الدرس : 15 - سورة غافر - تفسير الآيات57 - 59

1993-09-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من سورة غافر، ومع الآية السابعة والخمسين، وهي قوله تعالى:

﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

 لهذه الآية معانٍ عدَّة، من أبرز معانيها:

المعنى الأول:

 أن الله سبحانه وتعالى يبيِّن للناس أنكم إذا أنكرتم البعث ـ بعث الأجساد يوم القيامة لتحاسبوا على كل ما فعلته أيديكم في الدنيا ـ إذا أنكرتم البعث، لاستحالة البعث في نظركم فهذا إنكارٌ موهوم، لأن الذي خلق السماوات والأرض قادرٌ على أن يُعيد هذه الأجساد إلى ما كانت عليه، وقادرٌ على أن يحاسبها، لأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.
 هناك قريبا من مليون مليُون مجرَّة، وإذا كان في المجرَّة قريبا من مليون مليون نجم، وبعض النجوم يكبُر الشمس بملايين المرَّات، وبعض النجوم يتِّسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، ونجومٌ لا يعلم عددها إلا الله، والكائنات في تنوُّعٍ عجيب، ولقد قرأت قبل أيام كلمة أن هناك مائتي مليون نوع من الكائنات الحيَّة.

﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 هذا هو المعنى الأول.

المعنى الثاني:

 أما المعنى الثاني: أنه إذا قلنا: إنّ الإنسان قد صنع هذا الشيء فهو إذًا صانع، إذا وازنَّا بين صنعة الإنسان وصنعة الله عزَّ وجل فهناك فرقٌ كبير، فالكُلية الاصطناعيَّة لها حجمٌ كبير يزيد على حجم هذه الطاولة، والإنسان يحتاج إلى أن يبقى ثماني ساعات لينظَّف دمه في عملية غسيل من حمض البول، ويحتاج هذا في الأسبوع مرَّتين، يُعطَّل عن عمله، ويدفع أجراً باهظاً، وهذه الكلية الصناعيَّة لا ترقى إلى الطبيعيَّة إطلاقاً، فلابدَّ من أن يبقى من حمض البول نسبة في الدم لا تستطيع الكلية الصناعيَّة أن تنقي الدم منها.
 لكن الكلية الطبيعيَّة، وللإنسان كليتان صغيرتان تعملان بلا صوت، فيهما طاقةٌ للتصفية تزيد عشرين ضعفاً على حاجة الإنسان، أي أن كل كلية حجم تصفيتها عشرة أمثال حاجة الإنسان، تعملان بلا صوت، بلا ألم، بلا تعطيل.
وازن بين هذه العين وآلة التصوير، بينهما مسافةٌ كبيرةٌ جداً، هذه العين تلتقط الصور آناً بعد آن، مباشرةً، وتراها بحجمها الطبيعي، وبألوانها الزاهية دون أن تحتاج إلى سحب الفيلم، وطبع الفيلم، وتحميض الفيلم، مباشرةً بالحجم الطبيعي، ولو أتيت بأرقى آلة تصوير لما أمكنك أن ترى هذه الألوان الدقيقة التي في وجوه الناس، والعين البشرَّية ترى من اللون الواحد ثمانمائة ألف درجة، أي لو درَّجنا اللون الأخضر ثمانمائة ألف درجة لأدركت العين الصحيحة السليمة الفرق بين درجتين، دقَّةٌ ما بعدها دقَّة، وتنوُّعٌ ما بعده تنوُّع.
 يكفي أن العين البشريَّة فيها عملية المطابقة التي يعجز عن تصوُّرها الإنسان، عدسةٌ مرنة يزداد تحدبها، أو يزداد انبساطها، حيث إن خيال الشيء المنظور يبقى على الشبكيَّة دائماً، وعمليَّة المُطابقة عمليَّةٌ تأخذ بالألباب، فلو جئت بعدسة من البلور، ووضعت أمامها شمعة، وضعت خلفها ورقا مقوَّى، وحرَّكت هذه الورقة، إلى أن ترى خيال الشمعة صغيراً ومقلوباً في مكانٍ ما من الورقة، هذا المكان الذي يبعد عن العدسة اسمه المِحْرَق، لو أبعدت هذه الصحيفة من الورق المقوَّى ميليمترًا لأصبح الخيال غير واضحٍ، فكيف أن العين ترى الناس في الطريق يتحرَّكون؟.
 أحياناً تُلاحظُ العينُ الكرةَ في الملعب، وتلاحقها حيثما اتجهت، كيف ترى العين دائماً الأشياء بوضعٍ دقيقٍ صحيحٍ واضح ؟ والشبكيَّة بعدُها ثابت عن العدسة، ولابدَّ أن العدسة هي التي يزداد تحدبها وانبساطها حيث يبقى الخيال على الشبكيَّة دائماً، هذه عملية إدراكها صعب فضلاً عن إحداثها.
 أي شيءٍ إذا أردت أن تتصوَّره.

﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾

 الأجهزة، السمع، البصر، النطق، ولقد قرأت مرةً أنهم لو أرادوا أن يصنعوا حاسوباً أو عقلاً إلكترونياً إن صحَّ التعبير كعقل الإنسان لاحتاجوا إلى أكبر شارع في أكبر مدينة في العالَم، والأبنية على الصفين كلُّها صمَّامات من أجل أن يكون هذا العقل كعقل الإنسان، وجميع العقول التي اخترعوها عقولٌ غبيَّةٌ جداً، لا تستطيع أن تتصرَّف إلا بحسب ما لقَّمتها.
 إذاً: لو أردت أن تمايز بين العقل البشري وهذا العقل ـ الحاسوب ـ الذي صنعه الإنسان لوجدت فرقا كبيرا جداً، يمكن أن تقضي في هذا الموضوع أشهراً عديدةً، بل سنواتٍ وأنت توازن بين صنعة الإنسان وصنعة الواحد الديَّان.
 تبرِّدُ الهواء بأجهزة لها تكاليف باهظة، أثمانها باهظة، والطاقة باهظة، قد تأتِي نسماتٌ عليلة تلغي كل أجهزة التكييف في البلد، يقول لك: نسمات منعشة، إذا أراد ربنا عزَّ وجل أن يجعل النسيم لطيفًا وعليلًا فما هي إلا لحظات يسيرة و يصير الجو لطيفًا إلى حدٍّ قد لا يصدق.
 انظر إلى وردةٍ صناعيَّةٍ من البلاستيك، مهما بالغنا في إتقانها ضع إلى جانبها وردة طبيعيَّة، تشعر بفرقٍ كبيرٍ جداً بين الوردتين، الأولى نابضة بالحياة، تتمنَّى أن تشمَّها، وأن تضمها، والثانية بعد أيامٍ عديدة في البيت تعافُّها، ما دخلت إلى بيت إلا ورأيت أن الذين يضعون الأزهار الصناعيَّة يعافونها بعد فترة، لأنه لا حياة فيها، لكن الأزهار الطبيعيَّة فيها حياة، فيها رائحة، فيها جمال، فيها ألوان دقيقة جداً، هذا شيء لا ينتهي الحديث عنه.

 

﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 على كل، لو أخذنا المعنى الأول، أن الآخرة حق، وأن بعث الناس حق، وأن محاسبة الناس حق لعلمنا أن هذا الموضوع حق، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان خلق عبثاً يعيث المفسدون في الكون كما يشاءون ولا حساب عليهم، يقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 

أكثر الناس غافلون عن مصيرهم في الآخرة:

 لا يعلمون أنهم سوف يحاسبون، لا يعلمون أنهم سوف يدفعون ثمن أخطائهم باهظاً، لا يعلمون أن هناك حياةً أبديَّةً لا نهاية لها، إما في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفد عذابها، لا يعلمون أن كل درهمٍ تأكله حراماً سوف تحاسب عليه، لا يعلمون أن كل نظرةٍ لا يحقُّ لك أن تنظرها سوف تحاسب عليها، لا يعلمون أن كل كلمةٍ تتفوَّهُ بها في حق أخيك من دون دليلٍ، من دون مستندٍ شرعيٍ تحاسب عليها، لا يعلمون أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليجزيَهم على أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شرَّاً فشر.
 إن أردنا المعنى الأول: فالذي خلق السماوات والأرض ظاهرةٌ قدرته، ظاهرٌ علمه، ظاهرةٌ حكمته، والذي خلق السماوات والأرض على عظمها دليل على أنه قويٌ، قديرٌ، غنيٌ، عادلٌ، رحيمٌ، قادرٌ على أن يعيد الأجساد إلى ما كانت عليه، وإلى أن يحاسبها على كل ما اقترفت في الحياة الدنيا.

لا مقارنة بين خلق الله وصنع الإنسان:

 وإن أردت أن تفهم الآية فهماً آخر، أنك إذا وازنت بين خلق السماوات والأرض وبين صنع الناس ترى البون شاسعاً، والمسافة كبيرةً جداً.
 ثمَّ يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ

1 ـ المؤمن بصير والكافر أعمى:

 أدقُّ وصفٍ للمؤمن أنه بصير، وأبلغ وصفٍ للكافر أنه أعمى، وأنت إذا كنت مبصراً، ورأيت إنسانًا فاقد البصر يتحرَّك في طريقٍ وعرٍ، فيه حفرٌ وأكماتٌ وحشراتٌ، ورأيت كيف أنه يتحرَّك دون هدايةٍ، يتَّجه نحو الحفرة وهو لا يدري، يكاد يصطدم بالشجرة وهو لا يدري، تعرف قيمة البصر، فربنا سبحانه وتعالى أراد أن يُجَسِّد حالة المؤمن بأنه كالبصير، يرى الأشياء على حقيقتها ؛ يراها بأحجامها، وبأشكالها، وبألوانها، وتفاصيلها، يرى الحقيقة، يرى سرَّ وجوده، يرى غاية وجوده، يرى علَّة وجوده، يرى عظمة ربِّه عزَّ وجل، يرى منهج الله الحكيم، يرى ذلك الصراط المستقيم، يعرف أنه إذا خرج عنه سوف يحاسب، وسوف يخسر لأن منهج الله عزَّ وجل فيه بذور نتائجه.
 أحياناً لا ترى علاقةً علميَّةً بين الشيء وما يَتْبَعَهُ، وأحياناً ترى أن هناك علاقة علميَّة، فإذا مسست بإصبعك المدفأة وهي مشتعلة، فمسُّك لهذه المدفأة من نتائجه الحتميَّة احتراق اليد، فاحتراق اليد نتيجةٌ حتميَّةٌ لِمَسِّ المدفأة، نقول: بين المسِّ والاحتراق علاقةٌ علميَّةٌ، علاقة سببٍ بنتيجة.

2 ـ كل معصيةٌ هي سببٌ لنتائجها:

 وإذا كنت متعمِّقاً في الدين ترى أن كل معصيةٌ هي سببٌ لنتائجها، فإطلاق البصر سببٌ للشقاء الزوجي، وأكل المال الحرام سببٌ لإتلاف المال، والأمانة سببٌ للغنى، وضبط اللسان سببٌ لسعادة الإنسان، ونزاهة الإنسان سببٌ لرفعته بين الناس، فكل طاعةٍ لها نتيجةٌ نابعةٌ من الطاعة نفسها، وكل معصيةٌ لها نتيجةٌ نابعةٌ من المعصية نفسها، ففي الطاعات بذور النتائج، وفي المعاصي بذور النتائج.

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 أو لا يذكرون، لأن المؤمن بصير والكافر أعمى، لو تخيلنا أن أي مخلوق رأى ما يراه المؤمن لسلك ما يسلكه المؤمن، فالأزمة أزمة علم، فالإنسان بحسب حبِّه لذاته، وحبِّه لوجوده، وحبِّه لسلامة وجوده، وحبِّه لكمال وجوده، وحبِّه لاستمرار وجوده يحرص على سعادته وعلى سلامته، فلو أن مجموعة أشخاص عرفوا المعرفة نفسها لسلكوا السلوك نفسه، فالإنسان بدافع من حرصه على ذاته، على سلامته وعلى سعادته يطبِّق التعليمات، فالأزمة أزمة علم فقط، لذلك: " إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ".
 كل إنسان لو أتيحت له معرفة المؤمن لصار مؤمناً، ولسلك سلوك المؤمن بالتمام والكمال.

3 ـ غضُّ البصر قيد للسلامة لا قيد للحريات:

 أضرب مثلاً من واقع حياتنا الدنيويَّة: لو أنّ طبيبًا هادئًا جداً وضَّح للمريض أن هذه الأكلة هكذا تفعل في جسمك، والملح يرفع ضغط الدم، وبرفع ضغط الدم تصبح معرَّضاً لانفجار شريانٍ في الدماغ، وانفجار شريان في الدماغ يعني سكتة دماغيَّة، مما يعني الموت المحقَّق، فحينما توضِّح للمريض أخطار ارتفاع الضغط، وأخطار استعمال المِلح الزائد بالدليل العقلي يقنع، بدافعٍ من حرصه على حياته، وبدافعٍ من خوفه من أن يصاب بمرضٍ عُضال يتَّبع التعليمات، فالأزمة أزمة علم فقط، وأي إنسان لو أقنعته أن في طاعة الله سعادةً، وفي طاعة الله سلامةً، وفي طاعة الله توازناً، وفي طاعة الله طمأنينةً، أيّ إنسانٍ إذا أقنعته أن أمر الله عزَّ وجل ليس غايتُه حدًّا من حريَّتك، ولكنَّه ضمانٌ لسلامتك يستقيم، وحينما تتحرَّك في حقل تُفاجأ بلوحة كُتِبَ عليها: انتبه حقل ألغام، ممنوع التجاوز، هل تشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة ؟ بالعكس تشعر بامتنان بالغ له، لأنه أراد سلامتك، يقول بعض من زاغ بصره: يا أخي قيَّدونا، هذا ليس قيدًا، فمن يقول لمن وضع لوحةً تنبِّه المارة إلى أن بعد اللوحة حقل ألغام: إن هذا قيد، الذي يقول: إنهم قيَّدونا وضيَّقوا من حريَّتنا، هذا جاهل، أما العاقل فيشكرهم على هذه اللوحة لأنها ضمانٌ لسلامتنا.
 فإذا كنت عاقلاً وفهمت أوامر الدين هذا الفهم فإنك لا ترى أن في غضِّ البصر تقييداً لحريَّتك، بل فيه ضماناً لسلامتك، لا ترى في كسب المال الحلال تضييقًا للمكاسب، بل هو سلامةٌ لها، لا ترى في اختيار الزوجة الصالحة تضييق لمجال الاختيار، لا، إنك تضمن سعادتك الزوجيَّة طوال حياتك حينما تبحث عن امرأةٍ مؤمنةٍ صالحة، فكلَّما ازداد إيمان الإنسان يرى أن أوامر الله عزَّ وجل ونواهيه ضمانٌ لسعادته، وسلامته، وأنه كلَّما ضعف إيمانه يرى أوامر الشرع ثقيلةً عليه، تجده يقول: أوامر الشرع ثقيلة يا أخي، الدين أعباء كله، الإنسان من دون تديُّن، طليق ؛ وفي إطلاقه راحة، هكذا يدعي.
ربنا عزَّ وجل وصف الكافرين بأنهم في ضلال، كلمة ( في ) تشير إلى دخول شيء في شيء، الكافر بارتكابه أغلاطاً كثيرةً ؛ بكسب المال الحرام، بإطلاق شهواته عشوائيًا على عواهنها، لابدَّ من أن يقع في مغبَّة أعماله الشريرة، لابدَّ من أن يقع في فَخ، لابدَّ من أن يقع في مَطَب، لابدَّ من أن يدفع الثمن باهظاً لذلك يشعر بأنه محبوس، إنه مُقَيَّد، إن هذه النفس مقيَّدةٌ بمعصيتها.

﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81) ﴾

( سورة البقرة )

﴿ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(22) ﴾

( سورة الزمر )

 أما المؤمنون:

 

﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 5 )

 الهُدى يرفعهم، الهدى في ظاهره أنه قيود، أما في حقيقته رِفْعَة، وعلو، وسمو، وطلاقة، قال تعالى:

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39) ﴾

 

( سورة المدثر )

 المستقيم عندما قيَّد نفسه ملك حريَّته، والفاسد لما أطلق لشهواته العِنان فَقَدَ حريَّته، أليس هذا واضحاً في المجتمع ؟ الذين يسرقون، أو يزنون، أو يرتكبون الموبقات ثم يُلقى القبض عليهم، ويودعون في السجون سنواتٍ طويلة، هؤلاء ألم يكونوا أحراراً ؟ ولأنهم تحرَّكوا بلا منهج بلا دستور فقدوا حريَّتهم، أما الذين انضبطوا بالمنهج بقوا أحرارًا طوال حياتهم، ففي الحياة مفارقة، كلَّما ضبطت نفسك ضبطاً ذاتياً ملكت حريَّتك، وكلَّما تفلَّتت من قواعد الشرع فقدت حريَّتك، وأبلغ مثل: الذي أمضى حياته في طاعة الله، وفي تحري الحلال، وفي خدمة الخلق، وفي الأمر بالمعروف وفي النهي عن المنكر، وفي تلاوة القرآن، وفي تعلُّم القرآن، وفي تعليم القرآن، الذي أمضى حياته في إطار أباحه الشرع الحنيف، و سمح به، إذا جاءه ملك الموت كيف تكون حاله ؟ يقول له: مرحباً، نحن مشتاقون إلى لقاء الله عزَّ وجل، أما الذي أطلق لشهواته العِنان في الدنيا، إذا جاءه ملك الموت فهو من أشقى الناس، لأن كل هذه الحريَّة الموهومة، والتفلُّت من قواعد الشرع جعلته في قيودٍ ما بعدها قيود، جعلته أسير معاصيه، رهن مخالفاته، إذاً:

 

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

 

4 ـ الناس رجلان مؤمن أو كافر:

 الحقيقة أن التصنيف الدقيق للناس ليس أشكالهم، فمقياس الشكل ليس له قيمة، ولا لمقياس المال قيمة، ولا لمقياس النسب قيمة، ولا لمقياس الذكاء قيمة، ليس لهذه الاعتبارات قيمة تذكر، وإنما المقياس أهو أعمى أم بصير، الأعمى يتحرَّك تحرُّكاً عشوائياً، ولابدَّ من أن يقع في مطَّباتٍ كثيرة، لكن البصير يرى الطريق أمامه واضحاً، يرى الهدف واضحاً فيتحرَّك حركةً صحيحةً.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

 وهذا أبلغ وصف وَصَف به ربنا عزَّ وجل حقيقة المؤمن و الكافر.
 بالمناسبة: ربنا جلَّ جلاله إذا وصف شيئاً وصفه صفةً جامعةً مانعةً، صفةً مترابطةً مع الموصوف ترابطاً وجودياً، المؤمن بصير والكافر أعمى، والدليل كلَّما رأيت كافراً يتحرَّك رأيت في حركاته الحُمْقَ الشديد، والرعونة البالغة، رأيت في حركته انحرافاً عن مبادئ فطرته، انحرافاً عن العدل، انحرافاً عن الرحمة، انحرافاً عن الحكمة، انحرافاً عن الفطرة، قد تعجب، فلك أن تعجب، ولك ألاّ تعجب فهو أعمى، فإذا رأيت أعمى انزلق في الهاوية فهل تغضب عليه ؟ إنك تتألَّم لمصيبته، فالكافر أعمى، وأنا بدوري كلَّما قال لي إنسان: هذا العمل أمعقول أن يفعله فلان ؟ فأين حكمته ؟ أقول له:

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1) ﴾

 

( سورة محمد )

 لأنه انقطع عن الله عزَّ وجل، حرَّكته شهواته، والشهوة عمياء رعناء تدفعه نحو كسب مكاسب أرضيَّة سخيفة، هذه المكاسب الأرضية السخيفة تجعله معرَّضًا للتهمة، وللمصائب، وللموبقات، وأقرب مثل بين أيدينا: الذي يذهب إلى بلدٍ غربي، وتزلُّ قدمه يصاب بمرض يدمِّره، فذلك مرضه أصاب زوجته وولده، والآخر أصاب أمَّه، وكل أسبوعين أو ثلاثة تجد واقعة مذهلة، نقرؤها في الصحف اليوميَّة، ونسمع أشياء لا تُصدَّق، إنسان دمَّر حياته، دمَّر زواجه، دمَّر والدته، دمَّر أولاده، هو نفسه تدمَّر وهو في ريعان الشباب، فكل إنسان يبحث عن سلامته وعن سعادته عليه بطاعة ربِّه، لأنك آلة معقَّدة جداً، والله عزَّ وجل هو الصانع، وهذا القرآن فيه تعليمات الصانع، بدافعٍ من حبِّك لذاتك، بدافعٍ من حرصك على سلامتك عليك بطاعة ربِّك.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

 الكافر أعمى، والتصنيف الدقيق الدَقيق للبشر، الناس رجلان: موصولٌ ومقطوع، الموصول بصير، المقطوع أعمى، الموصول منضبط بالشرع، المقطوع متفلِّت، الموصول محسن، المقطوع مسيء، هذا هو التصنيف الحقيقي، وهذا هو الفرز العلمي للبشر، أما أن يقول لك: الانتماء التاريخي، العِرق، الجنس مثلاً، البلد، المنشأ، نشأ في منطقة جبليَّة، منطقة سهليَّة، من العِرق الآري، من العِرق الأوروبي، من العِرق السامي، هذه التقسيمات لا معنى لها إطلاقاً، التقسيم كائن موصول أو مقطوع، الموصول بصير، المقطوع أعمى، الموصول منضبط، المقطوع متفلِّت، الموصول محسن، المقطوع مسيء، الموصول سعيد المقطوع شقي، هذا هو التقسيم الصحيح تقسيم خالق الكون، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( فَالنَّاسُ رَجُلانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ))

 

[ سنن الترمذي عن ابن عمر ]

 الأمور واضحة كالشمس، كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))

 

[ كنز العمال عن العرباض ]

5 ـ المؤمن معه من الله حافظٌ:

 فأحياناً تلاحظ إنسانًا في حياته الزوجية والأسرية يتحرَّك وكأنه أعمى، لسببٍ تافهٍ جداً يطلِّق امرأته وعنده خمسة أولاد، يطلِّقها ويركب رأسه، والسبب تافه جداً، أولاده شٌرِّدوا، زوجته نقمت عليه، خرجت من دينها نِكايةً به، أسرة شُرِّدت، الأولاد ضاعوا، لنزوةٍ طارئةٍ ولغضبٍ طارئٍ، أما المؤمن فمعه مَلَكٌ يُسَدِّده، معه من الله حافظ.

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 257)

 الله وليُّك، فتصوَّر إنسانًا يتولى خالقُ الكون أمره ؛ يسدِّده، يلهمه رشده، يهديه إلى سواء السبيل، يحذِّره، يؤدِّبه أحياناً، يعالجه، يعلِّمه، يجمعه مع أهل الحق، هذا معنى:

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

 من معصية إلى معصية، من خيانة لخيانة، من أذى إلى أذى، من إساءة إلى إساءة إلى أن يقعوا في قبضة العدالة، أو إلى أن يقعوا في قبضة عذابهم النفسي، أو إلى أن يقعوا في قبضة ملك الموت حيث جهنَّم وبئس المصير، هكذا.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

6 ـ فرق كبير بين المؤمن والكافر:

 قد تجد الفرق أحيانا قليلا، كأس ماء صغير ومتوسط، وهناك كأس أكبر، كأس وطني، وكأس أجنبي، كأس رفيع وطويل، كأس عريض وقصير، لكن كلاهما كأس، وكلاهما صالحٌ للشرب، وأحياناً ترى فرقاً شاسعاً جداً بين الشيئين، فقطعة لحم طازج، وقطعة لحم فاسد، قطعة اللحم الفاسدة لا تستطيع أن تشمَّها، ولا أن تقترب منها، بل تعدو فراراً من رائحتها، تعدو هاربًا، أما اللحم الطازج تُقبل عليه، إذًا الفرقُ كبير، فإذا قال ربنا:

﴿ لاَ يَسْتَوِي ﴾

 ليس معنى هذا أن هناك فرقاً قليلاً، بل هناك فرق كبير جداً على طرفي نقيض.
 مثلاً: المؤمن مؤنس، وذاك موحش، المؤمن يطيِّب القلوب، وذاك يوجعها، المؤمن يمدح، بينما الكافر يقدح، وكلماته جارحة، المؤمن يؤلِّف، وذاك يفرِّق، المؤمن يصل بالله، والكافر يقطع عن الله، المؤمن يحبِّب بالآخرة، وذاك يحبِّب بالدنيا، المؤمن يرحم، والكافر يقسو، المؤمن ينصف، و الكافر يظلم، المؤمن يتلطَّف، وذاك يتواقح، فالمسافة بينهما كبيرة جدًا.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

 المؤمن منضبط والكافر متفلِّت، المؤمن رحيم، والكافر قلبه كالصخر الجلمود، قاسٍ جداً.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

 العوام يعبِّرون عنها بقولهم:المسافة مائة وثمانون درجة، إنسان في أقصى اليمين، وإنسان في أقصى اليسار، إنسان محسن، وإنسان مسيء، هذا مؤمن، وذاك كافر.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ﴾

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ

1 ـ لابد من العمل الصالح مع الإيمان:

 الذين عملوا الصالحات ذكرهم بعد الإيمان، لأن العمل الصالح من دون إيمان مشبوه ومشكوكٌ فيه، وعملٌ قد يكون لنيات شريرة.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ﴾

 المعنى أن العمل الصالح المقبول من الله عزَّ وجل هو العمل الذي سبقه الإيمان، وإلا إذا كان العمل الصالح بدافع من ذكاء الإنسان، هدفه أن يكثِّر جماعته، هدفه أن يكون له شعبيَّة، هدفه أن يروِّج بضاعته أحياناً، هذه أخلاق تجاريَّة، أخلاق أساسها ذكاء الإنسان ومصالحه، لكن إذا تضاربت مصالحه انقلب كالوحش الكاسر، ولكن نظرًا لوجود انضباط شديد بفعل الأجهزة فيقولون لك: الصالة مراقبة تلفزيونياً ـ ولقد انقطع التيار الكهربائي في إحدى الليالي في بلد أجنبي فارتكبت مائتا ألف سرقة في تلك الليلة ـ هذا معنى الانضباط خارجي، انضباط الردع لا انضباط الوازع الداخلي، وفرقٌ كبير بين الردع الخارجي والوازع الداخلي.
 لذلك ربنا وعزَّ وجل وصف العمل الصالح الذي يصلح للعرض على الله بأنه العمل الذي سبقه الإيمان.
 أوضح مثل: إنسان عليه سند، تسديد قيمة السند عمل صالح، ولكن يا ترى ما الدافع ؟ لعله تاجر له اسم مرموق بين التجار، فإن لم يسدد قيمة السند يلطِّخ اسمه في الوحل، إذا لم يسدد فخصمه قويٌ يشكوه للقضاء، فيحجز الخصم محلَّه التجاري، وخصمه يضع السند في التنفيذ، فإذا بادرت إلى تسديد السند فهذا عمل مدني ـ سلوك مدني ـ لكن متى يكون عند الله عملاً صالحاً ؟ إذا كان خصمك لا يملك عليك أية وثيقة، وقد أعطاك المال، وتوفَّاه الله، ولا أحد في الأرض يطالبك، وأنت بدافعٍ من إيمانك بالله عزَّ وجل وخوفك منه، وخوفك من الوقوف بين يديه يوم القيامة، تتوجَّه إلى ورثة هذا الصديق، وتدفع لهم المال.
 والله حدَّثني أخ ـ بطريق رسالة وأنا لا أعرفه ـ قال لي: والله دفعت عشرين مليون لجهةٍ لا تملك عليَّ أية وثيقة ـ أنا محتفظ بهذه الورقة عندي، كان المبلغ أمانة عنده، والذي ائتمنه على المبلغ مات، وليس بينهما أية وثيقة، والأهل لا يعلمون بذلك، فبادر إلى أداء الأمانة لأصحابها، فهذه هي الأمانة حقًا.
 العفو مثلاً، العفو عمل صالح، ولكن من هو الذي يعفو ؟ هو الذي يكون له عدوٌ نال منه أشدَّ النَيْل، ثم وقع العدو في قبضة الأول، وكان قادراً على أن يوقِع به ما يشاء من عقوبة، وأن يكيل له الصاع عشرة، لكنه عفا عنه، فالعمل الصالح الذي يسبقه الإيمان رائع جداً، عمل نزيه، عمل مبرَّأ عن الشبهات، مبرَّأ عن الدوافع الخسيسة، عمل يبتغي به صاحبه وجه الله عزَّ وجل، إذاً:

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

2 ـ المؤمن محسن والكافر مسيءٌ:

 طبعاً الأعمى سوف يسئ، لأن المحرِّك شهوته، والشهوة عمياء، أما البصير فهو الذي عرف الله عزَّ وجل، إذاً صار محسناً.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾

 أنت راقب إنسانًا مهتديًا، التقِ به، انظر إلى جلسته، انظر إلى هندامه، انظر إلى منطقه، انظر إلى حركاته، انظر إلى طعامه، سافرْ معه، انظر إلى ورعه، إلى مروءته، إلى كرمه، اسكن معه، عامله بالدِرهم والدينار تجده نموذجا في الهداية و الورع، عامل إنسانًا آخر ترَ من حقده، ومن طيشه، ومن أنانيَّته، ومن حرصه على مصالحه، ومن تجاوزه لحقوق الآخرين الشيء الكثير، لذلك ربنا قال:

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ(18) ﴾

 

( سورة السجدة )

 أكبر خطأ حينما تتوهَّم أن الأعمى كالبصير، وأن المؤمن كالكافر، وأن المحسن كالمسيء وأن المستقيم كالمنحرف، وأن المُتَّصل كالمُنقطع، أكبر خطأ يقع في حياة الناس هو التوهُّم أن القضيَّة بالمال، والقضيَّة بالذكاء، والقضيَّة باحتلال مركز اجتماعي مرموق، والقضية بزوجة تملأ قلب الزوج سروراً بشكلها وحركاتها، دون أن ننتبه إلى فضائلها وقيمها.

 

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 

إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

 فما علاقة هذه الآية بهذه ؟

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ(58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

1 ـ علاقة هذه الآية بما قبلها:

 معنى ذلك أن الأعمى يتحرَّك تحرُّكاً عشوائياً، وسوف يقع في أخطاء كثيرة، فهذه الأخطاء هو محاسب عليها.

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ﴾

 البصير يمشي على هدىً من ربِّه، البصير يطبِّق منهج الله عزَّ وجل، وقَّافٌ عند حدود الله عزَّ وجل، يأتمِر بما أمر الله، ينتهي عما عنه نهى الله، هذا الانضباط، وهذا العمل، وهذه الاستقامة أيضاَ سوف يثاب عليها.

 

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ﴾

 

2 ـ كلُّ عملٍ يظهر على حقيقته يوم القيامة:

 إذا رأى أب ابنه لا يدرس يقول له: موعد الفحص اقترب، ففهم ما يقصد من معنى، ولكنه أدار ظهره لأبيه، بينما رأى ابنه الآخر يجتهد، فيقول له: سوف يَبْيَضُ وجهُك يا بني في الامتحان، هذا عمله سوف يظهر، وهذا عمله سوف يظهر.

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾

 فالعمل الطيِّب سوف تظهر نتائجه، والسيئ سوف تظهر نتائجه، والانضباط يظهر حسنًا، والتفلُّت يظهر قبيحاً، الاستقامة تظهر محاسنها الانحراف تظهر قبائحه.

 

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 سبحان الله ! تجد معظم الناس إذا حدَّثوك يحدٍِّثونك عن كل شيء، إلا الموت، لم يدخلوه في حساباتهم إطلاقاً، كأن الحياة أبديَّةٌ.
 إذاً:

 

 

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾

 

3 ـ تهديد ووعيد:

 هذا تهديد، أي اعمل، وكثِّر مما تعمل، إيجابًا أو سلبًا، افعل ما شئت، فهناك وقفةٌ بين يدي الله عزَّ وجل، فالأعمى يدفع ثمن العمى الباهظ، طبعاً العمى وحده لا يكفي، العمى يَتبعه معاصٍ، العمى يتبعه عدوان، العمى يتبعه انحراف، العمى يتبعه تجاوز الحدود، العمى يتبعه أذى.

 

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾

 فهذا حالُ البصير ؛ البصير مستقيم، البصير ورع، البصير محسن، البصير مُنصف البصير عادل، أيضاً.

 

 

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ﴾

 فهذه الساعة ترفع من شأن المؤمن، وتخفض من شأن الكافر.

 

 

﴿ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾

 مجيئها حق، لا شك أبداً في مجيئها.

 

 

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 

4 ـ الكفر العملي بالآخرة:

 أي أنّ عدم إيمانهم بها، أو قل كفرهم بها كفرًا عمليًا، و ليس لفظيًا، فقلَّما تجد أحدًا يقول: لا توجد آخرة، هذا الإنسان نادر جداً، الذي يقول لك: لا أعتقد بوجود آخرة هذا صار ملحدًا، ولكنه عمليا لم يدخل الآخرة في حساباته، كيف؟
 مثلاً: يأكل مالاً حراماً، معنى ذلك أن الآخرة ليست داخلة في حسابه، يعتدي على أعراض الناس ؟ معنى ذلك أن الآخرة ليست داخلة في حسابه، يتجاوز الحدود، معنى ذلك أن الآخرة ليست داخلة في حسابه.
 عندما تتحقق من إيمان الإنسان بالآخرة أو عدم إيمانه انظر إلى انضباطه، إذا لم يكن منضبطًا فهو غير مؤمن بالآخرة، يقول لك الإنسان: "حلال على الشاطر "، هذه كلمة الشيطان، أيُّ شاطر ؟ مع الله لا شاطر، الله عزَّ وجل قدير على أن يرغمك على أداء الثمن باهظًا في الدنيا قبل الآخرة، إذاً:

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 بالآخرة.

5 ـ الفرق بين العاقل وغير العاقل:

 بعضهم يقول لك: أعطني عمرًا لتلك الساعة، نحن الآن أولاد الحاضر، فتفكيره تفكير آني، تفكير من لا عقل له إطلاقاً، فدائما الإنسان كلَّما ارتقى عقله خاف بفكره، وكلَّما قلَّ عقله خاف بعينه، فإذا واجهه الخطر خاف حقًّا، أما العاقل فهو يستنبط الخطر، ويحذر قبل وقوع الخطر، و يعدّ العدة منذ الآن، فللاستعداد للأخطار المُقبلة دليل عقل.
 أبسط مثل نضربه التدخين، فهل من الممكن لإنسان مهما أقنعته أن هذا التدخين يضر بالرئتين، يسبِّب جلطة، يسبِّب ضيقًا بالأوعية، يسبِّب ارتفاعَ الضغط، يسبِّب تسرُّعًا في القلب، يسبِّب سرطانًا بالرئة، يسبِّب مثلاً شللَ الأهداب في القصبة الهوائيَّة، يسبب احتمال موات الأعضاء، مهما أقنعته فلن يقتنع، أما حينما يواجه أحد الأخطار يقول لك: نعم والله، والله هذا الذي حصل فقدَّر، هكذا يدَّعي، وإن الذي يتجنّب الخطر راجح العقل حقًّا، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً ))

[ ورد في الأثر ]

 أما أن يصل الإنسان مع نفسه لطريق مسدود، فيواجه مغبة عمله بمرارة، كأن يواجه مصيبة كبيرة جداً سببها انحرافه، أو أكله للمال الحرام !! فإذا قلت له: يا أخي هذا الربا حرام، هذا ضلال، فإنك تراه لا يعبأ بذلك أبداً، وعندما تأتي الضربة الإلهيَّة القاصمة يقول لك: نعم والله كلامك صحيح، يا ليتني قبلت نصيحتك.
 إذاً من أجل أن تعرف إذا كنت عاقلاً أو غير عاقل انظر هل تدرك الأخطار في وقت مبكِّر، وتتخذ الموقف الصحيح مبكراً ؛ أم أنك لا تعرفها إلا إذا واجهتها ؟ ضعاف التفكير لا يكشفون الأخطار إلا مع مواجهتها، لكن العقلاء يتوقَّعون الأخطار قبل أن تقع، فالعاقل هو الذي يتوقَّع الخطر قبل أن يأتيه الخطر.

خاتمة:

 إذاً:

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 الآيات أصبحت:

 

﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 لها معنيان: إما أن صنعة الله عزَّ وجل أعظم بكثير مما يصنعه الإنسان، أو أن هذه الآية دليل على أن البعث حق، وعلى أن الله سبحانه وتعالى سيبعث من في القبور.

 

 

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ(58) إِنَّ السَّاعَةَ ﴾

 هذا تهديد.

 

 

﴿ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