دروس جامع التقوى - الجزء الثاني : الدرس 015 - المؤمن القوي.

2020-01-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

 أخواننا الكرام؛ ينطلق هذا اللقاء الطيب من قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 النبي الكريم جبار خواطر.

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 التعليل؛ علة وجودك في الدنيا الوحيدة العمل الصالح، والدليل لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، الإنسان حينما يدنو أجله يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون: 99 ـ 100]

 معنى ذلك أن علة وجودك الوحيدة في الدنيا العمل الصالح، والعمل الصالح سمي صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً؛ ما ابتغي به وجه الله، وصواباً؛ ما وافق السنة، هذا ملخص الملخص.
 للتقريب: إنسان أرسل ابنه إلى باريس لينال الدكتوراه من السوربون، فرنسا أكبر مدينة بأوروبا، عملاقة، فيها متاحف، فيها متاجر، فيها ملاه، فيها جامعات، فيها سكن، فيها دولة، فيها وزارات، علة وجود هذا الشاب في هذه المدينة الوحيدة الدراسة، علة وجوده الدراسة، لذلك لا يمنع هذا أن يدخل مطعماً ليأكل، أن يشتري مجلة متعلقة باختصاصه، أن يجلس في حديقة مسموح، لكن علة وجوده الوحيدة الدراسة، لو سحبنا هذا المثل على حياة المؤمن، علة وجودك الوحيدة في الدنيا العمل الصالح، وهذا الدليل:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون: 99 ـ 100]

 لا يقول: لعلي أبني الطابق الخامس، لعلي أتاجر بالمادة الفلانية.

﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون: 100]

 فلذلك المؤمن العمل الصالح شيء مركز بحياته لدرجة مذهلة، يجب أن يعمل كل يوم عملاً صالحاً، باليوم خمس مرات، وكل ساعة يوجد عمل صالح، الصدقة عمل صالح، والنصيحة عمل صالح، وبر الوالدين عمل صالح، ورعاية الأولاد عمل صالح، كلمة واسعة جداً، كل نشاطات المؤمن عندما يستيقظ وحتى يضع رأسه على الوسادة يوجد أعمال صالحة، إذا دخل للبيت شكر زوجته على الطبخ؛ عمل صالح، حمل ابنه وضمه له؛ عمل صالح.
 تكلم أستاذ كبير في علم النفس قال: الطفل بحاجة باليوم إلى عشرين ضمة، غير الأكل، والشرب، والاعتناء به، عشرون ضمة حتى يحس بالحنان، الحنان يتشرب من الأب إلى الابن.
فلذلك العمل الصالح علة وجودنا.

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

 ثم إن هناك عبارة دقيقة: والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، ممكن أن يرسل لك ألف عمل صالح.
 دخل للبيت الساعة الواحدة ليلاً، قالت له والدته: أنا بحاجة إلى مسكن الآن أعاني من ألم بالرأس، قال لها: كل الصيدليات مغلقة، سكتت، لكنه يعلم أنه هناك صيدليات مناوبة، ومعه سيارة،لا ينام مرتاحاً.
 ذهب، أنا افترضت افتراضاً أنه دار خمس صيدليات الدواء مو موجود، بالحالتين الدواء أمه لم تأخذه، لكن الحالة الأولى لا ينام مرتاحاً، الحالة الثانية ينام مرتاحاً، هناك حساب دقيق جداً.
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.

الله كبير و سيحاسب جميع الناس :

 بالبحث الدقيق بالقرآن الكريم لفت نظري أن هناك آيتين فقط فيها كلمة القوي، الأولى:

﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾

[ سورة هود:66]

 الله قوي ولا قوي سواه، الآية الثانية:

﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾

[ سورة الشورى:19]

 آيتان، وهناك آية ثالثة:

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

[ سورة القصص:26]

 شرطان في القرآن الكريم لمن يوجد عنده موظفون، قوي بعلمه، باختصاصه، بخبرته، أمين بولائه للحق، كيف؟
 طبيب مشهور جداً، ودخله فلكي، جاءه مريض، يستطيع أن يطلب منه عشرة تحاليل، و يستطيع أن يصف له ثمانية أدوية، قال له: وضعك يحتاج إلى حمية فقط، يعرف الله، لأن مشكلته حمية، لا دواء، ولا تحليل، ولا مرنان، ولا تخطيط دماغ، ممكن أن يطلب منك عشرة تحاليل، أو عشرة أعمال معقدة جداً، وغالية جداً، تكلف أحباناً بالآلاف، وأنت لا تستطيع أن تناقشه هكذا طلب الطبيب، وهو يعلم علم اليقين أنت بحاجة فقط إلى حمية، يحاسب، الله كبير.
 محام يقول للموكل: والله الذي تريده شيء كثير، هذه فيها تدمير بيت، فيها سحب الإجازة منك، ينهكه وهي لا تحتاج إلى شيء إطلاقاً.
 المهن الراقية الإنسان لا يستطيع أن يناقش هذا الشخص، هل تستطيع مناقشة الطبيب؟ المهندس؟ لأنه هذا البناء فيه خطوط عرضية على وشك الانهيار يحتاج إلى تدعيم، المهن الراقية مشكلتها أن الإنسان لا يستطيع أن يناقش أصحابها، أما هذا المؤمن يعرف الله عز وجل فلا يقدر أن يكلف الإنسان فوق طاقته.
 هذا الإيمان، يتوهم الناس أن الإنسان مؤمن إذا كان يصلي، هو يصلي طبعاً، يصوم، يحج، يزكي، أقسم لكم بالله الإيمان حوالي خمسين ألف بند، بكسب مالك، بإنفاق مالك، باختيار زوجتك، بمعاملة الموظفين، بمعاملة من حولك، الأقوياء، الضعاف، قضاء فترة إجازتك، أنت ممتحن بمليون بند، عندك مثلاً حفل مختلط! يقول لك: أرقى نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات مع رجال أجانب، أرقى! أنت عندما تبحث عن العادات والتقاليد، وما يليق بك، وما لا يليق، انتهيت عند الله عز وجل، هناك إله عظيم أعطاك منهجاً، هذه لا تجوز أبداً، يوجد بحياتك كلمة لا، لا يوجد مؤمن له علاقة بالله متينة جداً إلا عنده كلمة لا، لا يوجد ضغوط، الله جعل الزوج رب هذه الأسرة بيده القرار، هذه لا تجوز، يجب أن تعلم من حولك كزوجة، كأولاد، كموظفين، أن عندك كلمة لا.
 أذكر أخاً أحترمه كثيراً، ابنه دهس إنساناً ومات الإنسان، مدير أعماله ذكي جداً، وله علاقات متينة، فلما جاء الأب للحادث قال له: انتهت، عملنا تقريراً أن ابنك ليس مخطئاً، الثاني هو المخطئ، قال له: بهذا التقرير لن ننجو من الله، أكتب الذي حدث، كتب ما حصل مع ابنه ودفع دية الميت، وعين خمسة من أولاده عنده بالمعمل، هذا المؤمن، انتهى كل شيء، التقرير كتب بعكس ما حدث، وانتهى الأمر، والتقرير أودع بالمكان الأساسي، يقول له: أبداً هذا الكلام ليس صحيحاً، هذا الكلام لا ينجيني من الله يوم القيامة، أعد كتابة هذا التقرير، واكتب ابني هو المخطئ، والنتيجة موت، وليس إغماء، موت، وأنا أدفع الدية كاملة، وعين خمسة من أولاده عنده بالمعمل، هذا الإيمان.

الإنسان إما أن يكون بطلاً عند الله أو يكون أحقر من أحقر مخلوق :

 أخواننا الكرام؛ نحن كلنا مثل بعضنا، كلنا نأكل صباحاً، وننام، ونستيقظ، ونذهب لأعمالنا، أي أشياء متشابهة، يمر بحياتك خمسة مواقف، إما أن تكون بطلاً عند الله، أو تكون أحقر من أحقر مخلوق، والإنسان إذا سقط - عفواً إذا سقط من علو، من بناء من عشرة طوابق- وتحطمت أضلاعه، أهون من أن يسقط من عين الله، قد تكون فقيراً، لكن أنت عند الله كبير، دخلك كبير، تعاني ما تعاني، عندك مشكلة بالبيت، بعملك، بصحتك، هذه كلها ابتلاء، فيها نجاح، أما أن تسقط من عين الله، لذلك:

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))

[أحمد في مسنده]

 هناك مؤمن حاد بالطبع، مقبول، مؤمن هادئ، مؤمن كلي، مؤمن تفصيلي، إلى آخره.

(( إلا الخيانة والكذب ))

[أحمد في مسنده]

 المؤمن قد تزل قدمه لكنه لا يكذب، لا يكذب، تزل قدمه، غلبته شهوته، يوجد توبة، أما يكذب فهناك مؤامرة، الكذب ليس شهوةً غلبتك ولكنها مؤامرةٌ خططت لها.
 أذكر مرة كنت في المغرب، وجئت إلى الشام بطائرة، الطيار كان تلميذي، أراد أن يكرمني وضعني بغرفة القيادة، يوجد كرسي ثالث للضيوف أحياناً أو للمفتشين، أنا جلست بالغرفة على الكرسي، عندما دخلنا إلى سوريا رأيت بعيني هذه طرطوس وصيدا، بينهما خمسمئة كيلو متر، بنظرة واحدة، أي على ارتفاع أحد عشر ألف متر لك أن ترى مسافة قدرها خمسمئة كيلو متر بنظرة واحدة، ومرة رأيت حمص ودمشق معاً بالطائرة، تعلمت درساً لا ينسى، كلما ارتفع مقامك اتسعت رؤيتك، لو طبقناها على علاقاتنا اليومية، ممكن إنسان يكون بالبيت، لا يوجد طعام أبداً، دخل لمطعم بالطريق، وأكل أنفس الطعام، بالبيت لا يوجد أكل، دبروا أنفسكم، اطبخوا معكرونة، افتحوا علبة لحم، أما المؤمن فيأكل بشهوة أهله، حتى أن هناك مؤمنين إن دعوا إلى طعام نفيس باليوم التالي يأتي لأهله بمثل هذا الطعام، من وفائه لهم.

من لم تحدث المصيبةُ في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر :

 لذلك المؤمن له خصائص مذهلة، له آلاف الخصائص، التواضع، المحبة، الاهتمام بالوالدين، المؤمن ينطبق عليه قول النبي الكريم:

(( فأعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ ))

[البخاري والترمذي عن أبي جحيفة ]

 أي حق والدته لا يلغي حق زوجته، وحق زوجته لا يلغي حق والدته، وإذا أنت عندك شريك كونك أنت دافع رأس المال كله، هو شريك بالتضامن، لا تلغ له دوره، ولا أرباحه، هذه هي البطولة أساساً، والله أعطاك اختياراً، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة يؤخر العقاب أو الثواب إلى مسافة أطول مما تتصور، ممكن أن تعصيه ودخلك درجة الأولى، ومكانتك كبيرة، ورفاه شديد وأنت في معصية، والله حليم، يرخي الحبل لكن أنت مربوط، مربوط بكل معاني هذا الربط، بلحظة بشد الحبل بقبضته، فجأةً شلل، ظلم؛ شلل، فتاب وأعاد الأموال لأصحابها، بعدما أصبح صحيحاً عاد إلى ما كان عليه، فالله كبير، والبطولة أن تفهم على الله مصيبته، سميت مصيبة لأنها تصيب الهدف، أي يوجد كبر، ترتكب غلطة تتحجم، يوجد إسراف، ترتكب غلطة يقل دخلك، لكن بطولتك أن تفهم على الله، من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر، صار هو المصيبة، تأتي مصيبة صحية أحياناً، أحياناً مالية، أحياناً أسرية، أحياناً بعملك، يأتي مدير عام لا يحبك، يضايقك، يستفزك، هذه مصيبة، بعملك يوجد مصيبة، بالبيت يوجد مصيبة، بالصحة يوجد مصيبة، من لم تحدث المصيبةُ في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر.

إكرام جوار نعم الله :

 أخواننا الكرام؛ الشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً، أنك كلما تحريت الحق كبرت عند الله، وكلما قلت: عادي، هذه كلمة الآن حديثة، يقول لك: عادي، يرتكب حماقة، عادي، يرتكب معصية كبيرة، عادي، ما هذه الآية؟ هذه آية أم حديث؟ عادي كلمات العوام، هناك كلمات تلتقي مع الكفر، مثلاً: الله لم يكتب له النجاح، مسكين، لا، كاذب، هذا لم يدرس، لم يدرس فلم ينجح، فقط قل هذا، لا تقل: ما كتب له النجاح، لماذا هو لم يدرس؟ إياك أن تعزو مشكلة حلت بك بذنبٍ منك إلى القضاء والقدر، هذه تدجيل، كذب، ما درست ما نجحت، الله لم يكتب لي أن أنجح، ما هذا الكلام الحقير، درست وما نجحت، مستحيل!
 أخواننا الكرام؛ النبي الكريم يقول:

(( يا عائشة أكرمِي جوار نعم الله، فإن النعمة إذا نفرت قلمَا تعود ))

 يوجد بواق، كُلْ البواقي قبل أن تصنع طعاماً جديداً، وكلما كنت ورعاً أكثر لا تعد طعاماً جديداً قبل أن تنهي البواقي، هذه فيها أدب مع الله عز وجل.
 يوجد لقطات مؤثرة تماماً؛ كان في منطقة محتلة ببلد عربي الجنود يلقون الخبز في المزابل، وقد يبولون على الخبز، صار هناك ثلج، وانعدم الطعام والشراب، فاضطروا أن يأكلوا خبزاً بالوا عليه، الله كبير، احترم نعمة الله عز وجل، احترام النعمة يدعو إلى استمرارها، وبالشكر تدوم النعم، سبحان الله!
قال لي شخص مرة كلمة مؤثرة جداً، أقسم بالله أيماناً مغلطة أنه لم يدخل الفواكه إلى بيته إلا بالصناديق، ولم يدخل الحلويات إلا بالأواني الكبيرة، غني كبير، قال لي: الآن والله يا أستاذ أنقب في القمامة، لعلي أرى خسة لم تؤكل، أقسم بالله من فواكه بالصناديق، ومن حلويات بالعلب الكبيرة إلى تنقيب القمامة.
الله قادر أن يعطي فيدهش، وقادر أن يأخذ فيدهش، قادر، شلل رباعي انتهى، أنت خثرة بالدماغ انتهيت، طريح الفراش، دخلت لعند شخص قال لي: أنا طريح الفراش منذ ست وثلاثين سنة، شلل رباعي، الصحة ليست قضية سهلة، لا تشكو من شيء، تتحرك، تدخل بيت الخلاء وحدك، تأكل وحدك، اليدان طليقتان، لذلك النبي قال:

(( اخشوشنوا، وتمعددوا، فإن النعم لا تدوم ))

 ما هذا التوجيه؟ أنت أب، كل يوم يوجد طبخ بالبيت، أنت وضعك المادي جيد، اترك يوماً دون طبخ، يوجد بواق، أحياناً طعام خفيف.

(( اخشوشنوا، وتمعددوا، فإن النعم لا تدوم ))

 أوضح مثل: زوجت ابنتك وأنت رجل ميسور، هي متعودة كل يوم يوجد طبخ جديد، زوجها إنسان مؤمن، طيب، صالح، لكنه موظف، دخله محدود، بالأيام الأخيرة بالشهر لم يعد يملك المال، لن يستطيع أن يطبخ كل يوم، قولي له: نحن ندبر حالنا اليوم، نعمل بيضاً مقلياً، نفتح علبة لحم مثلاً.

(( اخشوشنوا، وتمعددوا، فإن النعم لا تدوم ))

ابتغاء الحوائج بعزة الأنفس :

 شيء آخر؛ لك دخل معقول، إياك أن تنفقه كله، يأتي وقت بحاجة إلى معالجة طبية، تحليل غالي جداً، لا يوجد حولك أحد، اترك قسماً من دخلك كاحتياط، لأن الاحتياط من الذكاء، مبلغ احتياط، ينشأ فجأةً حادث، ينشأ فجأةً مرض مفاجئ، مضطر لتحليل كامل، لا يوجد معك المبلغ، بدل أن تستقرض، وأن تتضعضع أمام الغني، قال:

(( من جلس إلى غني أو قوي فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

 حديث مخيف:

(( من جلس إلى غني أو قوي فتضعضع له))

 تمسكن، أي لا يوجد شيء بالحال، الله يجبر خاطرك عندي أولاد، المؤمن عزيز النفس.

(( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))

[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف]

 وأنت عندما تكون عزيز النفس والله من سابع المستحيل أن يخيب الله ظنك، ليس لك غير الله، يا الله ليس لنا غيرك، دعاء مؤثر جداً، بالحديث:

(( اخشوشنوا، وتمعددوا، فإن النعم لا تدوم ))

الحكمة أعظم عطاء إلهي على الإطلاق :

 الآن يوجد ملاحظة أريد أن أقولها لكم، هي ليست أمراً، جاءتك ابنتك ثائرة، لا تعتن بالطعام عشرة أضعاف، لا، أنزله عشرة أضعاف، كي تحب بيتها، لا تضعها بالصدر، انهضي ساعدي أمك، هي جاءت لعند أهلها متعبة، هناك عمل، و طعام خشن، فتميل لبيتها.
 أعرف أسرة تأخذ الزوجة أذناً من زوجها كي تمضي يوماً عند أهلها، لها أم عاقلة جداً، الإذن للمغرب، تقول لها: ابنتي قومي اذهبي لبيتك العصر، رتبي البيت، نظفي البيت، استقبلي زوجك المغرب، أفضل، أم عاقلة جداً، لا نأخذ زوجته نضعها عندنا شهر، اتركيه كي يعرف قيمتك، هذا خطأ كبير كبير، الله عز وجل لا ينظر إلى من فرق بين الزوجين، لأنهم يريدون أن يربوا الصهر.
 فلذلك الإنسان كلما كان إيمانه أكبر عنده حكمة، أقول لكم كلمة دقيقة: يمكن أغلى عطاء، أعظم عطاء إلهي الحكمة، والحكمة لا تؤخذ بل تعطى.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة: 269]

 أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً، وبالحمق تجعل الصديق عدواً، بالحكمة تسعد بزوجة، أي زوجة، لن أقول من الدرجة العاشرة، أي زوجة، من دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، أنت بالحكمة تنمي المال القليل، من دون حكمة تتلف المال الكثير، أكبر عقاب إلهي للإنسان أن يأخذ منه الحكمة، وأكبر عطاء إلهي أن يؤتيك الحكمة.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269]

 أحياناً يكون هناك وليمة، أنا أتكلم الآن بالحكمة، هناك أسر هذا الطعام كله يوضع في أكياس ويجمد، نفتح كل يوم كيساً نأكله، بعد الوليمة يوجد أكل عشرة أيام، هذا أدب مع الله عز وجل، أما إتلاف الطعام، والله يلقي الطعام في القمامة.
 أنا أذكر مرة إنسانين كبيرين قدم لهم منسف، المنسف يطعم حوالي خمسمئة شخص، خمسة وعشرون ذبيحة، وفوقهم جمل، وقطره اثنا عشر متراً، أنا رأيت المنسف بعيني، أُكل حوالي أوقيتين بأوقيتين، ثم كله بالقمامة، يطعم خمسمئة إنسان، إتلاف النعم مخيف.

(( يا عائشة؛ أكرمِ جوار نعم الله، فإن النعمة إذا نفرت قلامَ تعود ))

 قال لي: والله أدخل إلى بيتي بأوسع الكميات من الطعام، الآن أنقب بالقمامة، لعلي أرى شيئاً لم يؤكل، الله كبير، كلما احترمت هذه النعم دامت، وكلما أهملتها طارت، انتهت.

من أكرم الضعفاء نصره الله على من هو أقوى منه :

 آخر نقطة، والله شيء مذهل الحديث:

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 الأمة متى تنتصر على من هو أقوى منها؟ على دول قوية جداً، معهم أسلحة نووية، اقتصاد العالم بيدهم، متى تنتصر أمة ضعيف على أمة أقوى منها؟ قال:

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 هذا الضعيف لا أحد ينتبه له، إن أطعمته كان جائعا، كسوته إن كان عارياً، آويته إن كان مشرداً، عالجته إن كان مريضاً، أنصفته إن كان مظلوماً، يتفضل الله عليك فيكافئك بعملٍ من جنس عملك، فينصرك على من هو أقوى منك، الأمة الإسلامية إذا اعتنت بضعفائها، بالفقراء، هيأت لهم مساكن، طعاماً، شراباً، معالجة مجانية، زواجاً، مشروع زواج، هؤلاء الذين أكرمتهم يتفضل الله عليك فينصرك على من هو أقوى منك، احفظوا هذا الحديث:

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[ رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 عندك بالمحل موظف بسيط، كنت مرة بمحل تجاري، محل أقمشة، حمل هذا الصانع الصغير أول توب سكت، ثاني توب- وأنا قاعد- التوب الثالث قال له: لم أعد أستطيع، قال له: أنت شاب! الرابع، الخامس إلى المستودع، وأنا قاعد، حمل ابنه توباً واحداً، قال له: بابا انتبه إلى ظهرك، إنه حقير، هذا اليتيم ليس له قيمة عندك؟ وإذا لم تعامل اليتيم كما تعامل ابنك لست مؤمناً، إذا لم تعامل الخادمة بالبيت كما تعامل ابنتك لست مؤمناً، بقايا الطعام، طبخ نفيس، عندهم وليمة، لا تأكلي من هذا كلي من هذا، هذه مجرمة، والله يوجد أعمال من يفعلها يسقط من عين الله، خادمة! تشتهي الطعام، الطعام نفيس، عندها بقايا قديمة تعطيها أمراً أن تأكل من هذا، الله كبير، عنده شلل، عنده خثرة بالدماغ، عنده فشل كلوي، تشمع كبد، عنده كل مرض الله عز وجل يهد أركانك، امش يشكل صحيح مع الله، استح من الله، أكرم الضعفاء.

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[ رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 خادمة قاطعة عشرة آلاف كيلو متر، ليس لها دوام عندك محدود؟ للساعة الواحدة بالليل، أنتِ قاعدة مع أولادك، ومع كنائنك، ومبسوطة معهم، عليك أن تقولي لها: اذهبي نامي، لا، يوجد ظلم، أنا معي حوادث دقيقة، هناك خادمات انتحرن، ما تحملت، عمل لا يحتمل، وقهر، وشدة، وطعام قليل، انتحرت، أنا رأيي بالعكس هؤلاء الضعاف إن أطعمتهم، إن أكرمتهم، إن كرمتهم أيضاً ترقى عند الله.

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[ رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]