مختلفة الكويت : جمعية الإصلاح الاجتماعي الكويت - المحاضرة 02 - ماذا بعد رمضان‎ ؟

2020-05-23

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المذيع :
 أكرمك الله ، الحقيقة نحن نتشرف في هذه الليلة بأن نستضيف ونكون بين يدي أستاذنا وشيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، ولعل من حسن حظنا وحسن طالعنا بأن يكون تم تمديد رمضان يوم برحمة الله سبحانه وتعالى ، يعني تمدد رمضان عندنا يوم لعلها فرصة في سباقنا وطريقنا إلى الله عز وجل .
شيخنا بداية نحن نرحب فيك ، وهذه القناة الرسمية لجمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت ، وهي جمعية إسلامية تعمل منذ أكثر من خمسة وخمسين عاماً في الكويت بعونه سبحانه وتعالى ، نشاطها الإسلامي منتشر سواءً في الجانب الخيري والجهود التوعوية والشبابية.
 شيخنا ؛ تأذن لنا في البداية إذا عندك مقدمة أم تريد أن نبدأ بالحوار والأسئلة فنحن بين يديك ؟

الحب في الله عين التوحيد والحب مع الله عين الشرك :

الدكتور محمد راتب :
 لابد من مقدمة ، الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمفضل والمكلف ، مكلف بعبادة الله .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية ، ليست قسرية ، الذي خلقنا حياتنا بيده ، موتنا بيده ، الصحة بيده ، المرض بيده ، الغنى بيده ، الفقر بيده ، القوة بيده ، والضعف بيده ، ومع كل ذلك ما قبل أن نعبده إكراهاً ، قال :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة: 256]

 بل أراد أن تكون العلاقة به علاقة حب .

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

 الحب في الله عين التوحيد ، والحب مع الله عين الشرك ، أن تحب الله ، أن تحب أنبياءه ، ورسله ، والعلماء الربانيين ، والطاعة ، والمساجد ، والعمل الصالح ، هذا كله حب في الله ، وهو عين التوحيد ، أما الحب مع الله عين الشرك ، أن تحب جهة تمنعك أن تصلي ، فرق كبير بين الحب في الله والحب مع الله ، الحب في الله عين التوحيد والحب مع الله عين الشرك .
 يوجد مصطلح دقيق جداً : علة الوجود ، إنسان أرسل ابنه إلى فرنسا ، للسوربون لينال الدكتوراه ، نقول : مدينة عملاقة كبيرة جداً ، علة وجوده الوحيدة والفريدة في هذه المدينة الدراسة ، هذا لا يمنع أن يدخل إلى مطعم ويأكل ، أن يجلس في حديقة ، أن يشتري مجلة تعينه على فهم اختصاصه ، أما علة وجوده فهي الدراسة .

البطولة والنجاح أن تعرف الله :

 الآن لو سحبنا هذا المثل على علة وجود الإنسان في الدنيا ، لماذا نحن في الدنيا ؟ لماذا خُلقنا في الدنيا ؟ ما الهدف من خَلقنا ؟ ماذا بعد الموت ، ماذا بعد البرزخ ؟ ما هي الآخرة ؟ ما هي الدنيا ؟ عندنا مرض خطير أنا أسميه تجاوزاً : الغرق في الجزئيات ، أهل الأرض قاطبة ، غارقة في الجزئيات ، دفع فاتورة ، قبض قسطاً ، أقام دعوى ، أخذ الجواب ، هناك جزئيات نعيشها ثم نفاجأ بالموت ، من بيت أو من قصر ، عدة مركبات ، بيت في المدينة، بيت في المصيف ، بيت في الجبل ، بيت على البحر ، إلى قبر .

(( عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك))

 الذكاء والبطولة والنجاح والفلاح أن نعد لهذه الساعة التي لا بد منها ، مهما كنت قوياً مهما كنت غنياً ، مهما كنت متمكناً .
 إنسان اشترى فندقاً إلى جانب باريس من ثمانين طابقاً ، أغلى فندق في أوروبا كلها ، في اليوم الثاني كان هناك إشكال بنقل الملكية أصيب بجلطة ومات .
 الموت ينهي كل شيء ، ينهي قوة القوي ، وضعف الضعيف ، وغنى الغني ، وفقر الفقير ، ونشاط النشيط ، وبلادة البليد ، ينهي كل شيء ، فالبطولة أن نعرف لماذا خلقنا ربنا ؟

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية . فالبطولة ، والنجاح ، والفلاح ، والذكاء ، والتوفيق أن تعرف الله .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ورد في الأثر ]

الآيات هي القنوات الوحيدة السالكة لمعرفة الله :

 لذلك أي إنسان يجب أن يقتطع من وقته الثمين فيما يتوهم وقتاً لمعرفة ربه ، لمعرفة سر وجوده ، لمعرفة غاية وجوده ، الله عز وجل قال :

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 185]

 الآيات هي القنوات الوحيدة السالكة لمعرفة الله ، آيات كونية ، المهمة التفكر ، آيات تكوينية أفعاله ، المهمة النظر ، آيات قرآنية كلامه ، المهمة التدبر ، مع الآيات الكونية أتفكر ، ومع الآيات التكوينية أنظر وأتعظ ، ومع الآيات القرآنية أتدبر .
 ومضة واحدة لا غير : الأرض تدور حول الشمس دورة كل عام ، فتدور بمسار إهليلجي بيضوي ، له قطران أطول وأصغر ، هي الآن بالأطول ، تتجه نحو الأصغر بقانون الجاذبية ، الجاذبية متعلقة بالكتلة والمسافة ، المسافة قلت الجاذبية ازدادت ، فلابد يقيناً من أن تنجذب الأرض إلى الشمس ، وإذا انجذبت تبخرت في ثانية واحدة ، ما الذي يحصل ؟ ترفع الأرض سرعتها لينشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة ، تبقى على مسارها .

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر: 41]

 أن تزول عن مسارها ، الآن هي بالأصغر تنتقل نحو الأطول ، المسافة زادت الجاذبية ضعفت ، لا بد من تفلت الأرض من مسارها نحو الشمس ، إن تفلتت تصبح الحرارة ثلاثمئة وستين تحت الصفر ، تنتهي الحياة إن انجذبت أو تفلتت ، يد من ؟ قدرة من ؟ حكمة من ؟ رحمة من ؟ تبقيها على مسارها .
الآن آخر ومضة قبل أن تسألني ، آخر ومضة الله قال :

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج: 1]

 الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً ، أحد هذه الأبراج برج العقرب، يوجد نجم صغير أحمر متألق اسمه قلب العقرب . الآن وطن نفسك لهذه الحقيقة ، هذا البرج فيه نجم صغير أحمر متألق اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما .
 هذا الإله العظيم يُعصى ؟ ألا يخطب وده ، ألا ترجى جنته ، ألا تخشى ناره .

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــــه  إن المحب لمن يحب يطيــع
***

 هذه المقدمة ، تفضل .
المذيع :
 أكرمك الله شيخنا ، دكتورنا جزاك الله الخير ، أكرمكم الله شيخنا ، نحن بداية استهللنا في هذا اللقاء ، وما سألنا عن صحتك ، ولا عن أخبارك ، وأحوالك ؟

الله عز وجل لا يتوافق مع ألوهيته أن يقع في ملكه ما لا يريد :

الدكتور محمد راتب :
 الحمد لله .
المذيع :
 الله يكرمك ، نحن في هذه اللقاءات المباشرة تبسط قليلاً ونرتاح .
الدكتور محمد راتب :
 طبيعي .
المذيع :
 الله يكرمك ، شيخنا ؛ لعل الكثير يسأل عما نعيشه من أحداث الآن من رمضان ، نسأل الله أن يرفع الغمة عن المسلمين وغير المسلمين من مسألة الكورونا ، فكيف ينظر الدكتور محمد راتب النابلسي لهذه المسألة ؟
الدكتور محمد راتب :
 بصرف النظر عن مقولتين ، مقولة حدث طبيعي ، ومقولة مؤامرة ، بصرف النظر عن كونها حدث طبيعي أو مؤامرة ، ما دام الله قد سمح بها إذاً الله عز وجل لا يتوافق مع ألوهيته أن يقع في ملكه مالا يريد ، مقام الإلوهية ، أن يقع في ملكه وباء لمخلوق لا يرى بالعين، ليس كائناً حياً ، يوقف الحياة بالخمس قارات ! لا طيران ، ولا بواخر ، ولا مواصلات ، ولا معامل ، ولا دوام ، ولا موظفين ، الحياة ، والله في منظر لنيويورك ولوس أنجلس وباريس ولندن وبرلين شيء لا يصدق ، فيروس لا يرى بالعين ، يعني الحقيقة بصرف النظر على أن هذا الشيء مؤامرة بحث طويل أو شيء طبيعي أو غير طبيعي الله عز وجل يرينا آياته ، كأن الله يقول لنا :

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14]

 الناس عاشوا في وحل الأرض ، أي ملاهي ، دور سينما ، شواطئ فيها عُري ، إباحيات ، أفلام جنسية ، فضائيات تشيع الفحشاء ، ربا ، شعوب قوية تقهر الضعيفة ، الضعاف يموتون من الجوع ، والكبار يموتون من الترف ، هذا الوضع ، قال النبي الكريم :

(( لتملأ الأرض ظلماً وجوراً ))

[الحارث عن قرة بن إياس]

انعدام الشر المطلق في الكون لأنه يتناقض مع وجود الله :

 الأرض تعيش في وحل المادة ، وحل المصالح ، لا يوجد مبادئ ، يوجد مصالح ، المصالح يتكلم بها لترقية الأطماع ، يوجد مصالح فقط القوي يأكل الضعيف ، الله عز وجل أرسل رسالة ، لو فسرتها مؤامرة الله سمح بها ، لو فسرتها شيء طبيعي الله سمح بها ، على كلٍ رسالة من الله عز وجل :

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14]

 الآن البطولة أحياناً أن تكتشف من الشيء السلبي أشياء إيجابية ، أقمنا شهراً في بيوتنا ، مع زوجاتنا ، وبناتنا ، وأولادنا ، وصلينا أئمة في بيوتنا ، واستمتعنا بهذا البيت الذي هو جنة المؤمن ، في البيت حياة جديدة ، الناجحون في الحياة دائماً خارج البيت ، خارج البيت هذا الشهر بأكمله مع زوجاتنا ، وبناتنا ، وأولادنا ، وأقربائنا ، وصلينا التراويح أئمة ومؤتمين ، وذقنا طعم القرب من الله بنوع آخر .
 فلذلك كل شيء وقع بالخمس قارات من آدم ليوم القيامة أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، والإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق يعني شر مطلق بالكون لا يوجد ، أي الشر للشر لا يوجد لأنه يتناقض مع وجود الله .
 أذكر مرة سألني أخ سؤالاً محرجاً ، قال لي : إنسان ذاهب إلى دكانه في أحد الأيام وبعدما دخل للمحل بعشر دقائق سمع إطلاق رصاص ، مد رأسه فإذا رصاصة تصيبه فيشل فوراً ، فالسائل أراد أن يحرجني ، قال لي : هذا ما ذنبه ؟ أليس العمل عبادة ؟ نزل من بيته بمكان معين على محله التجاري ، فتح المحل ليبيع أقمشة ، يوجد سوق في الشام مهم جداً ، سوق مدحت باشا ، فسمع إطلاق رصاص ، مد رأسه جاءت رصاصة ، قلت له : والله لا أعلم، أنا أصدق أن الله عادل ، أصدقه إخباراً منه لا تحقيقاً ، أما تحقيقاً لا أـستطيع ، أعلم تحقيق عدالته إلا في حالة مستحيل أن يكون لي علم كعلمه ، سبحان الله ! بعد عشرين يوماً لي طالب علم ساكن بحي في دمشق ، قال لي : لنا جار ساكن فوقنا ، يعمل بالأقمشة ، وذهب إلى محله التجاري دون أن يشعر بعد عشرين يوماً سمع إطلاق رصاص ، جاءت رصاصة أصابته بالشلل، هذه القصة ، أنا رأيتها ذُكرت لي ، قال لي : له أخ توفي ، أولاده الأيتام طالبوا عمهم بالإرث ، يوجد محل تجاري للأب المتوفى ، والأيتام طالبوا عمهم بالأجرة ، فطالبوه سنة بأكملها، رفض أن يعطيهم الأجرة ، شكوه إلى أحد علماء الشام كان شيخ القراء ، فامتنع ، قال لهم : اشكوه إلى الله ، هو نفسه الشخص ، سمع إطلاق رصاص ، مد رأسه ، جاءت رصاصة أصابته بالشلل .

من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر :

 أنا أحياناً أعرف بحياتي عشرة قصصاً ، من أول فصل لآخر فصل ، يقشعر جلدي لعدل الله ، وأعرف ألف قصة من آخر فصل لا أفهمها ، أنا كمؤمن أقيس الخمس قصص على الألف ، هناك عدل مطلق ، الله عز وجل غني عن تعذيبنا ، لو على الشبكية في ظلم هذا ظلم مؤقت ، أما في النهاية يوجد عدل مطلق ، الله عز وجل ذات كاملة ، صاحب الأسماء الحسنى والصفات العلا ، من هنا إذا الإنسان آمن بعدل الله المطلق ، آمن برحمته ، بحكمته ، بجماله ، بكماله ، بنواله ، يتجه إليه ، هذه المقدمة التي أردت أن أقدمها لك .
 أما الكورونا رسالة من الله لأهل الأرض قاطبة ، بصرف النظر عن أنها مؤامرة إن شئت أو شيء طبيعي ، لكن :

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14]

 ولكن من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ، المصيبة سميت مصيبة لأنها تصيب الهدف ، فمن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ، فلابد من أن نتعظ .
 لكن هذا الدين كما قلت قبل قليل : له كليات ، أول كلية الفكر ، الإيديولوجية ، العقيدة ، المنطلق النظري ، الفهم ، من أنا ؟ لماذا خلقت ؟ ما حقيقة الدنيا ؟ ما حقيقة الآخرة ؟ ماذا بعد الموت ؟ ما حقيقة الجنة ؟ ما حقيقة النار ؟ هذا جانب إيديولوجي ، فكري ، تصوري عقدي ، هذا الجانب يحتاج إلى طلب العلم .
 فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيه بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، فلذلك ، نعم تفضل .
المذيع :
 العفو شيخي ، أنا فقط أستوقفك عند هذه النقطة .
الدكتور محمد راتب :
 أنا جاهز .
المذيع :
 نعم أستوقفك فقط لاستئذانك بسؤال يتبادر إليّ ، الآن نحن في نهاية رمضان ، وفي ظل ما تفضلت فيه شيخنا أن الإنسان يتكون لديه رؤية من هذا الحدث ، رؤية كونية ، رؤية عقدية ، وإلى آخره ، فالإنسان المسلم ما الذي يأمل ؟ عادةً كل رمضان يمر علينا ، الذي عمره حوالي عشرين ، أو ثلاثين ، أو سبعين ، أو مئة ، كل واحد مرّ عليه عدد من الرمضانات ؟ فبالتالي ما الذي يأمله عادة الإنسان المسلم عند الخروج من رمضان ؟

الحكمة من رمضان :

الدكتور محمد راتب :
 والله الذي لا إله إلا هو إذا عدنا بعد رمضان كما كنا قبل رمضان والله كأننا لم نصوم.

رمضان ولى هاتها يا ساقي  مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ
***

 إذا عدنا بعد رمضان كما كنا قبل رمضان والله كأننا ما صمنا رمضان ، لكن في رمضان يوجد غض بصر ، يوجد ضبط شاشة ، يوجد ضبط علاقات ، يوجد لقاء مع الأهل ، يوجد موعظة حسنة ، يوجد تلاوة قرآن ، يوجد إنفاق مال ، أداء الزكاة ، هذه العادات الإيجابية في رمضان ينبغي أن تستمر بعد رمضان إلى نهاية العام ، هذه الحكمة من رمضان ، أما في بعض بلاد المسلمين أو في معظم بلاد المسلمين أصبح رمضان شهر ولائم ومسلسلات .
 أتمنى أن أقول شيئاً دقيقاً وخطيراً : هذا المسلسل خطورته لا من مشهد مثير جنسياً لا، هناك أعمق من ذلك بكثير ، هذا الفلم ، أو المسلسل ، أو المسرحية ، أو القصة ، العمل الفني ، من قصة إلى مسرحية إلى فلم ، نفس الشيء ، كلها تمثيل ، هذا العمل يريك المتفلت من الدين ، الذي لا يصلي زوجته تستقبل أصدقاءه بغيابه ، بثياب متفلتة ، بيت فخم جداً ، أربعمئة وخمسون متراً ، سيارتان أو ثلاث ، بيت بالمصيف ، بيت على البحر ، دخل كبير ، هو رشيق وأنيق ، زوجته متفلتة ، لم يقولوا عن الدين ولا كلمة ، الإعلام ما تكلم بالدين ولا حرف أعطاك أحلى صورة لإنسان ليس متديناً ، متفلت ، الآن شيخ القرية ، عصبي المزاج ، زوجته عند الجيران ، أولاده بالطريق ، لا يوجد أناقة إطلاقاً بحياته ، ما تحدثوا عن الدين ولا كلمة .

لكل موضوع فهم أرضي وفهم توحيدي سماوي :

 الغرب أخي الكريم أيقن أنه لا يستطيع أن يواجه الإسلام بالكلمة ، فواجه الإسلام بالصورة ، الكلمة لا تنجح ، معنا قرآن ، معنا سنة ، معنا خطباء ، معنا علم ، فواجهنا بالصور هذا الإعلام ، أقول لك كلمة دقيقة : كان يوجد سلطة تشريعية ، وسلطة تنفيذية ، وسلطة قضائية ، الثلاثة التقوا في الإعلام ، الإعلام يركز على موضوع ، العالم يقوم ولا يقعد ، يعتم على موضوع ، يُقتَل مليون إنسان ولا كلمة ، ولا تنديد ، ولا شجب ، ولا سحب سفير ، فالموضوع بقي إعلاماً ، الإعلام يروج ، يثير المشاعر ، لا يوجد إعلام الأمر فيه تعتيم ، فيه تبرير ، فلذلك نحن في عصر كما قال النبي الكريم :

(( تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً إلى أن يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

 يوجد ظلم شديد ، هذا الفيروس رسالة من الله ، قلت لي مؤامرة أو شيء طبيعي رسالة من الله سمح بها ، كائن لا يرى بالعين غير حي يوقف الحياة بالخمس قارات .

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14]

 هذا الفيروس ، هذا فهم توحيدي ، يوجد فهم أرضي ، ويوجد فهم توحيدي سماوي ، يعني الله عز وجل ، أقول كلمة دقيقة جداً : كل شيء وقع بالخمس قارات من آدم ليوم القيامة أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، والإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، في الكون شر مطلق غير موجود كلياً لأنه يتناقض مع وجود الله .
المذيع :
 سبحان الله !

الأمر كله يرجع لله فلو أسلمك إلى غيره لا يستحق أن تعبده :

الدكتور محمد راتب :
 غير معقول ! إذا أسلمك إلى غيره لا يستحق أن تعبده ، قال لك :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 الأمر أل الجنس ، أل الجنس تعني أن أي أمر من آدم ليوم القيامة بالخمس قارات يرجع إليه ، فلو أسلمك إلى غيره لا يستحق أن تعبده .

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 لذلك المقولة التوحيدية التي تفسر مليون موضوع : كل شيء وقع على النطاق المادي وقع بالخمس قارات من آدم ليوم القيامة أراده الله ، ليس معنى ذلك أنه أمر به أو رضي به .
 طبيب تزوج ما أنجب ، عشر سنوات ما أنجب ، ويحب زوجته محبة شديدة ، فأنجب بعد عشر سنوات طفلاً ، اكتشف الأب أن مع ابنه التهاب زائدة ، هذا الأب الولهان بابنه يسمح بفتح بطن ابنه ، واستئصال الزائدة .
 فكل شيء وقع بالقارات الخمس من آدم ليوم القيامة أراده الله ، وليس معنى ذلك أنه أمر به ولا رضيه ، بل سمح به .
المذيع :
شيخنا .

ثلاث حاجات أساسية بكل إنسان متوافرة بهذا الدين :

الدكتور محمد راتب :
 الآن معكوسة ، وكل شيء أراده الله وقع ، عكسها ، والإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، شر مطلق لا يوجد لأنه يتناقض مع وجود الله .
المذيع :
 سبحانه ! شيخنا لعل كلامك ، بآخر الكلام هذا عن الله سبحانه وتعالى ، أن نتذكر الآن الموسوعة الجميلة الرائعة أسماء الله الحسنى ، فكان يستحضرني سؤال حقيقة وهو في رمضان ، ونحن في أجواء رمضان : لماذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما سألته عائشة رضي الله عنها ، قالت : إذا أدركت ليلة القدر ماذا أقول ؟ فقال لها : قولي :
 اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني .
 لماذا اختار الله سبحانه وتعالى ، والنبي صلى الله عليه وسلم اسم العفو دون سائر الأسماء في هذه الليلة ؟
الدكتور محمد راتب :
 لأن الله أودع في الإنسان الشهوات ، شئت أم أبيت ، أودع فيك حب النساء ، وحب المال ، وحب العلو في الأرض ، حب الطعام والشراب لتبقى حياً ، الحاجة إلى الطعام والشراب تضمن بقاءه حياً ، والحاجة إلى الزواج لتضمن بقاء النوع ، لولا الزواج لانتهى النوع البشري ، بعدما أكل وشرب ، وتزوج وأنجب ، عنده حاجة ثالثة إلى التفوق ، إلى بقاء الذكر ، والطعام والشراب يبقى الوجود الفردي ، بالزواج يبقى وجود النوع ، بالتفوق يبقى بقاء الذكر ، بعدما أكلت وشربت ، وتزوجت وأنجبت ، عندك حاجة أن يشار إليك الطبيب الأول ، المهندس الأول ، التاجر الأول ، الداعية الأول ، هذا بقاء الذكر ، ثلاث حاجات أساسية بكل إنسان متوافرة بهذا الدين .

أوامر الله كلها ضمان لسلامتنا :

 لذلك الآن على الأرض يوجد ثمانية مليارات إنسان ، وكلام دقيق جداً ، هل هناك واحد من الثمانية مليارات يحب الفقر ؟ ولا واحد ، يحب المرض ؟ ولا واحد ، يحب القهر ؟ ولا واحد ، هل هناك واحد من الثمانية مليارات لا يحب أن يكون غنياً ؟ بيته واسع ؟ زوجته كما يتمنى ؟ أولاده أبرار ؟ بناته محتشمات ، بيته بمكان ، عنده بيت ثاني بالمصيف ، سيارة معقولة، كلنا نحب السلامة والسعادة والاستمرار ، السلامة بالاستقامة على منهج الله ، لأنك أنت أعقد آلة بالكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولك صانع عظيم ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فأنت انطلاقاً من حرصك على سلامتك وسعادتك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع .
 مثلاً لو أخذت سيارة مرسيدس حديثة ، ستمئة ، وليس مئة وثمانين ، هذه السيارة تألق ضوء أحمر بالبيانات ، هذا التألق ماذا يعني ؟ إذا فهمته تألقاً تزيينياً احترق المحرك ، إن فهمته تألقاً تحذيرياً أوقفت المركبة وزودت المحرك بالزيت ، هذه القصة كلها ، فأنت انطلاقاً من حرصك اللامتناهي على سلامتك ، وعلى سعادتك ، وعلى استمرارك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع .
 الآن إذا كنت تركب سيارة ، ومكتوب حقل ألغام ممنوع التجاوز ، بربك هل تشعر أن هذه اللوحة وجدت حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك ؟ هذه القصة كلها . أوامر الله كلها ضمان لسلامتنا ، سلامة أجسامنا وأنفسنا ومستقبلنا ، فالبطولة أن تعرف الله .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ورد في الأثر]

 هذا الذي أتمنى أن أنقله إلى أخوتنا الكرام .
المذيع :
 جزاك الله خيراً . شيخنا لعل عنوان جلستنا اليوم هو ماذا بعد رمضان ؟ لعلنا نحن نريد ثمرة رمضان وهي التوبة .

رمضان هو عبادة الإخلاص لله :

الدكتور محمد راتب :
 أنا والله أقول من أعماق أعماقي من أربعين سنة بالدعوة ، البطولة أن تستمر إيجابيات رمضان بعد رمضان إلى نهاية العام .
المذيع :
 كيف يتم ذلك ؟
الدكتور محمد راتب :
 إذا أنت ذقت طعم القرب من الله ، ما عندك كلمة فاحشة ، ما عندك رغبة بأن تشاهد على الشاشة شيئاً لا يرضي الله ، ما عندك رغبة أن يكون هناك اختلاط ، ما عندك رغبة أن تغش بالبيع والشراء ، الطرق إلى المعصية لا تعد ولا تحصى ، أنت برمضان أذاقك الله طعم القرب ، هناك معنى أعمق بكثير ، لماذا الله عز وجل حرم علينا القتال في الأشهر الحرم ؟ الدم يغلي ، القتل مستشري ، الآن أذاق الله عباده طعم السلم ، فلما ذاقوا طعم السلم رغبوا أن يستمر، رمضان شهر استثنائي ، دورة مكثفة ، مركزة ، فيها تراويح ، فيها فجر .

(( مَنْ صَلَّى الفجر في جماعة ))

[الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

 الكل صائم ، هناك قرآن ، وزكاة ، وإنفاق ، وجمعيات خيرية ، شهر كله عبادة ، عبادة بالمال ، عبادة بالامتناع .
 مثلاً إنسان بالبيت الساعة الثانية والنصف في شهر تموز برمضان ، بالبيت لا يوجد أحد ، يكاد يموت من العطش ، والثلاجة فيها ماء بارد زلال ، هل يستطيع أن يضع نقطة ماء بفمه ؟ لا يستطيع ، رمضان عبادة الإخلاص لله ، لا يوجد إنسان في الأرض يضبطك بهذه المعصية ، في البيت لوحدك ، الزوجة عند أهلها ، والأولاد بالمدرسة ، والحرارة عالية ، والثلاجة فيها ما لذ وطاب ، مشروبات وماء بارد وفواكه ، هل يستطيع المسلم أن يضع نقطة ماء بفمه ؟

الله تعالى لا نهائي أوامره لا نهائية وعذابه لا نهائي فالبطولة أن نعرفه في الوقت المناسب:

 لذلك هذا الشهر شهر الإخلاص ، شهر العطاء ، فيه أداء زكاة ، فيه صلة رحم ، فيه نظام ، هل يعقل أمة بثانية تأكل ! هل يوجد أمة في الأرض بثانية واحدة المدفع ضرب تأكل ؟ له فوائد رمضان لا تعد ولا تحصى ، لأنه إله ، إله .
 أحياناً إنسان يعمل عملاً فيقول : ضربت عصفورين بحجر ، أي ذكي جداً ، الله يضرب مليون عصفور بحجر واحد .
 أولاً دورة تدريبية للصحة ، الإنسان دائماً الأمعاء فيها بقايا طعام ، بقايا الطعام تجمعت بالممرات عندما يجوع في تجريف للأمعاء ، يعني صيانة كاملة للجهاز الهضمي ، صيانة كاملة لجهاز الدوران ، صيانة كاملة للصحة .

(( صوموا تصحوا ))

[الطبراني عن أبي هريرة ]

 صيانة كاملة ، أنت ما جعت في حياتك ، ولا عطشت دائماً ، حتى الآن يوجد في السيارة براد أيضاً ، ماء في السيارة بارد ، أما في رمضان لا يوجد شرب ماء ، ولا أكل ، مشكلة الفقير أيضاً هو الحقيقة النتائج لا تعد ولا تحصى ، الله عز وجل لا نهائي ، وأوامره لا نهائية ، وعذابه لا نهائي ، فالبطولة أن نعرفه في الوقت المناسب .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ورد في الأثر]

المذيع :
 شيخنا ، استوقفتني كلمة للجنيد البغدادي عندما قال : عليك بحفظ الهمة فإن الهمة مقدمة الأشياء ، وكثير من الشباب ، الحقيقة أنا حتى هذا السؤال وردني أيضاً ، قال : نحن نشعر بروح إيمانية ، وكذا في رمضان ، وفي مواسم أخرى لكن أجد نفسي أضعف ، في وقت ما أضعف ، ما الحل ؟

حاجة الإنسان دائماً إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور محمد راتب :
 الحل سهل جداً ، يقول الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 أنت بحاجة إلى حاضنة إيمانية ، بحاجة إلى أصدقاء مؤمنين ، إلى نزهة مع مؤمنين سهرة مع مؤمنين ، المؤمنون يساعدون بعضهم بعضاً .
 الكلمة دقيقة نوعاً ما : عندنا لعبة اسمها شد الحبل ، هذه الجماعة ، هذه السهرة ، إن استطاعوا أن يشدوك إليهم ، إلى ترك الصلاة ، أو شاشة مفتوحة ، أو ربا ، ابتعد عنهم بلطف أيضاً ، أما إن أمكنك أن تشدهم إليك ابقَ معهم ، دائماً ، الآية :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 جوابي لسؤالك اللطيف : أنت بحاجة إلى حاضنة إيمانية ، بحاجة إلى أصدقاء مؤمنين ، نزهة مع مؤمنين ، سفرة مع مؤمنين ، إقامة مع مؤمنين ، طبعاً علاقات العمل ما لها علاقة ، أما على العلاقات الحميمة ، سهرة للساعة الثالثة ليلاً ، اقعد مع مؤمنين ، نزهة بالصيف ، تحتاج مؤمناً تعيش معه ، والآية واضحة :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

المذيع :
 جزاك الله الخير شيخنا الفاضل ، الله يكرمك نحن في خواتيم هذا اللقاء المبارك .
الدكتور محمد راتب :
 أنا جاهز ، أي سؤال أنا حاضر .
المذيع :
 الله يكرمك ، شيخنا قبل أيام قليلة ، هذا السؤال وردني أيضاً ، كم مرت علينا ذكرى نكبة فلسطين ، وهي حدث عظيم ، وهي الذكرى الآن تقريباً الثانية والسبعين ، وبعض الأخوة كان يقول : لا تشغلوا الناس عن عبادة رمضان بمسائل فلسطين ، وغير فلسطين ، لكن بعض الأخوة يشعر بالحمية لهذه القضايا ، فما بين هذين ماذا ممكن أن نقول لهم ؟

الحرب بين حقين لا تكون :

الدكتور محمد راتب :
 والله يوجد قاعدة أساسية جداً : الحرب بين حقين لا تكون ، لماذا ؟ أي نقطتين في خط مستقيم بينهما ، لو حاولت أن ترسم خطاً ثانياً يأتي فوق الأول ، والثالث ، والرابع ، والمليون ، حرب بين حقين لا تكون ، بين حق وباطل لا تطول ، لأن الله مع الحق ، وبين باطلين لا تنتهي ، إنسان ليس عنده استقامة .

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 اسمع الآية :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور الآية: 55 ]

 والحقيقة المرة ؛ نحن الآن لسنا مستخلفين ، نحن الآن نملك كمسلمين نصف ثروات الأرض ، بالضبط ، ونحتل موقعاً استراتيجياً لا تملكه أمة في الأرض ، وبيننا وسائل توافق لا تملكها أمة ثانية ، ومع ذلك بأسنا بيننا كما ترى وتسمع ، معنى هذا منهج إلهي .

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55]

وعد الله ثابت لا ينتهي فالبطولة أن نفهم على الله حكمته وأن نصطلح معه :

 دقق الآن :

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55]

 الحقيقة المرة : لسنا مستخلفين ، ولسنا ممكنين ، ولسنا آمنين ، أين المفتاح ؟

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55]

 فإذا قصرنا فيما ألزمنا به من عبادة الله فالله جل جلاله في حل من وعودنا الثلاث ، الكرة بملعبنا ، الكرة بأيدينا .

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 وعود الله ثابتة ، يعني الله عز وجل وعده ثابت لا ينتهي ، فنحن البطولة أن نفهم على الله حكمته ، أن تصطلح معه .

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادِ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

 النجاح ، والفلاح ، والتفوق ، والتوفيق أن نعرف الله ، أن نعرف الله ونعرف منهجه ونطبق منهجه ، ينشأ معنا خط ساخن معه ، نقدر نناجيه ، نناجيه ، ندعوه ، نقبل عليه ، الآن تأتي الوعود قطعاً ، كلمة أخيرة : زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين .

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55]

 لكن :

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55]

 والعبادة : طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
المذيع :
 الله أكبر ! جزاك الله كل الخير ، وفتح عليك شيخنا الفاضل .
 شيخنا ؛ لعلنا نختم الآن إذا تكرمت بدعاء نختم فيه مجلسنا هذا .

الدعاء:

الدكتور محمد راتب :
إن شاء الله .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، اللهم واجعل بلاد المسلمين آمنة إن شاء الله .