إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 23 - ذكر الله أوسع نشاط إيماني .

2019-05-28

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله على إحسانه ، والشكر لله على توفيقه وامتنانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره، واستن بسنته ، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين .
 وبعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير ، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي : "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً ، وتأملاً ، وعملاً .
 "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة ، نسعد باسمكم جميعاً أن أرحب بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي ، فأهلاً وسهلاً ومرحباً به ..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم ، وحفظ لكم بلدكم .
المذيع :
 آمين ، جزاكم الله خيراً .
 مسمع صوتي عن آيات اليوم ثم نعود مع شيخنا لنقف معه حولها ، يقول ربنا جلّ وعز :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً َ﴾

[ سورة الأحزاب : 41 ـ 42]

 شيخنا ، بارك الله بكم ، في مناسبة هذه الآية لما قبلها ، تحدثت الآية التي سبقت هذه الآية عن وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزام أمره ، والتأدب في حضرته، فجاءت هذه الآية لتأمر بذكر الله فهو السبيل إلى الاستقامة على أمر الله ورسوله .
 بداية ما فحوى الأمر ؟ وهل فحوى الأمر أن تذكر الله فحسب ؟

 

وجوب ذكر الله ذكراً كثيراً :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 القرآن ضرب أمثالاً كثيرة ، أنا أضرب هذا المثل اقتداءً بمنهج الله في كتابه ، لو أن طبيباً عنده مريض مصاب بفشل كلوي ، يقول له : اشرب الماء الكثير ، لو قال له : اشرب الماء ، الكل يشرب الماء ، الأمر منصب على الكثير ، نضع تحت كلمة كثير أربعة خطوط ، أي إنسان يشرب الماء ، لكن هذا الذي معه فشل كلوي يحتاج إلى ماء كثير ، يحتاج أقل شيء إلى لترين في اليوم ، يقول له : اشرب الماء الكثير ، نضع تحت كثير أربعة خطوط .
 أما كل إنسان يذكر الله ، يقول : يا رب ، فالذكر موجود ، لكن الأمر منصب على الذكر الكثير .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41 ـ 42]

 فممكن أن نضع تحت كثيراً أربعة خطوط ، وُصِف المنافقون أنهم يذكرون الله ، ماذا قال الله عز وجل ؟

﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً َ﴾

[ سورة النساء : 142]

 فمادام المنافق يذكر الله الذكر القليل ، فالمؤمن مكلف أن يذكر الله الذكر الكثير ، فالأمر منصب على الذكر الكثير .
 كما لو أن الطبيب نصح من يحمل مرضاً في كليته أن يشرب الماء الكثير ، لا أن يشرب الماء ، كل إنسان يشرب الماء ، أما أن يشرب الماء الكثير .
المذيع :
 شيخنا ، في قوله :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً َ﴾

[ سورة الأحزاب : 41 ـ 42]

 بمَ اختص الذكر على سائر الأعمال الصالحة ؟

 

الذكر أوسع نشاط إيماني يدور مع الإنسان حيثما دار :

الدكتور راتب :
 والله يا أخي الذكر ، أنا أحار بهذه الكلمة ! أحار حيرة تعجب ! إذا تفكرت في خلق السماوات والأرض فأنت ذاكر ، إذا قرأت القرآن فأنت ذاكر ، إذا قرأت الحديث الشريف فأنت ذاكر ، إذا نصحت ابنك أن يصلي فأنت ذاكر ، إذا ذكرت الناس بنعم الله فأنت ذاكر ، أي لا يوجد كلمة تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته صباحاً ومساءً ، وليلاً ونهاراً ، وفي بيته ، وفي عمله ، وفي نزهته ، وفي أعماله كلها كالذكر ، دخل لبيته يوجد ذكر ، خرج من بيته يوجد ذكر ، لبس ثوباً جديداً يوجد ذكر ، رأى ابنه أمامه يوجد ذكر ، فالذكر أوسع نشاط إيماني ، يدور مع الإنسان حيثما دار ، من دون استثناء ، لذلك جاء الذكر بالأمر الكثير :

﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً َ* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة الأحزاب : 41 ـ 43]

 صلاة الله على عباده صلاة إكرام ، صلاة تنوير لقلوبهم ، وصلاة الإنسان لربه صلاة دعاء ، واستجابة لأمره .
المذيع :
 شيخنا ، هل لأحد عذر في ترك ذكر الله تعالى ؟

 

من لم يذكر الله ألغى سبب وجوده و مهمته في الحياة :

الدكتور راتب :
 أبداً ، سؤال : أنت حينما تكون في الجامعة ، مهمتك الأولى والوحيدة أن تدرس ، فإذا الإنسان لم يدرس ما قيمة ذهابه إلى الجامعة ؟ جلوسه في المطعم ، جلوسه في الحديقة ، أن يصحب أصدقاءه ، ونسي الدراسة ، أي نسي علة وجوده، نسي سبب وجوده ، نسي أهم شيء بوجوده ألا وهو الدراسة .

﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 فالإنسان إذا ما ذكر الله ألغى وجوده ، ألغى سبب وجوده ، ألغى مهمته في الحياة .
المذيع :
 شيخنا ، لماذا اختار الله سبحانه وتعالى أن يكون التسبيح :

﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 42 ]

أي نشاط إيماني ينطلق من إيمانك بالله في شؤون حياتك هو ذكر :

الدكتور راتب :
 طبعاً هذا يقال له بالمعنى الإجمالي دائماً ، مثلما قال : أنا أذكر الله قائماً وقاعداً ، ومضطجعاً ، فيها ثلاث حالات ، القيام ، والقعود ، والاضطجاع ، يذكر الله :

﴿ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 قائماً ، قاعداً ، ومضطجعاً ، كناية عن إقامة الذكر ، في كل شؤون حياتك .

((ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم ، وأرفَعِها في درجاتكم ، وأزكاها عند مليكِكم ، وخير لكم من الوَرِق والذهب ، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقَكم ؟ قالوا : بلى ، قال : ذِكْرُ الله ))

[الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه]

 أوسع نشاط عبادي على الإطلاق هو ذكر الله ، إن نصحت زوجتك فأنت ذاكر ، إذا استمعت إلى ابنك وهو يتلو القرآن فأنت ذاكر ، إن ألقيت خطبة فأنت ذاكر ، إن تفكرت في خلق السماوات والأرض فأنت ذاكر ، أي نشاط إيماني ينطلق من إيمانك بالله في شؤون حياتك اليومية مع أسرتك ، مع أهلك ، في عملك ، مع موظفيك ، مع من دونك ، مع من فوقك ، هو ذكر ، أوسع نشاط على الإطلاق .
المذيع :
 شيخنا ، قال سبحانه :

﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً َ ﴾

[ سورة الأحزاب : 42]

 هل لنا أن نتحدث عن التسبيح ؟

حاجة كل إنسان إلى الذكر و هو متفرغ :

الدكتور راتب :
 لأن عندنا وقت العمل ، أما بكرة فقبل العمل ، الأصيل بعد العمل ، هذان الوقتان الإنسان يخلو بهما مع نفسه ، فأنت تحتاج إلى ذكر وأنت متفرغ .

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

 وقت الفجر ، ووقت العشاء ، وقت العشاء إلى متابعة الليل ، تنام نوماً مريحاً ، قد ترى أحلاماً لطيفة ، قد ترى نفسك تقرأ القرآن مع أحبابك .

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ))

 لا يوجد خطأ ، لا يوجد قهر ، لا يوجد مصيبة فجائية ، نعوذ بك من فجأة نقمتك ، وجميع سخطك ، أي التبدل قد يكون فجأة ، من عافية إلى مرض ، حادث سير ، مشكلة كبيرة جداً ، هناك جريح ، ومستشفى ، ومشكلة بالسيارة ، نعوذ بالله من فجأة نقمتك ، وتحول عافيتك، وجميع سخطك ، لك العتبى حتى ترضى .
المذيع :
 شيخنا ، حدثونا عن التسبيح .

 

معنى التسبيح :

الدكتور راتب :
 التسبيح؛ أن تسبح في ذكر الله ، تسبح الله ، سبحان الله ، سبحان الله أن تعظمه ، سبحان الله أن توحده ، سبحان الله أن تطيعه ، أنت تعظم هذا الخالق ، هذا التعظيم ماذا يقتضي ؟ أن تطيعه ، هذا التعظيم ماذا يقتضي ؟ أن تحبه .
 يقول أحد العلماء : من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه ، ومن أعجب العجب أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه .

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنـا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبــــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمــــة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــــــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنــــــــــــا
فــأيسر ما في الحب بالصب قتله  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنــــا
***

 أقسم لك بالله : أكبر عقاب يعاقب به المؤمن أن يُحجب عن الله .

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[ سورة المطففين :15]

المذيع :
 شيخنا ، المصلي لا يغدر ، ولا يكذب ، ولا يستعلي ، ولا يظلم ، لأنه اصطبغ بصبغة الله عز وجل .

 

الفرق بين الفطرة و الصبغة :

الدكتور راتب :
 هناك فطرة ، وهناك صبغة ، الفطرة أن تحب الخير فقط ، لا أن تكون خيراً ، الصبغة أن تكره الشر ، أن تحب وأن تكره ، لذلك قال تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم : 30]

 أنت مفطور على حب أي أمر دون أن تشعر ، ومفطور أيضاً على كراهية أي نهي نهيت عنه ، والدليل :

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾

[ سورة الحجرات : 7]

 أن تحب الخير لا أن تفعله ، أن تكره الشر لا أن تجتنبه ، هذه فطرة ، لكن إذا أقبلت على الله ، واشتققت من الله الكمال ، الآن تصبح خيّراً ، فرق بين أن تحب الخير وبين أن تفعله ، وبين أن تكره الشر وبين أن تجتنبه ، الصبغة اصطبغت بكمالات الله ، الفطرة تدعوك إلى الإيمان ، أما الصبغة فتقطف بها ثمار الإيمان ، والفرق كبير جداً .
المذيع :
 شيخنا ، المصلي يمتلك رؤية صحيحة وقلباً طاهراً وكاملاً كيف ذلك ؟

 

العمل الصالح يرقى بالإنسان و يحتاج إلى جهد و علم :

الدكتور راتب :
 لأن هذا المصلي يقذف الله في قلبه النور ، يرى به الخير خيراً والشر شراً ، يرى به الحق حقاً والباطل باطلاً ، هذه الرؤية لا يملكها إلا المؤمن ، أي عمل أساسه تصور ، ثم إرادة، ثم سلوك ، المشكلة بالتصور الإنسان إذا كان أعمى يتصور أن السرقة مريحة ، كسب كبير بجهد قليل ، أما إذا كان مؤمناً فيرى بنور الله أن العمل الصالح هو الذي يرقى به عند الله ، ولحكمة بالغة بالغة بالغة جعل العمل الصالح يحتاج إلى جهد ، وإلى علم ، وجعل الشهوات سهلة جداً .
 الطريق الهابط تنطلق به المركبة من دون جهد ، أما الصاعد فيحتاج إلى قوة محرك ، يحتاج إلى وقود سائل ، فالصعود يحتاج إلى جهد ، لو كان طريق الجنة هو الهابط الحديث الشريف :

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، وإِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[أحمد عن ابن عبَّاس ]

 أي راكب دراجة بالضبط ، راكب بطريق مستو ، وصل إلى طريقين ، طريق هابط وطريق صاعد ، الطريق الهابط ينتهي بحفرة سحيقة ما لها من قرار ، فيها وحوش كاسرة وجائعة، وطريق صاعد فيه غبار ، فيه أكمات ، فيه عثرات ، وفيه حر شديد ، لكنه ينتهي بقصر منيف ، طريق صاعد ، وطريق هابط ، طريق الجنة فيه جهد ، فيه بذل ، فيه تضحية ، فيه غض بصر ، فيه ضبط لسان ، فيه ضبط جوارح ، فيه إنفاق من وقتك ، من مالك ، من علمك ، هذا الطريق الصاعد متعب في الطريق ، لكنه ينتهي بقصر منيف لمن وصل إليه ، والطريق الهابط سهل ، التسيب سهل ، المعاصي سهلة ، التفلت سهل ، لكن ينتهي بحفرة عميقة ما لها من قرار فيها وحوش كاسرة .
 الآن إذا كتب في مقدمة الطريق الصاعد : هذا الطريق ينتهي بقصر منيف ، مع أن الطريق صاعد ومتعب لراكب الدراجة ، والطريق الهابط مريح لراكب الدراجة ، لكنه ينتهي بحفرة فيها وحوش كاسرة ، مكتوب لوحة ، الإنسان إذا قرأ اللوحتين وكان عاقلاً يختار الطريق الصاعد ، يأتي الحديث :

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، وإِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[أحمد عن ابن عبَّاس ]

 فالإنسان عندما يتناغم مع شهواته ، ومع حظوظه ، يختار طريق المعصية دون أن يشعر ، أما إذا فكر وعقل فالإيمان عقل .
المذيع :
 شيخنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( لا يَزَالُ لسانُكَ رَطْبا بذِكر الله تعالى ))

[الترمذي عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه ]

 كيف يصل الإنسان إلى :

(( لا يَزَالُ لسانُكَ ))

 ما هي العملية حتى يكون لنا تطبيق ؟

 

الذكر عبادة واسعة شاملة :

الدكتور راتب :
 أنا أقول كلمة : أنا ما وجدت كلمة أوسع من كلمة ذكر الله ، إذا جلست تستمع للقرآن ، راكب سيارتك وفتحت على القرآن ، استماع القرآن ذكر ، إذا وعظت ابنك بقراءة القرآن ونصحته ذكر ، إذا نظرت إلى زوجتك ودللتها على الله ذكر ، أوسع نشاط على الإطلاق هو ذكر الله ، من أعمال ، من أقوال ، من قراءة قرآن ، من تفسير ، من زيارة قريب ، من بر والدين ، من خدمة الأخوة الكرام ، أوسع باب هو الذكر ، الذكر يكاد يكون عبادة واسعة شاملة ، جامعة مانعة ، بالطريق ، بالبيت ، أنت قبل أن تنام ، بعد أن تستيقظ ، مع زوجتك ، مع أولادك، بعملك ، مع موظفيك ، مع عمالك ، هذا الذكر أكبر نشاط إلهي ، فكرت بالكون ذكر ، قرأت القرآن ذكر ، قرأت بحثاً علمياً تأثرت به ذكر .

﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 هذا الذكر هو العبادة التي تدور مع الإنسان حيثما دار ، في خلوته ، في جلوته ، مع أهله ، وحده ، في سفره ، في حضره ، في إقباله ، في إدباره ، بمحله التجاري ، ببيته ، بمنتزهه ، هذا الذكر .
المذيع :
 لكن كيف يربي الإنسان نفسه على ذلك شيخنا ؟ الآن ذكرتم مثلاً مواطن عديدة كلها ذكر كما أسلفتم قبل قليل ، ولكن هذا السائل مثلاً يريد أن يكون لسانه ذاكراً ؟

 

حاجة كل إنسان إلى إرادة تنطلق من قناعته ليفعل ما يريد :

الدكتور راتب :
 نقول له : أنت بحاجة إلى إرادة ، والإرادة تنطلق من قناعتك ، فإذا أنت لا يوجد عندك إرادة لا يوجد أمل إطلاقاً ، إذا الشخص توهم أنه لا يستطيع هذا العمل فهو في الحقيقة يستطيع لكن لا يريد أن يفعله ، كلما قال لك إنسان : لا استطيع ، الله قال :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا َ﴾

[ سورة البقرة : 286]

 فكل عمل تتوهم أنك لا تستطيعه هو العمل الذي لا تريد أن تفعله ، هذه الحقيقة المرة .
 شخص دخل جامعة ، لم ينجح ترك الدراسة ، جلس بالبيت وجد نملة صعدت مترين وقعت ، صعدت مرة ثانية ، وقعت ، عدّ محاولاتها فكانت ثلاث و أربعين محاولة ، فاستحى من النملة ودرس ونجح .
 شخص أمي لا يقرأ ولا يكتب ، أرسل ابنه إلى الأزهر ، عاد بعد سبع سنوات يحمل شهادة عالمية ، ألقى في القرية خطبة ، هذا الابن ألقى خطبة ، كان والده جالساً بالجامع ، بكى هذا الأب بكاءً شديداً ، فهم الناس أو توهموا أنه بكى فرحاً بابنه الذي أصبح عالماً ، والحقيقة ليست كذلك بكى أسفاً على نفسه ، في اليوم الثاني ركب ، هكذا النص ، ركب جحشته ، بيته على حدود السودان اتجه نحو القاهرة ، كلما قطع مرحلة يقول : أين الأزعر ، لم يعرف أن اسمه الأزهر ، يا أخي لا يوجد أزعر ، قال : مكان التعلم ، قالوا له : الأزهر ، بقي شهراً راكباً جحشته باتجاه القاهرة وصل إلى الأزهر في القاهرة ، عمره خمس و خمسون سنة ، وما مات إلا شيخ الأزهر .
 إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلما تنقضه الأيام ، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 34]

 مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تكون صادقاً في طلب الحق ثم لا تصل إليه .
المذيع :
 شيخنا ، ما هي ثمار الذكر حتى يتحفز المستمع إلى أن يحافظ على هذا الذكر في هذا الشهر الفضيل ؟

 

ثمار الذكر :

الدكتور راتب :
 ثمار الذكر السعادة ، أقول لك بالمختصر : في الأرض ثمانية مليارات إنسان الآن، هل يوجد بهم واحد يتمنى الفقر ؟ لا ، المرض ؟ لا ، القهر ؟ لا ، فيهم واحد لا يتمنى أن يكون غنياً وبيته واسعاً وزوجته رائعة وأولاده أبراراً ؟ الكل ، فكل إنسان على وجه الأرض يتمنى السلامة والسعادة ، ويتمنى أيضاً طول العمر ، هذه خصائص مشتركة لأهل الأرض كلهم ، هذه الخصائص المشتركة لا تكون إلا بطاعة الله .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا
***

 طاعة الله الطريق لهذه الأهداف الكبرى ، هذه أهداف كبرى لكل البشر .
المذيع :
 فضائلها شيخنا ؟

 

فضائل الذكر :

الدكتور راتب :
 سيدي أول فضيلة : السلامة ، والسعادة ، والاستمرار ، أنا قلت قبل قليل : أهل الأرض جميعاً عندهم رغبة بالسلامة ، لا نحب المرض ، ولا القهر ، ولا القهر ، وعندهم رغبة بالسعادة ، أن يكون أغنى إنسان ، وعندهم رغبة ثانية أن يعيش عمراً مديداً ، ثلاثة أشياء ثابتة ببني البشر ، أي إنسان كائن من كان يتمنى السلامة والسعادة ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الأحزاب : 1 ـ 4]

 يوجد ثمانية مليارات إنسان كل واحد يسعى لهدف ، هذا لشراء بيت ، هذا للزواج ، هذا لارتكاب معصية ، الآن الله عز وجل أنزل هذه المساعي المتنوعة والمتعددة بعدد بني البشر أنزلها في حقلين اثنين ، قال :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5 ـ 6]

 أي صدق أنه مخلوق للجنة ، فاتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء .

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5 ـ 6]

 التركيب معكوس لحكمة ، صدق بالحسنى فاتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، الطرف الآخر :

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5 ـ 6]

 كذب بالجنة فاستغنى عن طاعة الله بنى حياته على الأخذ .
المذيع :
 ما الذي ترشد إليه هذه الآية :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41 ]

علة وجود الإنسان في الدنيا معرفة الله و الاتصال به :

الدكتور راتب :
 أي أنت مخلوق لمعرفة الله ، وطريق معرفته أن تذكره ، علة وجودك في الدنيا أن تعرف الله ، وأصل هذه المعرفة أن تذكره :

﴿ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41 ]

 كي تحقق الهدف من وجودك ، والغاية من وجودك ، وكي تسعد في بيتك ، وفي عملك يوجد ثلاث دوائر ، أنت دائرة ، بيتك دائرة ، عملك دائرة ، إن عرفت الله وأقبلت عليه سعدت في نفسك أولاً ، وفي بيتك ثانياً ، وفي عملك ثالثاً ، وإن لم تقل : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى هناك مشكلة .
المذيع :
 شيخنا ، نختم بمحور أخير ، ما المضامين التربوية أو التوجيهات الربانية في هذه الآية للإنسان أو للعبد المؤمن ؟

 

المضامين التربوية و التوجيهات الربانية للإنسان في الآية السابقة :

الدكتور راتب :
 الجماد ، جسم ، طول ، عرض ، ارتفاع ، وزن ، حجم ، والنبات ينمو ، والحيوان يتحرك ، والإنسان يفكر ، ما لم يلبّ حاجة القوة الإدراكية التي أعطاه الله إياها يصبح كما ذكر الله :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل :21]

﴿ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون :4]

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة : 5]

 لا يوجد حل وسط ، إما أن تعرف سر وجودك ، وغاية وجودك ، فتسعد في الدنيا والآخرة ، وإما أن تغفل عن الله ، والغفلة أكبر سبب للشقاء في الدنيا والآخرة ، لا يوجد حل وسط .
المذيع :
 بارك الله بكم .
الدكتور راتب :

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ورد في الأثر]

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم شيخنا ، وشكر الله لكم ، والشكر موصول لكم أنتم أخواني وأخواتي على طيب المتابعة ، وجميل الاستماع .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته