ندوات مختلفة في الجزيرة - الندوة : 2 - برنامج الشريعة والحياة - الصبر أهميته أنواعه.

2020-05-20

مقدمة :

المذيع:
  ضيفنا أمدّ الله في عمره بحر من بحور العلم ، صاحب تأملات وفيوض ، تشد إليه أنظار المتابعين ، مشاهدين أو مستمعين ، ينشر علمه تدريساً وتلقيناً ، كتابةً ومشافهة ، توصلك كلماته إلى طريق المعرفة ، الدين عنده في كلمة واحدة كما يقول هو : الاستقامة .
 نرحب بشيخنا محمد راتب النابلسي ، فضيلة الشيخ أيامنا هذه المباركات هي موسم الصبر والطاعات ، الصبر في رمضان على أداء الطاعات ، الصبر على حبس النفس عن المعاصي ، الصبر على ما نزل في الناس من البلاء ، وبالإضافة طبعاً إلى ابتلاءاتهم الخاصة، حديثنا عن فضيلة الصبر كيف يحصل العبد المؤمن على العلامة الكاملة في هذه الأيام ؟

الشيء الحلال تحلو به النفس والشيء الحرام يحرم النفس من سعادتها :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً.
 
الحقيقة أن الإنسان لا يرقى إلى الله إلا عن طريق الشهوات ، الشهوات قوى دافعة ، لكن هذه الشهوات يمكن أن نتحرك بها مئة وثمانين درجة ، الله عز وجل ما من شهوة أودعها في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها ، أي لا يوجد حرمان بالإسلام .
 لكن مثلاً هذه الشهوة يمكن أن نمارسها مئة وثمانين درجة ، سمح لنا بمئة وعشرين والباقي حرام ، فأي شهوة أودعت فينا لها مجال مباح ، ومجال محرم ، فما هو الصبر ؟ أن تجعل حركتك في المجال المباح ، وأن تدع غير المباح ، هذا أصل الصبر .
 فالمرأة ؛ يوجد زواج ، المال ؛ يوجد عمل ، الرفعة ؛ هناك تفوق ، ما من شهوة أودعت في الإنسان إلا جعل الله لها قناة نظيفة طاهرة ترقى خلالها ، أما كل شهوة فلها مجال محرم لأن فيها عدواناً ، الشيء الحلال تحلو به النفس ، والشيء الحرام يحرم النفس من سعادتها.
 إذاً ما من شهوة أودعت في الإنسان إلا لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها ، فأي شهوة عالجها الإنسان لها قناة نظيفة .
 هذا المؤمن يتحرك ، يعمل ، يكسب المال ، يتزوج ، ينجب ، يحب ، كل الحالات الإنسانية متاحة في الحلال ، الحرام حالة فيها عدوان على الآخرين ، له زوجة ، له أولاد ، فإذا اعتدى على امرأة أخرى ليست زوجته هذا الحرام ، إذاً الحرام يحرم الإنسان من السعادة ، وفي بالأرض ثمانية مليارات إنسان ، الحقيقة الأولى الصارخة الواسعة أنهم جميعاً يتمنون السلامة والسعادة ، والسلامة والسعادة أساسها أن تتبع تعليمات الصانع ، والصانع هو الله ، هو الجهة الخبيرة فيما يسعدك ، فانطلاقاً من حبك لذاتك ، انطلاقاً من حرصك على سلامتك وعلى سعادتك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع .
 هذه القصة من أولها ، عندما يقول لك صاحب سيارة أحدث موديل : تألق ضوء أحمر في السيارة ، معنى هذا هناك مشكلة في نقص الزيت ، نقول له : أوقف المركبة وأضف الزيت فقط ، فأنت إذا اعتبرته ضوءاً تزيينياً احترق المحرك .
 الحقيقة هي فهم ، الشيء الواضح هو منهج الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14]

أنواع الصبر :

 ما هو الصبر ؟
الشهوات كلها لها جانب مسموح به حلال ، وجانب محرم ، الصبر أن أدع الحرام ، هذا الصبر ، والحقيقة الأشياء تقريباً سبعة وثمانين بالمئة مباحة ، والمحرمات نسبتها ضئيلة جداً ، هناك شخص مع الشيطان لا يحلو له إلا الحرام ، هذه مشكلة كبيرة جداً ، لذلك الصبر أنواع ، هناك صبر عن المعصية ، وصبر على الطاعة ، وصبر على قضاء الله وقدره ، جعل دخلك محدوداً ، أو جعل دخلك واسعاً ، أو جعل لك زوجة كما تتمنى ، أو أقل مما تتمنى ، جعل لك عملاً دخله محدد ، فأنا في وضع لك يتناقض مع طموحك ، لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة الله عز وجل هو الخبير .
 فلذلك الإنسان حينما يرضى بقضاء الله وقدره يكون قد فهم حقيقة وجوده في الدنيا، نحن في دار ابتلاء لا دار استواء ، في منزل ترح لا منزل فرح ، نحن في دار تكليف لا دار تشريف ، التشريف الكامل المطلق يوم القيامة ، أما نحن في الدنيا فهناك تشريف وتكليف ، فلذلك الصبر أن تصبر على الجانب المحرم في الشهوات ، وهناك صبر عن المعصية ، وعلى الطاعة ، وعلى قضاء الله وقدره .

رمضان اتصال مع أصل الكمال والجمال والنوال :

 الآن رمضان ، نحن خارج رمضان ممنوع أن نشرب الخمر مثلاً ، أو أن نقترف الحرام ، عندنا محرمات طويلة عريضة ، إذاً في رمضان منعك عن المباحات ، عن الطعام والشراب ، أي عبادة استثنائية ، عبادة من نوع خاص ، عبادة ليمتحن صبرنا ، ليمتحن محبتنا لله عز وجل .
 
تصور أباً ، كل شيء بالبيت موجود ، كل شيء موجود بأعلى مستوى ، في مرة واحدة الطعام على الطاولة ، والابن جائع ، والطعام طعام والده وهو حلال ، قال له : يا بني لا تأكل ، كابن تربيته عالية جداً : حاضر ، لا تأكل : حاضر ، فإذا الله عز وجل منعنا في رمضان عن الطعام والشراب ، الإنسان دخل لبيته الساعة الثانية برمضان ، الحرارة اثنتان وخمسون ، والعطش لا يحتمل ، والثلاجة فيها ماء ، ما الذي يمنعك أن تشرب الماء ؟ لا يستطيع إنسان بالأرض أن يضبط هذه المخالفة ، لذلك قالوا : الصوم عبادة الإخلاص لله عز وجل ، إنسان ببيته ، لا أحد معه إطلاقاً ، لا زوجة ولا أولاد ، والحر لا يحتمل ، والثلاجة فيها ماء بارد ، لا يستطيع أن يضع قطرة ماء في فمه ، هذا الإخلاص ، فالصيام عبادة الإخلاص لله عز وجل ، لذلك الصيام طبعاً له فوائد صحية كبيرة جداً ، أنا آخذ هذا الجانب فقط ، العبادة لترك شيء مباح ، أما هناك عبادة أخرى ترك الزنا ، ترك الخمر ، ترك القمار ، أشياء محرمة ، أما في رمضان فعبادة ترك المباح ، لذلك رمضان شهر الصبر ، الإخلاص ، شهر القرب ، شهر الإنفاق ، شهر التواصل الاجتماعي ، شهر النظام ، بدقيقة واحدة يفطر جميع المسلمين بمكان واحد ، شيء لا يصدق ، رمضان دفع الزكاة ، ترك المباحات ، الصلح والوئام ، الجبر والإحسان ، هذا الشهر دورة عبادية خاصة ، لذلك ورد :
 "من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح "
 لذلك كأن الإنسان جهاز ، يحتاج إلى إعمار ، إعمار المحرك ، يحتاج إلى تجديد، هذا الشهر تجديد للهمة ، للالتزام ، تجديد للطاعة ، تجديد للقرب من الله عز وجل ، شهر استثنائي ، دورة خاصة ، دورة استثنائية بالتعبير المعاصر ؛ دورة مكثفة للقرب من الله ، الإنسان عندما يذوق حلاوة القرب .

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
ولــــــــو لاح من أنوارنا لك لائح  تركت جميع الكائنات لأجلنــــــــــــــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
***

 لذلك أنت تتصل مع من في رمضان ؟ مع القوي ، مع الجميل ، مع الحكيم ، مع العليم ، الله عز وجل ذات كاملة ، أسماؤه حسنى ، صفاته علا .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر]

 كل جمال تراه عينك في الأرض مسحة من جمال الله ، كل قوة تراها لحظة من قوة الله ، أنت مع الأصل ، مع الذات الكاملة ، صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات العلا .
 لذلك رمضان اتصال بالخالق ، اتصال بالذات الكاملة ، اتصال بصاحب الأسماء الحسنى ، والصفات العلا ، أنت لك صلات كثيرة مع الناس ، مع الجيران ، مع الأقارب ، مع الأهل ، مع أهل الزوجة ، مع أهل الأولاد ، أما أنت برمضان فتتصل مع الواحد الديان ، مع خالق الأكوان ، مع أصل الكمال والجمال والنوال ، هذا هو رمضان .
 فلذلك النقطة الدقيقة : أنك إذا ذقت طعم القرب في رمضان لعلك تتابع هذا القرب طوال العام ، الله عز وجل أعطاك دورة مكثفة كي تذوق طعم القرب في رمضان .
المذيع :
 فضيلة الشيخ كما أن الناس متفاوتون ما بين صابر وجازع ، فإن الصابرين أنفسهم متفاوتون أيضاً ما بين مستسلم لأنه لا سبيل إلى دفع البلاء الذي نزل ، وما بين آخر صحيح أنه يصبر لله عز وجل ويرضى بقضائه ، لكنه يحتال بشتى الوسائل والسبل لدفع هذا البلاء بما لا يخالف شرع الله عز وجل .
 لعلنا نجد في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم على سبيل المثال ، حينما عاد في العام العاشر من البعثة ، من رحلة الطائف التي أوذي بها كثيراً ، بل وضرب ، وسالت دماؤه ، ولم يلقَ أية استجابة من أهل الطائف ، لكنه حتى يدخل مكة احتال ، واستغل قانون الأجارة ، ودخل في جوار مطعم بن عدي ، سيد بني نوفل .
 كذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا ربما من قبل في غزوة الأحزاب ، حين زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، وظن البعض بالله الظنونا فإن النبي صلى الله عليه وسلم احتال لدفع هذا البلاء بشتى الوسائل والسبل ، الشاهد : اتباع مثل هذا النهج قد يخفى على كثير من الناس ، ويقول : أنا صابر ، ومستسلم ، فلا يرد ما استطاع من البلاء ، بمَ تنصحهم ؟

 

النبي الكريم قدوة لكل البشر :

الدكتور راتب :
 أول نقطة :
لولا أن النبي بشر ، تجري عليه كل خصائص البشر ، لما كان سيد البشر ، هو بشر يخاف ، ويتمنى ، ويحب ، ويكره ، لولا أنه بشر ، تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، لكنه قدوة لكل المسلمين ، فلا بد من أن يذوق القوة والضعف، والصحة والمرض ، والغنى والفقر معاً ، هناك إنسان قد يكون قوياً طوال حياته ، أو ضعيفاً ، النبي وحده لأنه قدوة لنا ، وأسوة لنا ، أذاقه الله من كل شيء ، ذاق القوة وذاق الضعف ، ذاق القوة فعفا عن أهل مكة ، ذاق الضعف فصبر ، لولا أنه بشر ، وتجري عليه كل خصائص البشر ، لما كان سيد البشر ، النبي الكريم وحده قدوة بكل صفاته ، هناك إنسان قدوة بشجاعته ، إنسان قدوة بماله ، إنسان قدوة بحكمته ، قدوة بعلمه ، إلا أن النبي قدوة لنا في كل أطياف الحياة.
المذيع :
 استكمالاً لهذه النقطة فضيلة الشيخ ، مسألة الرضا هل تتعارض مع الاحتيال والتدبير ومحاولة دفع البلاء مع الالتزام بالضوابط الشرعية وذلك الالتزام بالدعاء لله عز وجل أن يرفع البلاء ؟

الأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأرباب :

الدكتور راتب :
يا سيدي ! أولاً : البطولة أن نأخذ بالأسباب ، أسباب النصر ، أسباب الشفاء ، أسباب الحيطة من مرض معين ، البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
 الحقيقة أن العالم فريقان ، فريق آمن بالأسباب ، واعتمد عليها ، وألهها ، فوقع في الشرك ، وفريق آخر لم يأخذ بها أصلاً كالعالم الشرقي وقع في المعصية ، أما البطولة فبينهما ، أن تجمع بينهما ، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
 عندك سفر بالمركبة ، تراجع المحرك ، الزيت ، العجلات ، المكابح مراجعة كاملة، تضبطها تماماً وتقول : يا رب أنت المسلم ، أما الذي يحصل الذي أخذ بالأسباب بدقة بالغة العالم الغربي اعتمد وألهها ، ونسي الله ، جاء فيروس ، تقدم مذهل ، عالم رائع ، طيران سواحل ، بواخر ، بحار ، مقاصف ، فيروس لا يرى بالعين أوقف كل شيء .

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ َ﴾

[ سورة غافر : 64]

 الله كل شيء بيده ، فإذا عرفته بشيء مبكر ، تفاعلت مع منهجه ، أطعته ، تحركت وفق أمره ونهيه ، فأنت أعقد آلة بالكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، لك صانع عظيم هو الله، لهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فانطلاقاً من حرصك على سلامتك ، وعلى سعادتك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع .
المذيع :
 فضيلة الشيخ ؛ في رمضان يحلو لكثير من الناس الذين يهجرون كتاب الله طول العام أن يعودوا إليه ، ويؤوبوا إليه ، وينهلوا مما فيه من الخيرات ، لكن الناس أيضاً متفاوتون في همتهم إزاء هذا الأمر ، منهم من يختم مرة ، ومنهم من يختم مرتين ، ومنهم من يختم عشراً، ومنهم من يتدبر ، ومنهم من يقرأ بلسانه دون قلبه ، وما إلى ذلك ، بمَ تنصح المسلمين بالطريقة المثلى كي يتعاملوا مع كتاب الله في رمضان ؟

 

تلاوة القرآن مع فهمه و تطبيقه :

الدكتور راتب :
 قراءة القرآن في رمضان عبادة ، لكن هناك قراءة تعبدية أن تقرأه فقط ، أما القراءة الأساسية فأن تتدبره
بمعنى أن تقرأ قراءة صحيحة ، وإن أمكن وفق قواعد التجويد ، أن تفهم معانيه ، أن تطبقه ، أن تتدبره ، هذه القراءة ، هذه التلاوة الصحيحة يتلونه تلاوة حقيقية ، فالتلاوة تحتاج إلى فهم ، وإلى تطبيق ، فلابد من أن تعيش الواقع ، أن تعيش هذا الدين ، أن تطبقه في بيتك ، في عملك ، في دخلك ، في إنفاقك ، في اختيار زوجتك ، في تزويج بناتك ، أن تختار لهن الشاب المؤمن ، في كسب عملك ، هناك عمل حرام ، عمل حلال .
 الحقيقة عندنا عبادات شعائرية واضحة جداً ، وعندنا عبادات تعاملية تبدأ من فراش الزوجية ، وتنتهي بالعلاقات الدولية ، كسب مالك ، إنفاق مالك ، علاقاتك ، سهراتك ، لقاءاتك، قضاء أيام عطلتك ، نزهاتك ، عندك مبادئ كثيرة ، الشريعة فيها تفصيل دقيق جداً ، تبدأ من أخص خصوصيات الإنسان وتنتهي بالعلاقات الدولية ، منهج طويل ، أما صلاة ، صوم ، حج، زكاة ، فهذه العبادات الشعائرية .
المذيع :
 فضيلة الشيخ ؛ قلت : إن قراءة القرآن بتدبر هي الأساس في فهم هذا الكتاب ، وهي الأساس في تلقي معانيه ، لكن الناس في حالة خصام تقريباً في هذه الآونة ، في هذا الزمان مع اللغة العربية كيف يفهمون القرآن ؟ رأينا المشركين عندما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم في البيت الحرام سورة النجم :

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[ سورة النجم : 1 ـ 2]

 إلى أن وصل إلى آخر الآيات :

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[ سورة النجم : 1 ـ 2]

 إلى أن وصل إلى آخر الآيات :

﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ *فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾

[ سورة النجم : 59 ـ 61]

 نزلت هذه الآيات على أسماعهم لأنهم يقرؤون اللغة العربية ، نزلت كالقوارع ، وكانت بينة حادة على أرواحهم ، فسجدوا كلهم حتى المشركين ، سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عثمان رضي الله عنه يقول : لو صحت نفوسنا ما شبعنا من كتاب الله ، وهو الذي كان ينشر القرآن منذ الفجر حتى الظهر يقرأ في كتاب الله ، ولا يمل من هذا ، الناس الآن ليسوا على هذه الشاكلة .

 

الأشياء الأساسية واضحة للجميع و الخلاف دائماً بالشبهات :

الدكتور راتب :
 الأشياء الأساسية واضحة للجميع ، الخلافات خمسة بالمئة فقط ، لكن الطرف الآخر يهتم بالخمسة بالمئة فقط ليثير الشبهات ، أما من يقول : السرقة حلال ، والزنا حلال ، أشياء كالشمس واضحة .

(( إنّ الحلال بيِّن ، وإن الحرام بيِّن ، وبينها أمور مشتبهات))

[أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه]

 المشتبهات قضايا محدودة جداً ، وطارئة ليست ثابتة .
 عفواً : نهر عميق ، هناك شاطئ جاف مستو ، وشاطئ مائل زلق ، أين البطولة ؟ أن تمشي على الشاطئ المستوي الجاف ، هذه قواعد الدين ، وهناك أماكن فيها شبهات قد تكون لها وجه مقبول ، ووجه غير مقبول .

(( من اتقى الشبهات ، استبرأ لدينه وعِرْضهِ ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يَوشك أن يرتَعَ فيه ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن البشير]

 هناك قضايا فيها اجتهادات ، والطرف الآخر يهتم بالخمسة بالمئة فقط حتى يثير الشبهات ، ويوقع الناس في ظلمات ، وفي حيرة .

(( إنّ الحلال بيِّن ، وإن الحرام بيِّن ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه]

 إنسان خطب وتزوج عليه شيء ؟ إنسان اشتغل بعمل معين ، مشروع ، بائع أقمشة عليه شيء ؟ مليون موضوع واضح كالشمس ، وهناك قضايا فيها إشكالات ، الله ماذا قال ؟

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

 الله عز وجل جعل في كل مكان أهل ذكر ، يكلفك سؤال ، أي إنسان دخل لطبيب يجب أن يدفع مبلغاً من المال ، المحامي مبلغ ، إلا إذا سأل رجل دين فهذا بلا مقابل ، والأمور ميسرة جداً ، لا يوجد عذر سيدي ، إلا إذا شخص أراد أن يعصي الله ، أراد أن يغطي نفسه بغطاء واه غير صحيح .
المذيع :
 فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي ، فضيلتكم من أنشط الدعاة على شبكة الانترنيت، وأنشط الدعاة استغلالاً لوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ، لكم عشرات بل مئات وربما آلاف الساعات المصورة والمسجلة في خطبكم على هذه الشبكة ، لكن في هذا العصر المحتوى على الانترنيت كله حسناً ، بل ربما أمام المحاضرة الواحدة التي تنصح بالخير هناك عشرات المحتويات ، وعشرات الساعات ، وعشرات الأفلام التي يضيع فيها شباب الأمة ، ويتلقون القيم السيئة التي تشجعهم على الانحراف ، وتشجعهم على المخدرات ، وتشجعهم على الرذيلة ، حتى على الإلحاد أحياناً بمَ تنصح أولياء الأمور بالتعاون مع هذه التقنية الحديثة ؟

 

المنجزات العلمية المذهلة حيادية :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الدقيقة أن هذه المنجزات العلمية المذهلة حيادية ، قد تكون أفضل طريقة لغرز القيم ، وقد تكون العكس ، إذا أردت أن تنهي القيم استخدم هذه الأدوات الإعلامية ، إذا أردت أن تنبي الإنسان استخدمها نفسها ، أداة حيادية .
 
عفوا ؛ أنت ممكن بقلم أن تكتب مقالة إسلامية ، و بنفس القلم ممكن أن تكتب قصة إباحية ، الوسائل هذه التي بين أيدينا حيادية تستخدم استخدامين متناقصين ، إما لهدم القيم ، أو لبناء القيم ، فالبطولة أن نستخدم هذه الوسائل استخداماً إيجابياً لا استخداماً سلبياً ، وأن نمنع السلبيات منها ، هذا من مهمات أولي الأمر ، طبعاً إذا أفلام إباحية تفسد الأخلاق ، لا بد من طريقة ما لمنعها ، هذا اسمه : صون لأخلاق الشباب ، أما كل شيء مفتوح !
 أنا حياتي المتواضعة ببلاد الغرب هناك قنوات لا تفتح إلا بشيفرات معقدة جداً ، الأشياء تفتح بشكل بسيط ، عادية ، الغرب البعيد عن الدين بعد الأرض عن السماء انتبه لهذه النقطة ، هناك قنوات لا تفتح إلا بكلمة سر معقدة جداً ، يملكها الأب وحده ، أما شاشة مفتوحة على ثلاثمئة قناة ، فبعضها الكثير إباحي ، والشاب أول حياته ، هذه غلطة كبيرة جداً في حياة المسلمين ، لا بد من الضبط ، بلا ضبط يوجد فساد ، فساد كبير ، والفساد له سرعة نمو عجيبة جداً ، كلما تساهلنا في الضوابط نقع في فساد كبير ، والله عز وجل كأنه أشار إلى هذا الفساد .

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

[ سورة الروم : 41]

 كما أن الانترنيت أكبر أداة للمعرفة ، وأكبر أداة لهدم المعرفة ، هناك أشياء كثيرة جداً العجيب منها لها أهداف متناقضة ، فأهل الباطل يستخدمون هذه الأدوات لصالحهم ، أهل الحق أحياناً أنت تلقي درساً في جامع ، تقول : أنا يوجد عندي ألفا شخص ، الآن بعض الدعاة يدخل لحسابهم مليونا إنسان كل يوم ، بين ألفين وبين مليونين ! إنجاز كبير جداً ، كان كل عالم ببلده، الآن كل عالم للعالم كله ، للخمس قارات ، انتشار الحق بشكل مذهل ، والنبي الكريم تنبأ بذلك قال :

(( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))

[أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن تميم الداري]

 كنت مرة بملبورن في أستراليا ، فيها جامع ، ومعهد شرعي ، ودعوة إسلامية ، آخر مدينة بالأرض ، تحتها يوجد القطب الجنوبي .

(( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))

[أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن تميم الداري]

 هذا دين الله عز وجل ، هذا الدين أراده الله عز وجل ، أراده دين الخاتم ، لذلك الله عز وجل حفظه ، حفظه من أن ينتهي ، وهذا الدين عظمته كلما قمعته ازداد قوة ، هذا الذي يقمع الدين كمن يطفئ النار بالزيت ، يظن أنه سيطفئها فإذا بها تزداد لهيباً .
 وأنا لي رأي خاص : أحد أسباب الصحوة الإسلامية الرائعة أعداء الدين ، شددوا على الدين ، ضيقوا عليه ، يوجد ظلم ، فالناس يحبون العدل ، يحبون الرحمة ، يحبون الإنصاف ، فدائماً قمع الدين يزيده قوة .
المذيع :
 فضيلتكم تنصحون أولياء الأمور بضبط مسألة استخدام الانترنيت ، وما إلى ذلك لكن أين تقف حرية الشباب ، والأطفال ؟ وأين تتداخل مع مسألة الضوابط هذه التي تنصحون بها أولياء الأمور ؟ ربما يستطيع ولي الأمر أن يحول دون دخول الولد أو البنت على تلك المواقع لكنه لن ينمي فيه ضميره إلا إذا كان حراً ، إلا إذا اختار الولد من تلقاء نفسه أن يتخلى عن مثل : إن للحيطان آذاناً ، ويذهب إلى :

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾

[ سورة ق : 18]

 أن يدع مراقبة الناس ، ومراقبة والديه ، ويستمسك بمراقبة الله عز وجل له .

 

المؤمن منضبط عنده منهج يلتزم به :

الدكتور راتب :
 أنا رأيي : أقنع ولا تقمع ، القمع وحده لا يكفي ، قد يذهب لغرفة نومه ومعه تحت الغطاء آي باد ، يرى كل شيء فيه ، لا بد من أن تقنع
حاول أن تقنع أولادك ، أن تبين لهم الحق والباطل ، نتائج الآثار ، تحتاج إلى دعوة رصينة ، مدللة بدلائل ، شواهد ، قصص ، عندنا فكرة ، عندنا قصة ، عندنا طرفة أحياناً ، الدعوة تحتاج إلى جهد كبير ، فالأب يجب أن يكون داعية ، أو يكلف داعية بابنه ، أما كل شيء مفتوح فهذه ليست حياة ، حتى بلاد الغرب ليس كل شيء مفتوحاً ، ببلادنا كل شيء مفتوح ، هذه مشكلة كبيرة جداً ، هذا هو الفساد .

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

[ سورة الروم : 41]

 فلابد من الضبط ، المؤمن منضبط عنده منهج ، عنده حلال وحرام ، يجوز ولا يجوز، مقبول وغير مقبول ، أما شيء مفتوح فهذه ليست حياة ، هذه حياة التفلت ، حياة الفجور، حياة الفساد ، حياة انتقال المعاصي بأوسع دائرة ، كان دائماً الباطل دائرته ضيقة ، الآن الباطل يتسع ، يتسع .
المذيع :
 رسالة الدكتوراه لفضيلتكم عن تربية الأولاد في الإسلام ، التربية عموماً لها روافد شتى في الأزمنة ، المدرسة ، الأب ، والأم ، والأسرة ، والمجتمع ، ووسائل الإعلام ، وما إلى ذلك ، والأصدقاء ، كل هذه روافد للتربية ، ربما في أيامنا هذه في هذا العام بعدما نزلت جائحة كورونا بالناس فإنهم يجلسون مع آبائهم وأمهاتهم أكثر من ذي قبل ، أي ليس هناك مدرسة ، ربما ليس هناك مجتمع ، كيف تستغل هذه الظروف في تقديركم لغرس القيم الحسنة في الأبناء ، للإقناع ، وليس القمع ، للميل نحو التقوى ، والخوف من لله عز وجل أكثر من التفلت وما إلى ذلك ؟

 

العناية بالأبناء لأنهم امتداد لآبائهم :

الدكتور راتب :
 لي كلمة أرددها كثيراً من عشرين عاماً ، بعصر كلينتون رئيس أمريكا ، كنت أقول لمن حولي : لو بلغت منصباً ككلينتون ، وثروة كأوناسيس ، وعلماً كأينشتاين ، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس ، لا يمكن أن يسعد أب وابنه شقي ، فإذا اعتنى الأب بابنه يعتني بنفسه ، يعتني بسلامته ، بسعادته ، الحقيقة شعور الأب بابن صالح لا يقدر بثمن ، هذا سماه القرآن : قرة عين .

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾

[ سورة الفرقان : 74]

 
أن ترى ابنك صالحاً ، صادقاً ، مؤمناً ، دخله حلال ، علاقاته كلها مشروعة ، هذا شيء لا يقدر بثمن ، أسعد إنسان بالابن أبوه ، وأمه ، هذا الابن والأب يوجد امتداد عضوي بينهما ، فكل منا يسعى لتربية أولاده تربية صحيحة ، أما المشكلة أن الطفل يحتاج إلى تربية من يوم ولادته ، أنا معي اختصاص بالتربية ، من يوم ولادته ،عندما يبكي نرضعه ، بكى ثانية ننظفه ، بكى مرة ثالثة لا نحمله ، صار عنده مشكلة ، فالتربية الدقيقة تعمل جيلاً صالحاً ، نحن معظم الناس الابن مهمل في السبع السنوات الأولى من حياته ، والشيء الدقيق جداً تربوياً عاداته ، مفهوماته ، حرصه ، ممنوعاته ، مباحاته ، تتشكل بالسبع السنوات الأولى ، هذه مهملة ، لذلك في بعض البلاد أهم تعليم التعليم الابتدائي ، الدكاترة يعلمون ابتدائياً لغرس القيم والمبادئ ، والأهداف الأساسية ، إذا أهملنا الابن ، والحقيقة كل شيء حوله يعطي عكس المبادئ ، الإعلام الحالي عكس المبادئ ، والإعلام المفتوح أيضاً ، هناك خمسمئة محطة ، وعدد كبير منهم إباحيات ، لكن كل شيء مفتوح فيه مشكلة كبيرة جداً ، فإذا الإنسان ما ضبط أولاده ، إما ضبط إقناع ، أو ضبط منع ، منع لكن معقول ومعلل فهذه مشكلة كبيرة بالبيت .
المذيع :
 فضيلة الشيخ ؛ مع مرور الأيام في رمضان ، وحبس الأنفس عن المعاصي ، والمداومة على الطاعات ، والإكثار من النوافل ، وما إلى ذلك ، تزكى الأنفس شيئاً فشيئاً ، ويميل الناس إلى التوبة ، وفعلاً يشعرون بحلاوة التوبة وقيمتها ، لكن ما إن ينقضي رمضان ، وتعود النفس البشرية إلى سابق عهدها ، ويعود كثير من الناس إلى سابق عهدهم ، وارتكاب المعاصي وما إلى ذلك ، ما الذي ينبغي على المسلم أن يفعله حتى يظل بعد رمضان على ما كان عليه في رمضان ؟

 

من عاد بعد رمضان إلى ما كان عليه قبل رمضان كأنه لم يصم رمضان :

الدكتور راتب :
 صدق ولا أبالغ الذي عاد بعد رمضان إلى ما كان قبل رمضان والله كأنه لم يصم رمضان .

رمضان ولّى هاتها يا ساقي  مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ
***

 هذا الحجز لفترة معينة سيعود إلى ما هو عليه ، ما فعل شيئاً ، الحقيقة رمضان درج كل سنة ارتقيت درجة ، تركت بعض المعاصي ، بعض الطاعات أحببتها ، كل سنة هناك نقلة نوعية ، النقلة الثانية أعلى ، الحقيقة رمضان درج ، صعود مستمر ، أما غير المؤمن فيصعد و ينزل ، ما استفدنا شيئاً ، فإذا الواحد عاد بعد رمضان إلى ما كان قبل رمضان أنا لي اجتهاد معين لعله قاس : كأنه لم يصم ، عاد إلى التفلت ، السهر ، الاختلاط ، إلى لعب النرد مثلاً ، أمضى وقته بأشياء تافهة ، ما استفاد شيئاً من رمضان ، رمضان نقلة نوعية ، نقلة نوعية متكاملة متصاعدة ، لا نوعية تعود إلى ما كانت عليه ، هذه مشكلة ، حقيقة مؤلمة جداً رمضان شهر المسلسلات لا شهر الطاعات ، شهر الولائم ، رمضان فرغ من مضمونه كلياً في معظم بلاد المسلمين ، شهر الولائم فقط ، كل يوم يوجد وليمة ، وليمة وسهر حتى منتصف الليل ، والفجر لا يصلى ، ما هذا الصيام ؟ ! لا يوجد قرآن ، ولا سنة ، ولا توبة إلى الله ، ولا ضبط نفس ، لا يوجد ضبط ، ولا طاعات ، ولا نوافل ، ولا قربات ، لكن يوجد طعام ، وشراب ، وسهرات ، ومسلسلات ، هذا رمضان ، أي فرغ من مضمونه .

 

السعادة كلها بمعرفة الله :

 العبادة قربة إلى الله ، لخالق الأرض والسماوات ، لموجد الكون ، أصل الجمال والكمال والنوال ، الحقيقة أن تعرف الله ، أن تعرفه ، أن تعرف ذاته الكاملة ، أن تعرف أسماءه الحسنى ، وصفاته العلا ، أن تطبق منهجه في بيتك ، في عملك ، في كسب مالك ، في إنفاق مالك ، في علاقاتك ، في سهراتك ، في سياحتك ، في سفرك ، في إقامتك ، الدين منهج تفصيلي ، يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان وينتهي بالعلاقات الدولية ، الإنسان صلى صلاة صحيحة ، ضبط دخله ، ضبط إنفاقه ، ضبط بيته ، ضبط بناته ، ضبط علاقاته ، ضبط سهراته ، ضبط سياحته ، ضبط كل شيء بحياته ، فوجد أن له خطاً ساخناً مع الله ، صلى فبكى بالصلاة ، شعر بنعمة القرب من الله ، أصل الجمال والكمال والنوال ، ذات كاملة .

فــــــــلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنــــا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولــــــــو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
***

 شيء مذهل .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر]

 أن تعرف الله ، الذات الكاملة ، صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات العلا ، رب ومسير ، وإله ، كل شيء بيده ، حياتك بيده ، رزقك بيده ، زوجتك بيده ، أولادك بيده ، الأقوياء بيده ، الضعاف بيده ، العلم عنده ، السعادة عنده ، أن تعرف الله .

(( اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ))

[ ورد في الأثر]

 أكبر خسارة ألا تعرف الله ، لذلك خسارة أن تعصيه ، متى تعرف مآل هذه المعصية؟ يوم القيامة .
المذيع :
 كيف فضيلة الشيخ نعرف الله عز وجل تمام المعرفة ؟ نعرف هذه الذات الكاملة لأسمائه الحسنى ، وصفاته العلا ، وآلائه ، والنعم التي تتوالى على الناس تترا ؟ أبالعلم نعرف الله أم بالطاعات نعرف الله أم بحبس النفس عن المعاصي نعرف الله ؟

 

الآيات الإلهية هي القنوات السالكة لمعرفة الله :

الدكتور راتب :

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 6 ]

 
آية واضحة جامعة ، مانعة ، الآيات الإلهية هي القنوات السالكة لمعرفة الله ، آياته ثلاثة أنواع ، آيات كونية ، الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والإنسان ، والحيوان ، والنبات، والطعام ، والشراب ، والمناخ ، والمطر ، والثلج آيات بين أيدينا ، كل شيء تراه في الكون من آياته الدالة على عظمته ، لذلك :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة آل عمران : 191 ـ 190]

 يتفكرون فعل ، دائماً هذا الماء ، هذا الطعام ، هذه الفواكه ، هذا الابن ، كان نقطة ماء صار ابناً ، له دماغ ، ورئتان ، وقلب ، وعينان ، وأذنان ، نحن محاطون بآيات دالة على عظمته ، لا تعد ، ولا تحصى .

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 6 ]

 هذه آيات كونية بخلق الإنسان والأكوان ، وأداة التفكر ، الآيات التكوينية أفعاله ، هذا الذي جرى الأرض يتمتع برفاه يفوق حدّ الخيال ، رفاه شديد ، مسابح ، ملاعب ، دور سينما، مسارح ، فضائيات ، أفلام خلاعية تضج بالمعاصي والآثام ، مخلوق لا يرى بالعين ، أوقف الحياة كلها ، هذا فعل الله ، أوقف الحياة كلها ، نيويورك فارغة ، برلين فارغة ، لندن فارغة، باريس فارغة ، لا يوجد جامعات ، ولا تدريس ، ولا دوام ، ما هذا المخلوق الذي لا يرى بالعين وليس هو كائن حي ؟ بالمناسبة ليس كائناً حياً ، شيء لا يصدق ، هذا فعل الله عز وجل ، هذا من جند الله عز وجل ، أنا ما رأيت درساً إلهياً ، رسالة إلهية لأهل الأرض قاطبة من كل القارات، لكل الشعوب والأمم كهذا الفيروس ، أضعف خلق الله أوقف الحياة كلها .

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ َ﴾

[ سورة غافر : 64]

 هذه آيات دالة صارخة ، فأنت إذا عرفت الله بعد فوات الأوان فرعون عرفه قال :

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة يونس : 90]

 البطولة أن تعرفه قبل فوات الأوان .

﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾

[ سورة الأنعام : 158]

المذيع :
 فضيلة الشيخ ؛ عدّ البعض هذا البلاء صورة مصغرة عن يوم القيامة وما فيه ، أي الله عز وجل يقول :

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾

[ سورة يونس : 25]

 اليوم الجميع كما تفضلتم في منازلهم ، لندن فارغة ، باريس فارغة ، نيويورك فارغة ، هذه المدن النابضة بالحياة ، التي كانت تعج بالسائحين ، والزائرين ، والعالمين ، وما إلى ذلك صارت شوارعها كأنها لم يدب بها بشر من قبل ، كذلك الحال يوم القيامة الناس يفرون من آبائهم ، وأمهاتهم ، وأبنائهم ، لا يلتقون ببعضهم البعض ، أي الذي يزور والده يترك الطعام على باب المنزل ، يقرع الباب ثم يمضي في حال سبيله ، والأب ، أو الأم يخرج من منزله يأخذ الطعام ، أو يأخذ الدواء ، وما إلى ذلك ، دون أن يلتقي بأبنائه ، ما العبرة التي يمكن أن تستقى من هذا الموقف ؟

 

العبرة المستقاة من فيروس كورونا :

الدكتور راتب :
 صدق ولا أبالغ ، بحياتي الدعوية ما شاهدت رسالة من الله بهذا الحجم ، وبهذه السعة، وبهذا العمق
شعوب الأرض بأكملها على اختلاف أطيافهم ، ومللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، درس لأهل الأرض ، نسوا ربهم ، نسوا منهج السماء ، وغاصوا في وحل الأرض ، تركوا وحي السماء ، وغاصوا في وحل الأرض ، فدفعوا الثمن ، أنا أعتقد الذين اتعظوا من هذا الذي حصل معظم أهل الأرض ، أي كأنها رسالة من الله ، العربي ، والغير عربي ، والمسيحي ، والمسلم ، وكل الأديان فهموها ، رسالة واضحة ، صارخة ، جامعة، مانعة ، البطولة لا أن أفهم الرسالة بل أتحرك وفقها ، ليست البطولة أن أفهم الرسالة ، البطولة أن أغير سلوكي ، مصادر دخلي ، إنفاقي ، علاقاتي ، نشاطاتي ، تربية أولادي ، إذا ما صار تغيير لأطياف حياتنا هناك مشكلة ، ومن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ، صار هو المصيبة .
المذيع :
 فضيلة الشيخ ؛ للمؤمن في أيام دهره نفحات ، المؤمن الفطن هو الذي يستغل هذه النفحات ، والأوقات الطيبة ، المباركة ، كي يقبلها الله عز وجل في الأوقات التي يظن فيها إجابة الدعاء ، حدثنا عن فقه الدعاء وربما تفضلتم فصيلتكم بالدعاء لنا وللسادة المشاهدين ولكم بالخير في هذا الشهر حتى نختم حلقتنا ؟

الإنسان كائن ضعيف اتصل بالقوي و هو الله :

الدكتور راتب :
 يا أخي الكريم ! الحقيقة الإنسان كائن ضعيف ، طارئ وليس قديماً ، جاهل ليس عالماً ، كائن فيه كل أنواع الضعف ، هذا الكائن سمح له أن يتصل بالقوي هو الله ، بالعليم ، بالحكيم ، بالرحيم ، بكل صفات الكمال ، فهذا المؤمن من هو ؟ هو إنسان ضعيف كغير المؤمن ، لكنه اشتق من الله الرحمة ، عنده رحمة بقلبه ، عنده إنصاف بحياته ، عنده حكمة بأعماله ، عنده هدف لحياته ، الحقيقة إيجابيات المؤمن بالآلاف ، إنسان عرف سرّ وجوده ، وغاية وجوده ، عرف الآخرة ، عرف أن هناك جنة للأبد ، معلومات المؤمن شيء لا يقدر بثمن.

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر]

الإيمان بالله هو أساس حياتنا وسلامتنا وسعادتنا :

 الإنسان إذا عرف الله عرف كل شيء ، الحقيقة الإيمان بالله هو أساس حياتنا، أساس سلامتنا ، أساس سعادتنا ، أساس توفيقنا ، أساس نجاحنا ، أساس تفوقنا ، كل شيء ينتهي بالموت ليس مكسباً ، الغني ينتهي انتهى .
 الذي عنده سبعمئة مليار ، أبل الموت ينهيه ، والذي يملك تسعين ملياراً بيل غيتس قال : ماذا أعمل بهذا الرقم ؟ لا معنى له ، هذا اسمه الكسب ، الكسب لا تنتفع به لكن تحاسب عليه ، أما الرزق :

(( وهَلْ لَك يا بْن آدَمَ مِنْ مَالِكَ إلا ما أكلتَ فأفْنَيتَ ، أو لَبِستَ فأبْلَيْتَ ، أو تصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ))

[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه]

 الذي يبقى هو العمل الصالح ، سمي صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله ، ومتى يصلح ؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، علة وجودنا الوحيدة بعد الإيمان بالله :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[ سورة المؤمنون : 99 ـ 100]

 سمي صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله ، ومتى يصلح ؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، هذا المؤمن .
 عفواً : إنسان ذهب لفرنسا لينال الدكتوراه من السوربون ، علة وجوده الوحيدة بفرنسا أن يدرس ، ممكن أن يأكل بمطعم ، يجلس بحديقة ، يشتري مجلة ، أما علة وجوده الوحيدة فهي الدراسة .
 البطولة من الأخوة المشاهدين أن تعلم يقيناً ما علة وجودك ، والقرآن واضح :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 طاعة طوعية ، طاعة ليست قسرية ، طاعة طوعية ، لخالق الأرض والسماوات، للعليم ، للحكيم ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، طاعة مع محبة ، ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه ، وما عبده من أطاعه ولم يحبه ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية ، ليست ظنية ، ليست وهم أشباح ، معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية.
 عندنا لذة وسعادة ، اللذة طعام طيب ، منظر جميل ، شراب بارد ، اللذة تحتاج إلى صحة ، وإلى مال ، وإلى وقت ، أما السعادة فاتصال بالخالق ، بأصل الجمال والكمال والنوال ، اللذائذ لها وقت محدد ، ولها عمر محدد .

 

الدعاء :

 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، واجعل بلاد المسلمين جميعاً في أمانٍ وأمنٍ .