أحاديث قدسية - الحلقة : 05 - العمل الصالح

2020-04-28

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ نتابع معكم شرح الحديث القدسي ، يا عبادي وما أجمله من نداء من ربنا الكريم !

(( يا عبادي ! إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم ، ثم أُوفّيكم إيَّاها ، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 
ماذا نستفيد من معنى هذا الحديث ؟

(( إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 الإنسان إذا سمع الحق وما فعل شيئاً ، إذا آمن بالله وما فعل شيئاً ، إلى أن يستقيم ، إلى أن يبذل ، إلى أن يعطي ، أنت لك عند الله ملف ، فلان الفلاني ما أعماله ؟ هو مستمع ممتاز ، لكن لا يكفي ، يجب أن يكون له عمل صالح ، فحجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، قال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام : 132]

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

[ سورة المجادلة : 11]

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر : 10]

العاقل من يحاسب نفسه قبل أن يدركه الموت :

 هناك سؤال مهم : الإنسان ينبغي أن يحاسب نفسه ، أنا ماذا قدمت لآخرتي ؟ قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾

[ سورة الحشر : 18]

 عند الوفاة ، ما العمل الصالح الذي يمكن أن أعرضه على الله عز وجل ؟ يا ربي فعلت هذا من أجلك ، يا ربي أنفقت هذا المال من أجلك ، يا ربي قدمت خدمات لفلان ولفلان من أجلك ، يا ربي وجدت زوجتي حتى أصبحت مؤمنة من أجلك ، هذا من أجلك يا رب فعلت كذا وكذا مع أولادي ، فعلت كذا وكذا مع أخواني ، هذا سؤال دقيق جداً ، من أنت ؟ ما عملك ؟ قل لي ما عملك أقل لك من أنت ، ومع ذلك العمل صورة ، روح العمل الإخلاص ، فإذا كان العمل خالياً من الإخلاص فلا قيمة له ، الأعمال صور ، وروحها الإخلاص ، فإذا أكرم ربنا عز وجل أحدنا بعمل صالح ، وكان بهذا العمل مخلصاً فقد فعل شيئاً ثميناً .

 

الغنى والفقر بعد العرض على الله :

 قال لي أحدهم : توفيت امرأة في هذه الأيام - هكذا قال لي - وتركت مئتي مليار دولار ، أي تركت مبلغاً كبيراً جداً ، عمرها ثمان وثلاثون سنة ، فما قيمة هذا المبلغ الطائل ، هي بنت أكبر غني في العالم سابقاً، وماتت ، ولم تزل على ثمانية وثلاثين عاماً ، هذا ليس عطاء ، العطاء ما كان بعد الموت ، لذلك الغنى والفقر بعد العرض على الله .

(( إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

 
مرةً حضرت تأبين متوفى ، وكان شخصاً صالحاً ، ولكن الذي أبّنه لم يتمكن أن يتكلم عنه كلمة واحدة ، هذا الإنسان فرضاً سافر ، اعتنى ببيته ، كان له ذوقاً رفيعاً بالطعام والشراب، كان عنده ميول لأشياء مباحة ، لكن عندما وضع في النعش ، وجاء إنسان ليؤبنه ماذا يقول ؟ كان طعامه طيباً ؟ بيته كبير فخم ؟ لا يصلح في هذا الموقف إلا العمل الصالح .
 فالواحد منا إذا فكر أنه إذا وضع بالنعش ، ووقف شخص لكي يؤبنني ماذا سيقول ؟ يكون عنده شيء يتكلم عنه ، فالقبر صندوق العمل ، والدنيا ساعة اجعلها طاعة ، والنفس طماعة عودها القناعة ، ومن عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ، إذا كان متيقناً أن غداً لناظره قريب ، أحياناً ينسى أن يقول : إن شاء الله .
 رجل من الأثرياء بالأربعينيات تمكن أن يشتري أراض بمئات الدونمات ، بل بالآلاف، وعمّر بيتاً فخماً جداً بمصيف أحاطه بغابة من الصنوبر ، وجعل في هذا البيت كل ما فيه راحة له ، بيت ، وسيارة ، عندما كان في الشام كان عنده سبع سيارات ، أفخر سيارات ، جلس مع زوجته في البيت الجديد ، وقال لها : الآن أمنا مستقبلنا ، في تلك العشية كان ميتاً بعدما سكن البيت أول يوم ، ربنا الله عز وجل يقول في الحديث القدسي :

(( إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

على كل إنسان أن يجعل موضوع الآخرة موضوعاً أساسياً في حياته :

 أنا أتمنى على كل أخ كريم أن يكون موضوع الآخرة موضوعاً أساسياً في حياته ، إذا كان لك مساحة بالنفس ، يكون هذا الموضوع محتلاً أكبر مساحة في هذه الساحة ، يمكن لإنسان أن يكون موضوع الآخرة محتلاً جزءاً يسيراً جداً من اهتمامه .

(( من أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤتيه من الدنيا إلا ما قدر له ))

 
هذا تفكير سديد ، إذا أعمل الإنسان عقله عملاً صحيحاً يهتدي قطعاً إلى أن معرفة الله ، والاستقامة على أمره ، والعمل الصالح تقرباً له هو أقصر طريق ، وأوسع باب إلى سلامته وسعادته ، الإنسان أحياناً ينطلق من فهم غير صحيح ، وتصور مغلوط ، فلو تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات في سيارته ، وفهم أن هذا الضوء تألقاً تزيينياً احترق المحرك ، أما إذا فهمه ضوءاً تحذيرياً سلم المحرك وتابع رحلته ، لو فرضنا أن هذا المصباح تألق في أثناء السفر ، يتألق من حين لآخر وظنه الإنسان عادياً ، فلما تألق بدأ ينظر إليه ، إلى أن احترق المحرك ، بين التصور الخاطئ وبين التصور الصحيح مسافة كبيرة جداً ، الإنسان أحياناً في الدنيا ينطلق من تصور خاطئ ، إذا ظن أن الدنيا هي كل شيء ، فهذه أكبر مقولة خاطئة : الدنيا ساعة ، قال الله تعالى :

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 112 ـ 113]

 هذه الدنيا مهما طالت تغر ، وتضر ، وتمر ، وساعة الحساب آتية .

 

من تطابقت حركته اليومية مع هدفه الأخير فهو في سعادة :

 إذاً الإنسان ينطلق أحياناً من تصورات صحيحة أساسها العلم ، العلم علاقة ثابتة بين متغيرين ، مقطوع بصحتها ، مطابقة للواقع ، عليها دليل ، هذا العلم بعدم الدليل هو تقليد ، من غير تطابق مع الواقع هو جهل ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، من غير قطع هو شك ، وهم ، ظن ، فلِمَ لا يتحرر الإنسان من الجهل والوهم والشك والظن والتقليد؟ لم يبقِ في تصوراته إلا علاقة علمية واحدة هي العلاقة الحتمية الصحيحة الواقعية ، التي عليها دليل ، عندئذٍ ينطلق إلى هدفه بشكل واضح تماماً ، فأنت لك هدف ، ولك حركة يومية ، ما لم تنطبق هذه الحركة اليومية مع تعليمات الصانع ، افعل ولا تفعل ، أو لم تتجه نحو هذا الهدف النهائي وهو الآخرة ، أنت في شقاء .
 
تعريف الشقاء : عدم تطابق الحركة اليومية مع الهدف الأخير ، وإن كان هناك تطابق فأنت في سعادة ، ليس هناك تطابق فأنت في شقاء .
 الحركة اليومية استيقظت صباحاً على الأخبار ، يستيقظ على الأخبار ، وهناك إنسان يستيقظ للصلاة ، وعلى القرآن ، شتان بين هذا وهذا ، انطلقت بالطريق الصحيح ، نساء هذه حركة يومية ، إذا غض بصره فهو يوفق في حركته اليومية مع الهدف ، مع طاعة الله ، غير المؤمن يطلق بصره ، معنى هذا انحرفت حركته عن الهدف ، دخل دكانه ، عنده بضاعة كاسدة جاء إنسان يشتري قال له : أنا لي ثقة بك انصحني ، فأعطاه البضاعة الكاسدة ، الآن خالف الأمانة ، لذلك كانت حركته اليومية في هذا المحل خلاف النصيحة ، خالف النصيحة بالبيع ، وخالف غض البصر في الطريق ، وخالف في بيته العبادة ، هذه الحركة اليومية ، منذ أن تستيقظ هل بدأت بالصلاة ؟ هل بدأت بالقرآن ؟ هل بدأت بذكر الله ؟ هل بدأت بمعرفة الله ؟ هل بدأت بالتكبير والتحميد والتسبيح ؟
 النبي عليه الصلاة والسلام عندما دخل على السيدة عائشة في ليلتها ، قال لها : ذريني أتعبد ربي ، فقام ، وتوضأ ، وصلى ، فبلّ لحيته ، وركع ، وسجد ، فبلّ الأرض بدموعه ، ثم اضطجع ، إلى أن جاء بلال يؤذنه بصلاة الصبح ، هذه الحركة اليومية ، النبي الكريم يقول:

(( أمرت أن يكون صَمْتي فِكْرا ، ونُطْقِي ذِكْرا ، ونظري عبرة ))

[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]

 فحركتك اليومية بين استيقاظ ، من تناول طعام الفطور ، ماذا كان قبل الفطور ؟ ماذا كان الحديث في أثناء الفطور ؟ هل فيه غيبة نميمة ؟ هل هناك علاقات لا ترضي الله عز وجل ؟ هل هناك مخالفات ؟ هل هناك معاص في الطريق ؟ في البيت ؟ في العمل التجاري ؟ في العمل الوظيفي ؟ لذلك لا بد من توبة نصوح ، ولا بد من عودة إلى الله .