أحاديث قدسية - الحلقة : 01 - تحريم الظلم

2020-04-24

تعريف الحديث القدسي والفرق بينه و بين القرآن الكريم و السنة النبوية :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
 
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
 لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 وبادئ ذي بدء : معنى الحديث القدسي ؛ هو الحديث الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل ، ومرتبته تأتي بين القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، ولا تعد كل الأحاديث القدسية صحيحة ، منها الضعيف ، ومنها الموضوع من حيث الإسناد ، ومن صيغ روايتها قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجل ، وقال الله تعالى فيما يرويه النبي عن ربه .
 وهناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي ، منها : أن القرآن الكريم ينسب لفظاً ومعنى إلى الله عز وجل ، بينما الحديث القدسي معناه من الله ولفظه من النبي صلى الله عليه وسلم ، القرآن الكريم يتعبد به ، أي أنه يتلى في الصلاة ، بينما الحديث القدسي لا يقرأ في الصلاة ، نقل القرآن الكريم بالتواتر ، وهذا يعني أنه قطعي الثبوت ، بينما الحديث القدسي لم ينقل بالتواتر ، أي أنه ظني الثبوت ، أما عن الفرق بين الحديث النبوي والحديث القدسي فالحديث النبوي هو ما نسب إلى النبي الكريم من قول ، أو عمل ، أو تقرير ، أو صفة، والحديث القدسي ما كان لفظه من النبي ، ومعناه من الله عز وجل .

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة والمكرم تشريفاً والمكلف تعبداً :

 نبدأ اليوم بالحديث القدسي الذي يحمل عنوان : تحريم الظلم ، يقول الله عز وجل :

 

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي ، وجعلتُه بينكم محرَّماً فلا تَظَالموا ، يا عبادي كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه ، فاسْتَهدُوني أهْدِكم ، يا عبادي كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ فاستطعِموني أُطْعِمْكم ، يا عبادي كُلُّكم عار إلا مَنْ كَسوْتُه ، فاستكْسُوني أكْسُكُمْ ، يا عبادي إنكم تُخطئون بالليل والنهار ، وأنا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جميعاً ، فاستغفروني أغفِرْ لكم ، يا عبادي إنَّكم لن تبلغُوا ضَرِّي فتَضُرُّوني ، ولن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني ، يا عبادي ، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم ، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم ، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً ، يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم ، وإنسَكم وجِنَّكم ، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم ، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم ، وإنسَكم وجِنَّكم ، قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ، يا عبادي إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم ، ثم أُوفّيكم إيَّاها ، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

 

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

 قال تعالى بادئ ذي بدء :

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي ، وجعلتُه بينكم محرَّماً فلا تَظَالموا ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

 يا عبادي ! نُسب العباد إلى الله وهذه النسبة نسبة تشريف ، لأن الإنسان هو المخلوق الأول ، والمكرم ، والمكلف ، الأول رتبة ، والمكرم تشريفاً ، والمكلف تعبداً ، لذلك هناك عبد القهر ، ويجمع هذا الاسم على عبيد ، قال تعالى :

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

[ سورة فصلت: 46 ]

 وهناك عبد الشكر، يجمع على عباد .

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الحجر: 49 ]

الله عز وجل ذات كاملة و يستحيل أن يظلم أحداً من خلقه :

 الله عز وجل ذات كاملة ، وهو أصل الجمال ، والكمال ، والنوال ، لذلك يستحيل على ذاته العلية الكاملة أن تظلم أحداً من خلقه ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾

 

[ سورة الكهف: 49 ]

 الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة ، لذلك هذا الكم الكبير من المسلمين الذي يخوضون بالقضاء والقدر يريدون أن يعرفون الذات الإلهية هذا مستحيل ، لأنه ورد في الأثر :

(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

 أنى لهذا الإنسان الضعيف المحدود أن يحيط بالله عز وجل ؟ ألا يكفينا أنه يوجد آيات كثيرة تقترب من المئة ، وأحاديث صحيحة كثيرة تؤكد أن الله عز وجل لا يظلم ؟ أليس هذا هو الطريق الأقصر والأسلم ؟ ألم يعلم المؤمن أنه لا يمكن أن يصل إلى عدل الله بعقله إلا بحالة مستحيلة أن يكون له علم كعلم الله عز وجل ، وهذا مستحيل ، لذلك :

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

 تحريم ذاتي .

 

إلزام الله عز وجل ذاته العلية بالعدل :

 ألم يقل الله عز وجل :

 

﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

 

[ سورة هود: 56 ]

 وحيثما تأتي كلمة لفظ الجلالة مع على أي الله عز وجل ألزم ذاته العلية بالعدل ، لذلك يوم القيامة :

﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

 وهناك آية :

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾

[ سورة النساء: 124 ]

 ولا :

﴿ قِطْمِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 13 ]

 الفتيل ؛ الخيط بين فلقتي نواة التمرة ، والنقير ؛ رأسها المؤنف ، والقطمير ؛ غشاء رقيق يلفها ، لهذا المستوى لا يوجد ظلم .

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 47 ]

 لذلك :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7 ـ 8 ]

الابتعاد عن الظلم لأنه ظلمات يوم القيامة :

 كل هذه الآيات ، وتلك الأحاديث ، وهذا الحديث القدسي ألا يقنعك أن الله لا يظلم ؟ لا بد من أن تخوض في القضاء والقدر ، فتارةً تنفي علم الله عز وجل ، وتارةً تنفي رؤية غير صحيحة ، فتتكلم على الله ما لا تعلم ، الله عز وجل حينما رتب المعاصي في القرآن رتبها ترتيباً تصاعدياً ، بدأ بالإثم والعدوان ، والفحشاء والمنكر ، والشرك والكفر ، وجعل رأس هذه المعاصي :

﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 169 ]

 فالله عز وجل في هذا الحديث القدسي الصحيح يقول :

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي ، وجعلتُه بينكم محرَّماً فلا تَظَالموا ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

 الظلم ظلمات يوم القيامة .

(( اتَّقِ دعوةَ المَظْلومِ - ولو كان كافراً - فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ))

[ متفق عليه ]

 
وقبل أن تظلم ، قبل أن تأخذ ما ليس لك ، قبل أن تلصق تهمة بإنسان بريء ، قبل أن تستغل قوتك فتسحق من تحتك ، قبل أن تستغل مكانتك فتغطي على من قدم لك خدمة .

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي ، وجعلتُه بينكم محرَّماً فلا تَظَالموا ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 إياكم أيها الأخوة أن يظلم بعضكم بعضاً ، قد يظلم الزوج زوجته ، وقد تظلم الزوجة زوجها ، والله بالمرصاد ، وقد يظلم الأخ أخاه ، وقد يظلم الشريك شريكه ، وقد يظلم الجار جاره، بل إن بعض العلماء لهم مقولة أرددها دائماً : إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة .
 بل إن النبي الكريم حينما أرسل عبد الله بن رواحة ليقيّم تمر خيبر ، أغروه بحلي نسائهم كرشوة ، فقال : والله قد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير ومع ذلك لن أحيف عليكم ، فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض ، وبهذا غلبتمونا .
 ولن نغلب أعداءنا إلا إذا أقمنا العدل في حياتنا ، بهذا قامت السماوات والأرض وبهذا غلبتمونا .

 

حقوق العباد مبنية على المشاححة و حقوق الله مبنية على المسامحة :

 إنسان قدم نفسه في سبيل الله هل من جود يفوق هذا الجود ؟ هل من كرم يفوق هذا الكرم ؟ هل من تضحية تفوق هذه التضحية ؟

(( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))

[مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]

 
أن تأكل حق الناس هذا ظلم ، لذلك كان النبي الكريم لا يصلي على صحابي جليل حتى يسأل : أعليه دين ؟ فإن قالوا : نعم ، يقول : صلوا على صاحبكم ، فقال أحد أصحابه : عليّ دينه يا رسول الله ، فسأل هذا الضامن في اليوم الثاني : أأديت الدين ؟ قال : لا، سأله مرة ثانية : أديت الدين ؟ قال : لا ، سأله مرة ثالثة : أديت الدين ؟ قال : نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام : الآن ابترد جلده .
 لذلك حقوق العباد مبنية على المشاححة ، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة ، هناك وهم خطير أن الإنسان إذا حج بيت الله الحرام يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، يرجع من ذنوبه التي بينه وبين الله ، حرصاً ، أما الذنوب التي بينه وبين العباد فلا تسقط إلا بالأداء والمسامحة ، والذي يصوم رمضان ، ويقوم رمضان ، ويتوهم أنه إذا صام رمضان ، وقام رمضان ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه ، أجمع العلماء أنه يغفر ما تقدم من ذنبه الذي كان بينه وبين الله ، أما ما كان بينه وبين العباد فهذه الذنوب لا تغفر إلا بالأداء والمسامحة .

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي ، وجعلتُه بينكم محرَّماً فلا تَظَالموا ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]