مختلفة - المغرب : 13 - رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتنا.

2019-11-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مسيحي يحتفل بمولد رسول الله صلى الله عليه و سلم :

 أيها الأخوة الكرام؛ أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم.
 دُعي شاعر لبناني مهاجر اسمه رشيد سليم الخوري، الملقب بالشاعر القروي، وهو شاعر يدين بالمسيحية، دُعي إلى حفل بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، أقيم في مدينة سان باولو في أمريكا الجنوبية، وطُلب منه أن يلقي كلمة في الحاضرين، فقال:
 
أيها المسلمون! أيها العرب! يولد النبي صلى الله عليه وسلم على ألسنتكم كل عام مرة، ويموت في قلوبكم، وعقولكم، وأفعالكم كل يوم ألف مرة، ولو ولد في أرواحكم لولدتم معه، ولكان كل واحد منكم محمداً صغيراً، ولكان العالم منذ ألف عام أندلساً عظيماً، والتقى الشرق بالغرب من زمن طويل، ولعقدت المادة الغربية مع روح الشرقي المسلم حلفاً، ولمس العقل والقلب يداً بيد إلى آخر مراحل الحياة.
 أيها المسلمون؛ ينسب أعداؤكم إلى دينكم كل فرية، كل اتهام، ودينكم من بهتانهم براء، ولكنكم أنتم تصدقون الفرية بأعمالكم ، وتقرونها بإهمالكم، دينكم دين العلم وأنتم جاهلون، دينكم دين التيسير وأنتم المعسرون، دينكم دين الحسنى وأنتم المنفرون، دينكم دين النصر ولكنكم متخاذلون، دينكم دين الزكاة ولكنكم تبخلون.
 الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
 يا محمد، يا نبي الله حقاً، يا فيلسوف الفلاسفة، وسلطان البلغاء، يا مجد العرب والإنسانية! إنك لم تقتل الروح بشهوات الجسد، ولم تحتقر الجسد تعظيماً للروح، فدينك دين الفطرة السليمة، وأنت موقن أن الإنسانية بعد أن يئست من كل فلسفاتها وعلومها، وقنطت من مذاهب الحكماء جميعاً، سوف لا تجد مخرجاً من مأزقها، وراحة لروحها، وصلاح أمرها إلا بالارتماء بأحضان الإسلام، عندئذٍ يحق للبشرية في مثل هذا اليوم أن ترفع رأسها، وأن تهتف ملء صدرها بأعلى صوتها، ثم أنشد قائلاً وهو شاعر القروي:

عيد البرية عيد المولد الـــــــــــــــنبوي في الــــــــــمشرقين له والمغربين دوي
عيد النبي ابن عبد الله من طلعت   شمس الـــــــــهداية من قرآنه الـــعلوي
يــــــــــــــا فاتح الأرض ميداناً لدولته   صــــــــــــــارت بلادك ميداناً لكـــــل قوي
يـــــا حبذا عهد بغــــــــداد وأندلــــــس   عهد بــــــــــــــــروحي أفدي عوده وذوي
من كان في ريبة من ضخم دولته   فليتلُ ما في تواريخ الشعـــــوب روي
يـــــــــــــــا قوم هذا مسيحي يذكركـم   لا ينهض الشرق إلا حبنا الأخـــــــوي
فإن ذكرتم رسول الله تكرمــــــــــــــةً   فبلغوه سلام الشاعر الــــــــــــــــــــقروي
***

مواقف تبين النبي الكريم الإنسان الحاني الرحيم :

 أيها الأخوة الكرام؛ أيها الأخوة الأحباب: في هذا اللقاء الطيب ننتقل من رحمته صلى الله عليه وسلم إلى عدله، ومن محبته إلى سموه، ومن أدبه إلى حرصه.
 
إننا أيها الأخوة نرى في هذا النبي الكريم محمداً عليه أتم الصلاة والتسليم نرى فيه الإنسان الحاني الرحيم، الذي لا تفلت من قلبه الذكي شاردة من آلام الناس وآمالهم إلا لباها، ورعاها، وأعطاها من ذات نفسه كل اهتمام وتأييد.
 نرى فيه الإنسان الذي يكتب إلى ملوك الأرض طالباً إليهم أن ينبذوا غرورهم الباطل ثم يصغي في حفاوة ورضاً إلى أعرابي حافي القدمين، يقول في جهالة: اعدل يا محمد فليس المال مالك، ولا مال أبيك.
 نرى فيه العابد الأواب، الذي يقف في صلاته يتلو صوراً طويلة من القرآن في انتشاء وغبطة، لا يقايض عليها بملء الأرض تيجاناً وذهباً، ثم لا يلبث أن يسمع بكاء طفل رضيع كانت أمه تصلي خلفه في المسجد، فيضحي بغبطته الكبرى، وحبوره الجياش على عجل رحمة بالرضيع الذي كان يبكي وينادي أمه ببكائه.
 نرى فيه الإنسان الذي وقف أمامه جميع الذين شنوا عليه الحرب والبغضاء، وقفوا أمامه صاغرين، ومثلوا بجثمان جميع من شنوا عليهم الحرب والبغضاء، وقفوا أمامه صاغرين ومثلوا بجثمان عمه الشهيد حمزة، ومضغوا كبده في وحشية ضارية فيقول لهم وهو قادر على أن يهلكهم ويلغي وجودهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
 مرة ثانية: كان يضحي بغبطته الكبرى، وحبوره الجياش، وينهي صلاته على عجل رحمة بالرضيع الذي كان يبكي وينادي أمه ببكائه.
 نرى فيه الإنسان الذي وقف أمامه جميع الذين شنوا عليه الحرب والبغضاء، وقفوا أمامه صاغرين، ومثلوا بجثمان عمه الشهيد حمزة، ومضغوا كبده في وحشية ضارية فيقول لهم وهو قادر على أن يهلكهم ويلغي وجودهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
 نرى فيه الإنسان الذي يجمع الحطب لأصحابه في بعض أسفارهم ليستوقدوه ناراً تنضج لهم الطعام، ويرفض أن يتميز عليهم.
 نرى فيه الإنسان الذي يرتجف حينما يرى دابة تحمل على ظهرها أكثر مما تطيق.
 نرى فيه الإنسان الذي يحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله.
 نرى فيه الإنسان وهو في أعلى درجات قوته يقف بين الناس خطيباً فيقول: من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، نشهد أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.

رحمته صلى الله عليه وسلم :

 أما عن رحمته صلى الله عليه وسلم فقد قال:

(( إنما أنا رحمة مهداة ))

[الحاكم عن أبي هريرة]

 وقد روى عن ربه في الحديث القدسي الصحيح:

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

 وبيّن صلى الله عليه وسلم:

(( الرَّاحِمُونَ يرحمهم الرحمن ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]

 وأرشد المؤمنين إلى التزام الرحمة فقال لهم:

(( ارحَمُوا مَن في الأرض، يرحمْكم من في السماءِ))

[الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]

 
وبين أيضاً أن الرحمة خير من الإفراط في العبادة، فقد خرج صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى مكة في رمضان، حتى بلغ موضعاً يدعى كراع الغنيم فصام، وصام الناس، ولما رأى بعض الناس قد شقّ عليهم الصيام بسبب وعثاء السفر، دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فلما قيل له: إن بعض الناس لا يزال صائماً، فقال عليه الصلاة والسلام: أولئك العصاة، الرخصة يجب أن تأخذ بها.
 رجل يسرع الخطا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يغشاه الشوق الكبير، وتغمره الفرحة العارمة، ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، وعلى الجهاد في سبيل الله تحت رايته، يقول له: يا رسول الله جئت أبايعك على الهجرة والجهاد، وتركت والديّ يبكيان، فيقول عليه الصلاة والسلام: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما، إن بسمة تعلو شفة أب حنون، وتكسو وجه أم متلهفة لا تقدر عند محمد صلى الله عليه وسلم بثمن، حتى حينما يكون الثمن جهاداً في سبيل الله، يبث دعوته به، وينشر الحق في الآفاق البعيدة، وحينما تتم العبادة على حساب رحمة الوالدين تتحول إلى عقوق، والنبي صلى الله عليه وسلم يركز على الرحمة تركيزاً شديداً كلما اشتدت الحاجة إليها.
 هؤلاء المساكين الذين تسوقهم ضرورات العيش إلى الدين، ثم تعجزهم قلة الدخل عن السداد، فيعانون من أجل الديون هماً في الليل، وذلاً في النهار، هؤلاء النبي الكريم يأسُو جراحهم، ولكن لا يملك أن يقول للدائن تنازل عن حقك، فمحمد صلى الله عليه وسلم خير من يصون الحقوق، لكنه يهب الدائن شفاعته، وقلبه وحبه إذا هو أرجأ مدينه، وصبر عليه حتى تحين ساعة الفرج، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرا، أَو وَضَع له، أَظَلَّهُ الله يومَ القيامة تحت ظِلِّ عَرشه، يومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلّه ))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً:

((من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر))

[أحمد وأبو يعلى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ]

 بل يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة فوق الفضائل الإنسانية كلها، فيجعل كل عمل رحيم عبادة من أزكى العبادات، فعند النبي صلى الله عليه وسلم أعمالنا الرحيمة التي نسديها للآخرين إنما يراها الله قربات توجه إلى ذاته العلية، فإذا زرت مريضاً فأنت إنما زرت الله، وإذا أطعمت جائعاً فكأنما تطعم الله، يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

((إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول يومَ القيامة: يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده؟ يا بنَ آدمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطعمني، قال: يا رب، كيف أطعِمُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنه استطعمكَ عبدي فلان فلم تُطْعِمْهُ، أمَا علمتَ أنَّكَ لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي؟))

[مسلم عن أبي هريرة]

 شيء لا يصدق، ويصور النبي صلى الله عليه وسلم رحمة الله بصورة باهرة أخاذة حينما رأى أماً تضم طفلها إلى صدرها بحنان بالغ، ورحمة فائقة، فالتفت إلى أصحابه وقال لهم: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قال أصحابه: لا والله يا رسول الله! قال: لله أرحم بعبده من هذه بولدها.
 ذات يوم تقدم منه أعرابي في غلظة وجفوة، وسأله مزيداً من العطاء، فقال له: اعدل يا محمد، فيبتسم عليه الصلاة والسلام، ويقول له: ويحك يا أعرابي من يعدل إن لم أعدل؟ إن الطمأنينة التي دفعت هذا الأعرابي إلى هذا الموقف المسرف في الجرأة، هي هذه الطمأنينة وحدها تصور عدل محمد صلى الله عليه وسلم، فما كان هذا الأعرابي قادراً على أن يقول مقالته تلك لو كان محمد صلى الله عليه وسلم قد أقام بينه وبين الناس حجباً، وبث في نفوسهم الخشية والرأفة، لكن هذا النبي الكريم حطم كل معالم التمايز بينه وبين الناس.
 وحينما دخل عليه صلى الله عليه وسلم رجل غريب يختلج، بل يرتجف من هيبته استدناه- قربه- وربت على كتفه في حنان بالغ، وتواضع شديد، وقال له قولته الشهيرة: هون عليك فإني ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة.
 لقد هيأه تفوقه صلى الله عليه وسلم ليكون واحداً فوق الجميع، فعاش واحداً فوق الجميع.
 ويسأله أعرابي يوماً في بداوة جافة: يا محمد! هل هذا المال مال الله أم مال أبيك؟ ويبتدره عمر يريد أن يؤنبه، فيقول عليه الصلاة والسلام: دعه يا عمر إن لصاحب الحق مقالة.

 

قيم العدل التي آمن بها النبي صلى الله عليه وسلم :

 أيها الأخوة الأحباب؛ انطلاقاً من قيم العدل التي آمن بها صلى الله عليه وسلم، ودعا إليها يبين عليه الصلاة والسلام فيقول:

 

(( كلُّ المسلمِ على المسلم حَرَام: دمُهُ، وعِرْضُهُ، ومَالُهُ ))

 

[البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة]

 وإن زوال الدنيا جميعاً أهون على الله من سفك دم مسلم بغير حق.

(( إنَّما أَهلك الذين قبلكم أنَّهمْ كانوا إذا سَرقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ. وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا))

[البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين]

 أخواننا الكرام؛ لو أن إنساناً استطاع بطلاقة لسانه، وقوة حجته أن ينتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم حكماً، ولم يكن له محقاً فيه، لن ينجو من عذاب الله، لو معك فتوى من رسول الله، ولم تكن محقاً لن تنجو من عذاب الله، يقول عليه الصلاة والسلام:

((وإِنكم تختصمون إِليَّ، ولَعَلَّ بعضكم أن يكونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحَقِّ أخيه، فإنما أَقْطَعُ له قطعة من النَّار فلا يأخذْه ))

[البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أم سلمة أم المؤمنين]

ومضات من محبته صلى الله عليه وسلم :

 أيها الأخوة الأحباب؛ إلى ومضات من محبته صلى الله عليه وسلم؛ محمد عليه أتم الصلاة والسلام محبّ ودود، أطاع الله كثيراً لأنه أحبه كثيراً، وبر الناس كثيراً لأنه أحبهم كثيراً، أحبّ عظائم الأمور، وترك سفسافها ودنيها، أحب عظائم الأمور ومارسها في شغف عظيم ممارسة حبّ مفطور، لا ممارسة مكلف مأمور، لقد سجد وأطال السجود، وسمع وجيب قلبه، ونشيج تضرعه وبكائه، لأنه في غمرة شوق جارف، ومحبة آخذة، كان ينتظر الصلاة على شوق، فإذا دخل وقتها قال:

(( أرحنا بها يا بلال ))

[الطبراني عن عبد الله بن محمد بن الحنفية]

 
والفرق كبير بين أرحنا بها وأرحنا منها، هذا هو الفرق بين الحب والواجب.
 ذات يوم كان في الطائف يدعو قومها إلى الله فقابلوه بالتكذيب، والسخرية، والإيذاء، مشى إليهم ثمانين كيلو متراً، قابلوه بالاستهزاء والكفر، لذلك ألجؤوه إلى حائط رفع رأسه إلى السماء وناجى ربه فقال: يا رب إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى.
 أي إنه لا يخشى العذاب والألم إلا إذا كان تعبيراً عن تخلي الله عنه، ثم أدرك صلى الله عليه وسلم أنه لا ينبغي للمحب الصادق أن يشغله استعذاب التضحية عن رجاء العافية فيقول: لكن عافيتك هي لي أوسع.
 ذات يوم أقبل على هذا النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم رجل فظّ غليظ، لم يكن رآه من قبل، غير أنه سمع أن محمداً يسب آلهة قريش، والقبائل كلها، فحمل سيفه، وأقسم بالله ليسوين حسابه مع محمد، ودخل عليه، وبدأ حديثه عاصفاً، مزمجراً، والنبي يبتسم، وتنطلق مع بسماته أطياف نور آسر، وما هي إلا لحظات حتى انقلب المغيظ المتجهم محباً يكاد من فرط الوجد والحياء أن يذوب، وانكفأ على يدي محمد صلى الله عليه وسلم يقبلهما، ودموعه تنحدر غزيرة، ولما أفاق، قال: يا محمد والله لقد سعيت إليك وما على وجه الأرض أبغض إليّ منك، وإني لذاهب عنك وما على وجه الأرض أحب إليّ منك.
 ما الذي حدث؟ لقد أحب محمداً هذا الرجل، من كل قلبه، فخرّ جبروت هذا الرجل صريع حب وديع، فقلب محمد صلى الله عليه وسلم مفتوح دائماً لكل الناس، الأصدقاء والأعداء، وحينما اقترب الرجل من رسول الله صلى الله عليه وسلم مسته شعاعة من فيض قلبه الكبير.
 إذاً معذورة قريش حينما لم تدرك هذا السر فقالت: إن محمداً لساحر.

 

توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في الحبّ والود :

 ومن توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في الحب والود:

(( والَّذي نَفْسي بِيدِه، لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا ولا تُؤمِنُون حتى تَحابُّوا ))

[الترمذي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه]

 إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه، وإذا آخى الرجلُ الرجلَ فليسأله عن اسمه، وعن أبيه، وممن هو، فهو أوصل للمودة.

(( إِذا كانَ ثلاثة فلا يَتَنَاجى اثنانِ دونَ الثالثِ ))

[البخاري ومسلم وأبو داود ومالك عن عبد الله بن عمر]

 إلا بإذنه فإن هذا يحزنه.

(( من هَجَرَ أخاه سنة فهو كسَفْكِ دَمِهِ ))

[أخرجه أبو داود عن أبي خراش السلمي رضي الله عنه]

(( وكفى بك إِثما ألا تزالَ مُخاصِماً ))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ]

(( ومن أتاه أخوه متنصلاً فليقبل ذلك منه محقاً كان أو مبطلاً ))

[الحاكم عن أبي هريرة ]

(( أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى، إن شئت يا رسول الله. قال: 'الذين لا يقيلون عثرة، ولا يقبلون معذرة، ولا يغفرون ذنباً))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ]

 إذاً:

(( صل بين الناس إذا تفاسدوا، وقرب بينهم إذا تباعدوا ))

[ رواه البزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

ومضات أخرى من حرصه على أصحابه صلى الله عليه وسلم :

 إلى ومضات أخرى من حرصه على أصحابه، كان من بين أصحاب النبي الكريم صحابي جليل هو عثمان بن مظعون، وكان عثمان متبتلاً غير مشفق على نفسه، لقد همّ ذات يوم أن يتخلص كلياً من نداء غريزته، وذات يوم دخلت زوجته على السيدة عائشة رضي الله عنها فوجدتها عائشة رثة الهيئة، مكتئبة المنظر، فسألتها عن أمرها، فقالت: ما هذا الأدب؟ إن زوجي صوّام قوّام، هذا أدب عال! فهمت عليها السيدة عائشة أنه يصوم النهار، ويقوم الليل، فأخبرت السيدة عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال هذه المرأة، امرأة عثمان بن مظعون، فالتقى النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم بعثمان، فقال له: يا عثمان، أما لك بي من أسوة؟ قال عثمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ماذا فعلت! قال له النبي الكريم: تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال عثمان: نعم إني أفعل هذا، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تفعل، إن لجسدك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، وفي صبيحة اليوم التالي ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبوة، عاطرة، نضرة، كأنها عروس، واجتمع حولها النسوة اللاتي كانت تجلس بينهن بالأمس رثة بائسة، وأخذن يتعجبن من فرط ما طرأ عليها من بهاء وزينة، قلن لها: ما هذا يا زوجة ابن مظعون؟! قالت وهي مغتبطة- دققوا في هذا الأدب- أصابنا ما أصاب الناس، هذا الأدب لا يوجد به كلمة غلط.
 
إنسانية النبي عليه الصلاة والسلام لن تحتمل حال زوجة يؤرقها هجر زوجها لها، فذكّر زوجها بما لها عليه من حق، وكان عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق، ومن أقواله المؤكدة لهذه الحقيقة:

(( ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً ))

[الطبراني عن عبد الله بن عمر]

 سُئل عليه الصلاة والسلام يا رسول الله:

(( أي الناس أحبهم إلى الله؟ قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس))

[الطبراني عن عبد الله بن عمر]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس، تفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر]

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر، أو إدخال سرور، رفعه الله في الدرجات العلا في الجنة ))

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء]

 ويقول أيضاً:

(( إن لله أقواماً اختصهم بالنعم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم ))

[الطبراني عن عبد الله بن عمر]

 أحد الشعراء قال:

مالي إلى قدركَ العلويِّ من نســـــــــــب   لا الَشعرُ يُسعدني فيه ولا نَســـــــــبِ
لكنْ رأيتُ محبــــــــاً أعوزتــــــــــهُ يـــــــــــدٌ   من البيانِ وأهلُ الشعرِ في لعــــــــب
قدُ أشغلوا بضروبِ الحبِّ ما عـــرفوا   من المحبة إلا كلَّ ذي وصَــــــــــــبِ
يا سيدي يا رسول الله معـــــــــــــــــــذرةً   إذا دعتني القوافي ثم لمْ أُجـــــــــــب
وما عجزتُ لأنَّ الشعرَ أعجزنــــــــــــــي   لكن لأنك فوق الشعـــــــــــر والأدب
فحسبها كلماتٌ قد رجـــــــــــوتُ بـــــــها   شفاعةَ يوم لا يغني ســـــواكَ نبي
وإن يفتني مديحُ المصطفى شــــــــرفـاً   فذكرهُ قربةً من أعظمِ القـــــــــــــــرب
في يومِ مولدكَ الميمونِ ما طلــــــــعتْ   شمسٌ على مْثله فضلاً ولم تغب
محمدٌ وخصالُ الحمــــــــدِ قاطبـــــــــــــــــة     إليه نسبتها يا أكـــــــــرمَ النســـــــب
أما الندى فكمثلِ الريـــــــح مرسلــــــــــــة   إذا تجودُ على البيداء ِبالسحـــبِ
وحلمه ما رأتْ عين ٌ ولا بَصُــــــــــــــــرتْ   كمثلهِ أبداً في ساعةِ الغضـــــب
والبأسُ إن شمَّرت عن ساقها فَبِـــــــــهِ   يلوذُ كلُّ عظيمِ البأس ِمرتَــــــهب
إذا تحدَّث عذبُ القــــــــول منطقــــــــــــــه   يغنيكَ مجملهُ عن سْهَب ِالخُطب
وإن تلفَّـــــــــت كلاً من تواضعــــــــــــــــــــــه   وإنْ مشى فكأما ينحطُّ من صَـَـبب
وكامـلُ الوصـفِ ما في الناس مشبهه   خَلقاً ولا خُلـُقاً منـه بمقْتَـــــــــــــــــرِبٍ
***

 اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً.