واضرب لهم مثلا - الحلقة : 01 - أهمية المثل القرآني.

2020-04-24

مقدمة :

الدكتور بلال :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، نحن مع برنامج جديد عنوانه : " واضرب لهم مثلاً " ، يقول تعالى في كتابه الكريم :

﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الحشر: 21]

 ويقول أيضاً :

﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 43]

 فضرب المثل منهج قرآني أصيل يتبعه القرآن الكريم لإيصال الحقائق إلى الناس .
 أخوتي الأكارم ؛ أخواتي الكريمات : أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بالخير واليمن والبركات والطاعات .
 ضيفنا الدائم في هذه الحلقات شيخنا الفاضل فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي نرحب به معاً ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
الدكتور بلال :
 كيف حالكم سيدي ؟
الدكتور راتب :
 والله بنعم الحمد لله .
الدكتور بلال :
 بارك الله بكم ، نحن سعداء سيدي بأننا بجواركم .
الدكتور راتب :
 والسعادة مشتركة .
الدكتور بلال :
 أكرمكم الله ، سيدي نحن مع : واضرب لهم مثلاً ، في هذه الحلقة سنبدأ بمقدمة حول هذا الموضوع ، وأنتم سيدي قد عرفتم في العالم الإسلامي بهذه الأمثال البسيطة التي توصل الحقائق إلى الناس ، فما أهمية المثال في الدعوة إلى الله تعالى ؟

 

أهمية المثال في الدعوة إلى الله تعالى :

الدكتور راتب :
 لكن قبل ذلك ، الإنسان هو المخلوق الأول عند الله ، والمكرم ، والمكلف ، ولأنه مكرم :

﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 3]

 والبيان أن يعبر عن أفكاره ، وعن مشاعره باللغة .

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1ـ 2 ـ 3]

 البيان أنواع ، يوجد بيان مباشر ، تقول مثلاً : هذا المغني سيئ الصوت مباشرة ، وهناك صورة :

عواء كلبٍ على أوتار مندفـــــة  في قبح قرد وفي استكبار هامان
***

 
قدم صورة ، الحقيقة الأدب في الصورة ، العلم بالفكرة فقط ، فالعلم يعبر باللغة البسيطة ، أما الأدب فيعبر باللغة التصويرية .
 فلذلك الله عز وجل كتابه معجز ، ممتلئ بالتعبيرات الغير مباشرة منها الأمثال ، فالمثل أسلوب بلاغي فعال ، ويصلح لكل مكان وزمان ، والمثل يقرب الفكرة المجردة إلى الواقع، الفكرة المجردة تحتاج إلى عمق بالتفكير ، إلى دقة في البحث ، بينما المثل يقدم الفكرة الدقيقة جداً بشكل واضح جداً ، هذا أصل المثل في اللغة ، والقرآن اعتمده كأسلوب بلاغي تعبيري .
الدكتور بلال :
 لو نضرب مثلاً على ذلك سيدي من الأحاديث ؟

 

اتباع المؤمن الأمثال في القرآن و السنة :

الدكتور راتب :
 مثلاً ابن عباس رضي الله عنه يقول : " لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار " كلام واضح ، جامع ، مانع ، لكن يحتاج إلى بسط ، إلى تفاصيل .
 أنا أضرب مثلاً : طريق عرضه ستين متراً ، وعن يمينه وادٍ سحيق ، وعن يساره وادٍ سحيق ، وأنت تمشي في منتصف الطريق بمركبة ، لو حرفت المقود درجة واحدة ، أو سنتمتراً واحداً على اليمين ، طبعاً تنتقل المركبة تدريجياً ، فلو ثبت هذا الانحراف إلى أمد قصير إلى الوادي ، سقط في الوادي ، ولو حرفت المقود تسعين درجة ، وبإمكانك بثانية أن تعيده كما كان .
الدكتور بلال
 هذه الكبيرة .
الدكتور راتب :
 
هذه الفكرة ، فالكبيرة حرف المقود تسعون درجة ، والصغيرة درجة واحدة ، أما الصغيرة إذا ثبتت شكلت حجاباً عن الله عز وجل ، والإنسان أحياناً حينما يقطع التيار الكهربائي لميلي واحد تتوقف الكهرباء في البيت ، ولو قطعه متراً فالمحصلة سيان .
 فالأصل في هذا النص : لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ، فالإنسان حينما تزل قدمه ، ويتوب فوراً القضية انتهت ، ومحيت ، أما إذا ثبت على هذه الصغائر ، مثلاً: لو وقفت أمام مدينة ببلد إسلامي ، خذ ألف بيت ، الكبائر نادرة ، القتل ، الخمر ، الزنا ، نادرة، ما الذي يحجب الناس عن الله ؟ الصغائر ، شاشة غير مضبوطة ، لقاء مختلط ، أشياء تبدو للعوام صغيرة ، لكن مفعولها بالحجب كالكبيرة ، أنا أقول هذا التيار قطع السلك تباعد متراً أو ميليمتراً واحداً ، فمعقول من أجل صغائر لا تقدم ولا تؤخر نُحجب عن الله ؟ هذه خسارة كبيرة جداً .
 فلذلك النص الذي قاله ابن عباس رضي الله عنه : لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار .
 والمؤمن يتبع الأمثال في القرآن ، لأن القرآن لك أن تقرأه قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة ، أو أن تقرأه إن أمكن قراءة مجودة ، أو أن تفهم معانيه ، أو أن تتدبره ، والتدبر أرقى قراءة ، أين أنت من هذه الآيات ؟

قراءة القرآن بشكل دوري لأنه تعليمات الصانع :

 الحقيقة الله عز وجل له ثلاث آيات كبرى ، آيات كونية ، موقف المؤمن منها التفكر، آيات تكوينية أفعاله ، الكونية خلقه ، الموقف الكامل التفكر .

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة آل عمران: 191 ـ 190]

 أما الأفعال فتحتاج إلى نظر .

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ﴾

[ سورة النمل: 69]

 وهناك آية :

﴿ ثُمَّ انْظُرُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 11]

 
الأفعال تحتاج إلى نظر ، أما القرآن فيحتاج إلى تدبر ، والتدبر كما ذكرت قبل قليل : قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة .
 إنسان لو فرضنا صلى إماماً ، وقال : إنما يخشى اللهُ منْ عبادهِ العلماء ، الصلاة باطلة ، المعنى فسد ، فلذلك يقول سيدنا عمر : تعلموا العربية فإنها من الدين ، العربية تعلمها دين ، نحن أمة عربية ، والقرآن أفصح نص في هذه اللغة ، فالقرآن يقرأ ، يقرأ بشكل دوري لكن مع الأسف الشديد يأتي وقت يقرأ بالمناسبات فقط ، أي في الأحزان يقرأ القرآن ، أما هذا فهو كتابنا اليومي ، يقرأ كل يوم ، منهج الصانع ، عفواً يوجد جهة وحيدة الجهة الصانعة ، هي الجهة الخبيرة بما ينفعنا ، فلذلك الإنسان إذا قرأ القرآن قرأ تعليمات الصانع ، والكمال مطلق ، أي إنسان يصيب ويخطئ ، يتفاوت الناس في نسب الخطأ ، أما هذا فكلام الله .

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

[ سورة فصلت: 42]

 فلو أن الإنسان قرأ القرآن كل يوم ولو صفحة ، خمس صفحات تدبر ، هناك قراءة تعبد ، وقراءة تدبر ، هذا القرآن كلام الله ، كتابنا اليومي ، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، المسافة بين كلام خالق الأكوان وبين كلام الإنسان كفضل الله على خلقه .
الدكتور بلال :
 أيضاً سيدي القصة في القرآن الكريم يسميها الله مثلاً أحياناً ، مثل :

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾

[ سورة يس: 13]

القصة فيها عبرة و هي حقيقة مع البرهان عليها :

الدكتور راتب :
 
لأن القصة حقيقة مع البرهان عليها ، مثلاً لو أن شخصاً نصح ابنه آلاف النصائح ألا يسرع في قيادة المركبة ، حينما يرى الابن حادثاً سيئاً مروعاً ، ثلاثة قتلى ، والدماء تسيل ، هذه أبلغ من ألف محاضرة ، فلذلك القصة فيها عبرة ، لأنها هي حقيقة مع البرهان عليها ، القصة فيها شخص ، من جنس البشر ، فيها حركة ، فيها بيئة ، فيها مكان ، فيها زمان ، فيها مغزى .

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة يوسف: 111]

 بالمناسبة الإنسان إذا قرأ القصة ، ولم يصل إلى عبرتها ، كأنه ما قرأها ، أما إذا قرأها ، ووضع يده على عبرتها فينتفع بها .
الدكتور بلال :
 أيضاً في الشعر العربي سيدي تكثر الأمثال :

ومن يهن يسهل الهوان عليه  مــــــــــــــــا لحرج بميت إيلام
***

أوصاف قرآنية لمن شرد عن الله :

الدكتور راتب :
 الإنسان كرامته نامية ، وكرامته حية ، لكن لا يتحمل الإهانة ، أما لو قتلت الإنسان ثم ضربته على وجهه ، ثم طعنته بخنجر ، انتهى الأمر .
 لذلك الشيء الدقيق جداً أن الله وصف أهل الدنيا الذي شردوا عن الله بأنهم :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

 لكن نبضه ثمانون، وضغطه 8 ـ 12 ـ مثالي ، عند الله ميت .

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

الدكتور بلال :

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

[ سورة فاطر:22]

الدكتور راتب :

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون:4]

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان: 44]

 أو بتعبير قاس جداً :

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5]

 هؤلاء أوصاف قرآنية لمن شرد عن الله ، لذلك خيار الإنسان بالهدى خيار وجودي لا تحسيني .

 

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال :
 جزاكم الله خيراً سيدي ، هذه مقدمة للأمثال ، وستناول إن شاء الله في كل حلقة مثلاً قرآنياً ، أو آية توضحونها بمثل .
جزاكم الله خيراً .
 أخوتي الأكارم لم يبقَ في نهاية هذا اللقاء الذي طاب بمتابعتكم إلا أن نشكر لشيخنا ما تفضل به ، سائلين المولى جلّ جلاله أن نلتقيكم دائماً وأنتم في أسعد حال مع الله ، ومع خلقه ، إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته