئذٍ لا يقدِّم ولا يؤخِّر، ولا ينفع ولا يغني، فأنت إذا عرفت أنك في ملكه، فهل يعقل أن تكون في ملكه وأن تعصيه ؟! هل يعقل أن تزور شخصاً في بيته وأنت تحت إشرافه وسيطرته، وأن تستفزه ؟! فمادمت في ملكه لابدَّ من أن تطيعه، مادمت في ملكه فهو رقيبٌ عليك، وسيحاسبك، فهو يعلم سرَّك ونجواك، سرَّك وعلانيَّتك، كلمة:

﴿ لَهُ ﴾

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (4) ﴾

( سورة الشورى)

 إنه هو الذي أوجدها، وهو الذي يتصرَّف بها، وإليه مصيرنا جميعاً بدءاً من الفيروسات وانتهاءً بالمجرَّات.
فالمجرَّة التي تبعد عنَّا خمسة وعشرين ألف مليون سنة ضوئيَّة له إيجاداً وتصرُّفاً ومصيراً، والفيروسات التي لا تُرى إلا بالمجاهر الإلكترونيَّة التي تكبِّر الشيء ثلاثمئة، أربعمئة ألف مرَّة هذه له أيضاً، وأدق من الفيروس الذرَّة، وبالتعبير الشائع من الذرَّة إلى المجرَّة له، وأنت من هذه المخلوقات.

 

العاقل من يطيع الله عز وجل و يشكر نعمه:

 

 القصد أيها الأخ الكريم أن تشعر أنك في ملكه، وأنك في قبضته، فهو الذي خلقك، وهو قادرٌ في كل لحظةٍ على أن يتصرَّف بك، إسعاداً أو إشقاءً، إعطاءً أو حرماناً، إكراماً أو إهانةً، إما أن يرحمك أو أن يعذِّبك، إما أن ييسِّر لك الأمور أو أن يعسِّرها أمامك، وإما أن يعطيك أو أن يمنعك، وإما أن يسعدك أو أن يشقيك، أنت في قبضته وفي ملكه.
 فالشيء الطبيعي المنطقي المعقول أن تطيعه، تعصيه وأنت في ملكه ؟! أم تعصيه وأنت في قبضته ؟! أم تعصيه وإليه مصيرك ؟! وكيف تعصيه وقد خلقك ؟ ويعلم سرَّك وجهرك ؟ ولا يعزب عنه شيءٌ من أمرك ؟!
 ورد في بعض الأقوال عن سيدنا بلال فيما أذكر:" لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت ". فالإنسان حينما يعصي الله عزَّ وجل يجترئ على خالق السماوات والأرض، كأنه يستهين بمراقبة الله له، كأنه يستهين بوعيد الله له، ويستهين بهذا الشرع العظيم الذي أُنزِل من أجله، فلذلك كلمة له في قوله تعالى:

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (4) ﴾

( سورة الشورى)

 أي أنت في ملكه. وكل أعضائك في ملكه ؛ عينك في ملكه. وهناك رجل نال شهادة عُليا من بلد أجنبي، وعُيِّن في منصب رفيع جداًَ، ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل فَقَدَ بصره، أجرى عمليَّة أو عمليتين، انتهت العمليتان بفقد بصره، ولقد جاءه البريد إلى البيت خلال شهر مع موظَّف يقول له: يا سيدي هذه المعاملة كذا وكذا، ما توجيهك ؟ يقول له: موافق أو غير موافق، ثم سُرِّحَ من منصبه، يقول لأحد أصدقائه: والله يا فلان أتمنَّى أن أجلس على الرصيف أتكفَّف الناس، وليس على كتفي إلا هذا الرداء، وأن يُردَّ إليَّ بصري.

الإنسان كلَّما ارتقى يتعرَّف إلى نعم الله بوجودها لا بفقدها:

 عينك بملكه، والأذن بملكه، واللسان بملكه، والعقل كذلك ولماذا وزَّع الله هؤلاء المختلين في أكثر أماكن البلد ؟ بكل منطقة يوجد واحد منهم مختلاً عقلياً، ما فائدة ذلك ؟ من أجل أن تعرف نعمة العقل، كيف أن عقلك برأسك متوازن، تتكلَّم الكلمة المناسبة، تتحرَّك الحركة المناسبة، تقف الموقف الملائم، هذا دليل أنه يوجد عقل برأس الإنسان، لو لم يكن هناك عقل برأسه لأصبح أضحوكةً بين الناس، إذاً يا ربي عرَّفنا نعمك بكثرتها لا بزوالها. الإنسان كلَّما ارتقى يتعرَّف إلى نعم الله بوجودها لا بفقدها.
 والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أفرغ مثانته يقول:

(( الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأمسك علي ما ينفعني ))

( الجامع الصغير: عن " طاووس مرسلا " )

 فعمل الكليتين عمل عظيم، تعملان بصمت، وهدوء من دون جلسات ثماني ساعات، من دون اصطفاف بالدور في المستشفيات، وبلا دفع مبالغ طائلة، ولا آلام لا تُحتمل، كليتان تعملان بصمت، إنهما صغيرتان، هادئتان، وكل كلية فيها طاقة تصفية عشرة أضعاف حاجتك، فالكلية نعمة كبيرة جداً.
 والكبد له خمسمئة وظيفة، يعمل بانتظام وكذلك المعدة، والأمعاء، والقلب، والرئتين، والبنكرياس.
 فاليوم ذكرت في الخطبة أن وزن البنكرياس خمسة وتسعون غراماً، يقوم بوظيفتين خطيرتين، الأولى إفراز مواد هاضمة مؤلَّفة من أنزيمات معقَّدة جداً وخطيرة جداً، والوظيفة الثانية فيه جزر، فيه من اثنين إلى ثلاثة ملايين جزيرة، ومقياس كل جزيرة مئتا ميكرون، كل الجزر وزنها واحد بالمئة من وزن البنكرياس أي وزنها غرام، فثلاثة الملايين جزيرة وزنها غرام واحد، ثلاث خلايا: خلايا إلفا، وبتَّا، وخلايا من نوع ثالث، أول خليَّة تفرز مادَّة مضادَّة للأنسولين، إذا هبط مستوى السكر في الدم تحث الكبد على طرح كميات من السكر زائدة، والخليَّة الثانية تفرز أنسولين، هذا إذا نقص في الإنسان يصاب بمرض السكر، والثالثة لم تعرف وظيفتها إلى الآن، ولو اختلَّت هذه الخلايا لأصبحت حياة الإنسان جحيماً.
 فأنت في ملكه ؛ فالبنكرياس، الكظر، الغدَّة النخاميَّة التي وزنها نصف غرام تفرز اثني عشر هرموناً، وكل هرمون تتوقَّف حياتك الفيزيولوجيَّة عليه.

العاقل من استخدم نِعم الله عز وجل في طاعته:

 لا أريد أن أفصِّل أكثر من ذلك، ولكنني أريد أن يتحسس أحدكم ما معنى أنه في ملك الله ؟ إذا كانت عيناه سليمتين، أذناه سليمتين، ولسانه يتحرَّك بانتظام، وبلعومه يعمل بشكل طبيعي، ومستقيمه يعمل بشكل طبيعي، وأمعاؤه، و معدته، والبنكرياس، والنخاميَّة، والدرقيَّة هذه كلها تعمل بانتظام، هذه نعمة كبيرة جداً، أنت في ملكه، فإذا شكرت الله على سلامتك ليزيدنَّك صحَّةً إلى صحَّة، وقوَّةً إلى قوَّة، وتوفيقاً إلى توفيق، أما إذا كفرت هذه النعم وعصيت الله بها، فأصعب شيء أن تعصي الله بنعمٍ أنعم الله بها عليك، وأكمل شيء أن تستخدم النعم في طاعة الله، فعندئذٍ رضي الله عنك.

تسبيح السماوات و الأرض بالله عز وجل:

 الآن الآية:

﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ (5) ﴾

( سورة الشورى)

 التفطُّر التشقُّق، فهذه السماوات هي جوامد، لكن ربنا عزَّ وجل قال:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

( سورة الإسراء: من آية " 44 " )

 ومعنى هذا أن هذه الجمادات، والأقمار، والمجرَّات، والكواكب السيَّارة، والكواكب والنجوم، والكازارات، والمذنَّبات، وهذه السماوات الجمادات، وهذه الأرض وما فيها من جبال، ووديان، وصحارى، وأغوار، وشواطئ، وبحار، وبحيرات، وأسماك، وأطيار، وحيوانات، هذه السماوات والأرض تسبِّح الله سبحانه وتعالى أولاً، بالدليل القطعي..

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

( سورة الإسراء: من آية " 44 " )

عرض الأمانة على السماوات و الأرض:

 وقال الله عزَّ وجل:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾

( سورة الأحزاب: من آية" 72 " )

 ومعنى ذلك أن هذه السماوات والأرض عُرِضت عليها أن تحمل الأمانة فأبت وأشفقت من حملها، وهذه السماوات والأرض إن رأت غفلة الإنسان، وانقطاعه عن ربِّه، وشروده عن شرعه، وشقاءه في البُعد عن الله، بل إن رأت معصيته، وكفره، وجحوده، وفجوره، وجريمته، فهذه السماوات والأرض تكاد تتفطَّر من هول جريمة الإنسان، من شذوذه، ومن كفره، من انحرافه. وهذا المعنى مأخوذ من آية أخرى في سورة مريم:

﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾

( سورة مريم: من آية " 90 " )

 بآخر مريم تأتي آيةٌ تفسِّر معنى التفطُّر هنا، حينما يدعو الإنسان مع الله إلهاً آخر، أو حينما يقول: إن لله ولداً، إذا قال هذا الكلام..

﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ (5) ﴾

( سورة الشورى)

 للمؤمنين هؤلاء الذين آمنوا بالله عزَّ وجل، وكانت لهم أعمالٌ قبل إيمانهم، الملائكة يستغفرون للمؤمنين..

 

توعد الله عز وجل الإنسان العاصي بالعذاب الشديد:

 

﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(5) ﴾

( سورة الشورى)

 والشيء الأساسي أنه من أسماء ربنا عزَّ وجل أنه الغفور، فمهما كنت تحمل من خطايا فالتوبة مقبولة..

﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

( سورة الزمر: من آية " 53 " )

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ(50) ﴾

( سورة الحجر )

 لكن عندما قال الله عزَّ وجل:

﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

( سورة الزمر: من آية " 53 " )

 قال..

 

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ(54) ﴾

 

( سورة الزمر )

 قد يأتي العذاب إن لم تتب إلى الله عزَّ وجل.

باب التوبة مفتوح مادام في الحياة فُسحة:

 إذاً أيها الأخوة ما دمنا أحياء، مادام القلب ينبض، مادام في الحياة فُسحة، مادام الإنسان يتنفَّس باب التوبة مفتوح، وباب المغفرة مفتوح، وباب العطاء مفتوح، إذاً:

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(5)وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(6)﴾

( سورة الشورى)

 فحينما يتخذ الإنسان ولياً من دون الله، ويتحرَّك بتوجيه من لا يعرف الله، وينفِّذ نصيحة إنسانٍ جاهل، ويُرضي مخلوقاً ويعصي خالقه، ويطيع ضعيفاً ويعصي القوي، ويطيع الفاني ويعصي الأبدي، قال:

 

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ (6) ﴾

 

( سورة الشورى)

 أي يحفظ لهم أعمالهم كلَّها، يسجِّلها عليهم، وكلَّها تحت مراقبته، وهي محفوظةٌ عنده..

 

كل إنسان مخير لا مسير:

 

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(6) ﴾

( سورة الشورى)

 فيا محمَّد، لست موكَّلاً عنهم، ولن تحاسب عنهم، لأن كل إنسانٍ أُعطي الاختيار، فالإنسان مخيَّر فإذا فعل شيئاً سيئاً فإنه محاسبٌ عليه..

 

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(6) ﴾

 

( سورة الشورى)

 هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

( سورة القصص: من آية " 56 " )

من الآيات السابقة نجد أن:

1 ـ الوحي ظاهرة مستمرة:

 من هذه الآيات نجد أن العالم مشهود وغيبي، عالم الشهود تتعرَّف إليه من خلال الحواس، فإذا غابت عين الشيء وبقيت آثاره فمن خلال العقل، أما عالم الغيب لا تعرفه إلا بالوحي، أو بالخبر الصادق، والله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يوحي إلى أنبيائه ورسله ليرشدوا الخلق إلى الحق، وإلى سرِّ وجودهم، وطريق سعادتهم. إذاً الوحي ظاهرة مستمرَّة، والوحي ليس جديداً ولا مستحدثاً إنه قديم، مادام الله سبحانه وتعالى قد خلق الخلق ليهديهم إليه، إذاً لابدَّ من أن يوحي إلى أنبيائه.

 

2 ـ ملكيَّة الله سبحانه وتعالى ملكيَّةٌ تامَّة:

 والنقطة الثانية موضوع المُلْكِيَّة، أنت في ملكه، وملكيَّة الله سبحانه وتعالى ملكيَّةٌ تامَّة، أي أنك ملكه خلقاً وتصرُّفاً ومصيراً.

 

مهمة الأنبياء التبليغ و الإنذار و الإنسان مخير بعد ذلك:

 حينما يغفل الإنسان عن ربِّه، ويكفر به، ويجحد نعمته وقد سُخِّر له الكون كله من أجله، عندئذٍ السماوات والأرض يتفطَّرن من فوقهن.
 وأما الذين أشركوا بالله عزَّ وجل، وتحرَّكوا وفق مشيئة غير الله، عصوا ربهم وأطاعوا مخلوقاً ضعيفاً طارئاً في حياتهم، قال هؤلاء..

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(6) ﴾

( سورة الشورى)

 فهم مخيَّرون..

﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(7)

( سورة الرعد )

﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾

( سورة المائدة: من آية " 67 " )

 فعليك أن تبلِّغهم فقط، وعليك أن تنذرهم فقط، وهم مخيَّرون إن أحسنوا فلأنفسهم، وإن أساؤوا فعليها.

 

الكون يتفطَّر عجباً وإنكاراً للإنسان الغافل الشارد عن ربِّه

 

 أيها الأخوة... الآية التي وردت في سورة مريم عن تفطُّر السماوات والأرض، قال تعالى:

﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا(90)أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا(91)وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا(92)إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا(93)﴾

( سورة مريم )

 فهذه الآية تفسِّر هذه الآية التي نحن بصددها وهي:

 

﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ (5) ﴾

 

( سورة الشورى)

 الإنسان إذا انحرف في عقيدته، أو أشرك بالله، أو كفر به، أو انحرف في سلوكه والكون كله مسخَّرٌ له، فعندئذٍ الكون كله يكاد يتفطَّر عجباً وإنكاراً لهذا الإنسان الغافل الشارد عن ربِّه.

 

نزول الوحي باللغة العربية:

 

 ثمَّ يقول الله عزَّ وجل:

﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ِ(7) ﴾

( سورة الشورى)

 فالوحي الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام جاء بلسانٍ عربيٍ مبين..

 

﴿ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا (7) ﴾

 

( سورة الشورى)

 أم القرى هي مكَّة المكرَّمة، ومن حولها هي بقيَّة البلاد، ورسالة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم رسالةٌ للبشريَّة جمعاء، وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين.
 وبالمناسبة أحد كبار الجغرافيين أثبت أن مكَّة المكرَّمة، لو رسمنا القارات الخمس على مسطَّح، وأخذنا أقطار هذه القارات، أي الأطراف الأربعة، وصلنا أول قطر وثاني قطر، لتقاطعت أطراف القارات الخمس هندسياً بدقَّةٍ بالغة في مكَّة المكرَّمة، فمكَّة المكرَّمة هي الوسط الهندسي للقارات الخمس، فقوله تعالى:

﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(7) ﴾

( سورة الشورى)

موضوعات القرآن الكريم واحدة أما أساليبها و لغاتها فمختلفة:

 القرآن الكريم له موضوعات كبرى، فما هي ؟ إنها الإيمان بالله ؛ الإيمان به خالقاً ومربياً ومسيِّراً، والإيمان به واحداً، وكاملاً، إذًا الوجود والكمال والوحدانيَّة. الإيمان بنبوَّة الأنبياء موضوع ثان كبير، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالكتب المنزَّلة على رسله. الآن التكاليف ؛ الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ومشاهد الجنَّة ومشاهد النار، هذه موضوعات القرآن الكبرى.
 وفي القرآن الكريم آيات كونيَّة، وآيات تكليفيَّة، وآيات تكوينيَّة، وإيمان بالله، وتوحيد، وبيان لأسمائه الحسنى، وبيان لوحدانيَّته، وبيان لوجوده خالقاً ومربياً ومسيِّراً، وبيان لأنبيائه ولكتبهم، وبيان لليوم الآخر، وتكاليف أمر ونهي، ووعد ووعيد، فهذه موضوعات القرآن الكبرى.
 والعلماء يرجِّحون أن هذه الموضوعات الكبرى لكل الكتب السماويَّة، استنباطاً من كلمة

﴿كذلك يوحى﴾

 فالموضوعات واحدة تقريباً، أما الأساليب مختلفة، واللغات مختلفة بحسب الشعوب التي أُنزلت إليها هذه الكتب.

 

العاقل من يهيئ لله عز وجل جواباً عن كل عمل يقوم به قبل يوم القيامة:

 

 إذاً:

﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(7)﴾

( سورة الشورى)

 الحقيقة أن الإنسان إذا آمن بالله وحده، ولم يؤمن باليوم الآخر لا يستقيم على أمره، أما إذا آمن باليوم الآخر فمعنى ذلك أن كل حركةٍ وسكنةٍ سوف يُسأل عنها يوم القيامة، إذاً عليه أن يهيِّئ الجواب لله عزَّ وجل.

 

نهاية الإنسان إما إلى الجنة أو إلى النار:

 

 إذاً:

﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ِ(7) ﴾

( سورة الشورى)

 ففي هذا اليوم ليس هناك حلٌ ثالث، إما في جنَّةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفذ عذابها..

 

﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(7) ﴾

 

( سورة الشورى)

 وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قوله تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8)﴾

( سورة الشورى)