أحاديث قدسية - الحلقة : 02 - أنواع الهداية - ستر العورة.

2020-04-25

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا ، فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

أنواع الهداية :

1 ـ هداية المصالح :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا زلنا في الحديث القدسي ، الفقرة الثانية :

 

(( يا عبادي كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه فاسْتَهدُوني أهْدِكم ، يا عبادي كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ فاستطعِموني أُطْعِمْكم ، يا عبادي كُلُّكم عار إلا مَنْ كَسوْتُه فاستكْسُوني أكْسُكُمْ ))

 

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

 الآيات الكونية تدعوك إلى التعظيم ، والنعم تدعوك إلى الحب ، والبلاء يدعوك إلى الخوف ، والأنبياء يعبدون الله :

﴿ رَغَباً وَرَهَباً ﴾

[ سورة الأنبياء :90]

 إذاً هداية المصالح ، الله عز وجل هداك إلى مصالحك ، محبة الآباء لأولادهم هداية المصالح ، محبة الأبناء لأهلهم هداية المصالح ، المودة والرحمة التي أودعها الله في قلب الزوج تجاه زوجته هداية المصالح ، المودة البالغة التي تكنها الزوجة لزوجها هداية المصالح ، هداك إلى مصالحك ، هذه الهداية الأولى .

 

2ـ هداية الوحي :

 أما هداية الوحي ، ثم هداك هداية الوحي ، جاء وحي من السماء ليقول لك الله عز وجل الذي خلق السماوات والأرض : افعل ولا تفعل ، حدثك القرآن عن ذات الله بآيات كثيرة ، حدثك عن مخلوقاته ، عن الكون ، عن الحياة ، عن الإنسان ، عن سر وجودك ، عن غاية وجودك ، عن أن العبادة علة وجودك ، والعبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، هذه الهداية هداية الوحي ، القرآن حدثك عن الجنة والنار ، قال تعالى :

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾

[ سورة الزمر :71]

 وقال تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

[ سورة الحاقة :19 ـ 24]

 وحدثك عن النار :

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ* خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة :25ـ 32]

 آمن بالله ، لكنه ما آمن بالله العظيم ، لذلك التفكر في خلق السماوات والأرض يوصلك إلى الإيمان بالله العظيم .

 

3 ـ هداية التوفيق :

 إذاً أول هدايةٍ هداية المصالح ، والهداية الثانية هداية الوحي ، والهداية الثالثة لمن استجاب للوحي هداية التوفيق .

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود :88]

 
أنت لمجرد أن تقول : يا رب أنا تبت إليك ، يقبلك ، يا رب أعني على نفسي ، يا رب ارزقني عملاً صالحاً ، الآن هناك هداية ثالثة ، اسمها هداية التوفيق ، الله عز وجل يوفقك لجهة إيمانية صادقة تأخذ منها ، وتعينك على أمر دينك ، يوفقك إلى أعمال صالحة كثيرة ، تتقرب بها إلى الله ، يوفقك إلى زوجة صالحة ، إلى أولاد أبرار ، إلى سمعة طيبة ، إلى عمل مريح ، أنت حينما تصطلح مع الله أمامك سلسلة لا تنتهي من التوفيقات ، والعطاءات ، لذلك ورد :

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 أي لن تحصوا الخيرات ، أي مستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون حياة المؤمن كغيره.

﴿ أفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 18]

 لا في الدنيا ولا في الآخرة .

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة الجاثية : 21]

 هكذا ؟ والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لكفت .

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ﴾

[ سورة الجاثية : 21]

 إنسان ماله حرام ، يدير نظره إلى أية امرأة حسناء ، لا يعبأ لا بدخل حلال ، ولا بدخل حرام ، لا يعبأ لا بشيء مشروع ، ولا بشيء غير مشروع ، هذا يحاسب كما يحاسب المستقيم ؟

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 21]

 إذاً هداك الله إلى مصالحك ، وهداك إلى الوحي ، ثم وقفك إليه .
 أقول لكم كلمة دقيقة والله هي بشارة لكم جميعاً : حينما تقول : يا رب أعنِي على نفسي، يا رب ألهمنِي رشدي ، يا رب ارزقني عملاً صالحاً ، الآن تأتي هداية التوفيق ، توفق إلى حياة هادئة سعيدة ، إلى زوجة صالحة - الكلام للشباب - إلى أولاد ابرار ، إلى رزق حلال، أنت تعامل من ؟ تعامل خالق السماوات والأرض ، والهداية التي تأتي اسمها هداية التوفيق ، هذه فحواها .

 

4 ـ الهداية إلى الجنة :

 أما الهداية إلى الجنة فآخر هداية الهداية إلى الجنة ، أنت بين هداية المصالح وهداية الوحي وهداية التوفيق والهداية إلى الجنة .

من أراد إضلال الناس لا يهديه الله عز وجل :

 الكافرون ، والفاسقون ، والخائنون ، والظالمون لا يهديهم الله عز وجل ، من هؤلاء الذين لا يهديهم الله ؟ حصراً في القرآن الكريم الذين لا يهديهم هم القوم الكافرون ، قال تعالى :

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 264]

 
والذين لا يهديهم هم القوم الفاسقون ، والله عز وجل :

﴿ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة المائدة : 108]

 والذي لا يهديهم هم القوم الظالمون ، قال تعالى :

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 285]

 والذين لا يهديهم هم الخائنون ، الله عز وجل :

﴿ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 25]

 والذين لا يهديهم الله عز وجل هم القوم الفاسقون ، ولا يهدي كيد الخائنين ، ولا يهدي كيد من يضل ، الذي أراد إضلال الناس لا يهديه الله عز وجل .

﴿ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾

[ سورة الزمر : 3]

﴿ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾

[ سورة غافر : 28]

﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 17]

 أية حركة منك إلى الله ، أية رغبة منك إلى الله يأتي العطاء الإلهي ، حركة منك إلى الله ، التوجه إلى الله ، طلب المعونة من الله ، الاستقامة على أمر الله ، التقرب إلى الله بالعمل الصالح ، حضور مجلس علم ، مجلس ذكر ، الدعوة إلى الله ، أية حركة نحو مرضاة الله هذه يأتيك مقابلها أضعاف مضاعفة من الحفظ والمعونة والتوفيق .

أول معصية لله عز وجل كانت بنزع الثياب :

(( يا عبادي كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ فاستطعِموني أُطْعِمْكم ، يا عبادي كُلُّكم عار إلا مَنْ كَسوْتُه ، فاستكْسُوني أكْسُكُمْ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 
الإنسان كائن ضعيف ، هو بحاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقاء الفرد ، هو بحاجة إلى الزواج ، ذكراً كان أو أنثى ، حفاظاً على بقاء النوع نوع البشرية ، هو بحاجة إلى التفوق حفاظاً على بقاء الذكر ، والحاجات الثلاثة الحاجة إلى الطعام والشراب ، والحاجة إلى الزواج ، والحاجة إلى التفوق ، يحققها الدين بالتمام والكمال ، وبأعلى درجاتها ، وأكد الله البشرية للأنبياء ، الأنبياء بشر ، هم بشر وتجري عليهم كل خصائص البشر ، ولولا أنهم بشر تجري عليهم كل خصائص البشر لما كانوا سادة البشر ، في قوله تعالى :

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 26]

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ ﴾

[ سورة الأعراف : 26]

 أنزلنا أي أنزلنا المطر من السماء ، هذا المطر الذي نزل من السماء ومن بعض أنواع النباتات صنعت الخيوط ، ومن الخيوط ما صنعت به الثياب ، لذلك هذا النسيج كان لباساً.

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً ﴾

[ سورة الأعراف : 26]

 إذاً أول معصية كانت بنزع الثياب ، أول معصية عُصي بها عالم البشر نزع الثياب .

﴿ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا ﴾

[ سورة الأعراف : 27]

البشر بين التعري والتستر :

 شيء ثان : إبليس يسعى دائماً إلى كشف العورات ، والمنهج الإلهي يسعى إلى الستر
إذاً عندنا شيء ستر للعورات ، وكشف للعورات ، إبليس ومن لف لفه وأتباعه إلى يوم القيامة مع كشف العورات ، والوحي الإلهي ، والإرادة الإلهية ، والمنهج الإلهي مع ستر العورة ، البشر بين التعري والتستر ، لذلك العالم الآن عالم مقسوم إلى قسمين ، عالم التعري ، وعالم الحجاب المسلم ، المرأة محجبة ، الرجل ثيابه ساترة ، فيها حشمة ، لا يظهر فخذه للناس ، قد تزور بلداً أوروبياً تلتقي مع مدير عام يرتدي بنطالاً قصيراً إلى أعلى الفخذ ، طبيعي جداً ، النمط الغربي نمط تعرية ، والمنهج الإلهي منهج ستر ، لأن في التعرية إثارة ، ومع الإثارة فاحشة ، ومع الفاحشة فساد ، ومع الفساد ضياع ، ومع الضياع شقاء ، وبعد الموت جهنم .
 لذلك قد بدأت أول معصية عُصي بها الله عز وجل بكشف العورة ، لذلك الآباء المربون الذين يحرصون على سلامة أخلاق أولادهم قد لا يخلع أحدهم ثيابه أمام ابنه ، وهذا الأصح ، والأولى ، والأوجب ، لا يمكن لأب مؤمن طاهر أن ينزع ثيابه أمام أولاده ، الله أمرنا بالستر ، والمرأة المسلمة مستورة ، مفاتنها لزوجها ، ولمحارمها ، لا لكل الناس ، ورأيتم كم من الفساد استشرى في الأرض حينما تعرت المرأة ! كم محطة فضائية بنيت على عرض المرأة بشكل متبذل ! كم موقع في الانترنيت إباحي أساسه عرض المرأة عارية ! كم في الطريق من فساد من فتاة تبرز كل مفاتنها للناس !

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ ﴾

[ سورة الأعراف : 26]