ندوات مختلفة في الجزيرة - الندوة : 7 - ساعة صيام ، ماذا بعد رمضان ؟

2020-06-02

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المذيع :
 إن المؤمن يعتبر بالزمن ، ومرور الليالي والأيام ، وهو دائم التزود من اليوم ومن الغد ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحشر: 18]

 ورمضان سوق أقيم ثم انفض ، ربح فيه من ربح ، وخسر فيه من خسر ، وعلى العاقل أن يجعل من عبادات رمضان ونفحاته زاداً يتزود منه لما بعد رمضان فيعيش الجو الرمضاني طوال العام ، فيعيش بحق معنى أن تكون السنة كلها رمضان ، ما السبيل إلى ذلك ؟ هذا ما سنعرفه في حلقة اليوم .
 يسعدنا ويشرفنا أن ينضم إلينا من العاصمة الأردنية عمان ضيف هذه الحلقة فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الداعية الإسلامية ، أهلاً ومرحباً دكتور محمد ، وكل عام وأنت بخير ، وعيدك مبارك إن شاء الله .
الدكتور محمد راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم ، وحفظ لكم إيمانكم ، ومن يلوذ بكم .
المذيع :
 اللهم آمين .
 فضيلة الدكتور بالبداية لم يتبقَ من رمضان إلا وقت قليل ماذا تنصحنا أن نفعل فيه؟

 

خيار الإنسان مع الدين ليس خياراً تحسينياً بل هو خيار وجودي :

الدكتور محمد راتب :
 بعد رمضان يوجد شوال فقط ، ولكن لا بد من مقدمة تلقي ضوءاً على هذا السؤال الطيب .
 هناك مقدمات لا بد منها : من هو الإنسان ؟ من أنت أيها الإنسان ؟ أنت المخلوق الأول عند الله ، والمكرم ، والمفضل ، والمكلف ، مكلف بعبادة الله .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 والعبادة خضوع هذا المخلوق الحادث ، الضعيف ، الجاهل ، الخائف إلى رب الأرض والسماوات ، إلى الذات المطلقة ، إلى صاحب الأسماء الحسنى والصفات العلا ، إلى من بيده كل شيء ، هذا المخلوق يستمد قوته من خالقه ، ورحمته من أرحم الراحمين ، وحكمته من أحكم الحاكمين ، وفهمه .

﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 79]

 فالإنسان مع الله شيء يصعب التصور ، اشتق من رحمته ، من علمه ، من حكمته، من قوته ، شخصيته قوية ، شخصيته فذة ، لها جانب معرفي ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلمه .
 وجانب سلوكي ، يوجد انضباط ، انضباط بكسبه ، بإنفاقه ، باختيار زوجته ، بتربية أولاده ، بتربية بناته ، باختيار حرفته ، بالعلاقة مع من حوله ، مع والديه ، مع زبائنه إن كان تاجراً ، مع الموظفين إن كان مديراً ، أي العلاقات تبدأ من أخص خصوصيات الإنسان ، من فراش الزوجية وتنتهي بالعلاقات الدولية ، منهج تفصيلي يدور مع الإنسان حيثما دار ، في بيته، في عمله ، في سفره ، في إقامته ، في قوته ، في ضعفه ، في غناه ، في فقره ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14]

 استمع إلى قول الله عز وجل عن الذين شردوا عن الله ، قال تعالى :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

 نبضه ثمانون مثالي ، وضغطه 8 ـ 12 ـ عند الله ميت ، قال :

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون:4]

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾

[ سورة الفرقان: 44]

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5]

 خيارك مع الدين ليس خياراً تحسينياً تجميلياً ، بل هو خيار وجودي .
المذيع :
 فضيلة الدكتور ؛ هذه المقدمة الطيبة المباركة لهذه الحلقة والتي تتحدث ماذا بعد رمضان ، تضعنا في أسئلة كثيرة ، ربما ما يمر به العالم هذا الوقت ، ورمضان هذا العام .

 

بطولة الإنسان أن يكتشف في السلبيات الجوانب الإيجابية :

الدكتور محمد راتب :

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون:4]

المذيع :
 مختلف عن كل الرمضانات السابقة ، أيضاً العيد سيكون مختلفاً ، كان الناس ينزلون إلى صلاة العيد بالآلاف ، يصلون بالساحات ، يملؤون الطرقات ، يصلون ، يهنئون بعضهم بعضاً ، الآن في ظل جائحة كورونا ، الناس سيصلون العيد في بيوتهم ، كيف يقضي المسلم هذه السنة المؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأيام هي أيام أكلٍ وشرب وفرح في ظل جائحة كورونا ؟
الدكتور محمد راتب :
 أحياناً الإنسان يعاقب من قبل الحاكم بحالة بين السجن وبين إطلاق السراح إقامة جبرية ، هذه حالة وسط ، بين أن يسجنه ، أو أن يكون طليقاً .
 الله عز وجل أراد للمسلمين ، أهل الأرض جميعاً الإقامة الجبرية ، في البيت نحن بحكم الله عز وجل بإقامة جبرية ، وأنا أعبد الله كما يريد لا كما أريد ، لكن البطولة ، والذكاء ، والنجاح ، والفلاح ، أن تكتشف بالسلبيات لا في الإيجابيات .
 والله سألت عشرات الأخوة الكرام بالهاتف ، قال لي : أنا أسعد إنسان برمضان جلست مع زوجتي ، وأولادي ، وبناتي ، وصليت إماماً ، وقرأت في كل ركعة صفحة ، قرأنا نصف القرآن ، أول مرة أذوق طعم القرب من الأهل ، الناجحون دائماً أكثر وقتهم خارج البيت ، أما هذه فإقامة جبرية من قبل خالق الأكوان .
 فأنا أعبد الله كما يريد لا كما أريد ، والبطولة أن تكتشف في السلبيات الجوانب الإيجابية ، دائماً وأبداً البيت للمؤمن جنة ، جنة المؤمن داره ، أي علاقته مع زوجته طيبة ، اختارها صالحة ، وهي قبلت به صالحاً ، أنجبوا أولاداً أبراراً ، هذا رمضان أول رمضان والله ما سمعت من إنسان إلا ثناء على هذا الوضع ، صلى بزوجته إماماً ، وأولاده وبناته وراءه ، وبعدما انتهوا تذاكروا في آيات القرآن ، صار هناك ود وقرب عجيب جداً ، نحن الآن بشهر استثنائي لكن أنا أعبد الله كما يريد لا كما أريد ، أنا عبد خاضع ، أراد لي أن أعبده في البيت أعبده في البيت .

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾

[ سورة الحديد: 4]

 هناك أشخاص يؤكدون تأكيداً مبالغاً به الصلاة صلاة .

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾

[ سورة الحديد: 4]

معية الله عامة و خاصة :

 لكن ندقق : هذه المعية الإلهية معية عامة ، ومعية خاصة ، لقوله تعالى :

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾

[ سورة الحديد: 4]

 معكم بعلمه ، مع المؤمن ، مع التقي ، مع النقي ، مع المحسن ، ومع الكافر ، ومع الظالم ، ومع الطاغية .

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾

[ سورة الحديد: 4]

 هذه معية علم يا أخي ، لكن البطولة ، والذكاء ، والتفوق ، والنجاح ، أن تمتلك المعية الخاصة .

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ َ﴾

[ سورة الأنفال: 19]

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 194]

 إنه معهم ، معهم بالنصر ، والتأييد ، والحفظ ، الآية الدقيقة ، دقق :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55]

من قصّر في طاعة الله وفي عبادته فالله في حلّ من وعوده :

 أنا أرى بتواضع شديد أن الحقيقة المرة أحياناً وفي بعض الظروف أفضل ألف مرة من الوهم المريح .

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55]

 بربكم بلا مجاملة ، بلا مبالغة ، هل نحن مستخلفون في الأرض ؟ لا والله .

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55]

 قانون ، دقق ؛ اثنين :

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

[ سورة النور: 55]

 هل هذا الدين ممكن أم يواجه حرباً عالمية ثالثة كانت فيما قبل تحت الطاولة أما اليوم فهي فوق الطاولة ؟ هذا واقع ، هذه حقيقة مرة .

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55]

 فإذا كنا لسنا مستخلفين ، ولسنا ممكنين ، ولسنا آمنين ، أين المشكلة ؟ أين الجواب ؟ قال :

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55]

 فإذا قصر العباد في طاعة الله ، في عبادته ، فالله جلّ جلاله في حلّ من وعوده الثلاث ، هذه الحقيقة المرة سيدي ، تفضل .
المذيع :
 نعم ؛ بالحديث فضيلة الدكتور عن التقصير بالعبادة ما هو مفهوم العبادة ؟ رمضان مرّ على الناس ، والناس أقبلوا على كتاب الله عز وجل ، وعلى الصلاة ، وعلى الذكر ، هل هذا هو مقصود العبادة أم مقصود العبادة أشمل وأكبر من ذلك ؟

 

إلغاء الدين إلغاء للحياة :

الدكتور محمد راتب :
 والله أنا عودت نفسي الحقيقة المرة ، والله الذي لا إله إلا هو من صام رمضان ، وعاد بعد رمضان إلى ما كان عليه قبل رمضان والله كأنه ما صام رمضان ، لماذا ؟ رمضان انقلب دون أن نشعر - لا أعمم ، التعميم من العمى - عند معظم الناس إلى شهر ولائم ، يتفننوان بالطعام ، وإلى شهر سهرات ، إلى منتصف الليل مع المسلسلات ، وقفة على المسلسل ، المسلسل آلية معقدة جداً كل إنسان عنده خطوط دفاع ، الزنا حرام ، الكذب حرام ، الخمر حرام، هذه القصة ، أو المسرحية ، أو الفيلم ، قادرة أن تخترق خطوط دفاعك ، كيف ؟ نحن لا نتكلم عن الدين ولا كلمة ، الدين عظيم ، نري المشاهد بيتاً متفلتاً ، أربعمئة وخمسون متراً ، صالونات، أثاث لوكانز ، البلاط إيطالي ، الثريات رشانج ، بيت فخم جداً ، وصاحب البيت أنيق ، رشيق ، لكنه متفلت ، يستقبل صديقات زوجته بغيابها ، وصديقات زوجته بثياب متفلتة جداً ، ودائماً راحة ، وأناقة ، ولطافة ، وبذخ ، هذا نريه ، هذا لا يوجد به دين إطلاقاً ، مثلاً لا يصلي ، وبدخله قد يكون هناك حرام ، وبيته فخم جداً ، ونريه شخصاً ديناً ، بيته صغير حوالي ستين متراً ، وزوجته عند الجيران ، وأولاده بالطرقات ، هم قدموا أسوأ صورة لرجل الدين ، وقدموا أجمل صورة للمتفلت ، ما تكلموا بالدين ولا كلمة ، استخدموا الصورة مكان الكلمة ، الحقيقة الكلمة صمدت أمام الباطل ، لكن الغرب أراد أن يستخدم الصورة بدل الكلمة ، قدم لك مسلسلات، أفلاماً تمجد التفلت ، تمجد المعصية ، تمجد الاختلاط ، وقد تعذر الزنا ، وقد تعذر المخالفات ، ما قدموا شيئاً ، هذا الشاب يتلقى هذه القصص ، وهذه القصص اخترقت جداره الصلب ، خطوط دفاعه اخترقتها ، هذا الذي يفعله الآن .
 فرنسا عندما احتلت الجزائر ، وجهت لها أربعين محطة فضائية ، لأن الدين قوامه الحياة ، والحقيقة أنت عندما تستطيع أن تلغي الدين ألغيت الحياة ، صار الآخر يخضع لك خوفاً ، و لكن لم يعد هناك شجاعة ، ولا قوة .
 فلذلك الموضوع معقد جداً ، لا ينتهي بلقاء على الجزيرة ، الموضوع كبير .

عظمة هذا الدين أنه دين فردي ودين جماعي :

 لكن أريد أن أقول كلمة أطمئن بها المستمعين والمشاهدين : عظمة هذا الدين أنه دين فردي ودين جماعي، الآن يوجد مليارا مسلم ، لو طبق الواحد الإسلام بثلاث دوائر ، نفسه دائرة، بيته دائرة ، عمله دائرة ، يحقق كل نتائج الإسلام الفردي ، عنده سكينة ، توفيق ، والآية تقول :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147 ]

 أما كأمة إذا اعتمدت منهج الله .

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33]

 أي يا محمد ما دامت سنتك قائمة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله .
 مثل حاد : المسلمون مليارا مسلم ، شاب واحد ، واحد من مليارين ، لو طبق الإسلام في نفسه أولاً ، وفي بيته ثانياً ، وفي عمله ثالثاً ، هذه الدوائر الثلاثة التي تحاسب عنها قطف هذا الشاب وحده من بين ملياري مسلم كل ثمار الدين ، الفردية ليس الجماعية ، أما الأمة إذا طبقت هذا المنهج فالنصر حقيقي .

 

الحرب بين حقين لا تكون لأن الله مع الحق :

 لذلك قالوا : الحرب بين حقين لا تكون ، مستحيل ! من نقطتين يمر مستقيم واحد ، الثاني يأتي فوقه ، والثالث ، والرابع ، الحرب بين حقين لا تكون ، وبين حق وباطل لا تطول ، لأن الله مع الحق ، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ وبين باطلين لا تنتهي ، راحت مع العمر ، بين حقين لا تكون ، بين حق وباطل لا تطول ، بين باطلين لا تنتهي ، فالكرة بملعبنا سيدي ، بملعبنا قطعاً ، أي لحظة نتخذ قراراً حاسماً مصيرياً أن نعبد الله ، أن نعبد الله بالتفصيلات وليس بأداء الصلوات فقط ، ممكن نضع لوحة إسلامية ، بسملة .

﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الفتح: 1 ]

 تضع مصحفاً بسيارتك ، البطولة بغض البصر ، البطولة بتحرير الدخل ، يكون الدخل حلالاً ، والإنفاق حلالاً ، والعلاقات حلالاً .
 مرة كنت بإيطاليا ؛ لفت نظري إعلان مكتوب به : ألبسة حلال ، أعرف أن هناك لحماً حلالاً ، ألبسة حلالاً ؟!
 طبعاً هذا الذي يجلس بباريس أراد أن يقصر التنورة نحن نقصر ، أراد أن يضيق نضيق ، عمل شقة نعمل شقة ، نحن نتبع لإنسان بباريس يتفنن في فضح المسلمات ، البطولة أن تعتز بدينك ، وبقيمك ، ولا تعبأ بكل هذه ، أنا أسميها الصرعات ، صرعات الأزياء تحت قدمك ، عليك التمسك بمنهج خالق الأكوان ، لذلك :

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ))

[سعيد بن منصور في سننه عن علي]

المذيع :
 نعم ، فضيلة الدكتور حديثك عن فكرة البطولة ، والقوة ، وأن الإنسان يأخذ قرار عبادة الله عز وجل ، والحديث الذي ذهب أحد الصحابة يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

(( آمَنْتُ بالله ، ثم استقم ))

[مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه]

 هذا الأمر يحتاج إلى قوة نفسية ، وطاقة نفسية للبذل ، كيف يحصل عليها الإنسان ؟

 

رأس الحكمة مخافة الله :

الدكتور محمد راتب :
 لكن قبل ، قال له : أريد أخف من ذلك ، الصحابي هذه ثقيلة عليّ ، قال له : إذاً فاستعد للبلاء ، إما أن تستقيم على أمر الله لأنه لصالحك ، تعليمات الصانع ، أو تستعد للبلاء.
 أنت عندما يتألق ضوء أحمر بجهازك تقلق ، يقول لك الصانع : أضف مثلاً الزيت ، عفواً لماذا الله قال :

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 28]

 أعقد آلة ، يوجد فيوز ، ما الفيوز ؟ وصلة ضعيفة جداً ، فإذا جاء التيار أكبر مما ينبغي تسيح هذه الوصلة ، ينقطع التيار ، يسلم الجهاز ، هذه المصيبة ، الله عز وجل يتابع عباده ، فلذلك البطولة أن تفهم على الله المصيبة ، لمَ سميت مصيبة ؟ لأنها تصيب الهدف ، يوجد كبر موقف محرج ، يوجد إسراف ضيق مالي .
 والله قال لي أحدهم مرة ، والله دمعت عيني ، قال لي : والله لا أدخل لبيتي فواكه إلا بالسحاحير ، ولا حلويات إلا بالصواني ، قال لي : الآن أنقب بالقمامة على قطعة من الخضروات لم تؤكل ، الله إذا أعطى أدهش ، وإذا حاسب فتش ، ذكاؤك ، وبطولتك ، ونجاحك أن تخاف من الله .

(( ورأس الحكمة مخافة الله ))

[ابن أبي عمر عبد الله بن مسعود ]

المذيع :
 فضيلة الدكتور ؛ ونحن الآن في نهاية شهر رمضان ، ومقبلين على شهر شوال خرجنا من رمضان ، الأعم الأكثر من المسلمين يصلون و يصومون ، والناس دائماً يبحثون عن قبول هذه الأعمال ، أن الله عز وجل يقبل هذه الأعمال ، هل هناك علامات من الممكن أن يراها الإنسان ويعلم أن الله قبل صومه وقيامه ؟

 

بطولة الإنسان أن يفهم على الله حكمته :

الدكتور محمد راتب :
 أنا مضطر أن أوازن بين شيئين ، الشيء الأول : لماذا شرع الله الأشهر الحرم ؟ في هذه الأشهر لا يوجد حرب ، القتال قد يستعر ، والأحقاد تتنامى ، يأتي أمر إلهي بإيقاف الحرب، ذاق الناس طعم السلم فأحبوه ، بلد مجاور حرب أهلية قضت على مئتين و خمسين ألفاً، سبب الحرب الأهلية استفزاز ، بعدما انتهت الحرب وذاق الناس طعم السلم صار هناك ألف استفزاز ولم تقم الحرب ، ذاقوا طعم السلم .
 الآن أنت برمضان تذوق طعم القرب ، صليت صلاة متقنة ، بكيت بالصلاة ، شعرت بسعادة ، صليت بزوجتك وأولادك وبناتك ، هناك غض بصر ، وشاشة مضبوطة ، لا يوجد شاشة مفتوحة ، ولا يوجد كلام فارغ ، ولا يوجد غيبة ، ولا نميمة ، كل هذه السعادة جاءتك من شهر انضباط ، فأنت تتمنى أن تنعم بهذه السعادة بعد رمضان ، والله الذي لا إله إلا هو من عاد بعد رمضان كمن كان قبل رمضان والله كأنه ما صام رمضان .
 طبعاً أحمد شوقي أقسم بالله ما طبقها ، قال :

رمضان ولّى هاتها يا ساقي مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ
***

 قال ، لما عاتبه عليها الشعراوي ، قال له : ألم تسمع قوله تعالى :

﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة الشعراء: 224 ـ 226]

 أما إذا الواحد عاد بعد رمضان إلى ما كان قبل رمضان والله كأنه ما صام رمضان ، رمضان درج ، كل سنة ترقى درجة ، ترقى بعبادتك ، بمعرفتك ، بطاعتك ، بحبك لأهلك ، حبك يتنامى بإتقان عملك ، كان هناك مادة مسرطنة بمعملك ثلاثة بالألف عملتها خمسة بالألف ، ضمان لسلامتك ، رجعتها ثلاثة بالألف ، كلما عرفت الله أكثر تخف منه أكثر .

(( ورأس الحكمة مخافة الله ))

[ابن أبي عمر عبد الله بن مسعود ]

 خوفك دليل فهمك ، إذا تألق ضوء أحمر ، هذا ضوء الزيت ، أتوقف فوراً وأضيف الزيت ، لا تفهمه ضوءاً تزيينياً ، بل هو ضوء تحذيري ، فالبطولة أن نفهم على الله ، من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكثر ، أصبح هو المصيبة .
المذيع :
 فضيلة الدكتور ؛ إذا كنا نحن مقبلين الآن على شهر شوال بعد قضاء هذا الشهر المبارك رمضان ، ما الذي تحذرنا منه ؟

 

ما لم تصح العبادة التعاملية لا نقطف ثمار العبادة الشعائرية :

الدكتور محمد راتب :
 أن نعود بعد رمضان إلى ما كنا عليه قبل رمضان ، لا يوجد غير ذلك ، أن نعود بعد رمضان إلى شيء من التفلت ، شيء من شاشة غير منضبطة ، شيء من سهرة غير منضبطة، شيء من كسب غير مشروع ، شيء من مادة توضع بنسب معينة جداً وفق تعليمات الصانع أثرتها أنت .
 عفواً ؛ العبادات خمس عبادات لا يوجد غيرهم ، صوم ، صلاة ، حج ، زكاة ، شهادة، أما العبادة التعاملية فما لم تصح العبادة التعاملية لا نقطف ثمار العبادة الشعائرية ، العبادة التعاملية تبدأ من فراش الزوجية وتنتهي بالعلاقات الدولية ، كسب مالك ، إنفاق مالك ، قضاء أوقات فراغك ، سياحتك بالصيف ، سياحة مختلطة ، كل امرأة تبرز أفضل ما عندها .
 أعرف اثنين سافروا إلى الساحل في العيد ، رجعا إلى العاصمة الأول طلق زوجته وتزوج الثانية ، والثاني طلق زوجته وأخذ الأولى .
 عندنا اختلاط ، عندنا غيبة ونميمة ، عندنا تجاوز ، عندنا إطلاق بصر ، عندنا شاشة غير مضبوطة .
 أقسم لي شخص هو لا يوجد عنده دقة البالغة بحياته ، شاشة مفتوحة ، رجع وجد منظراً بين ابنه وابنته لا يصدقه أحد ، لكن إذا لم يكن هناك ضبط فهناك فواجع ، دائماً لا تنتظر من مقدمات متفلتة نتائج باهرة ، يكون الذي ينتظرها أحمق ، لا تنتظر النتائج الباهرة إلا من مقدمات منتظمة لذلك : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، دقق : طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
المذيع :
 فضيلة الدكتور ؛ حضرتك كرمت العلم كثيراً ، ما هو المقصود بهذا العلم ؟ وما السبيل إليه ؟

أنواع العلم :

الدكتور محمد راتب :
 والله أنا أشكرك على هذا السؤال .
 هناك علم بخلقه ، فيزياء ، كيمياء ، رياضيات ، طب ، هندسة ، فلك ، جيولوجيا ـ هذا يحتاج إلى دراسة ، ابتدائي ، إعدادي ، ثانوي ، إن كان لسانس آداب ، أو بكالوريوس علوم، دبلوم ، ماجستير ، دكتوراه ، ثلاث و عشرون سنة تدرس ليلاً نهاراً لتضع جانب اسمك د. أي يوجد معك دكتوراه ، هذا العلم المادي ، هذا علم بخلقه ، يأتي علم بأمره ، معه شريعة ، معه أزهر ، أي يعرف الحلال ، والحرام ، والخير ، والشر ، والتفسير ، والحديث ، والسيرة، وأصول الدين إلى آخره ، معه لسانس شريعة ، علم بأمره ، أول علم بخلقه ، علم بأمره ، العلم بخلقه وبأمره يحتاجان إلى مدارسة ، إلى جامعة ، إلى أستاذ ، إلى كتاب مقرر ، إلى دوام ، إلى أداء امتحان ، إلى نجاح ، إلى شهادة ، هذه اسمها مدارسة .
 الآن دقق : أما العلم به فيحتاج إلى مجاهدة ، جاهد تشاهد ، غض بصر ، ضبط دخل ، ضبط إنفاق ، ضبط الشاشة ، ضبط اللقاءات ، عندما تطبق المنهج التفصيلي وقد يزيد عن ألف بند ، كسب مالك ، إنفاق مالك ، علاقاتك ، اختيار زوجتك ، تربية أولادك ، خروج بناتك ، أنت محاسب عن كل شيء بالبيت ، أنت رب البيت ، فإذا طبقت منهج الله عز وجل الآن صار لك خط ساخن مع الله ، خط ساخن ، تستطيع أن تناجيه بالليل ، تطلب منه ، تتذلل أمامه ، فإذا الإنسان عرف الله عز وجل صار إنساناً آخر ، صار إنساناً صدق ولا أبالغ له مئة ألف ميزة ، مؤمن فقط ؟! لا ، المؤمن له رؤية صحيحة ، له ميزان دقيق ، له حس جمالي ، له أذواق عالية جداً ، عنده منطلقات نظرية ، تطبيقات عملية ، بيته إسلامي ، عمله إسلامي ، دخله إسلامي ، إنفاقه إسلامي ، أوقات فراغه إسلامية ، سياحته إسلامية ، منهج تفصيلي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية .
المذيع :
 فضيلة الدكتور ؛ فضيلتك تؤكد على ضبط الحياة ، ضبط الحياة فيما يتعامل الإنسان معه ، إذا كان رب الأسرة ، لديه زوجة وأولاد ، قد يواجه ببعض الصعوبات بفرض هذا الأمر ، هل عليه أن يجبرهم على ذلك ؟ على هذا النظام ؟ على هذا الشيء ؟ أم ماذا ؟
الدكتور محمد راتب :
 عندي جوابان .
المذيع :
 تفضل .

ضبط الحياة بالإقناع لا بالقمع :

الدكتور محمد راتب :
 أول واحد : أقنع ولا تقمع ، أما الثاني فأنا دارس دكتوراه بالتربية ، ما لم تعتن بابنك من يوم ولادته ، قال لنا دكتور بعلم النفس : من يوم الولادة ، قلت له : كيف ؟ قال : بكي جائع أطعمناه ، أرضعناه ، بكى مرة ثانية ثيابه غير نظيفة ، غيرنا له ثيابه ، المرة الثالثة لا يوجد شيء ، آكل ونظيف ، إذا بكى لا نحمله ، العادات التي يشتقها الطفل ، والمهارات ، والمبادئ ، والقيم ، بالسنوات السبعة الأولى .
 لذلك في بلاد متقدمة مدرسو الابتدائي من أقوى المدرسين معهم دكتوراه ، هذا الطفل يتعلم ، مثلاً ، راحت بنت مع أمها لعند الجيران ، والحديث طال ، وتأخرت ، جاءت إلى البيت الأكل ليس جاهزاً ، جاء الأب غضبان ، أين كنتم ؟ قالت له : لم نذهب إلى أي مكان ، هذه البنت الصغيرة شربت الكذب من أمها .
 أقول لك كلمة لكنها قاسية سامحني بها : أكثر أخطاء الأولاد من أخطاء الآباء والمعلمين دون أن تشعر ، أي إذا معلم دخن بالصف ، الدخان لا شيء فيه ، لكن هذا معلم أي شيء خطير جداً .
 أنا أعيد وأقول : أخطر أخطائنا من أخطاء الذين ربونا ، من الآباء والمعلمين ، هذا ابنك ، الأب عندما خلع ثيابه أمام ابنه الصغير ، إذاً لا شيء في هذا ، معنى هذا لا يوجد عورات ، لكن الابن لم ير والده أبداً يخلع ثيابه أمام أولاده ، لم ير والده كذب على أمه أبداً ، لم ير مكالمة عندما دخل زوجته أغلقت الهاتف ، معنى هذا يوجد مشكلة ، فإذا الابن ما رأى خطأ من أمه وأبيه ينشأ على طاعة الله عز وجل ، العملية ليست معقدة تعقيد إعجاز ، تعقيد دقة ، هذا منهج تفصيلي يبدأ من فراش الزوجية ، وينتهي بالعلاقات الدولية ، والأمر الإلهي أكبر وهم عند الناس ، أن الدين صوم ، وصلاة ، وحج ، وزكاة ، لا يا أخي ! الدين منهج تفصيلي ، يغطي كل حاجاتك ، وكل حركاتك ، وكل سكناتك ، وكل سفرياتك ، وكل إقامتك ، ووظيفتك .
 مدرس دخل كتب سطراً ، قال للطلاب : اكتبوه مئة مرة ، خان الأمانة ، هذا طالب ، تكتبه سطراً مئة مرة ، وأنت قاعد مرتاح تتابع مجلة ؟ الله كبير ، الله كبير يحاسب حساباً كبيرلً، أرجو الله أن يعلمنا ما ينفعنا ، ويحفظنا .