محاضرة في مدينة الدوحة - معرض الكتاب : العلم بين التفكير والتفكر.

2020-01-10

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 بادئ ذي بدء: أشكر للقائمين الكرام على هذا الملتقى هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت فعلى الحسن الظن بي، وأشكر الله على حسن ظنكم.
 وأشكر ثانيةً القائمين على هذا الملتقى، وعلى هذا البلد الطيب حكومة، وشعباً، وأرجو الله أن يشيع فيه الأمن والأمان، والتقدم والازدهار.
 أيها الأخوة الكرام؛ مقدمة لابد منها: لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه أعظم تكريم، سخر له الكون تسخير تعريف وتفضيل، وهبه نعمة العقل، وفطرةً فطره عليها تنزع إلى الكمال، وأودع فيه الشهوات ليرقى بها صابراً وشاكراً إلى رب الأرض والسماوات، ومنحه حرية الاختيار ليثمن عمله، وأنزل له كتاباً أحلّ له فيه الطيبات، وحرم عليه الخبائث، كل ذلك ليعرف ربه فيعبده، فيسلم ويسعد بعبادته في الدنيا والآخرة.
المذيع:
 جزاك الله خيراً شيخنا، شيخنا نريد أن نتكلم أو نفتتح هذا اللقاء، عنوان اللقاء: العلم بين التذكير وبين التفكر، وشعار هذا المعرض: أفلا تتفكرون، نريد أن نتكلم عن الفكر ما المقصود بالفكر أو التفكر؟

خيارنا مع العلم ليس خياراً تحسينياً بل خياراً وجودياً :

الدكتور راتب :
 أولاً: العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
 
هناك حقيقة دقيقة جداً أن هذه الطاولة التي أمامي جماد، لها حجم، ووزن، وطول، وعرض، وارتفاع، أما النبات فيزيد على الجماد بالنمو، وأما الحيوان فيزيد عليهما بالحركة، وأما الإنسان فله وزن، وحجم، وطول، وعرض، وارتفاع، وينمو، ويتحرك، إلا أن الله أودع فيه قوة إدراكية، يتميز بها على سائر المخلوقات، هذه القوة الإدراكية تلبى بطلب العلم، والذي يشرد عن طلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به.
 دققوا أيها الأخوة؛ كلام خالق الأكوان، وصف هذا الذي عزف عن طلب العلم:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

 هو ضغطه مثالي، نبضه مثالي، عند الله ميت.

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون:4]

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان: 44]

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5]

 خيارنا مع العلم ليس خياراً تحسينياً بل خياراً وجودياً.
المذيع:
 جميل! الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، وهذا الكلام لكم، سمعته منكم، دائماً هناك خط النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، نريد أن نتكلم عن هذه الخطوط.

 

الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط :

الدكتور راتب :
 كلمة الحق أكثر كلمة متداولة في الأرض، كل إنسان يقول: أنا على حق، لذلك هذه الكلمة المتداولة لها معنى دقيق؛ الحق هو الله، والحق هو الذي يأمر به الله، والباطل يتعلق بمعصية الله، هذا الحق ينبغي أن تكون خاضعاً له، مطبقاً لتعليماته، الإنسان أعقد آلة بالكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة.
المذيع:
 الصانع هو الله جلّ فعله.
الدكتور راتب :
 نعم، فانطلاقاً من حرصك اللامحدود على سلامتك، وعلى سعادتك، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع، إن اتبعت التعليمات سلمت، وسعدت، وتألقت في الدنيا والآخرة.
المذيع:
 جميل! نأتي إلى الخطوط، خط النقل الصحيح.
الدكتور راتب :
 
الدين نقل، الدين نص، لكن أخطر شيء بالدين أنه نقل من عند الله، من عند الخالق، طبعاً نحن عندنا علم، ما هو كائن، فلسفة، ما يجب أن يكون، فن، ما هو ممتع، هذه الثلاثة معطيات أرضية، لكن الدين من السماء، لا توازن معطيات الأرض بوحي السماء، من عند الخالق المطلق، الذات الكاملة، أصل الجمال، والكمال، والنوال، الوحي كماله مطلق من عند الخبير، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14]

 إذاً الإنسان انطلاقاً من حرصه اللامحدود على سلامته، وعلى سعادته، وعلى استمراره ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع.
المذيع:
 العقل الصريح.
الدكتور راتب :
 هذا العقل الدائرة فيها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، العقل الصريح، لمَ سميناه صريحاً؟ يقابله العقل التبريري، قد تأتي دولة عظمى إلى بلد كالعراق تقول: جئت من أجل الحرية، هم جاؤوا من أجل النفط، فالعقل الصريح.
المذيع:
 يعرف أن هذا الكلام غير صحيح.
الدكتور راتب :
 غير صحيح، نحتاج إلى نقل صحيح، عقل صريح، فطرة، الإنسان إذا تابع المعاصي والآثام تنطمس فطرته، لم يعد مقياساً نفسياً، عندنا مقياس عقلي، والعقل له مبادئ ثلاث، مبدأ السببية، مبدأ الغائية، مبدأ عدم التناقض، فالإنسان لا يفهم شيئاً بلا سبب، العقل لا يفهم شيئاً بلا سبب، ولا يقبل شيئاً متناقضاً، ولا يفهم شيئاً بلا غاية.
 مثلاً هذه البقرة يحتاج وليدها إلى ثلاثة كيلو حليب فقط، تقدم لك سبعة و ستين كيلو، صار بمبدأ الغائية:

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾

[ سورة الحجر: 5]

 عندنا مبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض، العقل لا يقبل الشيء ونقيضه، لا يفهمه، مثلاً شخص متهم بارتكاب شيء في مدينة ما، فإذا ثبت أنه كان بمدينة أخرى إعفاء، هذا العقل، مبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض.
 ولكن العقل في الدين له مهمات محدودة، مهمته التأكد من صحة النقل، ثم فهم النقل فقط، أما هو فمرتبط بمعطيات الأرض.
 لو أيقظنا إنساناً عاش قبل مئة عام، أعطيناه قرصاً مدمجاً فيه ألف وخمسمئة كتاب، لا يصدق، عاش بعصر لا يوجد به شريط.
المذيع:
 إذاً دكتور، العقل ليس وظيفته أن يقبل النص أو يرده، إنما يفهم النص فقط.
الدكتور راتب :
 إنما يتأكد من صحة النص، ويفهمه، لكن هو غير مكلف أن يرفضه.
المذيع:
 جميل! الواقع الموضوعي؟
الدكتور راتب :
 العقل: أولاً، العقل الواقع الموضوعي، هناك واقع غير موضوعي، وهناك إحصائيات ليس لها أصل، إحصائيات مزورة، مثلاً مالتوس، يزعم أن هناك مجاعة عالمية، هذا شيء يتناقض مع القرآن والسنة، ودائماً وأبداً الأشياء المتوافرة هي أضعاف مضاعفة عن حاجات البشر.
 عفواً؛ هناك دراسة دقيقة لو وزعنا ثروات الأرض على أهل الأرض- دراسة أكاديمية موثقة- لكان نصيب الإنسان مئة دولار كل يوم في الأرض، ثمانية مليارات إنسان، لكن يوجد أشياء لا ترضي الله.
المذيع:
 جميل! نعود شيخنا للتفكر، الله يقول:

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21]

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 91]

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ﴾

[ سورة الإسراء: 70]

 كل هذه النصوص علامَ تدل؟

 

نفس الإنسان أكبر آية دالة على عظمة الله :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أكبر آية دالة على عظمة الله نفسك التي بين جنبيك، هذا جسم، مثلاً:
العين، العين فيها طبقة شفافة، هذه الطبقة الشفافة القرنية تتغذى بطريقة عجيبة، بطريقة الحلول، لو أنها تغذت بالشعريات لرأيت ضمن شبكة، أما أول خلية تأخذ غذاءها وغذاء جارتها، ينتقل الغذاء بخلايا قرنية عن طريق الحلول، يد من؟ حكمة من؟
 برأس الإنسان تقريباً ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، شيء لا يصدق.
 الشبكية؛ أكبر آلة تصوير احترافية، بالميليمتر يوجد عشرة آلاف مستقبل، بالعين مليون وثلاثمئة ألف مستقبل.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[ سورة البلد: 8]

 أي جسم الإنسان وحده فيه أدلة صارخة دالة على عظمة الله، الله ماذا قال؟

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21]

المذيع:
 وفي المخلوقات شيخنا، البعوضة سمعت لكم أيضاً كلاماً تقول عنها، أن هذه البعوضة المخلوق الصغير في رأسها تقريباً أربعة أجهزة.

 

التفكر في مخلوقات الله :

الدكتور راتب :
 مئة عين.
المذيع:
 مئة عين، وفي صدرها ثلاثة قلوب.
الدكتور راتب :
 
وفي فمها ثمانية وأربعون سناً.
المذيع:
 وفي صدرها.
الدكتور راتب :
 ثلاثة قلوب.
المذيع:
 هذه البعوضة الصغيرة.
الدكتور راتب :
 التي وزنها واحد على مئة من الغرام، شيء لا يصدق، الله عز وجل ضرب لنا أحقر مخلوق في حياتنا، البعوضة، وأمامنا الحوت الأزرق يزن مئة وخمسين طناً، خمسون طناً لحماً، خمسون طناً عظماً، خمسون طناً دهناً، تسعون برميل زيت، شيء لا يصدق، من أدق مخلوق البعوضة إلى أكبر مخلوق الفيل.

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

[ سورة لقمان: 11]

المذيع:
 الله أكبر!

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 91]

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ﴾

[ سورة الإسراء: 70]

 كرامة الإنسان.

 

الإنسان أعقد مخلوق على وجه الأرض تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز :

الدكتور راتب :
 طبعاً.

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70]

 الإنسان مكرم أُعطي عقلاً، أُعطي نفساً، أُعطي عمراً، أعطي شهوة، أُعطي حاجات كثيرة جداً، الإنسان بالمناسبة أعقد مخلوق على وجه الأرض، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، في دماغه مئة وأربعون مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها بعد حتى الآن، الذاكرة بحجم حبة العدس، تتسع لسبعين مليار صورة، الإنسان خلقه معجز، لذلك:

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21]

 أقرب آية لك الإنسان نفسه، سمعه، بصره، تمشي بالطريق، وراءك مركبة، أطلقت بوقها، كيف عرفت أنها على اليسار تأتي نحو اليمين ولم ترها؟ لأن صوت البوق يصل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن بفارق يساوي واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية.
المذيع:
 فتحدث لنا الاتجاه.
الدكتور راتب :

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر؟
***

 الكبد فيه خمسة آلاف وظيفة، وكل خلية من الكبد تقوم بكل هذه الوظائف، لذلك لو صار تشمع كبد يمكن أن نستأصل أربع أخماسه، ويعيد الكبد بناء نفسه بعد أربعة شهور.
المذيع:
 الله أكبر! شيخنا النبي صلى الله عليه وسلم قرأ:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190]

 ثم قال:

(( ويل لمن قرأها ولم يتفكر ))

[ابن حبان عن عائشة أم المؤمنين]

 نحن الآن تفكرنا في خلق الإنسان، كيف نتفكر في هذه الأجرام على سبيل المثال حجم الأرض؟

 

التفكر في خلق السماوات والأرض أقرب طريق إلى الله :

الدكتور راتب :
 حقيقة واحدة؛ التفكر في خلق السماوات والأرض أقرب طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله، لأنه يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله، هذا عن خلق الإنسان، فماذا عن خلق الكائنات؟ تفضل الآن.
المذيع:
 حدثنا عن الأرض، حجم الأرض يساوي مليون مليون كيلو متر مكعب.
الدكتور راتب :
 الشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، أي ممكن أن يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر.
 الآن الله عز وجل يقول:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج: 1]

 الأبراج مجموعة كبيرة جداً من النجوم، هذا البرج الذي اسمه برج العقرب رأيته في أمريكا على شكل مخطط، هذا البرج فيه نجم صغير أحمر اللون متألق اسمه قلب العقرب، هذا النجم الصغير يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما.
المذيع:
 لا إله إلا الله!
الدكتور راتب :
 قلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟
المذيع:
 إذاً هذا دكتور لن نصل إليه إلا من خلال التفكر، تفكر الإنسان في نفسه، في المخلوقات من حوله، في السماوات، في الأرض.
الدكتور راتب :
 سيدي؛ التفكر لم يأت بحديث، يقول أحدهم حديثاً غير صحيح، بآية قرآنية:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190]

المذيع:
 من هم أولو الألباب؟
الدكتور راتب :
 أصحاب العقول.
المذيع:

﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 190]

الذكر أوسع عبادة تدور مع الإنسان :

الدكتور راتب :
 
دائماً الذكر يدور مع الإنسان حيثما دار، في بيته، في عمله، في الطريق، في تناوله الطعام، مع أهله، مع أولاده، هذا الذكر أوسع عبادة تدور مع الإنسان.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 41]

 الأمر ينصب على كلمة كثير.

﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 41]

 لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً.
المذيع:

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً ﴾

[ سورة آل عمران: 191]

الحق ثابت وهادف والباطل زائل وعابث :

الدكتور راتب :
 ما هو الحق؟ وما هو الباطل؟ الحق الشيء الهادف والثابت، إنشاء جامعة، أنشئت لتبقى، الشيء الثابت والهادف، ما هو الباطل؟ الشيء العابث والزائل.
 مثلاً؛ إنشاء سيرك مدة أسبوعين فقط، ألعاب بهلوانية، بعض الحيوانات، أما الجامعة فأسست كي تصنع قادة لهذه الأمة، هناك فرق بين الحق والباطل، الحق ثابت وهادف، والباطل زائل وعابث.
المذيع:
 جميل! شيخنا عبادة التفكر أيضاً قلتم إنها أقرب طريق، أو إنه باب ندخل به إلى عظمة الله، هل هذا أيضاً يكون دليلاً أمام الملاحدة الذين ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى؟

التفكر دليل لمن ينكر وجود الله :

الدكتور راتب :
 أنا أمامي هذه القارورة، فيها ماء
يا أخوان يا كرام يا أحباب؛ في الماء صفة لولاها لما كان هذا اللقاء، ولا كانت الدوحة، ولا قطر، ولا الخليج، ولا العالم، هذا الماء كأي عنصر في الأرض بالتسخين يتمدد، بالتبريد ينكمش، أي عنصر سائل، غاز، صلب، إلا الماء، هذا الماء لو كانت درجته عشرين، خفضناه للدرجة الخامسة عشرة، للدرجة العاشرة، للخامسة، للرابعة، شيء لا يصدق، تنعكس الآية، يزداد حجمه، فإذا ازداد حجمه قلت كثافته فطفا، لو كان ينكمش لأصبحت كثافته عالية.
المذيع:
 هذه الخاصية على خلاف المعهود.
الدكتور راتب :
 على خلاف القوانين، لولا هذه الخاصة لما كان هناك حياة بالأرض كلها، وكلما صار في الماء تجمد ازداد حجمه، لما زاد قلت كثافته فطفا، تبقى أعماق البحار دافئة كلها، لولا الخاصة هذه لما كان هناك حياة بالأرض إطلاقاً.
المذيع:
 هذه تدل على الله.

بطولة الإنسان أن يؤمن بالله العظيم :

الدكتور راتب :
 على عظمة الله طبعاً، دقق:

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 30 ـ 31 ـ 32]

 البطولة أن تؤمن بالله العظيم، أقول حقيقة، وأحياناً الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح: الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله لا وزن له عند الله.

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

[ سورة الكهف: 105 ]

﴿ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 124 ]

 هناك مظاهر دينية موجودة في كل أنحاء العالم، لكن هناك أشياء أساسية، يا ترى الدخل إسلامي؟ الإنفاق إسلامي؟ اختيار الزوجة صحيح وفق منهج الله؟ تربية الأولاد صحيح؟ وقت الفراغ صحيح؟ الشاشة مضبوطة؟ الإسلام منهج تفصيلي، والله لا أبالغ قد يصل إلى خمسين ألف بند، يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان وينتهي بالعلاقات الدولية.
المذيع:
 شيخنا، إذا قال قائل: إن هذا التفكر يوصل إلى هذه النتائج، كيف للإنسان أن يتفكر إذا أراد أن يتفكر، وكثير من الآيات كانت تدعو إلى هذا، تستحث هذا، وتستجلب هذا، أفلا يتفكرون.

﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة يس: 68 ]

 إن قال قائل: كيف أتفكر؟

 

أهل الدنيا مع النعمة وأهل الحق مع المنعم :

الدكتور راتب :
 دائماً أهل الدنيا مع النعمة، أهل الحق مع المنعم، منحك نعمة الإيجاد، نعمة الهدى والرشاد، طفل.

﴿ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾

[ سورة السجدة: 8 ]

 يأخذ بالعقول، من أعطاه هذا الوجه؟ الدماغ؟ العيون؟ الأذان؟ الحركة؟ العفوية؟ اللطف؟ الطفل آية من آيات الله الدالة على عظمته، أقسم لكم بالله يا أخوان يا كرام يا أحباب: كل شيء حولك يدل على الله، بدءاً من أخص الخصوصيات، وانتهاءً بأكبر الكبريات.
المذيع:
 يوجد ملحدون شيخنا ينكرون وجود الله.

 

تطابق الشرع مع الفطرة :

الدكتور راتب :
 يا أخي الكريم، بارك الله بك، لا تعكر صفونا بالملحدين.
 
الملحد؛ جاء إنسان بسكين طعن قلبه بها، هذا انتحر، نحر قلبه، هناك إنسان يعصي الله فنحر قلبه، نقول: نحر قلبه المادي، الآخر: نحر نفسه، ما دام هناك معصية حجب عن الله، أما الملحد فإنسان نحر عقله.
المذيع:
 لا يفكر.
الدكتور راتب :
 أبداً، دقق تقريباً يوجد عشرون ملحداً دعاة للإلحاد بالعالم، عندي بحث دقيق جداً، دعاة ماذا قالوا على فراش الموت؟ تراجعوا عن إلحادهم جميعاً، وتكلموا كلاماً بعكس ما كانوا يعتقدون، الله ماذا قال؟

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الأنعام: 24 ]

 لأن الإيمان يزرع بالإنسان بالفطرة، هذه فطرة.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم: 30]

 فالفطرة متطابقة تطابقاً تاماً مع المنهج، لذلك كل إنسان يعصي الله عنده كآبة.
 حدثنا أستاذ كبير بعلم النفس في الجامعة، الكآبة بالعالم الغربي مئة واثنان وخمسون بالمئة، مئة يوجد معهم كآبة، ومئة وخمسون يوجد معهم كآبتان، أي إنسان يعصي الله معه كآبة، أبداً دون أن يشعر، لأن الشرع متطابق مع الفطرة، الدليل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم: 30]

المذيع:
 وهذه خلاصة الخط الذي ذكرنا خط الفطرة السليمة الذي يكون معترضاً على دائرة الحق، كما أشرنا إليه سابقاً، الأعرابي شيخنا يقول: الأثر يدل على المسير، والبعرة يدل على البعير، وسماء ذات أبراج.

 

كل شيء حولنا آية كبرى تدعو إلى التفكر :

الدكتور راتب :
 وأرض ذات فجاج.
المذيع:
 وبحار ذات أمواج تدل على اللطيف الخبير، هل هذا تفكر؟
الدكتور راتب :
 لكن؟ سيدي هذا كأس الماء تفكر، الخبز تفكر، الطعام تفكر، الفواكه تفكر.
المذيع:
 أنا أقصد أنه لا يحتاج الإنسان إلى كثير من العلم لكي يتفكر.
الدكتور راتب :
 الذي حولك، طعامك، وشرابك، ابنك الصغير، ألا تعلم أنه من ماء مهين؟ ماء فقط! دماغ، عضلات، قلب، رئتان، كليتان، عظام، يتكلم، يضحك، الطفل آية كبيرة.
المذيع:
 شيخنا؛ ماذا نقول لمن يقول إن التفكر لا يصدر إلا من عالم؟

التفكر لكل المؤمنين و ليس للعلماء فقط :

الدكتور راتب :
 يا أخي! الأمر الإلهي، الله عندما قال:

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة آل عمران: 191]

 للعلماء فقط هذه؟ لا أبداً، لكل المؤمنين، المطلق على إطلاقه، قاعدة أصولية بالفهم المطلق على إطلاقه، المطلق لا يخصص، يبقى مطلقاً.
المذيع:
 ثم ذكر الغاية من:

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 191]

الدكتور راتب :
 ما هو الباطل؟ الحق الشيء الثابت والهادف، إنشاء جامعة حق، الباطل شيء عابث وزائل، جامعة وسيرك، عابث، أعمال بهلوانية، سيرك، بعض الحيوانات المتوحشة، فالحق الشيء الثابت والهادف، والباطل الشيء العابث والزائل.
المذيع:
 جميل! شيخنا أحسن الله إليك، نريد أن نختم هذا اللقاء بنصيحة.

 

المؤمن في حفظ الله و رعايته و توفيقه :

الدكتور راتب :
 والله يوجد نصائح كثيرة جداً: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
 لذلك النقطة الدقيقة:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾

[ سورة الأنعام: 115]

 كأن الله يقول: يا عبادي بيني وبينكم هذه الآية، منكم الصدق، ومني العدل، كلمتان تحكمان العلاقة بين الله وعباده، منكم الصدق، ومني العدل، تتفاوتون عندي بصدقكم وأنا أعدل بينكم، لذلك الخير، النجاح، التوفيق، السلامة، السعادة في طاعة الله، وما سوى ذلك حياة متعبة جداً، الدليل:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه:124]

 أما المؤمن ففي رحمة الله، في توفيق الله، في حفظ الله، في التألق، في التفوق.
المذيع:
 شيخنا اسمح لي أن أشاكس معك قليلاً إن صح التعبير، قائل يقول: نرى من يعصون الله سبحانه وتعالى لكنهم في رغد، وفي صحة، وفي سلامة، وربما يكونون أغنياء، ونرى العباد أحياناً يكونون في فقر وفي ضنك، لو قال قائل هذا الكلام.

 

النعمة ليست دائماً دليل رضا :

الدكتور راتب :
 إذا قلنا لشخص، دقق معي: سنعطيك بيتاً فخماً جداً، وثلاث سيارات، ومزرعة، بعد ذلك يوجد شنق، هل تأخذهم؟
المذيع:
 لن يأخذهم.
الدكتور راتب :
 
هذه جهنم، جهنم تنتظر العصاة، افعل ما شئت لكن الله موجود.

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[ سورة الغاشية:25 ـ 26]

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر:92ـ93]

المذيع:
 أي النعمة ليست دائماً دليل رضا.
الدكتور راتب :
 لا، النعمة الظاهرة قد يأخذها غير المؤمن بشيء كثير، سيدي يوجد أغنياء عندهم سبعمئة مليار، و بعضهم عندهم ثلاثة وتسعون ملياراً، على فراش الموت قال: هذا الرقم لا يعني عندي شيئاً.
المذيع:
 وقصة الرجلين الذين ذهبوا إلى الطبيب، الأول كان معه التهاب، قال: اشرب الحليب مدة ستة أشهر.
الدكتور راتب :
 مريضان دخلا على طبيب، الأول معه التهاب معدة حاد، فالطبيب أخضعه لحمية قاسية جداً، ستة أشهر على الحليب، حمية قاسية، الثاني معه ورم خبيث منتشر، سرطان، سأله الثاني: ماذا آكل؟ قال له: كُل ما شئت، أيهما أفضل؟ حمية قاسية كالتي نعاني منها نحن كمسلمين، أما خذ الدنيا كما شئت؟ دقق:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 ما قال: باب، أبواب، ما قال: شيء، كل شيء.

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

خاتمة و توديع :

المذيع:
 جزاكم الله الخير شيخنا، وشكر الله لكم.