إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 22 - الشهوة معرفة الإنسان بحواسه الخمسة - يجب على المؤمن أن يسير وفق المآلات .

2019-05-27

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله على إحسانه ، والشكر لله على توفيقه وامتنانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره، واستن بسنته ، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين .
 أما بعد ؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير ، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي : "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً ، وتأملاً ، وعملاً .
 "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة ، نسعد باسمكم جميعاً أن أرحب بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي ، فأهلاً وسهلاً ومرحباً به ..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم ، وحفظ لكم بلدكم ..
المذيع :
 آمين ، وجزاكم الله الخير .
 مسمع صوتي عن آيات اليوم ثم نعود مع شيخنا لنقف معه حولها تأملات وخواطر، يقول ربنا جل وعز :

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 هذه الآية سبقتها آية القتال :

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 ثم أعقب الله سبحانه وتعالى ذلك بقوله :

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 هذه قاعدة قرآنية مهمة شيخنا بارك الله بكم ، ما معنى هذه القاعدة ؟

 

بطولة الإنسان أن يتحرك بشهوته في الحيز الذي سمح الله له به :

الدكتور راتب :
 الإنسان له خمس حواس ، الأشياء الجميلة بحواسه الخمسة يحبها ، والأشياء الغير جميلة بحواسه الخمسة يكرهها ، يحب العطاء ، يحب الرفعة ، يحب المكانة ، يحب القوة ، يحب السيطرة ، هذه حاجات شهوانية .
 الشهوة أخي الكريم ؛ مئة و ثمانون درجة ، لكن الشرع الحكيم أعطاك مئة و عشر درجات مباحة والباقي محرمة ، من هو المؤمن ؟ هو الذي يتحرك بالحيز الذي سمح الله به ، إذاً هو يسعد ويرقى ، غير المؤمن يتحرك بجانب آخر ، أي لا يوجد شهوة أودعت في الإنسان على الإطلاق إلا جعل الله لها قناةً نظيفةً طاهرةً تسري خلالها ، أي بالإسلام لا يوجد حرمان .
 اشتهى المال يوجد كسب مشروع ، اشتهى المرأة يوجد زواج مشروع ، اشتهى القوة يوجد قوة مشروعة ، اشتهى أن يكون مشهوراً ، بالعمل الصالح يرفع الله له ذكره ، أي ما من شهوة أودعت في الإنسان - كلام دقيق جداً - إلا جعل الله لها قناةً نظيفة طاهرةً تسري خلالها.
 مثلاً : صفيحة البنزين إذا وضعت في المستودع المحكم ، وسال هذا البنزين في الأنابيب المحكمة في المركبة ، وانفجر في المحرك ، في المكان المناسب ، والوقت المناسب ، ولّد حركة نافعة ، قد تقلك في العيد إلى مكان جميل ، صفيحة البنزين نفسها إن صبت على المركبة وجاءت شرارة أحرقت المركبة ومن فيها .
 فالشهوة قوة دافعة ، أو مدمرة ، فالبطولة أن أتحرك في هذه الشهوة في الحيز الذي سمح الله له به .
 نهر عميق ، مخيف ، والذي يمشي على ضفته لا يحسن السباحة ، هناك شاطئ لهذا النهر مستو وجاف ، وشاطئ زلق ومائل ، إن مشى على الشاطئ المستوي والجاف آمن مطمئن ، أما إذا مشى على الشاطئ المائل الزلق فاحتمال وقوعه في النهر كبير جداً ، لذلك البطولة أن تدع بينك وبين الحرام هامش أمان ، لذلك قال :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾

[ سورة الإسراء : 32]

 ما قال : لا تزنوا ، فالخلوة تقرب من الزنا ، لا تقرب المال الحرام ، دائماً يجب أن يكون بينك وبين المعصية هامش أمان ، فأنت في أمنٍ وسلامة ، أما إذا مشيت على الشاطئ المائل الزلق فاحتمال السقوط كبير جداً ، هذه الصخرة مستقرة في رأس الجبل ، أمامها وادٍ سحيق ، أنت إذا دفعتها ، وأردت أن تنزل متراً واحداً أو مترين لا تستقر إلا بقعر الوادي ، فالبطولة أن تتحرك وفق منهج الله ، وأن تعتقد يقيناً أن الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة الخبيرة .

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14]

 فأنت مبدئياً ينبغي أن تطيع الصانع ، لأن الصانع هو الله الذي يملك أسباب سلامتك وسعادتك ، وغير الله قد يكون معه أسباب الشقاء والدمار ، فكن مع الله تر الله معك .

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

[أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف : 28]

المذيع :
 شيخنا ، العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب ، والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة ، ولم ييئس من أن تأتيه المسرة من جانب المضرة ، لعدم علمه بالعواقب .

 

بطولة الإنسان أن يدخل الموت في حياته اليومية :

الدكتور راتب :
 يجب أن يعلم بالمآلات - كما تفضلت قبل قليل - بالعواقب ، عندك مآل ، هذا الطريق مآله شقاء ، وهذا الطريق مآله سعادة .
 سأل أحد العلماء ، أو أحد الخلفاء وزيره : ما بلغ من دهائك يا فلان ؟ قال له : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، قال له : لست بداهية ، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه ، أذكى بكثير .
 هذا الطريق فيه لغم ، فيه خطر ، بطولتك في الأصل ألا تدخل فيه ، هذا الطريق فيه أمن وأمان ، واستسلام لله ، وسعادة ، فالبطولة أن تعيش المستقبل لا الماضي ، معظم أهل الأرض يحدثك عن واقعه ، وعن ماضيه ، والقلة القليلة جداً يحدثونك عن المستقبل .
 أنت الآن ، الأخ ماذا يعمل ؟ يقول لك : مهندس ، أين درست ؟ بالقاهرة ، تكلم لك عن حاضره ، وعن ماضيه ، لكن المستقبل لا يوجد بالألف واحد يحدثك عن مستقبله ، لماذا ؟ لأن في المستقبل حدثاً خطيراً ، خطيراً جداً ، هو مغادرة الدنيا .

(( عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 أغنى الأغنياء ، أقوى الأقوياء ، أجمل الأشخاص ، أقوى الأشخاص ، لابد من الموت ، ولا يوجد موعظة تفوق وضع الموت ، من قصر إلى قبر ، من مكانة اجتماعية كبيرة إلى قبر ، من غنى فاحش إلى قبر ، من وسامة رائعة إلى قبر .

(( رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 أنا أقول : البطولة ، والذكاء ، والنجاح ، والتفوق ، أن تدخل هذا الحدث الخطير الذي لا ينجو منه إنسان في حياتك اليومية .
 مرة كنت في المغرب ، يوجد طريق تراثي قديم ، قرأت كلمة على واجهة محل تجاري تأثرت بها كثيراً ، مكتوب : صلِّ قبل أن يصلى عليك .
 أنا أقول أخي الكريم ، وللأخوة المستمعين : هذا الموت أخطر حدث بحياتنا ، الذكاء والبطولة ، والنجاح ، والتفوق أن تدخله في حسابك اليومي ، صلّ قبل أن يصلى عليك .

(( عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***

و:

كل ابــن أنثى وإن طالت سلامــته  يـــوماً على آلة حدبـــاء محمول
فإذا حمــــلت إلى القبور جنـــــــــازة  فاعــــلم بأنــــك بعدهـــــــا محمول
***

المذيع :
 شيخنا هذه الآية لها أسرار ، وربما نقف على ثلاثة من أسرارها ، مثلاً أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور ، لو نقف عند هذا السر قليلاً .

 

على الإنسان أن يتوكل على الله و يطيعه و يقبل عليه :

الدكتور راتب :
 أولاً : أنت إذا آمنت أن الله إذا خلقك هو الذي بيده مصيرك ، وسلامتك ، وسعادتك، فالبطولة أن أرجع إليه ، أن أتوكل عليه ، أن أقبل عليه ، أن أطيعه ، نحن بحياتنا الدنيا ندخل إلى دائرة نجد فيها مئة موظف ، أنت تعرف أن معاملتك لا يكتب عليها مع الموافقة إلا من قبل المدير العام ، هل تترجى موظفاً بسيطاً ليوافق لك على هذه المعاملة ؟ هذا كلام سخيف ، معاملتك لا يمكن أن يوافق عليها إلا من قبل المدير العام ، فبطولتك أن تصل إليه .
 إذا أيقنت أن حياتك بيد الله ، والموت بيده ، والسعادة بيده ، والشقاء بيده ، والصحة والمرض بيده ، والغنى بيده ، والفقر بيده ، إذا علمت يقيناً أن كل أمورك مع الله ، فتوجهت إلى غيره ، فهذا غباء ما بعده غباء ، وحمق ما بعده حمق .
 إذا كان الله معك فمن عليك ؟ من يجرؤ أن ينال منك ؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ لا يوجد معك أحد ، لذلكً :

كن مع الله تر الله معك  واترك الكـــــل وحاذر طمعـــــك
وإذا أعطاك مـن يـــمنعه  ثم مــن يعطي إذا ما منعك ؟
***

 هذه ملة طه خذ بها ، أي هذه المعية أخي الكريم معيتان ، معية عامة ، ومعية خاصة ، المعية العامة هي قوله تعالى :

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾

[ سورة الحديد : 4]

 معكم بعلمه ، أما المعية الخاصة :

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ َ﴾

[ سورة الأنفال : 19]

 يا الله ! معهم بالنصر ، معهم بالتأييد ، معهم بالحفظ ، معهم بالتوفيق .
 إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا ربي ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟

(( ما من مخلوق يعتصم بمخلوق من دوني ، أعرف هذا من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، ما من مخلوق يعتصم بي من خلقي ، أعرف ذلك من نيته ، فتكيدوه أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا))

[ ورد في الأثر]

 هذا واقع .
المذيع :
 اللهم ارحمنا برحمتك .
 أحد الأسرار أن العبد لا يقترح على ربه ، ولا يختار عليه ، ولا يسأله ما ليس له به علم .

 

مهمة الإنسان الأولى أن يعبد الله و يشكره :

الدكتور راتب :
 العلماء بعضهم قال : دبر ألا تدبر ، دع التدبير لله ، بطولتك :

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ َ﴾

[ سورة الزمر : 66]

 أنت مهمتك أن تعبده ، وأن تشكره ، معنى ذلك معنى ضمني ، أنت إذا عبدته أنعم عليك بالراحة النفسية ، والتوفيق ، والتيسير ، والصحة ، والزواج الناجح ، والأولاد الأبرار ، والمكانة الاجتماعية .

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ َ﴾

[ سورة الزمر : 66]

 هذه آية جامعة مانعة ، بل حرف إضراب ، تلغي ما قبلها ، وتثبت ما بعدها .

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ َ﴾

[ سورة الزمر : 66]

 ما قال : اعبد الله ، لو قال : اعبد الله لا تمنع أن تعبد غيره ، بل قال :

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ َ﴾

[ سورة الزمر : 66]

 كأن تقول :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ َ﴾

[ سورة الفاتحة : 5]

 لو الآية نعبد إياك لا تمنع أن نعبد غيرك ، أما :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ َ﴾

[ سورة الفاتحة : 5]

 التقديم والتأخير عمل قصراً وحصراً .

 

نهاية العلم التوحيد ونهاية العمل العبادة :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء : 25]

 هذه الآية لخصت فحوى دعوة الأنبياء جميعاً ، التوحيد ، نهاية العلم التوحيد ، ونهاية العمل العبادة ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، نهاية العمل العبادة .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 والعبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
 هذه العبادة العامة ، وهناك عبادات خاصة ، عبادة الغني الأولى إنفاق ماله ، لأن الله ما جعله غنياً إلا ليصل إلى الله بإنفاق ماله ، وعبادة القوي الأولى إحقاق الحق ، وما جعل الله القوي قوياً إلا ليحق الحق ، وعبادة العالم تعليم العلم .

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 39]

 عندنا بالبلاغة صفة جامعة مانعة ، بتعريف آخر صفة مترابطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً ، فإذا أُلغيت الصفة أُلغي الموصوف ، كيف ؟ نقول : السيارة تسير ، إذا أُلغي سيرها ألغي اسمها ، صارت وقّافة ، هناك صفة مترابطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً ، اسمع الآية :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأحزاب : 39]

 الدعاة ، أي لهم آلاف الصفات ، صادق ، أمين ، مستقيم ، ورع ، مصلّ ، صائم ، إلا لم تذكر في الآية إلا صفة واحدة :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب : 39]

 فإذا خشي هذا الداعية غير الله فسكت عن الحق خوفاً ، ونطق بالباطل تقرباً وتزيفاً انتهت دعوته ، صفة واحدة :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب : 39]

 فالقوي له عبادة إحقاق الحق ، والغني له عبادة إنفاق المال ، والعالم له عبادة إبلاغ الرسالة ، دون أن يخشى في الله لومة لائم ، والمرأة لها عبادة ، رعاية الزوج والأولاد ، ذروة سنام المرأة أن تعبد الله بخدمة زوجها وأولادها .
 اعلمِي أيتها المرأة ، وأعلمِي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله .

(( ذروة سنام الإسلام الجهاد ))

[الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

المذيع :
 شيخنا ، في الآية شقان الشق الأول :

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 الشق الثاني :

﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 ثم ختمت هذه الآية :

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 كيف للعبد أن يستوعب أو أن يغرز في نفسه قيمة هذه الآية وأبعادها التربوية ؟

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

البطولة بالنهايات :

الدكتور راتب :
 يجب أن يطلب العبد العلم ، ليتلقى من الخبير ، الصانع ، العظيم ، الحكيم ، ما ينفعه وما يضره ، أما هو من دون أن يعرف الله فعنده حواس ، الشيء الجميل قد يحبه ، وقد يرى امرأة حسناء بارعة في الجمال ، ولم يهتم بدينها فيتزوجها فتكون طامة عليه .

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

الإنسان من دون توجيه إلهي يتحرك بغرائزه ، والإنسان بالتوجيه الإلهي يتحرك بمنهجه ، وهناك فرق كبير بين الغرائز والمنهج .
 بيت كبير رائع لكن يحتاج إلى قرض ربوي مثلاً ، والربا حرام ، لا يأخذه ، الآن تحرك بمنهج الله عز وجل ، اشترى بيتاً بالمال الذي يملكه ، هذا البيت باعه واشترى بيتاً أعلى ، أما إذا أراد أن يتحرك بشهواته ، وبعينه لا ببصيرته ، ببصره لا ببصيرته ، يشتهي الأشياء الغالية ، وقد يكون ثمنها لا يملكه ، يعمل قرضاً ربوياً دخل بالربا .
 فالحركة ، الإنسان كائن متحرك ، إما أن يتحرك بمنهج الله فيسلم ويسعد في الدنيا والآخرة ، وإما أن تكون هذه الحركة خلاف منهج الله فيشقى ويهلك في الدنيا والآخرة ، أبداً حالتان حادتان ، طريق فيه سلامة ، وسعادة ، ومستقبل ، و طريق فيه شقاء ، و هلاك .
 لذلك أهل الجنة إذا رأوا مقامهم في الجنة يقولون : لم نرَ شراً قط ، أهل النار يكون قد غرق بالملذات ، والبيوت الفاخرة ، والمركبات الفارهة ، والمال الغزير ، يرى مكانه في النار يقول : لم أرَ خيراً قط ، البطولة بالمآل ، البطولة بالنهايات .
المذيع :
 شيخنا ، كيف نربط بين قوله :

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 وقول الله سبحانه وتعالى على لسان سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام :

﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة : 100]

الله تعالى لطيف بعباده :

الدكتور راتب :
 هذه معنى ثان ؛ الله عز وجل إذا شاء لعبد أن يرقى ، لا يوجد رقي مفاجئ ، هناك تدرج ، إنسان بهذا المكان ، والهدف بمكان ، لا يوجد قوة أن يصل للهدف فوراً هكذا ، لكن يوجد طريق مائل ، هذا الطريق المائل لطيف ، صعود متدرج ، هبوط متدرج .

﴿ لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة : 100]

 دائماً ينقل الإنسان من حالة على حالة ، عندما يتوب لله يشعر بسعادة لا توصف ، السعادة التي لا توصف هي تجلّ إلهي استثنائي ، شجعه ، ثم قصر حجب عنه السعادة فاشتاق إليها ، الصعود لا يتم الصعود إلى الأعلى فوراً ، الصعود هكذا ، كل يوم يرتقي إلى أن يصل للهدف الأعلى ، والهبوط أيضاً بالتدرج ، لذلك الله لطيف ، هذا اللطف ، لو أن الإنسان رأى ما له عند الله فجأة قد يصعق ، قد يختل توازنه ، ولو رأى مصير هذا العمل قد ينهار ، الله عز وجل لطيف .

