ندوات مختلفة - تركيا : 11 - مؤسسة زيد بن ثابت اسطنبول - إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيما أقامك

2020-11-06

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

من كان مع الله ألهمه الصواب والرشاد :

 الكلمة الدقيقة والتي تليق بهؤلاء الكرام حفظة كتاب الله : إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .
 مرة دُعيت لافتتاح جامع بحرستا - القصة قديمة جداً - كان إلى جانبي مسؤول كبير بالأوقاف ، قلت لنفسي يجب أن أعمل له استفزازاً ، قلت له : اشكر الله ، قال لي : على ماذا ؟ قلت : للذي جعلك مدير أوقاف ، قال لي : وإذا كان ؟ قلت له : أنت تفتتح مسجداً ، تعين خطيباً ، قال : وماذا في ذلك ؟ قلت له : هناك أحد أهم منك بكثير ؟ قال : من ؟ قلت له: وزير السياحة ، يفتح ملهى ، يعين راقصة .
 أي إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، والله أتمنى كل أخواننا الدعاة بتواضع شديد ، لست أنا داعية ، سمح لي أن أكون داعية ، مع الله لا يوجد أنا أبداً ، قدر ما تستطيع انبطح مع الله ، مع الآخر كن عزيز النفس ، الله عز وجل إذا علم منك اعتداداً بشخصيتك ، بعلمك ، بخبرتك ، بطلاقة لسانك ، تقع في ظرف صعب جداً ، يقابلها أذكر مرة كان عندي درس للفجر بجامع النابلسي ، الدرس ربع ساعة بالضبط ، وأنا كنت بادئاً برياض الصالحين بالتسلسل ، مسكت الكتاب هكذا لا على التعيين ، ظهر معي حديث بالعلاقات الزوجية ، وجدت طلاقة غير معقولة ، الدرس ربع ساعة ، مضى نصف ساعة ، أي بعد اجتماعي ، وبعد أخلاقي ، وبعد شرعي ، وبعد ديني ، تأثرت ، بالعادة الدرس ربع ساعة صار نصف ساعة ، درس عادي ، درس متنوع جداً ، خرجت من الجامع ، عمل لي شخص كميناً ، عانقني وصار يبكي ، قال لي : أنا الساعة العاشرة سأطلق زوجتي بالمحكمة الشرعية ، على هذا الدرس ألغيت الطلاق ، والله ، على هذا الدرس ألغيته .
 أنت كن مع الله سيدي يلهمك الصواب ، أحياناً تسكت ، أحياناً تتكلم ، أحياناً تبالغ ، ما دمت أنت مع الله فالله معك .

كن مع الله تر الله معـــك  واترك الكل وحاذر طـــــــمعك
وإذا أعطاك مـن يـــمنعه ؟  ثم مـن يعطي إذا ما منك ؟
***

 هذه معية الله .

معية الله عامة وخاصة :

 بالمناسبة يوجد معيتان ، معية عامة ، ومعية خاصة ، العامة معية علم فقط .

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾

[ سورة الحديد: 4]

 الله مع فرعون بأعماله ، وجرائمه ، مع الكافر ، مع العاصي ، مع الطائع ، هذه معية علم ، لكن البطولة في المعية الخاصة ، معكم بالنصر ، بالتأييد ، بالحفظ ، والآمر ضامن ، والأمر بيده ، وبآية واحدة تتلخص دعوة الأنبياء جميعاً ، آية واحدة :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25]

 هذه من ماذا تفيد ؟ لو أنا بصف ، أمامي خمسة وخمسون طالباً ، قلت لهم : لكل واحد جائزة ، لو قلت : ما من واحد منكم ، أقصد الغائبين أيضاً ، إعراب من ؛ لاستغراق أفراد النوع .

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25]

 الرسل جميعاً ، حتى الرسل التي لم تذكر في القرآن .

﴿ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25]

التوحيد نهاية العلم والعبادة نهاية العمل :

 الآن سنوجه تلخيصاً لفحوى دعوة الأنبياء جميعاً :

﴿ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25]

 العلماء قالوا : التوحيد نهاية العلم ، والعبادة نهاية العمل ، فحوى دعوة الأنبياء جميعاً حتى الذين لم يذكروا ، كفكر ، كتصور ، كإيديولوجية ، كعقيدة .

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ﴾

[ سورة الأنبياء: 25]

 الآن كسلوك ، كحركة :

﴿ فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25]

 عبادة ، قالوا : التوحيد نهاية العلم ، والعبادة نهاية العمل .
 بارك الله بكم جميعاً .
 أما إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .

الحبّ نوعان ؛ حبّ في الله وحبّ مع الله :

 الله عز وجل خلقنا ، حياتنا بيده ، موتنا بيده ، صحتنا بيده ، المرض بيده ، الغنى بيده ، الفقر بيده ، القوة بيده ، والضعف بيده ، ومع كل ذلك ما قبل أن نعبده إكراهاً ، قال :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة: 256]

 أراد أن تكون المحبة أصلاً في العلاقة بيننا .

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

 قرآن ، لذلك :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة: 256]

 لا يوجد إكراه بالدين أبداً، خلقنا ، حياتنا بيده ، موتنا بيده ، الصحة بيده ، المال بيده، القوة بيده ، الضعف بيده ، ومع كل ذلك ما قبل أن نعبده إكراهاً ، قال :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة: 256]

 أراد أن تكون العلاقة علاقة حب ، لذلك قالوا : هناك حب في الله ، وحب مع الله ، الحب في الله عين التوحيد ، أن تحب الله ، أن تحب الرسل جميعاً ، الأنبياء جميعاً ، العلماء الربانيين جميعاً ، قطاع خاص وليس قطاعاً عاماً ، أن تحب العمل الصالح ، أن تحب الأهل .
 كيف حبك لي ؟ قال لها : كعقدة الحبل ، اللهم صلّ عليه للسيدة عائشة ، تقول له من حين لآخر : كيف العقدة ؟ يقول : على حالها .
 الحب في الله عين التوحيد ، والحب مع الله عين الشرك.
 أنا أقول لإخواننا الشباب : بالسيارة نشبه الشباب بالمحرك ، الشباب قوة اندفاع كبيرة ، والعلماء الربانيين بالموجه ، الشباب المحرك ، والعلماء الموجه ، والشرع الطريق المعبد ، فالأمة تنطلق بقوة الشباب ، وبتوجيه الشيوخ ، على منهج الله ، وهو الطريق المعبد .

الأمر كله بيد الله :

 أحياناً شخص يقول لك : الشيك بألف ، أي ألف ، بألفين ، أي ألفين ، بخمسة آلاف، أي بخمسة آلاف ، إذا أعطاك شيكاً موقعاً الرقم أنت ضعه ، ما قولك ؟ هذا أكبر شيك في الأرض .

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر: 10]

 شيك موقع ، ضعه بمليون ، أو مئة مليون ، إذا الله عز وجل أراد أن يكرمنا بطاعته فنحن عندما ننطلق ، حتى بالأزمة التي نعيشها فيها حكمة بالغة قد لا تنكشف الآن ، كأن النوع المتفوق بالتدين الله وزعهم ، أي لأوروبا ، والله يوجد ثناء بالسودان ، ثناء بألمانيا ، كأن الله عز وجل علم بالأمة خيراً .

(( رأيت عمود الإسلام قد سلّ من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام))

[ الطبراني والحاكم عن ابن عمرو ]

(( عليكم بالشام في آخر الزمان ))

 ثلاثون حديثاً صحيحاً في فضل السكنى بالشام ، فأنا والله متفائل ، والحقيقة أنا أقول لهم : بإيماني متفائل ، بالمعطيات الأرضية لست متفائلاً ، لكن أنا بإيماني متفائل جداً ، لو أن الله أسلمك إلى غيره لا يستحق أن تعبده ، قال لك :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 متى أمر أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك .

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :

 آخر مقولة تفسر مليون موضوع : كل شيء وقع بالقارات الخمس من آدم ليوم القيامة أراده الله ، معكوسة ، كل شيء أراده الله وقع ، الإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة ، فالذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً ، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله ، والإرادة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، بالكون لا يوجد شر مطلق ، لأنه يتناقض مع وجود الله ، هناك شر موظف للخير المطلق ، هذا الفهم للمقولة يريح النفس ، لو يعد هناك حقد دفين للقوي ، هذا القوي عصا بيد الله .
 تصوروا يا أخوان ، ثلاثين وحشاً كاسراً لم يأكلوا من شهر ، مربوطين بأزمة بيد إنسان قوي ، رحيم ، عادل ، حكيم ، علاقتنا مع الوحوش أم مع من يملكها ؟ الدليل :

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 55 ـ 56]

إلزام الله ذاته العلية بهداية خلقه :

 عندما تأتي على قبل لفظ الجلالة أي الله ألزم ذاته العلية بهداية خلقه .

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

[ سورة الليل: 12]

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

[ سورة النحل: 9]

 حيثما جاءت على قبل الذات الإلهية ، أي الله ألزم ذاته العلية بهداية خلقه ، فالمؤمن متفائل ، متفائل بإيمانه فقط ، والله قادر أن يعطل كل شيء قوي بثانية ، ما الدليل ؟

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 140]

 فالتداول من سنن الله الأصيلة ، لكن يبدو :

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ﴾

[ سورة يونس: 46]

 يا محمد :

﴿ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾

[ سورة يونس: 46]

 معنى ذلك أن دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان ، أصحاب الأخدود احترقوا وما انتصروا ، عندما تضم الآخرة للدنيا ترتاح ، إذا ضممت الآخرة إلى الدنيا تسوى الحسابات .
المذيع :
 حتى نكون عادلين ، ممكن سيدي نأخذ سؤالاً من الأخوة ؟
الدكتور محمد راتب :
 أنا جاهز سيدي .
المذيع :
 سؤال واحد ونقتصر ، الأمور تمام ؟ تفضل سيدي .
السائل :
 أقول : سبحان من كتب الله لكم القبول في الأرض .
الدكتور محمد راتب :
 أستغفر الله سيدي .
السائل :
 أنتم والشيخ سارية ، أرجو الله العلي العظيم أن يكتب القبول لكم في السماء إن شاء الله .
الدكتور محمد راتب :
 ممكن أقول للأخوة تعليقاً على كلامك ؟
السائل :
 نسمع منك ، ما هو سر هذا القبول ؟

سرّ القبول عند الله عز وجل :

الدكتور محمد راتب :
 انظر سيدي ، كل واحد أمامي : إذا علم الله أنك تطبق ما تقول ، وأنك تخلص فيما تقول ، كتب لك القبول ، هذه ليست لواحد ، هذه لكل واحد منكم ، إن علم الله أنك مخلص فيما تقول ، مطبق لما تقول ، كتب لك القبول ، مع الله لا يوجد ذكي ، يوجد مستقيم .
 عفواً ؛ ما هي الاستقامة ؟ كلام دقيق جداً ، استقم ، أي تحرك ، لا تقال للساكن هذه إطلاقاً ، استقم ؛ تحرك ، لكن بخط واحد ثابت ، أما :

﴿ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً ﴾

[ سورة طه: 107]

 طريق الحق لا يوجد فيه يمين ويسار ، ولا فوق وتحت ، خط مستقيم واحد ، ما دام الأمر :

﴿ فَاسْتَقِمْ ﴾

[ سورة هود: 112]

 أي تحرك .

التداول هو تداول الحق مع الباطل والخير مع الشر :

﴿ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 140]

 والتداول يكون لطرفين متناقضين ، لو كان ظالم لظالم هذا ليس تداولاً ، الله يريد أن يُري عباده من هو المؤمن .
 سيدنا عمر بن عبد العزيز ، شيء لا يصدق ، فالتداول تداول الحق مع الباطل ، والخير مع الشر .
 شخص عنده عبد ، جاء لعنده صديقه ، هذا الشخص خارج الغرفة ، الصديق سأل العبد : والله كأني سمعت أن سيدك يريد أن يبيعك ، قال له : يعرف عمله أنا لا دخل لي بهذا الموضوع، أنا عبد ، قال له : أنا أفكر أن أشتريك ، قال له : أنت تعرف عملك لا دخل لي أنا ، قال له : اهرب ، قال له : أعرف عملي .
 هناك شيء لله اتركه لله ترتاح ، لا دخل لنا .
 أذكر تماماً شخصاً عنده دابة - أجلكم الله - ماتت ، وهو فقير جداً ، فدفنها في مكان فيه موتى ، هو ذكي وضع أربعة جدران ، وقبة خضرة ، سماها ولياً ، ووضع عدة شمعات وأشعلهم ، جاء أناس ، هذا معه صفيحة زيت ، هذا معه سمن ، هذا معه فروج ، هذا معه خروف ، عاش ببحبوحة تفوق حدّ الخيال من هذا الحمار المدفون .
 الآن التعليق : هل يوجد قوة بالأرض تقنعه أنه حمار ؟ هو دفنه بيده ، القوي لا يناقش ، والمنتفع لا يناقش ، والغبي لا يناقش ، إياك أن تناقش قوياً ، أو غبياً ، أو منتفعاً ، وقد يجتمعون بواحد ، وفهمكم كفاية .
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .