رحلة أمريكا 5 - أهمية بِرّ الوالدين.

2014-11-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

العبادة لله وحده :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ في القرآن الكريم قوله تعالى:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 
فالعبادة لله وحده، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
 في العبادة جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي، ولكن الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة رفع مستوى بر الوالدين إلى مستوى عبادته عن طريق واو العطف.

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 هذان الوالدان اللذان كانا سبب وجودك في الدنيا، هناك نعمة الإيجاد، وهناك نعمة الإمداد، وهناك نعمة الهدى والرشاد، فالله سبحانه وتعالى أوجدنا بعد أن:

﴿ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 1]

 وقد قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 1]

 أوجدنا، فهذه النعمة الأولى نعمة الإيجاد، ثم أمدنا بما نحتاج، أمدنا بالهواء، والماء، والطعام، والشراب، هذا الكون مسخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم، فإذا وقف من تسخير التعريف موقف الإيمان، وإذا وقف من تسخير التكريم موقف العرفان والشكر، عندئذٍ تحقق الهدف من وجوده، وعندئذٍ أيضاً تتوقف أي معالجة إلهية، قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء: 147 ]

 والله عز وجل أمر في هذه الآية ألا نعبد إلا إياه، إلا الذي خلقنا، إلا الذي أمدنا، إلا الذي يربينا، ينعم علينا، إلا الذي مصيرنا إليه.

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

بر الوالدين واجب بصرف النظر عن حقيقتهما :

 ولكن لبيان عظم بر الوالدين
لبيان عظم هذه العبادة التعاملية التي أمر الله بها رفع مستوى البر إلى مستوى عبادته عن طريق واو العطف، أنت مثلاً لا تقول: اشتريت مزرعة وملعقة، لا يوجد تناسب، تقول: اشتريت مزرعة وبيتاً، فالواو تقتضي التماثل، فكأن الله في هذه الآية الكريمة رفع مستوى البر بر الوالدين إلى مستوى عبادته.

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 أي الإنسان مكلف أن يكون باراً بوالديه، بصرف النظر عن حقيقتهما، أي أب وأية أم ينبغي أن نبرهما، هذا موقف ديني، أساسي، أخلاقي، تشريعي، لكن:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 أي هذا الإحسان واجب في كل مراحل الحياة، لكن يشتد وجوبه إذا بلغ الأب والأم الكبر، لأنهما في هذا السن هم أشد الحاجة إليك.

 

الابتعاد عن عقوق الوالدين :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 
العلماء قالوا: لو أن في اللغة كلمة أقل من أف لقالها الله، أف أي تنفس بصوت مسموع فقط، إذا تنفست بصوت مسموع كأنك تتضجر.

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 فلذلك الإنسان قد يخطئ بلسانه، وقد يخطئ بفعله، وقد يخطئ باعتقاده، هناك اعتقاد خاطئ، وهناك فعل خاطئ، وهناك قول خاطئ، فالله عز وجل اختار من بين الوجوب في معاملة الأب والأم أقل شيء، جعله واجباً.

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 أي لو أغلق الباب بعنف تشبه أف، يمكن أن نقيس على كلمة أف مئات التصرفات.

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 ولا أن تشد نظرك إليهم، ما برّ أباه من شدّ نظره إليه، شدّ النظر، إغلاق الباب، التكلم بلهجة قاسية، يحمل على كلمة أف آلاف التصرفات، لأن هذا الإنسان كان سبب وجودك.

 

أنواع الرحمة التي يتلقاها الإنسان من أمه وأبيه هي رحمة الله عز وجل :

 هناك ملمح دقيقي دقيق جداً هو أن الله عز وجل حينما أراد أن يعرفنا بذاته
أراد أن نكون من نسل إنسانين، يحبان هذا الابن محبةً تفوق حدّ الخيال، أي هل هناك جهة بالأرض من بني البشر تتمنى لك الخير كأمك و أبيك؟
 هناك رواية وردت بالأثر: أن النبي مرّ على بلدة، رأى امرأة تخبز على التنور وابنها إلى جانب التنور، فكلما وضعت رغيفاً في التنور، أمسكت ولدها وشمته، وضمته، وقبّلته، فهذا النبي الكريم قال: يا رب ما هذه الرحمة! فورد في الأثر: أن هذه رحمتي يا عبدي وضعتها في قلب أمه، وسأنزعها، فلما نزع الله الرحمة من قلب الأم وبكى ابنها ألقته في التنور.
 معنى ذلك أن كل أنواع الرحمة التي يتلقاها الإنسان من أمه وأبيه هي في الحقيقة رحمة الله عز وجل، لذلك حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

[ سورة طه: 39]

 فإذا أحبك الأب والأم هذان الحبان هما حب الله لك، أودعه الله في قلب الأم والأب.

 

برّ الوالدين أحد أكبر العبادات التعاملية في الإسلام :

 لذلك:

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾

[ سورة الرحمن: 60]

 أي أحد أكبر أنوع الإحسان أنك جئت إلى الدنيا بسببهما، هما سبب وجودك في الدنيا، فإذا عرفت الله، وسعدت بقربه، واستحققت دخول الجنة، من هما السبب في إيجادك؟ الأب والأم، لذلك أحد أكبر العبادات التعاملية في الإسلام بر الوالدين.
 لذلك ورد: ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يغفر له، وكأن بر الوالدين رفعهما الله عز وجل إلى مستوى عبادته، هذا مما ينبغي أن يفعله كل إنسان، بل كل مسلم، ينبغي أن يكون باراً بوالديه طاعة لله أولاً، ورداً للجميل ثانياً، واستمراراً على العمل الصالح ثالثاً، لكن المكافأة الدقيقة جداً جداً أن ما من إنسان مسلم يكون باراً بوالديه إلا ويهيئ الله له أولاداً يردون له الجميل أضعافاً مضاعفة، من كان باراً بوالديه بره أبناؤه، ومن كان عاقاً بوالديه عقه أبناؤه فلذلك هناك مكافأة في الدنيا، ومكافأة في الآخرة.

 

نظام الإنسان نظام مبني على الأسرة :

 والحقيقة أول عبادة تعاملية في الإسلام بر الوالدين، لأنهما سبب وجود الإنسان، ولأن هذه العباد تؤكد عظمة وقدسية الأسرة.
 
نظام الإنسان مبني على الأسرة، والنظام الآخر مبني على إضعاف الأسرة، فأي منهج يضعف قيمة الأسرة منهج أرضي، وأي منهج يقوي قيمة الأسرة منهج سماوي.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا أن نكون بارين بآبائنا وأمهاتنا، فهذه العبادة الأولى التي أوجبها الله علينا، ولأنها سبب إقبالنا على الله عز وجل، وسبب أن نستحق من الله ذرية صالحة، والله عز وجل يقول:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

[ سورة الطور:21]

 أي جميع أعمال الذرية الصالحة في صحيفة الأب، فإذا كنت باراً بوالديك أعمالك الطيبة كلها في صحيفة الأب، وإذا جاءك أولاد فأعمالهم الطيبة كلها في صحيفة الأب الذي كان سبب التربية.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا طاعة الله في هذا المجال.