إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 21 - الحركة بجب أن تكون وفق منهج الله - حاجات الإنسان الأساسية - حاجة البقاء وحفظ النوع والتفوق .

2019-05-26

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله على إحسانه ، والشكر لله على توفيقه وامتنانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره ، واستن بسنته ، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين .
 وبعد ؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسعد الله أوقاتكم أينما كنتم بكل خير مرحباً بكم في برنامجكم اليومي : "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني ، نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً ، وتأملاً ، وعملاً ، "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة ، باسمكم جميعاً يسعدني أن أرحب بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي ، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا ..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم ، وحفظ لكم بلدكم ..
المذيع :
 آمين ، وجزاكم الله الخير ، مسمع صوتي عن آيات اليوم ثم نعود مع شيخنا لنقف معه حولها تأملات وخواطر ، يقول ربنا جل وعز :

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 في مناسبة هذه الآية لما قبلها جاءت هذه الآية ضمن وصية لقمان لابنه وقد سبقها الحديث عن التوحيد ونبذ الشرك ، ثم الأمر ببر الوالدين ، ثم إقامة الصلاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم جاء دور الآداب العامة في الوصية ، ومنها القصد في المشي ، وغض الصوت .
شيخنا بارك الله بكم لو تحدثنا بداية في قوله تعالى :

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 ما المراد بالقصد وما المعنى المحتار ؟

 

من عرف سرّ وجوده تحرك وفق منهج الله :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
 الحقيقة الإنسان إذا عرف سرّ وجوده وغاية وجوده ، له هدف ، الآن في حركته اليومية يقصد طاعة الله ، يقصد رضوان الله ، يقصد عملاً صالحاً هو سبب دخوله الجنة ، فالإنسان المؤمن له هدف ، الإنسان المؤمن له غاية ، الإنسان المؤمن يعلم علم اليقين علة وجوده وهي العبادة .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 علة الوجود التي خلق من أجلها الإنسان العبادة ، والعبادة في أدق معانيها وتعاريفها طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية.
 هذا تعريف دقيق جداً ، فيه جانب سلوكي ، طاعة ، خضوع لمنهج الله ، افعل ولا تفعل ، كائن يستقي من خالقه التعليمات ، والتعليمات تعليمات الصانع ، والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها ، لأنها الجهة الخبيرة ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14]

 فلذلك المؤمن عرف سرّ وجوده ، هذا السر العبادة ، لذلك هو يتحرك وفق منهج الله ، ينظر بنور الله .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾

[ سورة المائدة : 35]

 هي الطاعة ، من هنا جاء أن المؤمن له خصائص يتميز بها عن غير المؤمن ، كائن حركته هادفة ، يسعى إلى هدف كبير ، يسعى إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، يسعى إلى السعادة الأبدية ، من هنا جاءت حركة غير المؤمن عشوائية ، حركة مبعثرة ، بينما المؤمن حركته هادفة .
 أرأيت إلى مكبر وضعته تحت الشمس ، وبيدك ورقة ، فإذا جاءت الورقة في محرق المكبر تحترق ، هل يمكن أن تحترق ورقة في ضوء الشمس ؟ لا يمكن ، أما هذا المكبر فجمع الأشعة في نقطة واحدة في تركيز .
 فالمؤمن يركز نشاطه ، حركته ، كسب ماله ، إنفاق ماله ، اختيار زوجته ، إنجاب أولاده ، تربية أولاده ، كل هذه النشاطات في الحياة تهدف إلى إرضاء الله عز وجل ، أو إلى تطبيق منهج الله عز وجل ، ابتغاء أن يبلغ الجنة ، والجنة :

(( فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 فرق كبير بين من له حركة عشوائية مبعثرة ، متشظية ، غير هادفة ، وبين إنسان يتحرك وفق منهج الله ، وفق تعليمات الصانع ، يتحرك لينال ما عند الله من نعيم مقيم .
المذيع :
 بارك الله بكم شيخنا كيف تكون الحكمة في المشي ؟

 

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاثة :

الدكتور راتب :
 الإنسان كائن متحرك ، هذه الطاولة كائن سكوني ، دعها مئة عام كما هي ، الإنسان كائن متحرك ، ما الذي يحركه ؟ حاجته إلى الطعام والشراب ، هذه الحاجة تدعوه إلى الحركة يبحث عن عمل .
 الأنبياء كانوا يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام ، ومفتقرون إلى شراء الطعام بالعمل .
 فلعلة أرادها الله عز وجل الإنسان بحاجة إلى أن يأكل ، ليحافظ على وجوده كمخلوق ، بعد أن أكل وشرب عنده حاجة ثانية ، عنده حاجة إلى أن يتزوج ، الحاجة الأولى بقاء الفرد على قيد الحياة ، والزواج الحاجة إلى بقاء النوع ، لولا الزواج لفني النوع البشري ، يبحث عن زوجة ، ينجب أولاداً ، فبعد أن أكل وشرب ، وتزوج وأنجب عنده حاجة ثالثة ، الأولى بقاء الفرد بالطعام والشراب ، والثانية بقاء النوع بالزواج ، والثالثة بقاء الذكر ، بحاجة إلى التفوق، إلى أن يشار له بالبنان ، الطبيب الأول ، المعلم الأول ، التاجر الأول ، ثلاث حاجات متوافرة بالدين في أعلى درجة ، وأنت في أعلى درجة من الإيمان تحقق الحاجات الثلاثة ، أنت بحاجة إلى بقاء وجودك بطعام حلال ، اشتري بمال حلال ، وبحاجة إلى بقاء النوع بامرأة صالحة تسرك إن نظرت إليها ، وتحفظك إذا غبت عنها ، وتطيعك إن أمرتها ، وبحاجة إلى التفوق عن طريق العمل الصالح .
 فكل الحاجات الأساسية التي جبلنا عليها متوافرة في الدين في أعلى درجاته ، فإذا عرفت الله عرفت كل شيء ، وإن فات الإنسان معرفة الله فاته كل شيء ، هذا الإنسان مصمم لمعرفة الله ، لأنه مصمم لمعرفة الله ، والله لا نهائي ، خصص نفسه بخاصة لا نهائية ، فأي شيء دون الله يمل منه بعد حين ، أي شيء ، المال ، السلطان ، القوة ، بالدنيا يوجد حكمة بالغة ، الشيء قبل بلوغه متألق ، فإذا وصلت إليه ذهب تألقه ، وأصبح مملاً ، فلا يوجد إنسان سعيد طوال حياته إلا المؤمن ، الآخر كل شيء يلوح له في المستقبل ويتألق أمامه يسعد به قبل أن يصل إليه ، فإذا وصل إليه اكتشف الحقيقة المرة ، شيء عادي ، بل أقل من عادي .
 شراء سيارة مثلاً ، قبل أن يشتري السيارة يراها كل شيء بحياته ، فإذا اشتراها بعد حين أقل من عادية .
 ما سمح الله للدنيا أن تمدك بسعادة مستمرة ، بل ما سمح لها أن تمدك بسعادة متنامية، ولا مستمرة ، بل متناقصة ، إلا إذا كنت مؤمناً ، المؤمن هدفه الله ، الإله لا نهائي ، ونفسه لا نهائية ، فمهما سعى فهو بحاجة إلى الله .

مفهوم الشباب لا علاقة له بالسن بل علاقته بالأهداف :

 أقول كلمة دقيقة : ما معنى الشباب ؟ الشباب هذا المعنى ليس له معنى بالسن إطلاقاً ، فقد تجد شاباً بالتسعين ، وشيخاً بالمعنى السلبي بالأربعين ، هدفه الزواج فتزوج ، انتهت طموحاته ، هدفه المال حصّل المال ، ورث مالاً كثيراً ، أما المؤمن لأنه مصمم لمعرفة الله ، ولأن الذات الإلهي لا نهائية ، فهو مصمم إلى اللانهاية ، فإذا اختار هدفاً نهائياً شقي به ، إذا اختار هدفاً محدوداً شقي به ، أما إذا اختار الله عز وجل ففي شباب دائم ، من هو الشاب إذاً ؟ هو الذي أهدافه أكبر منه ، ما دام لك هدف كبير فأنت شاب دائماً ولو كنت بالتسعين .
 عالم كبير في الشام ، كان شيخ العلماء جميعاً ، بلغ الثامنة والتسعين ، كان إذا رأى شاباً يقول له : يا بني أنت تلميذي ، وكان أبوك تلميذي ، وكان جدك تلميذي ، وكان منتصب القامة ، حاد البصر ، مرهف السمع ، أسنانه في فمه ، إذا سُئل : يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ يقول : يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً .
 أريد أن أؤكد مفهوم الشباب لا علاقة له بالسن إطلاقاً ، له علاقة بالأهداف ، ما دام هدفك كبيراً فأنت شاب دائماً ، ما دام الهدف محدوداً بالدنيا ، فإذا بلغتها ، صار عندك حالة تشمئز من الدنيا ، مع أنها بين يديك ، لذلك الدعاء :

((اللهم اجعلها بأيدينا ، ولا تجعلها في قلوبنا))

 الدنيا بالأيدي ، القلب مع الله .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ حديث قدسي ]

المذيع :
 شيخنا ، كيف نربط بين قول الله تعالى :

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 ورضا الله سبحانه وتعالى ؟

 

من تحرك لكسب مرضاة الله فهو في سعادة دائمة :

الدكتور راتب :
 أنت حينما تتحرك وفق هدف أنت بهذا ترضي الله ، لأن الله خلقك :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 فإذا تحركت كعبد تسعى لمرضاة الله فأنت في سعادة دائمة .

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 إرضاء الله .

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 تطبيق تعليمات الصانع .

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 العمل الصالح .

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 الاستقامة على أمر الله .

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 خدمة الخلق ، تقصد الهدف الذي يعد وسيلة إلى الجنة .
المذيع :
 شيخنا ، في قوله تعالى :

﴿ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 لو تحدثنا عن ارتفاع الصوت هل يشمل هذا الدعاء ؟

 

الصوت العالي بعيد عن الحضارة و الرقي :

الدكتور راتب :
 والله قبل أن أقول ، ارتفاع الصوت سذاجة ، بعد عن الله ، الصوت الهادئ ، أي إذا معك معلومة دقيقة لو همست بها همساً تنفع الناس بها ، إذا لم يكن معك حقيقة أساسية مهما علا بها صوتك لا قيمة لها ، الناس يحتاجون إلى حقيقة ، فإذا جاءتهم همساً قبلوها ، فالشيء الذي لا يعنيهم إذا جاءهم صراخاً لا يهتمون له ، فالقضية لا برفع الصوت ، القضية بالصدق ، الكلمة الصادقة تعبر إلى الإنسان .

﴿ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 لأن الصوت العالي بعيد عن الحضارة ، بعيد عن الرقي ، إذا معك حقيقة لو حدثت بها همساً يقبلها الناس ، لا يوجد حقيقة مهما علا الصوت بالباطل يبقى الباطل باطلاً ، لا قيمة لرفع الصوت .
المذيع :
 جميل ، شيخنا بارك الله بكم ، يقول سبحانه وتعالى :

﴿ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 لماذا ضرب الله عز وجل هذا المثل ؟

 

العبرة لا بنبرة الصوت بل بمضمون الصوت :

الدكتور راتب :
 نهيق الحمار منفر ، فالعبرة لا بصوت مرتفع بل بصوت هادف ، لا بصوت لا معنى له ، بل بصوت فيه حقيقة ، لا بصوت فيه تجريح ، بل بصوت فيه حنان ، فيه علم ، فيه حكمة ، فالعبرة لا بنبرة الصوت بل بمضمون الصوت .
المذيع :
 شيخنا هذه وصايا لقمان ، لو تحدثنا عن هذه الوصايا بالمجمل أو بشكل عام ؟

أنواع الشرك :

الدكتور راتب :
 أهم وصية :

﴿ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة لقمان : 13]

 الحقيقة الشرك نوعان ، شرك جلي واضح ، أن يعبد بوذا مثلاً من دون الله ، هذا شرك جلي ، العالم الإسلامي من فضل الله عز وجل لا يوجد عنده شرك جلي ، هذا انتهى ، غير موجود إطلاقاً ، لكن كما قال النبي الكريم :

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية . قلت : يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك ؟ قال : نعم ، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله))

[أحمد عن شداد بن أوس ]

 الشرك الخفي كما قال النبي الكريم أخوف ما يخاف على أمته منه ، لأنه أنت حينما تكون شهوة خفية ، عندما آثر الإنسان شهوته على طاعة الله وقع في شرك خفي ، عندما آثر مصلحته على رضوان الله وقع في شرك خفي ، لو آثر ربحه على إرضاء الله وقع في شرك خفي .

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية . قلت : يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك ؟ قال : نعم ، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله))

[أحمد عن شداد بن أوس ]

 والذي يعاني منه المسلمون في عالمهم الآن هو الشرك الخفي ، مصلحته مقدمة على طاعة الله عز وجل ، أرباحه الطائلة ، ولو كان هناك شبهة في بيعه وشرائه مقدم على طاعة الله عز وجل ، علاقاته الاجتماعية لو فيها اختلاط ، فيها منكرات ، مقدمة على طاعة الله عز وجل .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجب نا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنابنــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنـــــــا
***

المذيع :
 شيخنا ، ما معنى القصد في المشي ؟ تسطير الأهداف ؟

 

على الإنسان ألا ينسى علة وجوده و هي طاعة الله :

الدكتور راتب :
 لو شخص سافر إلى باريس ، أرسله والده لينال الدكتوراه من السوربون ، باريس مدينة عملاقة كبيرة ، فيها ملاه ، فيها دور لهو ، فيها سينما ، فيها مزارع ، فيها حدائق ، فيها برج إيفل ، هذا الطالب الذي أرسله والده لينال الدكتوراه من السوربون ، هدفه واضح جداً ، هدفه الأول أن يدرس ، ممكن أن يدخل لمطعم ويأكل ، ممكن أن يجلس في حديقة لا يوجد مانع ، يدخل المكتبة ليشتري كتاباً ، أما علة وجوده الصارخة الوحيدة الأساسية فهي الدراسة .
 ما دام الإنسان عرف الله ، وعرف الجنة ، وعرف علة وجوده ، وعرف غاية وجوده، الآن يقصد في كل حركة من حركاته طاعة الله عز وجل ، هذا لا يمنع أن يأكل ، وأن يشرب ، وأن يرتاح ، هذا كله مسموح ، الله ما كلفنا ما لا نطيق ، لكن يجب أن تعرف علة وجودك .
 هذا الذي يقيم في باريس يستطيع أن يقعد بمطعم ويأكل ، بحديقة يتمتع بمنظر الأزهار والألوان ، لكن عليه ألا ينسى علة وجوده ، علة وجوده طاعة الله .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

العبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

 العبادة واسعة جداً لها مفهومات محدودة كالعبادة الشعائرية ، وهناك مفهومات أوسع بكثير كالعبادة التعاملية .
 النجاشي عندما سأل سيدنا جعفر عن الإسلام ، قال له :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لتوحيده ، ولنعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان - الآن الشاهد - وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 هذه بعض بنود العبادة التعاملية ، والذي أتمنى أن يكون واضحاً جداً جداً لدى أخواتنا المستمعين أن العبادة الشعائرية كالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة لا تقطف ثمارها إطلاقاً إلا إذا صحت العبادة التعاملية .
 آخذ الصلاة :

(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثوراً ، قيل: يا رسول الله جلهم لنا ، قال : إنهم يصلون كما تصلون ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 انتهت الصلاة ، الصيام ، الإنسان إذا امتنع عن الطعام والشراب ولم يمتنع عن المعاصي لا قيمة لهذا الصيام ، جاع وعطش فقط .

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

[البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 الزكاة :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 الحج :

(( من حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب وقال : لبيك اللهم لبيك ، ينادى أن لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك ))

 بقي الشهادة :

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قيل : وما حقها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله ))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 أركان الإسلام إن لم يرافقها ورع وطاعة لله لا قيمة لها ، أنا أقول لك :

(( لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ))

[التَّرمِذِي ، وأبو داود]

 والحديث صحيح ، فإذا كنا ملياري إنسان ، وليست كلمتنا هي العليا في الأرض ، وليس أمرنا بيدنا ، وللطرف الآخر ألف سبيل وسبيل ، عندنا مشكلة كبيرة جداً ، لذلك :

(( ليس كل مصلّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممَّن تواضع لعظمتي ، وكفَّ شهواته عن محارمي ، ولم يصرَّ على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العُريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجه لأضوأ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً ، والظلمة نوراً ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم عليَّ فأبرُّه ، أكلأه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها))

[ حديث قدسي]

المذيع :
 شيخنا بارك الله بكم ، في قوله تعالى نحن تحدثنا عن هذه الآية :

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

 وأنها من ضمن وصايا لقمان لابنه ، في الآية التي قبلها :

﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ﴾

[ سورة لقمان : 18]

 ثم ختم الله :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[ سورة لقمان : 18]

 لو أردنا أن نفهم كمفهوم في قوله :

﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ﴾

[ سورة لقمان : 18]

 خاصة أنها وصية وفي نفس الوقت تعبر عن الآداب العامة ؟

 

من تواضع لله رفعه :

الدكتور راتب :
 مفهوم الخد هو الكبر .

((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر))

[مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 لماذا ؟ مثل قريب للأخوة المستمعين : أنت عندك كيلو لبن ، وجاءك ضيوف كثر ، هذا اللبن يقبل ضعف وزنه ماء ، صار عيران ، شراب اللبن رائع جداً ، فهذا الكيلو أضفنا له الماء فأصبح لذيذاً لكنه لا يتحمل نقطة بترول واحدة ، تلقيه في المهملات .
 الكبر يفسد العمل ، ممكن إنسان يقدم عبادة متواضعة لكن فيها تواضع لله ، يقدم عبادة لا يوجد بها مبالغة ، لكن هو مستقيم على أمر الله ، محب للناس ، فإذا جاء الكبر أفسد العمل .

((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر))

[مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 الكبر يفسد العمل .

(( الكبْرِياءُ ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني فِيهمَا شَيئاً أذقتهُ عَذابيّ ولا أُبالي ))

[مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة]

 المتكبر محجوب عن الله ، المتكبر هو ليس كبيراً بل متكبراً تصنع الكبر ، هو صغير عند الله ، فكلما تواضعت لله رفعك ، وكلما تكبرت وضعك ، شيء عجيب ، حتى هناك قاعدة : الصحابة الكرام قمم البشر ، وفيهم سيد البشر ، في بدر افتقروا إلى الله ، فانتصروا ، هم هم وفيهم سيد البشر ، في حنين ماذا قالوا ؟

(( لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ))

[التَّرمِذِي وأبو داود]

 فلم ينتصروا .

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 ملخص الملخص : تقول : الله ، يتولاك ، تقول : أنا ، يتخلى عنك .
المذيع :
 شيخنا ما الذي ترشد إليه هذه الآيات أو هذه الآية بالتحديد ؟

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ﴾

[ سورة لقمان : 19]

الإنسان بلا منهج ضائع شارد شقي :

الدكتور راتب :
 الإنسان يجب أن يعرف سرّ وجوده ، وغاية وجوده ، معرفة سرّ وجوده وغاية وجوده مقدمة على كل شيء ، الدليل :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1ـ 2]

 أيعقل أن يعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟ ليس لها معنى إطلاقاً ، العلماء ماذا قالوا ؟ قال : هذا الترتيب ليس ترتيباً زمنياً ، هو ترتيب رتبي ، بمعنى أنه لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه ، قدم المنهج على خلق الإنسان .

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1ـ 2]

 فالإنسان بلا منهج ، ضائع ، شارد ، شقي ، أعمى .

﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 72]

 فالعلم هو الفاصل ، هذا الجماد جسم ، وزن ، حجم ، طول ، عرض ، ارتفاع ، النبات ينمو ، الحيوان يتحرك ، الإنسان فوق وزنه ، وحجمه ، وأبعاده الثلاث ، وفوق نموه وحركته أودع الله فيه قوة إدراكية ، القوة الإدراكية تلبى بطلب العلم ، وما لم يطلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى مخيف ، قال عنه الله عز وجل :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل :21]

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون :4]

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة : 5]

 هذه كلها أوصاف قرآنية لمن شرد عن الله ، واهتم بشهوته ، وغريزته ، ولم ينتبه لوجود خالق عظيم ، ورب حكيم ، ومنهج قويم .

 

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم شيخنا ، وشكر لكم ، والشكر موصول لكم أنتم أخواني وأخواتي على طيب المتابعة ، وجميل الاستماع .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته