ندوات مختلفة في الجزيرة - الندوة : 8 - أيام الله ، يوم عرفة ، الصبر- أهميته- أنواعه .

2020-07-29

مقدمة :

المذيع :
 مشاهدي الكرام ؛ في حلقة جديدة من برنامجكم " أيام الله " .
 عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله وسلم قال :

(( ما مِنْ يوم أكثر من أن يَعْتِقَ الله فيه عبيداً من النار من يوم عَرَفَة ))

[مسلم والنسائي عن عائشة أم المؤمنين]

 اليوم هو يوم عرفة ، هو يوم فرح عظيم ، في كل لحظة فيه نحظى بآلاف الرحمات والمغفرة ، ونفوز بالأجر والثواب العظيم من العلي القدير ، هو يوم يغفر الله فيه الخطايا والذنوب، ويعتق عبده من النار ، وفي يوم عرفة الكل يرفع أكفه بالدعاء ، يرجو الرحمة ، والمغفرة من الله العظيم الملك ، فالكل عبيد له عز وجل يطمعون أن يقبل تضرعهم ، ويباهي بهم الملائكة فرحاً بإيمانهم ، وطاعتهم له سبحانه .
 للحديث عن يوم عرفة ، وعن فضله ، يسعدنا ويشرفنا أن يكون معنا في هذه الحلقة فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الداعية الإسلامي ، أهلاً بك دكتور محمد ، وكل عام وأنت بخير .
الدكتور محمد راتب :
 بارك الله بكم ، وكل عام وأنتم بألف خير .
المذيع :
 دكتور محمد ؛ منذ أن أعلنا عن هذه الحلقة ، وعن وجودكم الكريم انهالت الأسئلة علينا ، نبدأها بسؤال عن يوم عرفة ، ماذا تقول في هذا اليوم فضيلة الدكتور ؟

العبادة علة وجود الإنسان في الدنيا :

الدكتور محمد راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
 الحقيقة الدقيقة أن علة وجود الإنسان في الدنيا العبادة .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 والعبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
  ما العبادات ؟ العبادات نوعان : نوع شعائري كالصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، والنطق بالشهادة ، ونوع تعاملي كالصدق ، والأمانة ، والاستقامة .
 لذلك النقطة الدقيقة جداً أن علة وجود الإنسان في الأرض أي ما سبب وجوده ؟ قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 العبادة ثمن جنة عرضها السماوات والأرض .

(( فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 الصلاة عبادة شعائرية ، والصوم عبادة شعائرية ، والزكاة عبادة شعائرية ، والحج عبادة شعائرية ، والنطق بالشهادة عبادة شعائرية .

 

يوم عرفات يوم الاتصال بالله والإقبال عليه والتوبة إليه :

 نحن في يوم عرفات ، هذا اليوم الأول في حياة المسلمين ، هذا اليوم يوم الاتصال بالله ، يوم الإقبال على الله ، يوم التوبة إلى الله :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 والعبادة اتصال بالله ، أن تعرفه ، أن تقبل عليه ، أن تسعد بقربه ، أن تستنير بنوره ، أن تكون أسعد الناس في عبادته .
 لذلك يذهب المسلم إلى بيت الله الحرام ، ويترك في بلدته هموم المعاش والرزق، هموم العمل والكسب ، هموم الزوجة والولد ، هموم الحاضر والمستقبل ، وبعد أن يحرم من الميقات يبتعد عن الدنيا كلياً ، ويتجرد إلى الله عز وجل ويقول : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .
 هذه التلبية استجابة لنداء ودعوة يقعان في قلب العبد ، أن يا عبدي خلّ نفسك وتعال إليّ ، تعالَ : فعل أمر مبني على الفتح ، لكن له خصيصة أنه مبني على الفتح ، والحقيقة الإنسان إذا قلت له : تعال معناها اقترب مني ، ارتفع إليّ ، أهل الأرض يتنازعهم شيئان ؛ وحي السماء ، القيم ، المبادئ ، الاتصال بالله ، السعادة ، ووحل الأرض ؛ مصالح ، وشهوات ، فكأن هذه الرحلة أن يا عبدي خلّ نفسك وتعال إليّ ، تعال يا عبدي لأريحك من هموم كالجبال تجثم على صدرك ، تعال يا عبدي لأطهرك من شهوات تنغص عليك ، تعال يا عبدي إلى لذة القرب وسعادة اللقاء .

إلى متى وأنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول؟
تعصي الإله وأنت تظهر حبـــه  ذاك لعمري في الــــــــــمقال شنيـع
لـــــو كان حبك صادقاً لأطعتــه  إن المحب لــــــــــــمن يحب يطيــع
***

 تعال يا عبدي وذق طعم محبتي ، تعال يا عبدي وذق طعم مناجاتي ، لبيك اللهم لبيك إجابة ، لبيك اللهم لبيك ، ويقع في قلب العبد المؤمن أن تعال يا عبدي ، فيجبه العبد : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، تعال يا عبدي لأريك من آياتي الباهرات ، تعال لأريك نعمة عزت على أهل الأرض والسماوات ، تعال يا عبدي لأملأ نفسك غنى ورضا شقيت بفقدهما نفوس كثيرات ، أن كل شيء ساقه الله له مما خلقه محض فضل ومحض رحمة ، وعندئذٍ يتحقق من قوله تعالى :

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

المذيع :
 فضيلة الدكتور ؛ هذا اليوم هو أعظم أيام الله ، وفي هذا اليوم أحاديث كثر تتحدث عنه ، ربما هذا الحديث نتوقف عنده ، عندما قال صلى الله عليه وسلم :

(( أفضلُ الأيام يومُ عرفة وافقَ يوم جُمُعَة وهو أفضل من سبعين حَجَّة في غير يومِ جُمُعة ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ دُعَاءُ يومِ عَرَفَةَ ، وأفضلَ ما قلتُ أنا والنّبيُّون من قبلي : لا إله إلا الله وحدَه لا شَريكَ له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير))

[مالك في الموطأ عن رسل طلحة بن عبيد الله بن كريز]

 هل نفهم هنا أن الذكر أفضل من الدعاء أم أن هذا هو الدعاء أم ماذا ؟

 

لا إله إلا الله فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :

الدكتور محمد راتب :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25]

 يمكن بآية واحدة ، بأقل من سطر لخصت فيها فحوى دعوة الأنبياء جميعاً ، أي الأنبياء جميعاً مضمون دعوتهم ، سر دعوتهم كلمتان .

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا ﴾

[ سورة الأنبياء : 25]

 التوحيد ، والعبادة ، الفكر ، والتصور ، الأيديولوجيا ، العقيدة ، هذه كلها الجانب العقدي بالإنسان ، المعلومات ، التصورات ، الفكر ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، ألا ترى مع الله أحداً ، ألا ترى رافعاً ، ولا خافضاً ، ولا معزاً ، ولا مذلاً ، ولا معطياً ، ولا مانعاً إلا الله ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، هذه الكلمة الأولى في الدنيا ، الآن كفكر ، العقل كجانب عقدي التوحيد ، كجانب حركي الإنسان أعقد كائن في الأرض تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، الإنسان المخلوق الأول رتبةً ، والمفضل تكريماً ، والمكلف علمياً ، الإنسان أعقد آلة بالكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولهذه الآلة صانع عظيم وهو الله ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فانطلاقاً من حرصنا اللامتناهي على سلامتنا وعلى سعادتنا ينبغي أن نتبع تعليمات الصانع .
 كمركبة غالية جداً ، تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات ، يجب أن تفهم هذا الضوء برأي الصانع تحذيرياً لا تزيينياً ، لو لم تضيف الزيت احترق المحرك .
 فأنت حينما تأخذ تعليمات الصانع ضمنت سلامتك وسعادتك ، ماشي بطريق وجدت لوحة كتب عليها : ممنوع التجاوز حقل ألغام ، بربك أيها المستمع والمشاهد هل تعد هذه اللوحة حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك ؟ شرع الله بأكمله ، بكل تفاصيله ضمان لسلامتنا وسعادتنا .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 أنت المخلوق الأول ، لأنك قبلت حمل الأمانة ، فلما قبلت حمل الأمانة كنت عند الله المخلوق الأول .
 ركب الملك من عقل بلا شهوة ، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .
 المؤمن إذا عرف الله أصبح فوق الملائكة ، وغيره إن ما عرفه دون الحيوان ، فالإنسان يرقى ، ويرقى ، ويرقى ولا ترى رقيه ، ويتضاءل أمامه كل عظيم ، ويسفل ، ويسفل ، ويسفل ، ولا ترى سقوطه ، يتعاظم عليه كل حقير ، فأنت بين أن تكون فوق الملائكة ، أو بين أن يكون هذا الإنسان العاصي أحقر من أحقر مخلوق في الأرض .
المذيع :
 فضيلة الدكتور ؛ ربما هذا السؤال ورد إلينا عن رقم الواتس ، تقول السائلة : إذا كان أهم شيء هو أعمال التوحيد ، وأن يكون القلب ممتلئاً بتوحيد الله عز وجل ، هي تقول : كيف أظهر لله عز وجل إقراري بالوحدانية على الوجه الذي يرضيه سبحانه وتعالى ؟

 

إلزام الله عز وجل نفسه بهداية الناس :

الدكتور محمد راتب :
 المثال يوضح الفكرة : عندنا عشرة وحوش كاسرة ، ومفترسة ، وجائعة ، لكن هذه الوحوش مربوطة بأزمة محكمة ، بيد جهة حكيمة ، رحيمة ، عادلة ، علاقته مع الوحوش أم مع من يملكها ؟
المذيع :
 مع من يملكها .
الدكتور محمد راتب :

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾

[ سورة هود : 55]

 تحدّ .

﴿ ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 55 ـ 56]

 وحيثما تأتي كلمة على إلى جانب لفظ الجلالة معنى ذلك أن الله ألزم ذاته العلية بما يأتي بعد على .

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

[ سورة النحل : 9]

 والرزق على الله ، أي آية تأتي معها على الله ألزم ذاته العلية بحفظ رزق خلقه وهدايتهم .
المذيع :
 فضيلة الدكتور ؛ بما أننا نتحدث بيوم عرفة ، أسئلة كثيرة تسأل عن معنى يوم عرفة وأيضاً عن فضل يوم عرفة ؟

 

فضل يوم عرفة :

الدكتور محمد راتب :
 أنا مضطر أن أقول : أنت بالأساس بثلاثمئة وخمسة وستين يوماً ، وبالعمر كله مكلف أن تعبد الله ، فربنا عز وجل محبة بنا ، وتكريماً لنا أعطانا صورة استثنائية ، أعطانا ميزات استثنائية ، مثلاً :

(( من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 وبالحج الإنسان يفتح مع الله صفحة جديدة ، والإسلام يجب ما قبله ، والحج صلح مع الله .
 عفواً ؛ أنت لبيت دعوة الله ، الصلاة في بيتك ، أو في الجامع ، والزكاة في بلدك ، والصيام في بلدك ، إلا هذه العبادة ، قال لك : تعال إليّ ، تعال : فعل أمر مبني على الفتح ، لو فهمناه بلاغياً تعال ؛ ترتقي إلى الله ، اصعد إلى ذاته العلية ، دعك من وحل الأرض ، من المصالح ، من المطامع ، من الترهات ، من الخزعبلات ، من اللؤم ، من القتل ، تعال ، انطلق من وحل الأرض إلى وحي السماء ، ذق حلاوة القرب .

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطاب نا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
ولـــــــــو لاح من أنوارنا لك لائح  تركت جميع الكائنات لأجلنــــــــــــــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
***

الدعاء :

 الدعاء أي أنك مؤمن بوجود الله .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا أخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان .