إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 26 - الصدر وعاء القلب والقلب مركز النفس

2019-05-31

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله على إحسانه ، والشكر لله على توفيقه وامتنانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره، واستن بسنته ، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين .
 وبعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير ، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي : "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً ، وتأملاً ، وعملاً .
 "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة ، باسمكم جميعاً يسعدني أن أرحب بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا ..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم ، وحفظ بلدكم .
المذيع :
 مسمع صوتي لآيات اليوم ، ثم نعود إلى شيخنا لنقف معه حولها تأملات وخواطر .
 يقول ربنا جلّ وعز :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾

[ سورة الشرح : 1 ـ 7]

 شيخنا بارك الله بكم ، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد شرح الله صدره ، فلابد من شيء كان يضايقه ، ما الذي كان يضايقه ؟

 

حزن النبي على ضلال البشر و ضياعهم و انحرافهم :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 من لوازم هذه الآية :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 1]

 فلابد من شيء كان يضايقه ، ما الذي كان يضايقه ؟ ما الذي كان يؤلمه ؟ ما الذي كان يحزنه ؟ كان يحزنه ضلال البشر ، يؤلمه ضياعهم ، انحرافهم ، كان يرى أن نهايتهم إلى الهلاك ، وأن شقاءهم ينتظرهم ، هذا الذي كان يحزنه ، فأين أنت أيها المؤمن من هذه المشاعر ؟ المؤمن يحب من حوله ، فإن رأى من حوله على انحراف ينتهي بهم إلى مشكلة يتألم، كلما اتسعت دائرة الاهتمام ارتقى الإنسان عند الله عز وجل ، هناك إنسان يهتم بنفسه فقط، وإنسان يهتم بأسرته ، وإنسان يهتم بأقربائه ، وإنسان بأبناء بلدته ، أما الأنبياء فإنسانيون ، أعلى درجة وصلوا إليها .
وقف بجنازة قيل له : ليس مسلماً ، قال : أليس إنساناً ؟
 الأنبياء إنسانيون ، وكلما اتسعت الدائرة في اهتمامك ارتقيت عند الله عز وجل .
 لذلك آلمه ضياعهم وانحرافهم ، وكان يرى أن هذه النهاية إلى الهلاك ، وأن شقاءهم ينتظرهم ، هذا الذي كان يحزنه ، فأين الإنسان من هذه المشاعر ؟ ارتقى النبي الكريم بمشاعره الراقية ، بإنسانيته ، بحرصه على بني البشر كائناً من كان ، هناك أشخاص كثيرون إذا تحققت مصالحهم لا يهتمون بأحد ، هذا قاله نيرون ، قال : من بعدي الطوفان ، هذا كلام نيرون حاكم روما .
 هكذا المؤمن ، يهمه من حوله ، يهمه أقرباءه ، أبناء بلدته ، يهمه أبناء بلده ، يهمه الناس جميعاً ، كلما اتسعت الدائرة ارتقيت عند الله .
 مرة جئت إلى الشام بالطائرة ، وكان الطيار تلميذي ، دعاني إلى غرفة القيادة ، عندما دخلت إلى سوريا من طرابلس رأيت بعيني طرطوس وصيدا ، بينهما خمسمئة كيلو متر ، تعلمت درساً بليغاً ، أي على ارتفاع اثني عشر ألف متر ترى خمسمئة كيلو متر .
 فكلما ارتفع مقامك عند الله اتسعت رؤيتك ، وأضيف عليها : واتسعت عاطفتك ، لا تفرح بإنجاز شخصي ، افرح بإنجاز جماعي ، إذا رأيت الناس قد اهتدوا إلى الله افرح كثيراً ، معظم الناس يصلون ، يخافون الله ، يتوبون إلى الله ، يدخل الفرح لقلبك لا يعلمه إلا الله ، فكلما الإنسان اتسعت دائرة اهتمامه يكون أقرب إلى الله عز وجل .

 

القرآن كتاب هداية و معجزات و شرح للصدور :

 لذلك :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾

[ سورة الشرح : 1 ـ 7]

 هذه الهمزة استفهام إنكاري ، ولم حرف نفي ، والعلماء قالوا : نفي النفي إثبات ، أي لقد شرحنا لك صدرك .
 الشيء الدقيق؛ هذا الشرح يعني الهداية ، الله أعطاه الوحي جعله نبياً ، أعطاه المعجزات ، أعطاه شيئاً صار يتكلم عنه للناس ، معه شيء يدل الناس عليه ، صار عنده وحي، صار عنده قرآن ، فشرح الله له صدره بهذا القرآن .

 

من أحبه الله منحه خلقاً صالحاً و أزاح عنه همه وغمه :

 شيء آخر :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 1 ـ 2]

 الحمل الثقيل ، الهم الكبير ، القلق المديد على نبي البشر ، صار عندك هداية ، صار عندك حل ، صار عندك وحي ، صار عندك منهج ، صار عندك قانون ، صار عندك آيات قرآنية ، صار عندك حديث شريف للنبي اللهم صلّ عليه ، إذاً انشرح بالعلم ، وتوسع بالمعرفة ، وتوسع أيضاً بمكارم الأخلاق ، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحبّ الله العبد منحه خلقاً صالحاً ، خلقاً قيماً .

﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 2]

 أزحنا عنك همك ، وغمك ، أزحنا عنك قلقك ، أزحنا عنك ألمك ، فالإنسان إذا عرف الله عرف كل شيء ، وإن فاتته هذه المعرفة فاته كل شيء ، أي أعناك على هداية قومك، أعناك على هذه الهداية بالوحي ، القلوب مالت إليك ، سارع الصحابة إلى الإيمان بك وصدقوك ، والوزر هو الحمل ، أي حمل هذا ؟ الوحي صعب على النبي الكريم ، لأن النبي بشر ، وجبريل ملك ، الصفة الملائكية اختلطت مع الصفة البشرية ، قال :

((دَثِّروني ، فدثروني))

[البخاري ومسلم والترمذي عن جابر بن عبد الله]

 أي شيء ليس سهلاً .

 

أعمال المؤمن ترفع ذكره بين الناس و تعلي قدره :

﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 1 ـ 3]

 لي رأي دقيق : أية صفة للنبي عليه الصلاة والسلام ، ومن خصوصيات النبي لكل مؤمن منها نصيب ، بقدر إيمانه وإخلاصه ، فالمؤمن إذا طلب العلم رفع الله ذكره ، إذا وفق بالدعوة إلى الله رفع الله ذكره ، إذا أحسن للبشر أحبوه ، فكل أعمال المؤمن ترفع ذكره بين الناس، تعلي قدره ، يتألق .
 طبعاً أنت تعيش بين أناس يحبونك ، شيء رائع جداً ، بين أناس يقدرونك ، شيء رائع جداً ، فكما أن النبي رفع الله ذكره ، ولكل مؤمن من هذه الآية نصيب ، بقدر إيمانه وإخلاصه ، وإذا أعان الله عبداً على هداية الآخرين فهذه نعمة كبيرة جداً ، أعطاه حجة ، أعطاه برهاناً ، أعطاه نصوصاً صحيحة ، أعطاه أسلوباً رائعاً في الدعوة إلى الله ، أعطاه حكمة بالغة في معاملة الآخرين ، هذه كلها عطاءات إلهية ، إذا علم منك إخلاصاً في دعوتك إلى الله أعانك على الدعوة ، وفقك إلى الكلام الطيب ، إلى الحكمة البالغة في معاملة الخلق .

 

الحكمة أكبر عطاء إلهي على الإطلاق :

 أنا أقول : أكبر عطاء إلهي على الإطلاق الحكمة ، أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً ، وبالحكمة تجعل الجاهل متعلماً ، بالحكمة تسعد بأي زوجة ، ولو من الدرجة العاشرة تسعد بها ، أنت بالحكمة تدبر أمرك بالمال المحدود ، بلا حكمة تجعل الصديق عدواً ، وتشقى بأي زوجة ، وقد تنفق المال الكثير ولا تسعد به ، أنا أكاد أقول : أكبر عطاء إلهي على الإطلاق الحكمة ، والحكمة لا تؤخذ ولكنها تؤتى .

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة : 269]

كمال النبي و أخلاقه العظيمة :

 الله عز وجل جعل هذا النبي قمة البشر ، هو قمة البشر قولاً واحداً ، سيد ولد آدم اللهم صلّ عليه ، كان متواضعاً ، وكان يرعى الأيتام ، وكان يستمع إلى الصغار .
 يا عمير ما فعل النغير ؟ طفل عنده طائر اسمه النغير ، يا عمير ما فعل النغير ؟
 يتحبب إلى الصغار ، يجلس حيث ينتهي به المجلس ، تواضعه وكماله يلفت النظر .
 عندما كان بمعركة وكانت الرواحل ثلاثمئة والصحابة ألفاً ، فقال النبي الكريم : كل ثلاثة على راحلة ، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ، سوى نفسه مع أقل جندي ، فلما ركب الناقة وجاء دوره في المشي ، توسل صاحباه أن يبقى راكباً ، قال : ما أنتما بأقوى مني على السير ، ولا أنا بأغنى منكما على الأجر .
 هذا النبي الكريم كماله شيء يلفت النظر .

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

 ما قال إنك ذو خلق ، قال :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى ﴾

[ سورة القلم : 4]

 متمكن ، والإنسان قد يتعلم كثيراً ، لكن الذي يلفت النظر فيه أخلاقه العالية .

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

 الله أعطاه آلاف الصفات المتميز بها ، أما حينما أثنى عليه فقد أثنى على خلقه ، لذلك قال :

﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾

[ سورة المزمل : 5]

 هذا الوحي ، الحقيقة الوحي شيء يصعب تصوره ، ومع ذلك الله عز وجل أكرمه بالسيدة خديجة ، خففت عنه آلامه ، ودهشته ، وكانت السيدة خديجة شيء يفوق حدّ الخيال ، طبعاً هي تكبره بكثير ، لكن حينما قالت عائشة : ألم يبدلك الله خيراً منها ؟ قال : لا والله ، كان وفياً لها وفاءً يفوق حدّ الخيال ، للسيدة خديجة .
المذيع :
 شيخنا ، في قوله :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 1]

 لماذا خصّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الصدر بالذكر ؟ وما المراد بذلك ؟ وما الذي يشرح الصدور ؟

 

الصدر وعاء للقلب والقلب مركز النفس :

الدكتور راتب :
 لأن الصدر وعاء للقلب ، القلب مركز النفس ، الآية تقول :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾

[ سورة الحج : 46]

 عندنا قلب مضخة ، هذا معروف ، لكن يوجد قلب آخر ، قلب النفس مركز النفس، فالصدر مكان القلب .

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 1]

 أي وعاء القلب .
المذيع :
 وما الذي شرح الصدور ؟

 

أي صفة من صفات النبي لكل مؤمن منها نصيب بقدر إيمانه وإخلاصه :

الدكتور راتب :
 جاء الوحي ، صار هناك وحي ، صار هناك أمر افعل ولا تفعل ، صار عندك منهج، وشرع ، ومعرفة بالله ، وآيات كونية ، وآيات تكوينية ، وآيات قرآنية ، وكان هناك حيرة وشيء مجهول ، كيف يصل إلى الله عز وجل ؟ جاء الوحي بيّن كل شيء .

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 4]

 هنا الشاهد؛ مرة إنسان من غير البلاد الإسلامية رأى عيداً بسوريا ، قال : ما مناسبة هذا العيد ؟ قالوا : عيد المولد ، قال : من صاحب هذا العيد ؟ قالوا : نبي ، قال : متى جاء ؟ قالوا : قبل ألف و أربعمئة سنة ، كاد يصعق ، من ألف و أربعمئة سنة تحتفلون بمولده؟!
 هو الإنسان الأول في الأرض ، سيدة ولد آدم ، فهذا النبي الكريم الله أكرمنا به ، وهذا النبي الكريم جاء بالقرآن الكريم ، الأنبياء جميعاً جاؤوا بمعجزات ، لكنها انتهت بموتهم ، المعجزات حسية ، كتألق عود الثقاب ، تتألق وتنطفئ ، تصبح خبراً ، أما النبي الكريم فقد جاء بالقرآن ، هذا القرآن كلام الله ، مستمر إلى نهاية الدوران ، لكن :

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 4]

 أنا أقول هذه الكلمة للمؤمنين : أي مؤمن يستقيم على أمر الله ، يدعو إلى الله ، يلتزم منهج الله ، يسعى إلى هداية من حوله ، يرفع الله له ذكره ، حتى أقول : أي صفة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام لكل مؤمن منها نصيب بقدر إيمانه ، وإخلاصه .
المذيع :
 شيخنا :

﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 2 ـ 3]

 ما المراد بالوزر ؟ وما معنى هذه الآية ؟

 

كلما ارتقى الإنسان يشعر بأبوة عارمة تغطي كل من حوله :

الدكتور راتب :
 رحمته التي اقتضت ألمه على من ضلال من حوله ، إذا شخص عنده ابن لا سمح الله ولا قدر كان منحرفاً ، لا يصلي ، يدخل على قلب الأب ألم لا يحتمل ، لأنه ابنه ، فالنبوة أبوة ، أبوة بالمعنى الدقيق جداً .

﴿ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾

[ سورة هود : 78]

 هنّ لسن بناته ، لكن النساء بناته ، فكلما ارتقى الإنسان يشعر بأبوة عارمة تغطي كل من حوله ، فلما جاء الوحي ، صار هناك منهج ، وحلال وحرام ، وافعل لا تفعل ، وجنة ونار ، وعد ووعيد ، صار هناك منهج ، هذا المنهج صار طريق هداية الخلق ، كان في حيرة .

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 1]

 كان في حيرة .

﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 2]

 ألمك ، الذي آلمك من ضياع من حولك ، فلما جاء الوحي بيّن الأمر ، صار عندنا فرائض وسنن ووعد ووعيد وجنة ونار ، القرآن مفعم بالأشياء اللطيفة والدقيقة بآن واحد ، من هنا جاء الوحي :

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 4]

 الاسم الذي ارتفع إلى أعلى عليين .
 الحقيقة أن بعض الكتاب الأجانب رأوا ما فعله النبي ، يوجد إنسان ألّف كتاباً عن رسول الله قال : يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله ، ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة العقل ، ونهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع ، فعشت واحداً بين الجميع ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلة الناس عبادتك .
المذيع :
 ما السبيل إلى أن يرفع الله لك ذكرك ؟

 

العمل الطيب يعلي قدر الإنسان و يثير مديح الآخرين :

الدكتور راتب :
 أنا متأكد مما سأقول ، أية صفة للنبي الكريم التي خصه الله بها لكل مؤمن منها نصيب بقدر إيمانه وإخلاصه ، فأي شاب تعلم القرآن علم غيره ، تعلم المنهج أعطاه لغيره ، نصح من حوله ، أخلص لأسرته ، كان ابناً باراً ، هذا الشاب المؤمن له نصيب من هذه الآية :

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 4]

 الإنسان إذا غاب القوي يمدح في حضرته ، بينما المحسن يمدح في غيبته ، إذا ابن محسن أينما تحرك الأب والأم يمدحوه ، له مكانة ، صار له مكانة بالعائلة ، فالعمل الطيب يعلي قدر الإنسان ، والعمل الطيب يثير مديح الآخرين ، وهذا الشيء للإنسان يرفع ذكره .
المذيع :
 شيخنا ما نوع ال في كلمة العسر ؟ وما الذي يفيده تكرار كلمة اليسر ؟

 

الفائدة من تكرار كلمة اليسر :

الدكتور راتب :
 لا يغلب عسر يسري .

﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

[ سورة الشرح : 1 ـ 7]

 يا أخي كلمة دقيقة جداً جداً ، الشيء الذي يمكن أن يكون إن بعد العسر يسراً ، بعد ، المنطق يقتضي إن بعد العسر يسراً ، الآية لا .

﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

[ سورة الشرح : 1 ـ 7]

 العسر نفسه باليسر ، تضيق نفسه يلجأ لربه ، أقبل عليه ، استنار قلبه بنور الله غيّر سلوكه ، غيّر مواقفه ، غيّر دخله ، أحسن لمن حوله ، شعر بالسعادة ، ما سبب السعادة ؟ العسر الذي جاء قبلها ، لذلك المصائب سميت مصائب لأنها تصيب الهدف .

 

سياسة الله في معاملة عباده :

 عندنا هدى بياني ، أنت مرتاح لا يوجد عندك أية مشكلة ، تسمع آية ، حديثاً ، خطبة من خطيب مخلص بخطابه ، درس دين ، ندوة إيمانية ، تقرأ تفسيراً ، تتأثر ، هذا هدى بياني ، الموقف الكامل فيه الاستجابة .

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 24]

 هذا أرقى شيء ، الهدى البياني ، وأنت مرتاح لا يوجد عندك مشكلة إطلاقاً ، إلا أنك سمعت درساً ، سمعت تفسيراً ، سمعت خطاباً دينياً ، سمعت وعظاً من إنسان عال ، هذا الهدى البياني ، أكمل موقف فيه الاستجابة :

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 24]

 دعاك لما يحييك ، معنى هذا قبل الهدى يوجد موت ، الله قال :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل :21]

 موت القلب ، موت العقيدة ، موت الحركة ، لا يوجد حركة صالحة ، ولا عقيدة قويمة، ولا حياة سعيدة .

﴿ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 24]

 هذا الهدى البياني ، إذا شخص لم يستجب عندنا طريقة ثانية اسمه : التأديب التربوي، الطريقة الثانية؛ التأديب التربوي ، قال تعالى :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 عندما لم يستجب بالهدى البياني بمحاضرة ، بخطبة جمعة ، بكتاب تفسير ، بندوة إسلامية ، بلقاء إيماني ، ما استجاب ، الآن عندنا طريقة أصعب ، يقول الطبيب للمريض : إذا عملت حمية قاسية جداً لستة أشهر تشفى من قرحة المعدة ، وإذا لم تعمل حمية فسوف تحتاج إلى عمل جراحي ، يأتي التأديب التربوي .

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 هذا الموقف الثاني ، الموقف الأول استجابة ، الثاني توبة ، لم يتب ، هناك ترتيب ثالث الإكرام الاستدراجي ، تفتح عليه الدنيا ، دخل كبير ، مكانة كبيرة ، الموقف الكامل الشكر ، لكن الذي ينتفعون بالتأديب التربوي عددهم أكبر بكثير ، إذا كان عدد المنتفعين بالتأديب التربوي تسعين بالمئة هناك عشرة بالمئة لم ينتفعوا ، الإكرام الاستدراجي الموقف الكامل الشكر ، لا بالهدى البياني استجاب ، ولا بالتأديب التربوي تاب ، ولا بالإكرام الاستدراجي شكر ، بقي القصم، هذه اسمها سنن الدفع إلى الله ، سنن أي قوانين ، الهدى البياني ، التأديب التربوي ، الإكرام الاستدراجي ، القصم .
 الآن عندنا سنن الردع ، المصائب ، الأنبياء مصائبهم مصائب كشف فقط ، عنده كمال كبير ، لا يبدو إلا بمصيبة ، يذهب إلى الطائف مشياً على قدميه ، مشى ثمانين كيلو متراً، يدعونهم إلى الدين ، يستهزؤون به ، يكذبونه ، أغرروا صبيانهم بضربه ، وسال الدم من قدمه الشريف ، يأتي ملك الجبال يقول : يا محمد أمرني رب أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ، يقول : لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، هذه النبوة .
 صار عندنا إكرام استدراجي ، تأديب تربوي ، قصم ، مصائب الأنبياء كشف ، للمؤمنين دفع ورفع ، دفع إلى الله ، وإذا ضاعف أعماله الطيبة رفع .
 لغير المؤمنين ردع وقصم ، جميع المصائب خمسة أنواع ، للأنبياء كشف ، للمؤمنين دفع ورفع ، لغيرهم ردع وقصم ، وكل إنسان يعلم .

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14ـ 15]

المذيع :
 شيخنا بارك الله بكم ، في قوله تعالى :

﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾

[ سورة الشرح : 6]

 لهذه الآية عدة معان ، ما أوجه هذه المعاني ؟

 

معاني قوله تعالى : فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ :

الدكتور راتب :
 إنسان عنده امتحان ، يجب أن يدرس ، لكن بعدما انتهى من الدراسة يعمل قيام الليل، يقرأ القرآن كل يوم خمس صفحات ، إذا فرغت من عمل مشروع طبعاً ، من امتحان ، من عام دراسي ، من مهمة ، من تجارة ، اضطررت أن تسافر من أجلها ، فإذا فرغت من هذا العمل المشروع فانصب في عبادتك ، اجتهد في عبادتك ، إذا فرغت ، أحياناً يوجد عمل مشروع ، أنت مشغول ببيع صفقة ، مشغول بأداء امتحان بالجامعة ، عنده دراسة مستمرة ، طبعاً سنوات ثابتة ، لكن لم يعد عندك أعمال تطوعية زيادة ، كنت مشغولاً بعمل أساسي و فرغت منه فانصب لطاعة الله ، فانصب لعمل صالح .

﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾

[ سورة الشرح : 6]

 أحياناً يوجد عمل مشروع لكن قد يضعف إقبالك على الله بشكل أكبر فانصب في طاعة الله .

﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾

[ سورة الشرح : 6 ـ 7]

المذيع :
 في قوله تعالى :

﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾

[ سورة الشرح : 7]

 ما السر في تقديم :

﴿ وَإِلَى رَبِّكَ ﴾

[ سورة الشرح : 7]

التقديم والتأخير يعطي معنى القصر والحصر باللغة :

الدكتور راتب :
 ارغب إلى ربك ، لا تمنع أن ترغب إلى غير ربك ، التقديم والتأخير يعمل قصراً وحصراً ، كأن تقول :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

[ سورة الفاتحة : 5]

 لو قلت : نعبد إياك لا تمنع أن نعبد غيرك ، أما :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

[ سورة الفاتحة : 5]

 وحده .

﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾

[ سورة الشرح : 7]

 فارغب إلى ربك ، لا تمنع أن ترغب إلى غير ربك ، فالتقديم والتأخير يعطي معنى القصر والحصر باللغة .
المذيع :
 شيخنا ، هذه السورة كأنها تشير إلى أن يشغل الإنسان أوقات فراغه بالعبادة ، كيف للإنسان أن يربي نفسه على أن يستغل أوقاته فيما يفيده ؟

 

كيفية تربية الإنسان نفسه على استغلال أوقاته فيما يفيد :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أنا أتمنى أن نفهم فهماً أدق من ذلك ، أن ننوع العبادة ، أن تقرأ القرآن عبادة، وأن تقرأ الحديث عبادة ، أن تدعو بعض أخوانك إلى البيت لمذاكرة دينية عيادة ، أن تزور مريضاً عبادة ، العبادات منوعة جداً ، العبادات إذا نوعتها أحببتها ، عيادة المريض عبادة ، إذا كان الإنسان يزور والديه إذا كان متزوجاً عبادة ، أن يرعى أخته عبادة ، أن ينفق من ماله عبادة، أن يربي يتيماً عبادة ، أن يلقي محاضرة عبادة ، فالعبادات إذا تنوعت أحببتها ، والإنسان يحب التنوع ، أي من طبيعته أنه يحب التنوع ، فنوع بالعبادات حتى تحب العبادات جميعها .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 جزاكم الله خيراً شيخنا ، وبارك الله بكم ، ونفع بكم .
الدكتور راتب :
 أقل واجب سيدي ، وأنا أقول : بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم إن شاء الله .
المذيع :
 آمين جزاكم الله الخير شيخنا ، والشكر موصول لكم أنتم أحبتي على طيب المتابعة ، وجميل الاستماع .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته