الدرس : 12 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 39-45 ، سياسة الله مع خلقه

2005-03-11

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الثاني عشر من دروس سورة الأنعام .

مثل المؤمن وغير المؤمن كمثل الحي والميت :

 مع الآية الأربعين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(40)﴾

 والآية التي قبلها :

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)﴾

 أيها الأخوة ، كما أن في عالم المادة هناك نور وظلام ، كذلك في عالم الإيمان ، هناك إنسان يرى وهناك إنسان أعمى ، وإذا وسعنا الدائرة هو أصم عن سماع الحق ، أبكم لا ينطق به ، أعمى لا يرى .

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ (21)﴾

( سورة النحل الآية : 21 )

 مثل الرجل المؤمن وغير المؤمن كمثل الحي والميت ،

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

( سورة فاطر الآية : 22 )

تعريف الحياة والموت في عالم الإيمان :

 أحد العلماء الغربيين ، وهو من كبار علماء الفيزياء يقول : كل من لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون ، رحيمة هي أرحم ما تكون ، عليمة هي أعلم ما تكون ، حكيمة هي أحكم ما تكون ، فهو إنسان حي ولكنه ميت ، هذا المعنى ذكره بعض الشعراء :

 

ليس من مات فاستراح بميت  إنما الميت ميت الأحياء
***

 قد تجد إنساناً يتمتع بأعلى درجة من الحيوية والنشاط والشباب ، ولكنه عند الله ميت ، وقد تجد إنساناً طُرِحتْ عليه الأمراض وهو حي في أعلى درجات النشاط الإيماني .
 يا أيها الأخوة ، الحياة والموت في عالم الإيمان معرفة الله والغفلة عنه ، الحياة والموت في عالم الإيمان اتصال بالله وانقطاع عنه ، الحياة والموت في حياة الإيمان عمل صالح وعمل سيئ ، إقبال وإعراض ، استقامة وانحراف .
 الإنسان له وجود مادي يشبه في هذا الوجود بقية المخلوقات ، وله وجود إنساني هذا الوجود يعني أن يؤمن ، وأن يعرف ربه ، وأن يعرف سر وجوده ، وغاية وجوده ، وأن يتحرك وفق ما خلق له ، فلذلك

 

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ﴾

 لهم آذان موسيقية رائعة ، يستمعون إلى الموسيقى وإلى الغناء ، ويفرقون بين المغنين والمغنيات ، الأحياء منهم والأموات ، ولكنهم صم عن سماع الحق ، ولهم لسان طليق ، أدباء وشعراء ، ينطقون بالشعر والغزل ، وما إلى ذلك ، ولكنهم بكم عن أن ينطقوا بكلمة الحق ، يتواطئون مع الكفار والمشركين ، فيصمت لسانهم عن النطق الحق ، معنى قوله تعالى :

﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾

 أي لا يستمع إلى الحق .

 

ثلاث طرق سالكة لمعرفة الله :

 قال تعالى :

 

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)﴾

( سورة البقرة )

 معنى صم أي : لا يستمع إلى الحق ، جعل الشهوة حجاباً بينه وبين الله ، وحبك الشيء يعمي ويصم ، جعل شهوته ومصلحته وملذته ونزوته وغرائزه حجاباً بينه وبين الله ، أصم لا يستمع الحق ، ولو وصلت موجات أصوات الحق إلى طبلة أذنه لكنه لا يستمع ، لأنّ علامة استماعه مبادرته إلى التطبيق ، علامة استماعه للحق أن يترجم هذا السماع إلى سلوك، وإلى انضباط ، وإلى التزام ، وإلى عمل طيب .

 

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾

 لأن الطريق الوحيد إلى معرفة الله آياته ، والدليل :

 

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)﴾

( سورة الجاثية الآية : 6 )

 لا سبيل إلى معرفة الله إلا من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية ، ثلاث طرق سالكة لمعرفة الله ، أن تتفكر في آياته الكونية ، وفي آياته القرآنية ، وفي آياته التكوينية هم

﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾

 وعمي ، أي

﴿ فِي الظُّلُمَاتِ﴾

 وشتان بين ألا تملك عيناً ، أو أن تكون في مكان مظلم ، النتيجة واحدة ، يستوي المبصر مع الأعمى إذا كان المبصر في مكان مظلم ، لأن العين لا ترى إلا من خلال وسيلة وهي الضوء ، إذاً هو لا يرى الحقائق رؤية ذاتية ، ولا يصغي إلى الحق ، وجاءه من إنسان ، ولا ينطق به ، ولو كان النطق به ضرورة .

 

﴿ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

 الحقيقة أنّ مشيئة الله مرتبطة بأعمال الإنسان .

 

المقدمات لها  نتائج :

 قال تعالى :

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)﴾

( سورة النحل )

 وقال :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)﴾

( سورة المنافقون )

 ما دام هناك فسق ، أو ظلم ، أو كفر ، فهذا الإنسان بعبارة يذكرها العلماء تحصيل حاصل ، فحينما أغلق الباب الخارجي للمسجد فهذا الباب لا معنى له ، ولو كان مفتوحاً ، ما دمت قد أغلقت الباب الخارجي فسواءٌ أغلقته أم لم أغلقه فالمحصلة واحدة ، إذاً الذي جعل شهوته حجاباً بينه وبين الله فهو أصم أبكم أعمى ، هو اختار الشهوة ، إذاً جعل الشهوة حجاباً بينه وبين الله وكأنه أراد الضلالة .
 للتقريب : كل بلد لها نظام معيّن ، لو أن بلداً ما نظامها أن الإنسان لا يعيَّن في وظيفة مرموقة إلا بشهادة عليا ، ليس رائجاً في هذا البلد إلا الوظائف مثلاً ، فعندما يُعرِض الشاب عن الدراسة باختياره وبإصراره فكأنما اختار أن يكون فقيراً ، أو مشرداً ، أو ليس له عمل ، مادامت القناة الوحيدة الصالحة للوظيفة شهادة عليا ، وما دام الشاب أعرض باختياره وبإصراره عن سلوك طريق العلم ، فكأنه أراد أن يكون بلا عمل ، وأن يكون فقيراً كلاً على الناس ، بالضبط كما يختار إنسان السرقة والجريمة ، وحينما يقبض عليه ويعدم كأنه اختار أن تنتهي حياته بالإعدام ، اختياره هذا ، كل مقدمة لها نتيجة ، المقدمات لها نتائج ، أنت إذا اخترت المقدمة أوصلتك حتماً إلى النتائج ، هذا من باب البلاغة ،

﴿ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾

 الإنسان هو الذي شاء الشهوة ، شاء الزنا ، شاء الربا ، شاء السرقة ، شاء أن يخرج عن منهج الله ، وشاء أن يخرج عن مبادئ فطرته ، والنتائج حتمية ، هذه المقدمات لها هذه النتائج فالذي يختار المقدمة هو حكماً اختار معها النتيجة ،

﴿ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾

 ومن يشاء أن يكون تحت مظلة الله عز وجل ، أن يكون في حركته في الحياة وفق منهج الله ، من شاء أن يطلب العلم ، ومن شاء أن يعمل به ، ومن شاء أن يكون عمله صالحاً يبتغي به وجه الله ، شاء الهداية ، وشاء أن يكون على صراط مستقيم ، هذه الآية تفيد أن في الكون قوانين ، المقدمات لها نتائج .

 

ما من عقيدة شلَّت الأمة وجعلتها في مؤخرة الأمم كعقيدة الجبر :

 مرة التقى طبيب بإنسان يدخن ، قال له : أنت ينتهي بك الدخان إلى الجلطة ، أقسم لي بالله أنه بعد ستة أشهر ـ هو طبيب قلب ـ جاءه هذا الإنسان ، وقد أصيب بجلطة في قلبه ، الطبيب لا يعلم الغيب ، لكن يعلم المقدمات والنتائج ، هذا السلوك ينتهي إلى كذا ، أقسم لي طبيب آخر جراح قلب ، قال لي : والله من ثماني سنوات ، وأنا أجري كل يوم عملية قلب ، أقسم بالله ـ مع تأكيد القسم ـ أنه ما أجرى عملية قلب مفتوح إلا لمدخن ، فإذا كان إنسان يبالغ في التدخين ، وقال له الطبيب : أنت اخترت الجلطة ، لأنه هو اختار مقدمة لهذه النتيجة ، هذا المعنى بالذات ، اختار مقدمة ، والمقدمة تنتهي إلى هذه النتيجة ، فهذا معنى قوله تعالى :

 

﴿ مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(39)﴾

 أقول لكم أيها الأخوة ، وأعني نفسي أيضاً ثم إياكم : إياكم أن تتهموا أن الله يجبر عباده على معصيته ، حاشى لله .

﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)﴾

( سورة الأعراف )

 ما من عقيدة شلَّت الأمة وجعلتها في مؤخرة الأمم كعقيدة الجبر :

 

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له  إيّاك إياك أن تبتل بالماء
***

 

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)﴾

( سورة الكهف الآية : 29 )

آيات من القرآن الكريم عن عظمة الله سبحانه :

 ذكرت هذا التعقيد لئلا يتوهم متوهم أن الله قال :

﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْه﴾

 لماذا أضله ؟ إله عظيم .

 

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

( سورة سبأ )

 إله عظيم :

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾

( سورة الزلزلة )

 إله عظيم يقول :

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

( سورة السجد )

 إله عظيم يقول :

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾

( سورة القلم )

 إله عظيم يقول :

 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

( سورة القصص )

 إله عظيم يقول :

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

( سورة الجاثية )

علينا فهم الآيات كما أراد الله عز وجل :

 قال تعالى :

 

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)﴾

( سورة البقرة الآية : 148 )

 وقال :

 

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

( سورة الإنسان )

 وقال :

 

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا (148)﴾

( سورة الأنعام الآية : 148 )

 لا ينبغي أن نفهم هذه الآيات على غير ما أراد الله عز وجل ،

﴿ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾

 بمعنى من مشى في أسباب الضلالة فالنتيجة محققة ، ومن مشى في أسباب النجاة والفلاح فالنتيجة محققة ، وفي عالمنا الدنيوي ، في المجتمع المدني ، مواطن مستقيم لا يخالف القوانين ويدفع الضرائب ، حر طليق ، مواطن يخالف القوانين ويقترف الجرائم ، في السجن ، في المجتمع المدني ، هل يعقل أن نقول : إن الدولة أرادته أن يكون في السجن ، الدولة لا تفعلها ، نقول له : هو في السجن ، لأنه ارتكب جريمة قتل ، إذاً هو في السجن ، إذاً :

﴿ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

الآية التالية تبين أن الإيمان في الأصل فطري :

 الآن هناك آية تؤكد أن الإيمان في الأصل فطري ، تصور فريقاً من الخبراء من بلد في الماضي كان يؤمن بأنه لا يوجد إله ـ هم ملحدون ـ ركبوا طائرة ، ودخلت في غيمة مكهربة ، فاختل توازنها ، وكادت تسقط ، فإذا بكل هؤلاء الخبراء الملحدون يقولون : يا الله ، معنى ذلك أن الإيمان فطري ، وهذا المعنى ورد في القرآن كثيراً ، أيّ إنسان مهما بدا فاسقاً فاجراً منحرفاً حينما يأتيه الخطر يقول : يا الله ، إذاً يقول الله عز وجل :

 

﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40)﴾

( سورة الأنعام )

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ﴾

 أي أرأيتم أنفسكم ، سمعت أنه في بلد مسلم أصابه زلزال ، فالمساجد عقب الزلزال ، الحرم والصحن في الأوقات الخمس ممتلئة ، معنى ذلك أنهم علموا أن هذا الزلزال عقاب لهم على فسقهم ، وانحرافهم ، وفجورهم ، فهناك إيمان فطري ، فهذا الذي يدعي أنه إنسان علماني ، وإنسان موضوعي ، وإنسان يؤمن بالعلم فقط ، والدين خرافة، والدين ضبابيات ، والدين غيبيات ، والدين عادات وتقاليد ، حينما يشعر أن فيه ورم خبيث ، والتقرير أمامه ، يا رب ، لا إله غيرك ، اختلف وضعه ، ما أجمل أن تكون صحيحاً قوياً معافى ، وأن تقول : يا رب ، هذه بطولتك ، أيّ إنسان كائناً من كان عقب المصيبة يخضع لله لكن هذا خضوع المضطر ، أما إذا كنت حراً وأنت صحيح ، قوي ، غني ، معافى ، شاب ، لا تشكو شيئاً ، يا رب ليس لي غيرك ، فخضوعك لله وأنت قوي ، صحيح ، شاب ، بطولة ، لكن كل إنسان بعد الورم الخبيث ، وبعد تشمع الكبد ، وبعد الفشل الكلوي ، يقول : يا رب ، طبعاً يا رب ، لأنه لا إله غيره ، هذا صبر المكره ، فما أجمل الإنسان أن يعرف الله وهو في الرخاء ، ما أجمله أن تأتي بيته وأنت صحيح معافى .

 

علينا أن نعرف الله في الرخاء لا بعد الشدة :

 والله أيها الأخوة ، أنا اطلعت على إخوة كثيرين ، هم طيبون ، لكن إقبالهم على الله بدأ بعد المصيبة ، على كل حال جيد ، لأنه من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر .
 كان أحدهم إنساناً شارداً عن الله شروداً بعيداً ، جاءته أزمة قلبية وهو في ريعان القوة ، والغنى ، والعلاقات ، والاتصالات ، فأُدخل إلى المستشفى في العناية المشددة ، وغلب على يقينه أنه ميت ، ولن يعود إلى البيت ، فناجى ربه ، وقال : يا رب ، أتحب أن ألقاك بلا ثياب ، أعطني مهلة ، فلعلي أتوب إليك ، الله عز وجل أعطاه مهلة ، وذاق طعم القرب ، يقول لي : في ساعة من ساعات المناجاة ، قلت : يا رب ، كل هذه السعادة بسبب هذا المرض الذي ألمَّ بي ؟‍ وكان سبب توبتي إليك ، لمَ لم يكن هذا المرض قبل عشر سنوات ؟!!
 أحياناً الله يتدخل تدخّلاً لصالح العبد ، يكون غافلاً ، شارداً ، ساهياً ، لاهياً ، الدنيا أخذته ، المال يعبده من دون الله ، يعبد شهوته من دون الله ، فإذا جاء ما يحول بينه وبين شهوته يتوب ، وقد قال الله عز وجل :

 

﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ (54)﴾

( سورة سبأ )

 حينما يحال بينه وبين شهوته يعلم أن الله حق ، أنا أتمنى على إخوتي الكرام ، وأخاطب نفسي معهم أن نعرفه في الرخاء ، فالموقف مشرف أن تعرفه في الرخاء ، لا أن تعرفه عقب الشدة ، على كلٍ بعد الشدة لو عرفته وتبت إليه جيد جداً ، لكن شتان بين من عرفه في الرخاء ، وبين من عرفه بعد الشدة ،

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ﴾

  أرأيتم أنفسكم ،

﴿ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

  هذا هو الإيمان الفطري .
 الإيمان أيها الأخوة ، الإيمان واقع لا محال ، لكن قد يقع بعد فوات الأوان ، ولا قيمة له إطلاقاً ، أنا أؤكد لكم أنه ما من إنسان على وجه الأرض الستة آلاف مليون عند الموت يؤمنون بما جاء به الأنبياء ، قولاً واحداً ، ولكن هذا الإيمان لا ينفعهم ، إذاً خيارنا مع الإيمان خيار وقت فقط .

 

إن كنت مفتقراً إلى الله وأنت في الرخاء تكن أقوى الناس :

 قال تعالى :

 

﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)﴾

﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾

 وحده ، التوحيد فطري مغروس في أعماق الإنسان ، لكن لا يظهر إلا عند الشدة ، أما في الرخاء تقول : زيد وعبيد ، وفلان وعلان ، وحجمي المالي كبير ، وخبرتي المتراكمة ، وأنا ابن عائلة ، وأنا كذا ، هذا كله في الرخاء ، تأتي الشدة ، يا رب ، لا إله غيرك ، فأنت إن كنت مفتقراً إلى الله وأنت في الرخاء تكون أقوى الناس ، إن افتقرت إلى الله وأنت في الرخاء تكون أعلم الناس ، إن افتقرت إلى الله وأنت في الرخاء تكن أغنى الناس ، تكون أحكم الناس إن افتقرت إلى الله وأنت في الرخاء ، فكل إنسان يفتقر إلى الله في الشدة .

 

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)﴾

 ثمة أمم فسقت ، وفجرت ، وأشركت ، وكفرت ، بل وأنكرت وجود الله أصلاً ، لأن هذه الأمم مدعوة إلى الله عز وجل ، وخلقت لتعرفه ، وخلقت للجنة ، لم يخلق الله مخلوقاً إلا للسعادة .

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119)﴾

( سورة هود الآية : 119 )

 هذه الأمم التي أرسل الله إليها البأساء والضراء لأنها شردت عن الله عز وجل ساق لها هذه العلاجات التربوية .

 

سياسة الله عز وجل مع خلقه أربع مراحل :

 كلكم يعلم أيها الأخوة أن الله عز وجل سياسته مع خلقه أربع مراحل ، أول مرحلة هي أجمل مرحلة ، وأسلم مرحلة ، وألطف مرحلة ، يدعوك دعوة بيانية تسمع درساً ، تسمع خطبة ، تقرأ كتاباً ، تسمع شريطاً ، تسمع موعظة ، تسمع نصيحة ، وأنت صحيح ، معافى ، قوي ، غني ، ليس عندك مشكلة ، هذه الدعوة البيانية ، هذه ألطف دعوة ، وأكمل دعوة ، وأنعم دعوة ، فالموقف الكامل منها أن تستجيب لله .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24)﴾

( سورة الأنفال الآية : 24)

 كي تعيش الحياة التي خلقت من أجلها ، كي يحيا قلبك ، كي تحيا نفسك ، كي تحيا بقربك من الله ، فالإنسان لم يستجب ، ما دام لم يستجب يخضعه الله لتربية ، أو لإجراء آخر ، يسوق له شدة ، هذا يسمى التأديب التربوي .

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

( سورة السجدة )

 في الدعوة البيانية ينبغي أن تستجيب ، وفي التأديب التربوي ينبغي أن تتوب ، ما تاب الإنسان ، ولا استجاب ، فعندنا مرحلة ثالثة لكنها خطيرة ، الإكرام الاستدراجي ، يعطيه الدنيا ، كما تشاء ، أموال ، وصحة ، ومكانة ، وشبكة علاقات ، ما شكر ! بقي آخر حل ، القصم ، الدعوة البيانية ، أكمل موقف منها الاستجابة ، التأديب التربوي أكمل موقف فيه التوبة ، الإكرام الاستدراجي أكمل موقف فيه الشكر ، فهو لا استجاب ولم يتب ولم يشكر .

 

ما دامت الشدائد التي تحيط بنا حوافز إلى الله ومادام هناك بقية حياة فهذه البقية نعمة :

 قال تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

( سورة الأنعام )

 تسمعون عالَم غني ، قوي ، متغطرس ، متكبر ، يكيل بمليون مكيال ، وأقوياء ، وأغنياء ، وأذكياء ، وحياتهم مرفهة ،

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

 مال ، نساء ، بلاد جميلة خضراء ، غطرسة ، كبر ، هذه الثالثة الإكرام الاستدراجي

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

 فنحن ما دمنا في العناية المشددة ، وما دامت الشدائد التي تحيط بنا حوافز إلى الله ، مادام هناك بقية حياة ، بقية خوف من الله ، بقية رحمة ، بقية إنصاف ، بقية صدق ، بقية أمانة ، بقية عفة ، بقية محبة ، فهذه البقايا نعمة لأن ثمة حياة .
 الآن الطبيب ينظر إلى مريض ، يظنه مات ، يمسك النبض ، يدقق ، ليس فيه حركة ، كل واحد منا يضع يده على مكان شريان يشعر بالنبض ، فالطبيب يضع يده على شريان في المعصم ، لا حركة ، قد يكون القلب نبضه ضعيف جداً ، يأتي بمرآة يضعها أمام أنفه ، إذا ظهر عليها بخار ماء فهو يتنفس ، ليس ثمة بخار ماء يأتي بمصباح شديد ، يفتح عينه ، ويضيء المصباح ، إذا كانت الحدقة صغرى فهناك ردود فعل ، لا الحدقة صغرت ، ولا المرآة انطبع عليها بخار الماء ، وليس هناك نبض ، يقول : عظم الله أجركم ، ميت ، هكذا الوضع ،

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾

 هذا التأديب التربوي ، الأكمل :

 

﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)﴾

بطولتنا ألا نصل مع الله إلى طريق مسدود :

 الزلزال الذي حصل في شرق آسيا ، أيّ طرحٍ أن هذا عقاب من الله ، وتأديب ، وهذه السواحل فيها فسق ، وفجور ، وفيها ثمانمئة ألف غلام للفجور بهم ، وفيها كل أنواع المعاصي التي تحرمها الشرائع الثلاث ، لا يرضى أن يكون هذا الطرح إلا أن يكون اصطدام لوحين مسبب هذه الكارثة ، أيّ طرح توحيدي سماوي مرفوض ، وأي طرح شركي أرضي مقبول ، فلذلك :

 

﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

 أنا سمعت أن الذين ـ والعياذ بالله ـ يتعاطون الحشيش يشترون قطعة غالية جداً يأخذها أحدهم فيشعر أنه يحلق في الأجواء ، أي صوت عنيف يطير له ، فجأة هذا الإنسان عندما يكون بعيداً عن الله يكون غنياً وقويّاً ، والأمور كلها بين يديك ، والملذات ، والشهوات تأتيه مصيبة ، ويجد نفسه في قبضة الله عز وجل . نحن بطولتنا أيها الأخوة ، ألا نصل مع الله إلى طريق مسدود .

كل إنسان يموت على نيته :

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

 للتوضيح ، وقد ذكرت هذا مراراً ، ما كل من هلك في زلزال آسيا غير مؤمن ، كل إنسان يموت على نيته ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله تعالى إذا أنزل سطوته على أهل نقمته فوافت آجال قوم صالحين فأهلكوا بهلاكهم ، ثم يبعثون على نياتهم وأعمالهم ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها ]

 هذا موضوع ثانٍ ، التعميم من العمى ، ما كل إنسان أهلك بزلزال ليس مؤمناً ، قد يكون هناك مؤمنون ، قد يكون هناك غير مؤمنين ، مصيبة واحدة لبعضهم عقاب ، ولبعضهم امتحان ، ولبعضهم ترقية .

 

دائماً دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان :

 قال تعالى :

 

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾

 هذا الظلم مرتعه وخيم ، والله عز وجل يقول :

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ (12)﴾

( سورة آل عمران الآية : 12 )

 لكن دائماً دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان ، يخاطب الله نبيه e .

 

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ (46)﴾

( سورة يونس الآية : 46 )

 معنى ذلك حتى النبي الكريم ، وهو سيد الخلق وحبيب الحق ، قد لا يمتع عينيه بنصر الله عز وجل ، نحن مؤمنون وصابرون ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا ويحفظ بلادنا من كل مكروه .