أحاديث قدسية - الحلقة : 09 - قانون الحسنات والسيئات

2020-05-02

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً .

من عرف سرّ وجوده و غاية وجوده فهذه أخطر قضية في الإيمان :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ مع حديث آخر من الأحاديث القدسية ، وهو بعنوان : " قانون الحسنات والسيئات " ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنَّ الله تعالى كَتَبَ الحسناتِ والسيئاتِ ، ثم بيَّن ذلك ، فَمَنْ هَمَّ بحسَنة فلم يعملْها كَتَبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هَمَّ بها وعَمِلها ، كَتَبَها الله له عنده عَشْرَ حسنات إلى سبعمائة ضِعْف ، إلى أضعاف كثيرة ، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعمَلْها ، كَتَبَها الله عنده حسنة ، وإن هو هَمَّ بها فَعَمِلها ، كَتَبَها الله له سيئة واحدة ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما]

 وعلة وجود الإنسان على وجه الأرض أن يعمل صالحاً ، لقوله تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 والعبادة عمل صالح ، لذلك قال تعالى واصفاً حال الإنسان الذي شرد عن طاعة الله :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون : 99 ـ 100]

 ولا يصح العمل إلا إذا كان صالحاً ، عرف الإنسان سرّ وجوده في الأرض ، وغاية وجوده ، هذه أخطر قضية في الإيمان ، وكنت أضرب على ذلك مثلاً مشهوراً : الإنسان إذا ذهب إلى بلد وسأل في هذا البلد : إلى أين أذهب ؟ نسأله نحن : لماذا أتيت إلى هذا البلد ؟ لعلك جئت طالب علم ، اذهب إلى المعاهد والجامعات ، أما إذا جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات ، أما إن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات .

 

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

 السؤال الأكبر : لماذا نحن في الأرض ؟ لا يصح عملنا إلا إذا عرفنا سرّ وجودنا الله الله عز وجل يقول :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 والآن هذه الآية الكريمة تبين أن سرّ وجود الإنسان في الأرض أن يعمل صالحاً ، وهناك أدلة كثيرة على ذلك منها أن الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون : 99 ـ 100]

 ما من ميت يقول : لعلي أتم البناء ، أو لعلي أنال الشهادة ، أو أتزوج .

﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون : 100]

 إذاً علة وجود الإنسان في الدنيا ، أو على سطح الأرض أن يعمل صالحاً ، هذا العمل الصالح هو ثمن الجنة ، هو ثمن جنة عرضها السماوات والأرض :

(( فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 هو ثمن سعادة أبدية ، الدنيا محدودة ، لكن الجزاء غير محدود إلى أبد الآبدين ، وكنت أقول دائماً : لو وضعت واحداً في الأرض وأصفاراً إلى الشمس ، بعد الشمس عنا ثماني دقائق أي مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، كل ميلي صفر ، كم هذا الرقم ؟ إذا قيس إلى اللانهاية فهو صفر ، أكبر رقم تتصوره إذا قيس للانهاية فهو صفر ، إذاً نحن في حياة محدودة جداً ، سنوات ، بعد الأربعين لا تزيد عن عشرين ، أو ثلاثين ، أو عشر سنوات ، وتنتهي الحياة وسنواجه أبداً أبدياً ، وحياة سرمدية ، إما في جنة يدوم نعيمها ، أو في نار لا ينفذ عذابها .

 

العبادة حركة وسلوك :

 إذاً العبادة حركة ، فيها جانب سلبي وجانب إيجابي ، إذاً هناك من يأكل ، ويشرب، ويسمر ، ويتنزه ، ويسافر ، ويتطلع ، ويتابع الأخبار ، ويكشف الأسرار ، وينبغي أن نعلم سرّ وجودنا ، وسرّ غاية وجودنا ، أن نعبد الله ، والعبادة حركة وسلوك ، وفيها جانب سلبي ، وجانب إيجابي ، السلبي أن تنتهي عما نهى الله عنه ، والإيجابي أن تفعل ما أمرك الله به ، أن تتصدق، أن تعاون ، أن تلبي حاجة الضعيف ، فلذلك يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :

(( إنَّ الله تعالى كَتَبَ الحسناتِ والسيئاتِ ، ثم بيَّن ذلك فَمَنْ هَمَّ بحسَنة فلم يعملْها كَتَبها الله له عنده حسنة ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما ]

 ونية المؤمن كما قيل خير من عمله ، ونية الكافر شر من عمله ، لذلك العبادة طاعة طوعية كما قلت قبل قليل ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

(( فَمَنْ هَمَّ بحسَنة فلم يعملْها كَتَبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هَمَّ بها وعَمِلها كَتَبَها الله له عنده عَشْرَ حسنات إلى سبعمائة ضِعْف ، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعمَلْها ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما ]

 لم تكتب ، وإن عملها كتبت ، لأن الله عز وجل يحب أن نربح عليه .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الصف : 10 ـ 11 ]

(( فإن هَمَّ بها وعَمِلها ، كَتَبَها الله له عنده عَشْرَ حسنات إلى سبعمائة ضِعْف إلى أضعاف كثيرة ، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعمَلْها ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما]

محاسبة الله عز وجل الإنسان على عمله لا على خواطره :

 هناك سؤال دقيق جداً ، لِمَ لم يعملها ؟ لأنه لم يستطع ، لا أجر له إطلاقاً ، لكن لم يعملها خوفاً من الله عندئذٍ الله عز وجل يكرمه بمكافأة لهذا العمل .
 لذلك قصة سمعتها قبل أربعين عاماً ، شاب رافق أمه لأداء فريضة الحج ، إذاً هو حج معها ، وهو في مقتبل العمر ، فتح مكتبة في أحد أحياء دمشق ، مكتبة قريبة من ثانوية بنات ، يبدو أن فتاةً ساقطة جاءت إلى المحل ، ولمّحت له أنها تريده ، أغلق المحل وتبعها، والمواصلات كانت حافلات كهربائية قديمة ، وهو يتبعها تذكر أنه حجّ بيت الله الحرام مع والدته أيعقل أن يعصي الله ؟ فرجع ، ركب إحدى الحافلات ، وعاد ، قال : معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين ، القصة - شيء لا يصدق - تتمتها رائعة : رجل بعد أسبوع وقف أمام محله وقال : يا بني هل أنت متزوج ؟ قال له : لا ، قال : عندي فتاة تناسبك ، هذا الشاب اعتقد أن بالبنت عيباً لأنها عرضت عليه ، لأن عرض الفتاة في مجتمعاتنا ، أو في الأعراف غير مقبول، بينما في القرآن مقبول :

﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾

[ سورة القصص : 27]

 فظن الشاب أن في الفتاة عيباً ، لأن والدها عرضها عليه ، أرسل أمه فإذا هي فتاة رائعة ، وافق فقال له : لكني لا أملك شيئاً ، قال : هذا ليس من شأنك ، هذا من شأني ، عقد معه شركة ، وأنا أذكر أن العم توفي ، أما الشاب الآن فلا يزال حياً يرزق ، لأنه قال :

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

[ سورة يوسف : 23]

 لذلك لا لأنه لا يستطع ، الذي لم يستطع هو أشقى الناس .

(( ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعمَلْها ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما]

 لم تكتب ، أي أن أية سيئة قلت : معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين ، لا أفعلها خوفاً من الله ، كتب الله لك عنده حسنة كاملة ، وفي رواية :

(( ومن همّ بها وعملها كتبت له سيئة ))

 هذا نموذج من كرم الله عز وجل .

(( فَمَنْ هَمَّ بحسَنة فلم يعملْها كَتَبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هَمَّ بها وعَمِلها، كَتَبَها الله له عنده عَشْرَ حسنات إلى سبعمائة ضِعْف ، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعمَلْها ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما]

 لم تكتب ، وإن عملها كتبت ، لذلك ملك الشمال يكتب السيئات ، أما ملك اليمين فأمير عليه ، لا يسمح ملك اليمين أن يكتب ملك الشمال السيئة إلا إذا أصرّ العبد عليها ، ولم يتب ، ولم يندم ، وتبجح بها ، وافتخر بها ، عندئذٍ تكتب عليه ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 فعل خماسي ، عمل السيئة فلم يتب ، لم يندم ، أصرّ عليها ، أعادها ، تكتب عندئذٍ سيئة ، الله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا على العمل .

 

الله عز وجل يحب أن نربح عليه :

 وفي حديث آخر يقول الله عز وجل :

(( إذا أراد عبدي أنْ يَعْمَلَ سيئة ، فلا تكتبوها عليه حتى يَعْمَلَها ))

[ متفق عليه]

 لذلك أي شيء تحدثك نفسك به لا تحاسب عليه ما لم ينقلب إلى عمل ، هذا المفاد .
 أي شيء تحدثك نفسك به لا يكتب عليك ، إلا إذا انقلب إلى عمل ، لكنك لو استمرأت هذه الخواطر السيئة ، هذه الخواطر أصبحت فكراً ، ثم أصبحت شهوة ، ثم أصبحت إرادة ، ثم أصبحت معصية ، ثم أصبحت عادةً ، وبعد أن تنقلب الخواطر إلى عادات يصعب كثيراً تركها ، فالأولى أن أتلافى الأمر من بدايته ، أن أذهب عني الخواطر ، لأن الله تعالى لا يحاسب على إلا على العمل .

(( إذا أراد عبدي أنْ يَعْمَلَ سيئة ، فلا تكتبوها عليه حتى يَعْمَلَها ، فإن عَمِلَها فاكتبوها بمثلها ، وإن تَركَها من أجلي فاكتبوها له حسنة ، وإذا أراد أن يَعْمَلَ حسنة ، فلم يَعْمَلْها ، فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها فاكتبوها بِعَشْرِ أمثالها إلى سبعمائة))

[ متفق عليه]

 الله سبحانه وتعالى يحب أن نربح عليه .
 الملخص : إن الله سبحانه وتعالى يحب أن نربح عليه ، يحب أن نتاجر معه ، العمل الصالح الذي تعمله في صحيفتك ، وفي صحيفة من دلك عليه ، وفي صفيحة من أعانك عليه ، وفي صحيفة من قبله منك ، فيجزي الله عز وجل أطرافاً كثيرين ، بل إنك لو ربيت ولداً صالحاً أعماله كلها في صحائفك .