رحلة أمريكا 06 : 07 - محاضرة في ولاية شيكاغو - خصائص الحق وأنواع الظلم.

2017-01-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

النتاج العقلي والشعوري للبشرية لا يزيد عن علم و فلسفة وفن :

 أيها الأخوة الأكارم
الحق هذه الكلمة نرددها كثيراً كل يوم، وحقيقة هذه الكلمة أنها دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط؛ خط النقل الصحيح، لأن هناك نقلاً غير صحيح، وخط العقل الصريح، لأن هناك عقلاً تبريرياً، وخط الفطرة السليمة، لأن هناك فطرة منطمسة، وخط الواقع الموضوعي، لأن هناك واقعاً مزوراً، إذاً الحق دائرة تتقاطع بها أربعة خطوط، النقل الصحيح، والعقل الصريح، والفطرة السليمة، والواقع الموضوعي.
 والنتاج العقلي والشعوري للبشرية لا يزيد عن علم، و فلسفة، وفن، فالعلم ما هو كائن، والفلسفة ما يجب أن يكون، والفن ما هو ممتع، وفي كلمتي هذه إن شاء الله جانب علمي، وجانب فلسفي، وجانب جمالي.

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :

 قال تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 معنى كنتم؛ أي أصبحتم، أيتها الأمة العربية أصبحتم ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس، علة هذه الخيرية:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 
لكن لو أن هذه الأمة لم تأمر بالمعروف ولم تنهَ عن المنكر، أو أنها أمرت بالمنكر ونهت عن المعروف، أو أنها قد صار عندها المعروف منكراً والمنكر معروفاً، هذه أخطر مرحلة تمر بها الأمة سماها بعض العلماء مرحلة تبدل القيم، لذلك هذا التاريخ المجيد يبدأ بمرحلة البطولة.
 ملك الغساسنة، جبلة بن الأيهم، جاء المدينة مسلماً، رحب به عمر أجمل ترحيب، ذهب إلى مكة ليطوف حول الكعبة، في أثناء الطواف بدوي من فزارة داس طرف ردائه فغضب، والتفت نحو هذا الأعرابي وضربه ضربة هشمت أنفه، هذا الأعرابي ما كان منه إلا أن شكاه إلى عمر، عملاق الإسلام، استدعى جبلة، أمامه ملك الغساسنة، وأمامه أعرابي من عامة الناس، قال: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن ينكر شيئاً، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، قال له سيدنا عمر: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير؟! هو سوقة من عامة الناس وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال له: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 هذا عصر المبادئ والقيم، لذلك حينما تركت الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو علة خيريتها، فقدت خيريتها، وأصبحت أمة كأية أمة لا شأن لها عند الله، قال تعالى:

﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[ سورة المائدة: 18]

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا المؤتمر خطوة في طريق استرداد الأمة لرسالتها التي قصرت في تحملها وأدائها.

 

من الواجب علينا فهم ديننا و حسن تطبيقه وعرضه على الطرف الآخر :

 عالم غربي كبير من بريطانيا، قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب، على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما
ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم بالإسلام ولكن بشرط - دققوا - أن يحسنوا فهم دينهم، وأن يحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر، وهذه فيما أعتقد أوراق العمل الرابحة الثلاث التي بقيت بين أيدينا، ومن حسن عرض الإسلام على الطرف الآخر هذا المؤتمر إن شاء الله، ولكن يجب ألا ننسى أن نحافظ على هويتنا وأصالتنا من غير أن نذوب مع غيرنا، ومع أن ثقافة أية أمة هي ملك البشرية جمعاء لأنها بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب، على مر الأجيال، وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها؟
 أيها الأخوة الكرام؛ سُئل أحد المفكرين: ماذا نأخذ وماذا ندع من حضارة الغرب؟ فقال: نأخذ ما في رؤوسهم، وندع ما في نفوسهم.
 وقال بعضهم: أنا أفتح نوافذ غرفتي لأجدد هواءها، ولكن لا أسمح للعواصف العاتية أن تقتلعني من جذوري.

أنواع الظلم :

 أيها الأخوة الكرام؛ من هذا الأثر النبوي الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام:

(( تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً فيأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

 
لذلك حديثي اليوم عن ظاهرة الظلم في العالم، والحاجة الكبرى لنصرة المظلوم، فالظلم ظلمات يوم القيامة، والظلم أنواع ثلاث: النوع الأول ظلم الإنسان لربه، وذلك بأن يكفر بالله تعالى، وفي القرآن الكريم:

﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 254]

 ويكون أيضاً بإنكار وجوده، أو بالشرك في عبادته، وذلك بصرف عبادته لغيره سبحانه وتعالى، قال عز وجل:

﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة لقمان: 13]

 هذا النوع الأول، أن يظلم الإنسان ربه، أما النوع الثاني فظلم الإنسان نفسه، وذلك باتباع الشهوات، وترك الواجبات، واقتراف الذنوب والسيئات، قال عز وجل:

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 57]

 أما النوع الثالث فهو ظلم الإنسان لغيره، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة لقمان: 13]

 أخوتنا الكرام؛ أخواتنا الفاضلات؛ إذاً نستخلص من هذه المقدمة أن ظاهرة الظلم مستشرية في العالم.

(( فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ))

[مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما]

﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 254]

 هناك نوع أول، ونوع ثانٍ، ونوع ثالث، أما النوع الثالث فظلم الإنسان لغيره من عباد الله، ومن مخلوقاته، وذلك بأكل أموال الناس بالباطل، وبظلمهم بالضرب، والشتم، والتعدي، والاستطالة على الضعفاء، والظلم يقع غالباً بالضعيف الذي لا يقدر أن ينتصر لنفسه، ويقع على رأس الظلم سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، ونهب الأرزاق.
 يقول أحد العلماء: ما من قطرة دم تراق في الأرض إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة إلا دم المقتول بحد فيتحمل الله دمه، لذلك ورد أن المسلم يظل بخير ما لم يسفك دماً.

 

الشرك هو السبب الأول للظلم :

 أيها الأخوة الكرام؛ الشرك هو السبب الأول للظلم، والشرك في أوسع معانيه هو السبب الأول للظلم، فحينما يتوهم الإنسان أنه قوي، وأن بإمكانه أن يوقع الأذى بالآخرين، أو أن يسفك دماءهم، من دون أن يحاسب، ثم يفاجأ بعد فوات الأوان أنه ضعيف، وأنه فقد في لحظة واحدة كل أسباب قوته، وأنه في قبضة الله، وأنه لن يترك سدى، يدرك عندئذٍ أعمق إدراك معنى:

﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

[ سورة فصلت: 53]

 قال تعالى:

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 147]

 أرجو الله سبحانه وتعالى لكم النجاح، والتوفيق، وأن يحفظ إيمانكم، ومن يلوذ بكم، واستقرار بلادكم.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته