أحاديث قدسية - الحلقة : 07 - فضل التفرغ للعبادة

2020-04-30

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

أقسام الإسلام :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ أيها الأخوة الكرماء ؛ مع حديث آخر من الأحاديث القدسية وهو بعنوان : " فضل التفرغ للعبادة "، يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه إن الله تعالى يقول :

(( يا بن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى ، وأسد فقرك ، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً ، ولم أسد فقرك ))

[ حديث قدسي ]

 أخواننا الكرام ؛ أحياناً الأمثلة توضح : الإسلام مثلث ، مقطع إلى أربعة أقسام ، أول قسم القسم العلوي العقائد ، والثاني العبادات ، والثالث المعاملات ، والرابع الآداب ، إن صح أن الإسلام مثلث مقطع إلى أربعة أقسام .
 القسم الأول : هو العقائد ، وأخطر ما في الدين العقيدة ، فإن صحت صح العمل وإن فسدت فسد العمل .
 والقسم الثاني : العبادات ، الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة .
 والقسم الثالث : المعاملات ، الإيجار ، الشراء ، الدفع ، القبض ، المعاملات اليومية .
 أما القسم الرابع فهو الآداب .

 

تعريف العبادة :

 فما العبادات ؟ العبادات أيها الأخوة حتى نفهمها على حقيقتها لا بد من مثل : إنسان سافر إلى بلد ، نزل في أحد الفنادق ، وفي صبيحة اليوم الأول سأل : إلى أين أذهب ؟ عجيب! نسأله نحن : لماذا أتيت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد والجامعات ، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات ، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، ماذا يعني هذا الكلام ؟ يعني هذا الكلام أنه لا تصح حركتك في مكان ما إلا إذا عرفت سرّ وجودك ، وغاية وجودك .
 لو أردنا أن نكبر هذا المثل ؛ لماذا نحن في الأرض ؟ ما سرّ وجودنا ؟ ما غاية وجودنا ؟ إذا عرفنا سرّ وجودنا ، وغاية وجودنا ، تصح حركتنا ، فالعبادة علة وجودنا ، لذلك لو فتحنا القرآن الكريم ، لقرأنا هذه الآية :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 فسبب وجودنا العبادة ، والعبادة بأوسع معانيها ، لأنه قد يتوهم بعض المسلمين أن العبادة أن تؤدي الصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، وانتهى كل شيء ، نقول : لم ينتهِ كل شيء ، العبادة منهج تفصيلي ، يبدأ من أشد العلاقات خصوصية ، يبدأ من العلاقات الأسرية وينتهي بالعلاقات الدولية .
إذاً العبادة منهج تفصيلي ، من عند الخالق ، من عند الخبير ، من عند العليم ، من عند الرحيم ، من عند القوي ، من عند الغني ، منهج جاءنا من وحي السماء ، معرفة الله أصل الدين ، لذلك حينما قال الله عز وجل في كتابه العزيز :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 من أدق تعريفات العبادة أنها طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

 

معرفة الله أصل الدين :

 من هذا التعريف الدقيق الجامع المانع يتضح أن فيه كليات ثلاثة ، فيه كلية معرفية ، فالذي يعبد الله لا بد من أن يعرفه ، ومعرفة الله أصل هذا الدين ، هذا الكلام قاله الإمام علي رضي الله عنه ، لا بد من أن تعرفه ، تصلي لمن ؟ تصوم لمن ؟ تحج لمن ؟ تغض البصر لمن ؟ تنفق مالك لمن ؟ لا بد من أن تعرف الله ، ولا بد من أن تلتزم ، ولا بد من أن تخضع حركتك في الحياة الدنيا لمنهج تفصيلي ، دقيق ، وعميق ، ومتناسق ، ملخصه : افعل ولا تفعل، فلابد من معرفة الله أولاً ، ولا بد من تطبيق لأمره ثانياً ، دققوا :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

[ سورة فصلت : 30 ـ 31]

 ثم أوقعوا حركتهم في الحياة وفق منهج الله ، إذاً هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، هي طاعة تختلف عن طاعة الأقوياء ، الأقوياء يطاعون قسراً ، لكن الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نطيعه محبة ، أرادنا أن نأتيه بمبادرة منا ، أراد أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة حب ، قال تعالى :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 إذاً هي طاعة طوعية ، ولا قيمة للطاعة القسرية ، الطاعة القسرية لا ترقى بالإنسان ، لا بد من طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أي أنه ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه ، كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يطعه .

 

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في الــــــــــمقال شنيع
لــــو كان حبك صادقاً لأطعته  إن المحب لــــــــــــمن يحب يطيع
***

 العبادة في أدق تعريفاتها : طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

 

 

مستويات العبادة :

1 ـ عبادة الهوية :

 لذلك :

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر : 28]

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل .
 إذاً هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
 والعبادة عدة مستويات ، أول مستوى : عبادة الهوية ، هذا الموضوع متعلق بأن العبادة لها مستويات ، فكل إنسان بحسب هويته ، أنت من ؟ أنت غني ؟ عبادتك الأولى إنفاق المال ، أنت قوي ؟ العبادة الأولى إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، وإذا كنت بجرة قلم تحق حقاً وتبطل باطلاً ، وتقر معروفاً وتزيل منكراً ، إذاً العبادة الأولى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، أنت من ؟ عالم ؟ إلقاء العلم ، وألا تأخذك في الله لومة لائم ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب : 39 ]

(( انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ يعدل الجهاد في سبيل الله ـ ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

(( ذروة سنام الإسلام الجهاد ))

[ رواه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 كل واحد منا له هوية اجتماعية ، قد يكون قوياً ، العبادة الأولى إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، وقد يكون غنياً ، العبادة الأولى إنفاق المال في سبيل الخير ، وحل مشكلات المسلمين ، وإن كان عالماً العبادة الأولى إلقاء العلم من دون خوف أو وجل ، لأن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً ، وإن كنت امرأة فالعبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد .

 

2 ـ عبادة الظرف :

 الآن : عبادة الظرف .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه عبادة الهوية ، فماذا عن عبادة الظرف ؟ أن تعبد الله بظرف وضعت فيه ، عندك أب مريض تأتي بعض الفرائض البديهية ، أن تعتني بهذا الأب هذا جزء من عبادتك ، عندك ضيف ، أن تعتني بهذا الضيف ، عندك ابن أن تبالغ في تربيته ، لأنه لا يمكن أن نواجه القنبلة الذَّرية في المستقبل إلا بقنبلة الذُّرية ، ولم يبقَ في أيدي المسلمين من ورقة رابحة إلا أولادهم ، الأطفال يعنون المستقبل ، الأطفال رجال الغد ، الأطفال أمل الأمة ، الشباب قوة الأمة ، لذلك ينبغي أن يربي الإنسان ابنه تربية إيمانية ، وأخلاقية ، وعلمية ، ونفسية، واجتماعية ، وجسمية أيضاً ، حينما يربي ابناً يكون في أعلى درجات العمل الصالح ، لأن الإنسان كما تعلمون جُبل على حبّ وجوده ، وعلى حبّ سلامة وجوده ، وعلى حبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، سلامة وجوده في طاعة الله ، وكمال وجوده في العمل الصالح ، واستمرار وجوده في تربية الأولاد .
 والعبادة الثانية : عبادة الظرف ، عندك ابنٌ صغير تربيته تأتي في المقام الأول ، عندك قريب مريض الاعتناء به يأتي في المقام الأول ، عندك طالب عليه امتحان ، العناية به تأتي في المقام الأول ، عندك ضيف إكرامه يأتي في المقام الأول .
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما علمنا .