﴿ لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة : 100]

 ينقل هذا العبد درجة درجة ، حتى يغمض عينيه ثم يفتحهما على مكانة كبيرة جداً ، هكذا الترتيب الإلهي .
المذيع :
 شيخنا ، بارك الله بكم ، هل هناك علاقة بين هذه الآية :

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 وبين الاستخارة ؟

 

الله تعالى وحده من يعلم الخير و الشر :

الدكتور راتب :
 قبل :

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 ما هو خير لكم ، ويعلم أيضاً ما هو شر لكم .

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 أنت لك الظاهر ، لك الجمال الظاهري ، لك البيت الفاره ، لك الدخل الكبير ، الدخل فيه ربا ، هذا الدخل فيه معصية ، فالمؤمن يستسلم للشيء الذي هو أقل مما يتوقع ، فيبارك له فيه ، غير المؤمن يريد الشيء الكبير فجأة ، قد يدفع الثمن باهظاً ، و هناك آلاف القصص بهذا المعنى .
المذيع :
 شيخنا ، نعود إلى المحور الذي تحدثنا عنه قبل قليل ، ما هي العلاقة التي بين أيدينا وبين الاستخارة ، وهل هناك علاقة بينهما ؟

 

الاستخارة هي التيسير أو التعسير :

الدكتور راتب :
 الاستخارة موضوع ثان سيدي ، أنت أُمرت أن تستخير ، الاستخارة ما جوابها ؟ عند العوام أشياء مضحكة ، يفتح المصحف لا على التعيين ، لا ، أنت إذا استخرت الله على شيء ما ويسره الله لك ، هذا التيسير الجواب الإلهي ، واستخرت الله على شيء ما ولم تجد له طريقاً هذا الجواب الإلهي ، تفتح القرآن لا على التعيين ، هناك آلاف الطرق ، أو تكلف شخصاً أن يستخير لك ، من هو هذا الواحد ؟ هو أقرب إلى الله منك ؟ لا ، فأنا أقول الاستخارة تعني أنك دُعيت إلى سفر : يا رب إن كان هذا السفر خيراً لي في ديني ودنياي ، وعاقبة أمري فيسره لي ، الرد الإلهي هو التيسير فقط ، وإن كان فيه شراً لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاصرفه عني، اللقطة الرائعة : واصرفني عنه ، اصرفه عنه ، واصرفني عنه ، معنى رد الاستخارة هو التيسير أو التعسير .
المذيع :
 وبالتالي شيخنا في حال الاستخارة إذا كره مع أنه قدر الله عليه هذا الشيء وكرهه ربما نقول له :

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

احترام مشيئة الله علامة من علامات الإيمان :

الدكتور راتب :
 لأنك أنت تعبد الله ، فأنت بالتعبير المعاصر تحترم مشيئة الله ، أنا أقول كلمة دقيقة : إذا كان هناك مكان فيه مشكلات ، فيه اضطرابات ، أقول لهذا الإنسان : هذا الإله العظيم الذي تحبه وتعبده وتسعى لمرضاته ، هذا الذي يقع قراره ، فمن علامة إيمانك أن تحترم قراره .
المذيع :
 لا تكرهوا النقمات الواقعة والبلايا الحادثة ، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك .
الدكتور راتب :

كن عن همومك معرضــــاً  وكلِ الأمور إلى القضا
وأبــــــــــــــــــشر بخير عاجلٍ  تنس به ما قد مضــــــى
فلرب أمر مسخط لـــــــــــك  في عواقبــــــــــــه رضـــــــا
ولربما ضاق المضيــــــق  ولربما اتسع الفضــــــــــــــا
الله يفعل مـا يـــــــــــــــــشاء  فلا تكن معترضـــــــــــــــــــــــا
الله عودك الـــــــــــــــــــجميل  فقس على ما قد مضـى
***

خاتمة و توديع :

المذيع :
 جزاكم الله خيراً شيخنا ، وبارك الله لكم .
 وشكراً لكم أنتم أخواني وأخواتي على طيب المتابعة ، وجميل الاستماع .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته