حياة المسلم 3 - موضوعات متنوعة 2 – الحلقة : 18 - التغيير أم التبليغ

2020-09-10

مقدمة :

المذيع:
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مستمعينا الكرام نحن وإياكم في حلقة جديدة مع فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، مرحباً بكم فضيلة شيخنا .
الدكتور محمد راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 مستمعينا الأكارم حلقتنا لهذا اليوم التغيير أم التبليغ ، كلاهما من أهداف الدعوة أن يبلغ الإنسان دين الله انطلاقاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري والترمذي عن ابن عمرو]

 وأيضاً أن يسعى إلى تحقيق التغيير ، أين يفترض أن تكون أولوية التفكير لدى الإنسان أن يكون مبلغاً أم أن يكون مغيراً ؟ شيخنا الكريم أهلاً وسهلاً بكم .
الدكتور محمد راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 شيخنا قد يكون هناك صراع داخل نفس الإنسان وأحياناً بعض الأشخاص على اختلاف منابت ومنابع تفكيرهم ، هل دورنا الأكبر أن نكون مبلغين أم مغيرين ؟

التغيير و التبليغ :

الدكتور محمد راتب :
 عندي جواب جامع مانع ، أن تجمع بينهما ، أن تبلغ المعرض لعله يتعظ ، أما الذي استجاب أن تتابع تبليغك إياه ليحكم استقامته وعمله الصالح ، إنسان تريد أن تقنعه بالدين ، تريد أن تعلمه تفاصيل الدين ، شخص يقنعك بكلية ليكون لك دين ، أن تعود إلى الله ، أن تصطلح معه، أن تتوب إليه ، هذا تغيير ، أما التعميق فهو التبليغ ، أما التغيير فيريد تربية ، متابعة ، لذلك لابد من شيخ مربّ ، يوجد شيخ مبلغ وشيخ مربّ ، والفرق بينهما كبير ، شيخ مبلغ ألقى محاضرة بجامعة ، ألقى محاضرة بمسجد ، أما الشيخ فله أخوة يتعامل معهم يومياً ، يتفقد شؤونهم، يتفقد أحوالهم ، يتابع أخبارهم ، يسألهم عن أولادهم ، عن تجارتهم فيها خطأ ، فيها صواب ، فالمتابعة والفردية بالدعوة هي التربية ، التغيير ، أما إلقاء درس بجامع أو بجامعة ، أو بالتلفاز أو الإذاعة أنت بلغت ، لكن هذا المبلغ يا ترى قنع أم لم يقتنع ؟ له سؤال له استفهام ، له تعليق ، عنده حالة خاصة ، عنده وهم أخذه من عالم ما كان مصيباً بكلامه ، هذا شيء مهم كثيراً .
 عندنا تعليم وتربية ، قديماً كان عندنا في سوريا وزارة المعارف فقط ، الآن صارت وزارة التربية والتعليم ، تربية متابعة ، متابعة فهم الطالب ، متابعة اهتمامه بالعلم ، علاقته بوالديه ، علاقته بإخوته ، علاقته بتصور مستقبله ، التربية شيء واسع جداً ، الله رب العالمين ، الإله العظيم هو إله ، هو خالق ، ومربّ ، ومسير ، الخالقية والتربية والتسيير .
المذيع :
 شيخنا الكريم حينما تحدثنا عن التبليغ وعن التغيير هل لنا أن نبدأ بتوضيح المصطلحات ، ماذا يعني التبليغ ؟ ما هي المهام المطلوبة مني كمسلم أن أبلغ ؟

التعريف بالتبليغ :

الدكتور محمد راتب :
 أولاً :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري والترمذي عن ابن عمرو]

 جالس بسهرة ، قرأت بحثاً علمياً رائعاً جداً عن أن هناك حاجزاً بين البحرين ، هناك علماء استهزؤوا بهذه الآية ، وعدّوا أنها ليست كلام الله عز وجل ، هذا من اختراع النبي الكريم ، ثم وجدت بحثاً علمياً الإنسان يقشعر بدنه منه ، قال تعالى :

﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 19-20 ]

 يزداد إيمانك ألف درجة إذا قرأت هذا البحث ، كلمة في القرآن تعني علوم ، اكتشافات.
المذيع :
 شيخنا التبليغ أن تنقل ما لديك للآخرين ؟
الدكتور محمد راتب :
 بالإذاعة على المنبر ، في التلفاز ، بجامع ألقيت درساً ..
المذيع :
 شيخنا هل يستطيع كلنا ان يكون دعاة ؟
الدكتور محمد راتب :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 أريد أن أقول كلمة دقيقة أتمنى ألا تفهم على خلاف ما أريد : لماذا تصلي سؤال لمسلم؟ يقول لك : لأن الصلاة فرض ، هل تتصور أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم كالصلاة تماماً ، ما الدليل ؟ لولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 طريقي إلى الله ، منهجي ، تعليماتي ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 أي إنسان يعزف عن دعوته إلى الله ليس متبعاً لرسول الله ، أبداً آية كالشمس :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 بالدليل والتعليل ، هذا دين ، إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، دينك ، دينك، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا في عقيدتهم ، ولا تأخذ عن الذين مالوا ، فلا بد من أن تعطي معلومات دقيقة ، هذا التبليغ ، بدرس تربية إسلامية ، بخطبة جمعة ، بحلقة بالإذاعة ، بحلقة بالتلفاز ، بخطبة ، بعقد قران ، هذا التبليغ ، أما عندما تتعامل مع المتعلم تعاملاً يومياً ، تسأله عن صلاته ، عن إقباله ، عن استقامته ، عن غض بصره ، عن ضبط الشاشة في البيت ، عن ضبط العلاقات والسهرات ، هناك مليون سؤال تفصيلي فإذا أنت ألقيت كلمة أنت بلغت ، أما إذا تفاعلت مع الإنسان تفاعلاً إيجابياً ، سألته عن أحواله ، عن صلاته ، عن غض بصره بالجامعة ، عن ضبط لسانه ، عن سهرة كيف تمضى ، أيها الشباب فيما بينكم يا ترى تشاهدون فيلماً أم تتدارسوا موضوعاً دينياً ؟ التبليغ شيء ..
المذيع :
 شيخنا التبليغ أن أنقل ما لدي من معرفة عن الدين وأحكامه وتفاصيله إلى الآخرين ؟
الدكتور محمد راتب :
 لكن هذا النقل أنت حينما تأتي بالدليل ، والتعليل قد يكون دليلاً تاريخياً ، قد يكون دليلاً نصياً ، قد يكون دليلاً عقلياً ، أنت حينما تأتي بالمعلومة مع دليل قوي استسلم المستمع ، أما هذه حرام ، لماذا حرام ؟ هذا ليس من عملك ، هذا الله حرمه ، انتهى ، هذا ليس تعليماً ، هذا اسمه قمعاً ، أنا أقول : أقنع ولا تقمع .
المذيع :
 شيخنا ذكرتم أن الدعوة فرض عين على كل الناس هل معنى هذا أن نتفرغ جميعنا للدعوة ؟

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :

الدكتور محمد راتب :
 فرض عين على كل مسلم لكن في حدود ما يعلم ومع من يعرف فقط ، أنت سهرت سهرة مع أصدقائك ، أحد الأصدقاء له اتجاه ديني قوي ، تكلم بتفسير آية أنت تأثرت بها ، اكتبها عندك على الموبايل ، أو على ورقة وتكلم بها لزوجتك ، أنت بلغتها ، لأولادك ، قاعد في المحل التجاري تكلم بها لشريكك ، سهرت سهرة قل للحاضرين في السهرة في حدود ما تعلم ومع من تعرف ، كلام دقيق جداً هذه فرض عين ، كالصلاة والدليل :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 المعنى المخالف ، الذي لا يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

 علامة محبتك لله أن تدعو إلى الله ، هذا التبليغ ، وهذا فرض عين على كل مسلم في حدود ما تعلم ومع من تعرف بالضبط .
المذيع :
 شيخنا فرض كفاية .

فرض الكفاية يحتاج إلى تفرغ و تعمق و تثبت :

الدكتور محمد راتب :
 فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، هذا يحتاج إلى تفرغ وتعمق وتبحر وتثبت ، أربعة ، تثبت بالأدلة ، تعمق ، أحتاج إلى فكرة عميقة وليس سطحية ، تبحر متسعة ، التعمق شاقولي والتبحر أفقي ، تحتاج إلى فكر ، إلى دعوة ، أولاً : عميقة ، ودقيقة ، ومطبقة ، مع الأدلة والشواهد والنصوص ، دعوة دقيقة جداً هذه تصنع إنساناً .
المذيع :
 يتفرغ لها بعض أهل العلم ؟
الدكتور محمد راتب :
 تحتاج إلى تفرغ ، وإلى تبحر ، وإلى تعمق ، وإلى تثبت ، التثبت بالدليل ، نحن في الإسلام في الدعوة لا يوجد هكذا ، هذه حرام فقط يا بني ، هذه ليست دعوة ، حرام لقوله تعالى ، حلال لقوله تعالى ، لا بد من أن تؤدي العلة والسبب .
المذيع :
 شيخنا هذا التبليغ لمن أعرف فرض عين علينا جميعاً .
الدكتور محمد راتب :
 في حدود ما تعلم ومع من تعرف فقط .
المذيع :
 شيخنا أما التفرغ الكامل لبعض الناس ففرض كفاية .
الدكتور محمد راتب :
 ما الدليل ؟ قال تعالى :

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

[ سورة آل عمران : 104 ]

 منكم للتبعيض ، أما الأولى فقد قال تعالى :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 ليس فقط أن تؤمن بالله ، ويأمرون بالمعروف ، بالتفاصيل ، بكسب مالك ، بإنفاق مالك ، بالشاشة التلفزيونية في البيت ، مفتوحة ، مغلقة ، يوجد محطات لا ترضي الله ، في لقاءاتك ، بسهراتك ، سهرة مختلطة النساء كاسيات عاريات ، عينك على عشر نساء ، وهناك كلام طريف ، وكلام مضحك ، وأنا بعد ذلك أصلي وصاحب دين ، هذه لا تصح ، الإسلام منهج تفصيلي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية .
المذيع :
 شيخنا الآن الجانب الآخر والهدف للدعوة التغيير نقل الناس من الظلمات إلى النور ، موضوعنا اليوم عن التبليغ أو التغيير أين يمكن أن يكون الهدف والسعي الأفضل للإنسان ؟

الفرق بين التبيين والتبليغ :

الدكتور محمد راتب :
 التبليغ مصطلح للنبي الكريم ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾

[ سورة المائدة : 67 ]

 العلماء التبيين ، الأنبياء والرسل التبليغ .
المذيع :
 شيخنا ما الفرق بين التبيين والتبليغ ؟
الدكتور محمد راتب :
 التبيين شيء ليس من عندك ، أما النبي فوحي من الله مباشرة ، أما التبيين فأخذت النص الذي قاله النبي شرحته ، بينته ، وضحته ، ذكرت علة سببه ، ذكرت مآلاته ، نتائجه ، يوجد تفاصيل هذا اجتهادك ، أما الرسول :

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة المائدة : 67 ]

 أنت في حرز الله ، مادام كلفك تبلغ هو يعصمك من الناس ، مستحيل .
المذيع :
 شيخنا ذات المصطلح تكرر في الحديث النبوي الشريف :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 أي أننا ننقل ما كان منه ؟
الدكتور محمد راتب :
 الكلمة لها معنى سياقي وسباقي ولحاقي ، هنا معناها السياقي إذا كان للبشر نقلاً ، نقل أحاديث النبي للناس ، أما إذا نسبت لرسول الله فنقل عن الله ، أخذ من المصدر هنا يوجد نقل من إنسان إلى إنسان .
المذيع :
 شيخنا هل تقتصر مهمة الدعوة وتتوقف على هذا الهدف العظيم ألا وهو تبليغ دين الله قامت الحجة أم أكثر ؟

الاستقامة وحدها تبليغ ودعوة :

الدكتور محمد راتب :
 أنا لي قناعة دقيقة أي إنسان يتمكن أن يقول بفصاحة ، وبلغة دقيقة ، وبشواهد ، وبنبرة واضحة ، وبأصول للكلام ، أما الحقيقة عندما يطبق صار قدوة ، صار هناك فرق بين أن تبلغ وبين أن تكون قدوة .
 لي رأي آخر : لو أن الأب ما تكلم مع أولاده ولا كلمة تبليغ ، إرشاد ، لكن الأب ما كذب أمام أولاده على زوجته ، ولا دخل ابنه عليه شاهده ينظر إلى أشياء لا ترضي الله على الشاشة ، الاستقامة وحدها هي تبليغ ، لذلك :

(( استقيموا يستقم بكم ))

[ الطبراني عن سمرة بن جندب ]

 هذه البنت ذهبت مع أمها إلى الجارة تأخروا والأكل تأخر ، الزوج جاء جائعاً وقد غضب ، أين كنتم ؟ قالت : لم نخرج من البيت ، البنت الصغيرة شربت الكذب من أمها ، الأب ما خلع ثيابه أمام أولاده ، الفخذ عورة ، ما غيّر ثيابه إلا في غرفة النوم ، ما رأوا أباهم بشكل لا يليق به ، هذه الحشمة الأب ما تكلم ولا كلمة ، لكن الابن ما شاهد والده بوضع لا يرضي الله .
المذيع :
 شيخنا أنتقل إلى الجزء الثاني من الحلقة قال تعالى :

﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

[سورة إبراهيم : 1]

 هل هدفنا لا يتوقف عند التبليغ بل ينتقل إلى التغيير أي نقل الناس من الظلمات إلى الصواب ؟

الحق واحد لا يتعدد :

الدكتور محمد راتب :
 كان يجب أن تسألني قبل هذا ، لماذا الظلمات جمع ، والنور مفرد ؟ الباطل متعدد ، يوجد مليار باطل ، باطل قولي ، باطل عملي ، باطل ادعائي ، باطل إعلاني ، باطل تصرفي ، يوجد مليون باطل ، بين نقطتين يمر خط مستقيم ، لكن بين نقطتين يمر مليون خط منكسر ، ومليون خط منحن ، فالباطل الظلمات ، النور واحد ، لذلك الحرب بين حقين لا تكون ، مستحيل لأن الحق لا يتعدد ، بين نقطتين يمر مستقيم واحد ، لو حاولت تمرر مليون مستقيم كلها فوق بعضها ، بين حقين لا تكون ، والحرب بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ من يجرؤ أن ينال منك ؟ الثالثة أصعب شيء ، والحرب بين باطلين لا تنتهي تذهب المعارك والصراعات عشرات السنين لأن الطرفين على باطل ، عندما يكون الاثنان على باطل من ينتصر ؟ الذي معه طيران .
المذيع :
 حرب عدة وعتاد .
الدكتور محمد راتب :
 الذي معه مدرعات مداها المجدي عشرة كيلو متر ، العدو معه سبعة كيلو متر ، الأول يصل إليه والثاني لا يصل إليه ، إذا ألغينا الإيمان الأقوى ينتصر ، الأذكى ينتصر ، الذي يملك طيراناً ينتصر ، الذي يملك مدرعات حديثة ينتصر ، إذا ألغينا الإيمان صار ميزان الأسلحة ، بالإيمان يلغى موضوع الأسلحة ، قال تعالى :

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران:160 ]

 ما الثمن ؟

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

 نصرته أقمت شرعه ، لذلك والله يوجد حديث لو نعرف أبعاده لا ننام الليل :

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 هذا الضعيف الفقير إن أطعمته إن كان جائعاً ، كسوته إن كان عارياً ، عالجته إن كان مريضاً ، آويته إن كان مشرداً ، أنصفته إن كان مظلوماً ، الله عز وجل يتفضل عليك وينصرك على من هو أقوى منك ، التغى ميزان القوة ، إذا أنت مع الله ..

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 فإذا كان الله معك فمن عليك ؟ من يجرؤ أن ينال منك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ إذا كان الله معك والله يخدمك عدوك وهو لا يشعر ، وإن لم يكن معك يتطاول عليك ابنك أقرب الناس إليك .
المذيع :
 شيخنا مهمتي كداعية سواء كنت أباً في المنزل ، مدرساً في المدرسة ، داعية يريد أن يدل أشخاصاً على طريق الله .

على كل إنسان أن يكون مبلغاً ومربياً :

الدكتور محمد راتب :
 يجب أن يكون مبلغاً ومربياً ، مبلغاً في الجامع ، إلقاء خطبة ، درس بالإذاعة ، ألفت كتاباً ، هذا كله تبليغ ، أما عندما أتعامل مع شخص يومياً ، أتابع أموره ، إيمانه ، انحرافه ، كسبه هل مشروع أم غير مشروع .
المذيع :
 شيخنا هل ينتهي دوري عند تبليغه أم أكون معه حتى يتحقق التغيير ؟
الدكتور محمد راتب :
 كل شيء بسعر ، إذا بلغ له أجر عند الله ، عندما يربي أعمال هذا الذي ربيته في صحيفتك ، اسمع الآية :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

[ سورة الطور: 21 ]

 قال العلماء : ألحقنا بهم أعمال ذريتهم .
المذيع :
 شيخنا إذا أنا بلغت إنساناً لي مرتبة من الأجر ، إذا بقيت معه حتى تحقق التغيير ...
الدكتور محمد راتب :
 كل أعماله في صحيفتك ، لو فتح الصين في صحيفتك ، قال العلماء: ألحقنا بهم أعمال ذريتهم، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الطور : 21 ]

المذيع :
 شيخنا هذا نفس المعنى من الآية :

﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

[سورة إبراهيم : 1]

 المهمة الدعوية هي نقل الناس .
الدكتور محمد راتب :
 أعظم عمل على الإطلاق ، الله ماذا قال ؟

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 33 ]

 ليس على وجه الأرض إنسان من آدم إلى يوم القيامة أفضل عند الله ممن دعا إلى الله ، لكن دقيقة يوجد دعوة كلامية ، سلوكية ، الموظف الأمين للذي معه أعطاهم درساً بالأمانة، هو ما تكلم ولا كلمة لكن ما شاهدوه أكل مالاً حراماً ، ما اختلى مع موظفة في غرفة ، والباب مقفل ما فعلها إطلاقاً :

(( استقيموا يستقم بكم ))

[ الطبراني عن سمرة بن جندب ]

 الآن عندما أنا أرفع مستوى دعوتي يجب أن أعالج مشكلات المدعو ، عنده بطالة ، أنا أعرف من أخواني كم تاجر قوي ، أقول للتاجر : هل تريد موظفاً أرسل لك واحداً ، بدأ يحل مشاكل إخوانه ، عنده ابن ضعيف بالرياضيات ، والأب فقير لا يملك ثمن الدرس ، أتفق مع أستاذ رياضيات مؤمن ليعطي عدة دروس لفلان ، كلما توسع العمل التربوي تصبح عند الله كبيراً، الله يحب كل عباده ، فكلما إنسان خدم عباد الله يحبه الله عز وجل .
المذيع :
 شيخنا في قوله تعالى :

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة : 272]

 فسرها البعض .

الإنسان مخير :

الدكتور محمد راتب :
 بما أن الإنسان أعطي حرية الاختيار ، أنت لست محاسباً لو أن الذين دعوتهم إلى الله اختاروا الانحراف ، ليس لك علاقة ، أنت لست مكلفاً ، الله عز وجل ما أجبر عباده ، تحتاج إلى مقدمة ، الله خلقنا وربانا ، أعطانا الصحة ، المال ، الزوجة ، الولد ، حياتنا بيده ، موتنا بيده، رزقنا بيده ، الفقر بيده ، الغنى بيده ، الصحة بيده ، المرض بيده ، السعادة بيده ، ومع كل ذلك ما قبل أن نعبده إكراهاً ، قال تعالى :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة : 256 ]

 أراد أن تكون علاقة عباده به علاقة حب ، قال تعالى :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54 ]

 ما قبل الله عز وجل الذي حياتنا بيده ، نقطة من الدم تتجمد في الدماغ شلل ، أو فقد ذاكرة ، نحن بقبضته ، ممكن بمليون سبب تنتهي حياتنا ، ويكرهنا من حولنا ، يتمنى أولادنا أن نموت ، غلطة واحدة في الجسم ، نقطة دم لا ترى بالعين تتجمد بشريان بالدماغ شلل ، بمكان فقد ذاكرة ، عندنا شخص كان رئيس وزارة قديمة- القصة بالثلاثينات - فقد ذاكرته ، يخرج من بيته لا يعود للثالثة ليلاً ، يبحثون عنه في الطرقات ، من دون ذاكرة الإنسان ينتهي .
المذيع :
 شيخنا كنا نتحدث في قوله تعالى :

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة : 272]

 الإنسان عليه أن يفعل وليس محاسباً إن لم يهتدوا .
الدكتور محمد راتب :
 الإنسان مخير أن يستجيب لله أو لا يستجيب ، أما النبي فيبلغه ، النبي لا يحاسب لو أنه لم يستقم ، أنت مبلغ فقط ، لكن مضمون دعوتك :

﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الشورى : 52 ]

 أنت لا تحاسب إن لم يستجب الذي دعوته إلى الله ، ليس عليك هداهم .
المذيع :
 شيخنا إذا هديتهم إلى طريق غير مستقيم .

دعوة الآخرين إلى طريق غير مستقيم إثم كبير :

الدكتور محمد راتب :
 طبعاً عليك إثم كبير ، أما إذا اهتدى فدعوتك تهدي إلى صراط مستقيم .
المذيع :
 شيخنا أنا مطالب أن آخذ بالأسباب وأن أتقن الدعوة وعلى الله أن يكتب الهداية أو لا يكتبها .

الأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأرباب :

الدكتور محمد راتب :
 هذه الكلمة التي تفضلت بها أخطر كلمة بالعقيدة ، أنا مهمتي بكل حياتي أن آخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم أتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، الذي أخذ بالأسباب اعتمد عليها وألهها ، وقع في الشرك الخفي ، والذي لم يأخذ بها أصلاً وقع بالمعصية .
المذيع :
 شيخنا معنا اتصال محمد تفضل..
 هل من الممكن أن يكون الشخص رقماً صعباً ضمن الدعوة إلى الله ؟
 والسؤال الثاني : هل الشيطان يبين للشخص أنه ليس على شيء من الصلاح حتى لا يكون داعية إلى الله ؟

الإخلاص أحد أكبر أسباب نجاح الدعوة :

الدكتور محمد راتب :
 الإخلاص أحد أكبر أسباب نجاح الدعوة ، ثم التقيد بالأصول ، لا منام ، ولا كرامة ، ولا شطحة ، ولا تشدد ، إذا كنت وسطياً وفق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أردت من هذه الدعوة إرضاء الله عز وجل ، أنا أقول لك والحق هو الصح لا يمكن إلا وترى نتائج هذه الدعوة ، الله يريد قلباً مخلصاً ، وسلوكاً قويماً .
المذيع :
 شيخنا الشق الثاني ، قد يوسوس الشيطان للإنسان أنت فيك عيوب ولست مؤهلاً للدعوة .

الله عز وجل لا يحاسب على الخواطر :

الدكتور محمد راتب :
 بطولة الإنسان ألا يستمع للشيطان ، هذه الخواطر يلغيها ، الله عز وجل لا يحاسب على الخواطر ، لو جاءك خاطر من خلق الله مثلاً لا تحاسب على خواطرك ، ولكن إذا ارتحت لها وتابعتها انقلبت إلى واقع ، حينما تنزعج منها ليست منك ، فإذا أحببتها صارت هي منك .
المذيع :
 شيخنا هل يمكن إذا كان عندي بعض المعاصي أن أكون داعية أم عليّ أن أتجرد منها كلياً ؟

من يسأل عليه أن يقدم الجواب الصحيح :

الدكتور محمد راتب :
 جوابه دقيق جداً ، أنت لا تستطيع أمام الله أن تلقي درساً في موضوع أنت لا تطبقه ، كأن الله يعاتبك أنت كذلك يا عبدي ألا تستحي مني ؟ لكن لو سئلت عن قيام الليل أتحدث عن فضائله ولعلي لا أصلي قيام الليل ، حينما تسأل ينبغي أن تقدم الجواب الصحيح ، أما أن تبدأ بموضوع أنت لا تطبقه فهناك حساب إلهي قاس أنت كذلك يا عبدي ألا تستحي مني ؟
المذيع :
 شيخنا بعض الأشخاص في الدعوة قد يكون أسلوبه شديداً لا يهتم أن تقتنع .

الالتفاف والانفضاض :

الدكتور محمد راتب :
 سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم ، قال له الله عز وجل :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 لذلك هنا عندي قانون الالتفاف والانفضاض ، يا محمد- كأن الله يخاطبه- بسبب اتصالك بنا اقتبست منا الرحمة ، هذه الرحمة التي في قلبك لمن حولك انعكست ليناً ، فلما كنت ليناً لهم التفوا من حولك ، وأنت أنت بالذات افتراضاً لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة ، فانفضوا من حولك .
المذيع :
 شيخنا سأطرح على فضيلتكم في القصة التي وردت أن شخصاً من أهل الذمة مرت جنازته فقام النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أحدهم : يا رسول الله إنها جنازة يهودي ؟ فكان جوابه أليس إنساناً ؟

الأنبياء إنسانيون :

الدكتور محمد راتب :
 هذا الإسلام ، الأنبياء إنسانيون ، أنت قد تكون - سامحني بهذه الكلمة - إنساناً بعيداً عن الدين كلياً ، ممكن يأكل أفخم الطعام في المطعم وفي البيت لا يوجد طعام ، أكبر أناني ، وهناك إنسان لأسرته ، وإنسان لعائلته ، وإنسان لمن حوله ، لأقربائه ، وإنسان لبلده ، وإنسان لبلده الكبير ، وإنسان لبني جنسه ، وإنسان للإنسانية ، كلما ارتقى الإنسان يرتفع لفوق ، الأنبياء إنسانيون ، أنا مرة جئت من المغرب إلى الشام بطائرة ، وكان الطيار تلميذي دعاني إلى غرفة القيادة ، دخلنا إلى سوريا رأيت بعيني طرطوس وصيدا بنظرة واحدة على ارتفاع اثني عشر ألف متر أرى خمسمئة كيلو متر ، فكلما علا الإنسان ارتفعت رؤيته ، وأنا أضيف إليها : وكلما علا الإنسان اتسعت عاطفته ، الأنبياء إنسانيون ، وكلما اتسعت دائرة اهتمامك تكون أقرب إلى الله .
المذيع :
 شيخنا يفهم من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هدفه أن يساعده ألا يموت على الكفر ، وأن يكون على الإيمان ، فكأنما النبي حزن لأنه مات على غير الإسلام .
الدكتور محمد راتب :
 سيدي إذا شخص لا تعرف دينه ، ورأيته وقع على الأرض فأوقفته ، لي صديق امرأة بلندن وقعت على الأرض مرّ أمامها خمسين شخصاً ، لم يساعدها أحد إلا هو ، مسلم أوقفها ، قالت له : أنت لست من هذا البلد .
المذيع :
 الله يفتح عليكم دكتور ، نختم هذه الحلقة بالدعاء ، ونسأل الله تعالى القبول .

الدعاء :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عمن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان .