المحاضرة : 01 - أصول الدعوة إلى الله وقواعدها.

2019-07-05

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد و على آل بيته الطيبين الطاهرين، و على صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، و قادة ألويته، وارضَ عنا و عنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل و الوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، و من وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الدعوة إلى الله فرض على كل مسلم :

 بادئ ذي بدء: أشكر للقائمين على هذا الملتقى دعوتهم الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي، فأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم.
 أيها الأخوة الكرام؛ موضوع هذه المحاضرة أصول الدعوة إلى الله، دققوا قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 في كل كلمة من هذه الآية معنى دقيق، ليس على وجه الأرض إطلاقاً إنسانٌ أفضل ممن دعا إلى الله، لا يكفي، دعا إلى الله و عمل صالحاً، جاءت حركته في الدنيا، كسب ماله، إنفاق ماله، حياته في بيته، في عمله، في سفره، في إقامته، في سرائه، في ضرائه، وفق منهج الله.

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 لا يكفي:

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 من الدعاة، فإذا توهم خاطئاً أنه الداعية الأكبر، و الداعية الموفق، ولم يقل: إنني من المسلمين، معه مرض التوحد، الدعاة إلى الله كثر، الدعاة إلى الله مجموعون في دائرة واحدة، بمعنى أن كل واحد منهم على حد معقول جداً من المعلومات، لكن بعض الدعاة تفوق في الفقه الحنفي، الشافعي، في الدعوة، في الإعجاز العلمي، مجموعهم في دائرة واحدة، لأنهم على حد معقول من فهم معتدل و عميق لكل فروع الدين، لكن هذا تفوق في الإعجاز العلمي نرسم له مثلثاً على محيط الدائرة، هذا الفقه الحنفي، الشافعي، في أصول الفقه، في الأحكام الشرعية، في الدعوة إلى الله، في الإعجاز العلمي، هذه المثلثات متكاملة فيما بينها، يجتمعون ضمن الدائرة، و يتكاملون على محيط الدائرة، لذلك الدعاة إلى الله كالفواكه، جميعاً لهم طعم حلو، إلا أن كل واحد منهم له طعم خاص، ذلك أن الله يحب كل عباده، فجعل لكل شريحة من خلقه داعية يفهمون عليه، و يستفيدون منه.
 إذاً الدعوة إلى الله فرض على كل مسلم، و لكن يمكن قد تعجبون! فرض على كل مسلم، أنت لماذا تصلي؟ الجواب البديهي: الصلاة فرض، فإذا أقنعتك أن الدعوة إلى الله فرض كالصلاة تماماً، طبعاً الدين فيه دليل، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف:108]

 فالذي لا يدعو ليس متبعاً لرسول الله، ما معنى كلمة بصيرة؟ أي بالدليل و التعليل.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 التعليل.

﴿ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 فإذا كان خالق الأكوان أعطى الأمر معللاً فأنت إذا اكتفيت بالحرام فقط، لا، هذا ليس داعية، قد يكون عابداً لكن ليس عالماً.
 في المقام هنا مكيف، أي إنسان يضغط على زر الفتح يأتيه الهواء بارداً، هذا عابد، طبق الدين، سلم، طبق الدين، أكرمه الله في الدنيا ببيت صالح، بعمل صالح، بإنسانة صالحة، لكن لا يفهم آلية المكيف إلا دكتور بالتكييف.
 لذلك الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، تنتفع بالدين كعابد، و المصير الجنة، دون أن تفهم التعليلات، أما العالم الداعية فيجب أن يقنع الآخر، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
 إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، المعنى السياقي هنا؛ استقاموا في عقيدتهم، ولا تأخذ عن الذي مالوا.

 

بطولة الداعية أن تكون حركته بالحياة مطابقة لدعوته :

 إذاً الدعوة إلى الله، استنبطت، أو خصائص الدعوة إلى الله استنبطت من الكتاب، و السنة، أو من خبرات شخصية، على كل القواعد التي بين أيدينا خاضعة للمناقشة، دائماً و أبداً إياك أن تمنع المناقشة، هناك دعوة قمعية، و دعوة بنائية، أقنع ولا تقمع، لا تقل: لابنك هذا حرام، قل له السبب، قل له الحكمة، أنت إذا ذكرت الحكمة تحترمه، أما إذا منعته من الحكمة فقد لا يقبل منك، الله قال:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 فحاول أن تقنع الناس بالدين لا أن تقمعهم به.
 لذلك سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، يقول: قوام الدين و الدنيا أربعة رجال، عالم مستعمل علمه، يطبق ما تعلم، و جاهل لا يستنكف أن يتعلم، و غني لا يبخل بماله، و فقير لا يبيع آخرته بدنياه، الآن دققوا، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره.
 لذلك أيها الأخوة، ما الذي يجعل الدعوة تتألق؟ ما الذي يجعل الدعوة تنجذب إليها النفوس؟ قال تعالى دقق:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 أن تأتي حركته بالحياة مطابقة لدعوته، أي أنت تأتي إلى طبيب هضمية معه بورد لا تعنيك استقامته، لا تعنيك صلاته بقيام الليل، يعنيك علمه فقط، تنتفع منه انتفاعاً تاماً، من علمه فقط، أنت بحاجة إلى مهندس، يوجد شق طولي بالبناء يا ترى هذا خطر أم غير خطر؟ تحتاج إلى علمه، بحاجة إلى محام، يوجد بالقانون مادة آخذ حقي بها؟ لكن مع الداعية لا تقتنع بدعوته- إن أردتم أن تكونوا دعاةً - إلا إذا تأكدت أن ما يقوله يفعله.
 كنت مرة في مصر التقيت مع الشيخ الشعراوي رحمه الله، كان من أكبر الدعاة الكبار، زرته ثلاث مرات، ألفت عنه كتاباً صغيراً، سألته مرة: بماذا تنصح الدعاة؟ توقعت أن يتكلم نصف ساعة، ساعة، أخطر سؤال، نصف ساعة، عشر دقائق، خمس دقائق، دقيقة واحدة، جملة واحدة، قال لي: ليحذر الداعية أن يراه المدعو على خلاف ما يدعوه، أكد مصداقيته.
 كطرفة يوجد درس بالشام يحضره آلاف مؤلفة، و مثلهم من النساء بالطابق السفلي، يوجد بنت صغيرة و امرأة تعرف أن هذه البنت ابنتي، عمرها ثماني سنوات، كان الموضوع عن العلاقات الزوجية، قالت لها: والدك بالبيت مثلما يتكلم الآن؟
 الناس يريدون مصداقية، أنتم دعاة، المصداقية، ليحذر أحدكم أن يراه المدعو على خلاف ما يدعوه.

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 بلسانه.

﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 جاءت حركته مطابقة لدعوته، و لم يتكبر، قال: لا يوجد غيري.

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 لذلك الدعوة إلى الله من دون أن يلازمها عمل صالح تغدو ثقافة فارغة لا معنى لها.
 لذلك يقول صاحب كتاب الإحياء: قل خذ الإحياء ودع اللحية، أي كتاب مهم.
 يوجد ملاحطة لطيفة؛ الإمام الغزالي كما سمعت عنه كان يحضر درسه خمسمئة عمامة، قال أحدهم: من الغزالي لولا إحياؤه؟ الكتاب يبقى، والدعوة مهما تكن كبيرة تنتهي بموت صاحبها.
 لذلك يمكن أن تؤلف القلوب، أو أن تؤلف الكتب، تأليف القلوب أعمق أثراً وأقصر أمداً، و تأليف الكتب أقل أثراً و أطول أمداً، و البطولة أن تجمع بينهما.

 

أنواع العلم :

 إذاً علم بالله، و علم بأمره، و علم بخلقه، العلم بخلقه، أي فيزياء، كيمياء، رياضيات، طب، هندسة، فلك، جيولوجيا، إلى آخره، علم بخلقه، أي يوجد ظاهرة علمية تضبط، يستنبط منها القانون، هذا علم بخلقه، و علم بأمره؛ معه اختصاص شريعة، الحرام و الحلال، و السنة و الفرض، و التأليف و التدوين و الأحاديث إلى آخره، علم بأمره، أما الثالثة فهي علم به فقط، العلم بأمره يحتاج إلى جامعات، مؤسسات، دور علم، يحتاج إلى مدرسين، إلى أماكن، إلى بناء، إلى ميزانيات، علم به، بخلقه، جامعات أيضاً، فيزياء، كيمياء، رياضيات، طب، هندسة، فلك، يحتاج إلى أموال، أي العلم بخلقه يحتاج إلى مدارسة، مدرس، قاعة تدريس، طالب، امتحان، أداء امتحان نجاح، رسوب، هذه مدارسة، العلم بخلقه يحتاج إلى مدارسة، و العلم بأمره يحتاج إلى مدارسة، أما العلم به فيحتاج إلى مجاهدة، جاهد تشاهد، يوجد غض بصر، ضبط لسان، بيت إسلامي، عمل إسلامي، حركة إسلامية، نزهة إسلامية، سهرة إسلامية، مادمت منضبطاً الآن دفعت ثمن علم المشاهدة، جاهد تشاهد.

من خشي غير الله سكت عن الحق خوفاً و تكلم بالباطل تملقاً :

 دقق:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

 أي هذا الذي يخشى غير الله، عندما خشي غير الله سكت عن الحق خوفاً، و تكلم بالباطل تملقاً، انتهت دعوته، لا قيمة لها إطلاقاً، انظر الآيات دقيقة، عندنا أحياناً صفة مترابطة مع الموصوف، كيف؟ نسمي السيارة سيارة لأنها تسير، فإن لم تسر لم تعد سيارة، هذه صفة السيارة أنها تسير، هذه الصفة مترابطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً، أما السيارة فغالية، و الطائرة غالية، و البيت غال، السيارة فخمة و هناك جهاز فخم، عندنا ترابط مع الوجود، دقق:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

 صفة واحدة، أي هذا الداعية إذا خشي غير الله سكت عن الحق خوفاً، و تكلم بالباطل تملقاً، انتهت دعوته، واضح؟
 أي هذا الذي يأخذ من الدنيا من جهة غير مؤمنة كالباخرة تماماً أخذت شيئاً من ماء البحر، بعد حين البحر سوف يبتلعها بأكملها، ممكن أن تنتفع بأي مجال إلا إذا كنت داعياً ينبغي أن تنتفع ممن هم على حق.

 

المنهج الإسلامي تام عدداً و كامل نوعاً :

 أخواننا الكرام؛ سؤال يخطر على بال الكثيرين: ما التصوف؟ أنا أولاً لا أحب أن أضيف على الإسلام مصطلحاً لم يكن من قبل، كان أصحاب النبي الكريم في أعلى درجات القرب من الله، و التزكية، و الصلة، و البذل، و العمل الصالح، لكن مثل باب مفتوح، باب مروحة، أين يستقر؟ بالوسط، هذا مكانه الطبيعي، هذا الإسلام الوسطي، الإسلام المتجدر، الإسلام الحقيقي، الإسلام الذي فيه تقابل بين الدنيا و الآخرة، بين الحاجات و القيم، بشكل أو بآخر، الإسلام منهج كامل للبشرية، يجوز سابقاً الشرائع لها علاقة بتاريخ الأمة، أما الآن:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3]

 دقق؛ الإكمال نوعي، والإتمام عددي، تلك عشرة كاملة، شخص أعطاك عشر ليرات ذهبية، تلك عشرة عدداً، كاملة، جديدة، أي عندك نوع، و كيف، و كم، لذلك:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾

[ سورة المائدة: 3]

 أية قضية عالجها الدين عالجها بكمال مطلق، أما عدد القضايا التي عالجها فتام عدداً، فهذا المنهج تام عدداً، كامل نوعاً.

 

قواعد الدعوة إلى الله :

1 ـ القدوة قبل الدعوة :

 الآن الدعوة إلى الله لها قواعد، أول قاعدة: القدوة قبل الدعوة، الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، القدوة قبل الدعوة، الأب الصادق ما منع ابنه لحظة أن يكذب، لا يكذب ابنه، لأنه ما سمع كذباً من أبيه، الأب الذي عنده حياء ما خلع ثيابه أمام ابنه، لو ما تكلم و لا كلمة ابنه ينشأ على ما نشأ عليه والده، لذلك:

(( استقيموا يستقم بكم ))

[الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه]

 أذكر مرة سيدنا عمر رأى راعياً، قال له: بعني هذه الشاة و خذ ثمنها، قال: ليست لي، قال له: قل لصالحبها: ماتت أو أكلها الذئب، قال: و الله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، و لو قلت لصالحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، و لكن أين الله؟
 هذا الأعرابي الراعي وضع يديه على جوهر الدين.
 بالمناسبة أنتم شباب، راكب سيارتك هنا أو في أي مكان، والإشارة حمراء، لماذا تقف؟ واضع قانون السير قد يكون وزير الداخلية، لكن علمه يطولك من خلال هذا الشرطي سابقاً، و اليوم من خلال الكاميرا، علمه يطولك، و قدرته تطولك، ممكن أن يمنعك من القيادة سنة، ممكن أن يسحب الإجازة منك، ممكن يكلفك بغرامة كبيرة، مادام علم هذا الآمر يطولك، و ما دامت قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، صح؟ يكون الشخص مثلاً مليونيراً، أمامه شرطي، لا شيء أمامه مالياً، و لكنه لا يستطيع أن يقطع الإشارة، واضحة تماماً؟
 متى تستقيم؟ إذا تيقنت أن الآمر علمه يطولك، و قدرته تطولك، إذاً لا يمكن أن تعصيه، اسمع القرآن:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12]

 هل هناك أوضح من هذا؟ علمه يطولك، و قدرته تطولك، كيف تعصيه؟

 

2 ـ الإحسان قبل البيان :

 القاعدة الثانية: الإحسان قبل البيان، املأ قلب من تحدثه بإحسانك ليفتح له عقله لبيانك، أول قاعدة القدوة قبل الدعوة.

(( استقيموا يستقم بكم ))

[الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه]

 أب لم يعط أولاده أي توجيه، لكن أولاده ما سمعوا منه كلمة واحدة لا تليق، ولم يتابع موضوعاً بالشاشة لا يليق، و لم يخلع ثيابه أمامهم، استقامة الأب وحدها دعوة، أنت الآن كمؤمن أمانتك دعوة.
 مثلاً في المحل صفيحة زيت، و الزيت غال جداً، وقعت فأرة، هل تستطيع أن تبيع صفيحة الزيت؟ يباع على شكل صابون، المؤمن مقيد بعلم الله، لا تستطيع أن تبيعها بأي شكل، أي هذه الدنيا لا تستقيم إلا بالدين، هناك مرض يأتي من عدم تنظيف الأيدي، إذا كان الخباز بالليل الساعة الثانية يعجن العجين، و لم تكن يداه نظيفة قد يصيب ثلاثمئة إنسان بأمراض خبيثة، هذا الدين لا يمكن أن تقطف ثماره إلا بالاستقامة.
 عندنا كلمة ثانية دقيقة:

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

[ سورة النور: 31]

 أحياناً النتائج لا تظهر بتوبة فردية، أما الكل فتائبون، يوجد أمانة، وراحة نفسية، من هنا في آخر الزمان يمكن أن يعاني الإنسان ما يعاني.

(( إِذا رأَيتم شُحا مُطَاعا ))

[أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]

 مادية مقيتة، يبيع دينه بيمين كاذب.

(( وهوى مُتَّبَعا ))

[أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]

 الجنس.

((وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِه))

[أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]

 اعتداد بالنفس، أنا عندي لا تجوز، من أنت؟

يقولون هذا عندنا هذا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ
***

 نحن عندنا كتاب وسنة، عندنا إله، و نبي معصوم، من أنت؟ أنا برأيي أن هذه لا شيء فيهها، كل الناس يتكلمون برأيهم الآن.
 أخواننا الكرام، القاعدة الثانية: الإحسان قبل البيان.

(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها))

[ ورد في الأثر]

 أي املأ قلب من تحدثه بإحسانك ليفتح عقله لبيانك، واضحة؟ عفواً الثقافة العربية الإسلامية الأب محترم دائماً، لكن ما كل أب محترم محبوب، بطولتك لا أن تحترم من أولادك، بل أن تكون محبوباً عندهم.

(( ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها))

[ ورد في الأثر]

 لذلك كلامي دقيق، الآن الإحسان يحتاج إلى داعية متواضع، لذلك هناك من يستعيض بجبابرة العلماء.
 مثلاً، والله شيء لا يصدق، نبي هذه الأمة، رسول أول، نبي أول، زعيم أول، قائد جيش، الرواحل ثلاثمئة، الصحابة ألف، قال: كل ثلاثة على راحلة، رسول، نبي، زعيم، قائد جيش، كل ثلاثة على راحلة، و أنا و علي و أبو لبابة على راحلة، سوى نفسه مع أي صحابي، ركب الناقة، جاء دوره في المشي، توسل صاحباه أن يبقى راكباً، اسمعوا ماذا قال؟ قال: ما أنتما بأقوى مني على السير، و لا أنا بأغنى منكما عن الأجر.
 بسفر آخر عالجوا شاة، قال أحدهم: عليّ ذبحها، و قال الثاني: عليّ سلخها، و قال الثالث: عليّ طبخها، و قال الرابع: وعليّ كذا وكذا، و قال عليه الصلاة و السلام: و عليّ جمع الحطب، قال: نكفيك ذلك، قال: أعلم أنني تكفونني ذلك، و لكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.
 سيدنا الصديق أول يوم من تسلمه منصب الخلافة، ما معنى خلافة؟ أي رأس الهرم البشري، من عادته أنه كان يحلب الشياه لجارته العجوز، فلما تولى الصحابي الجليل منصب الخلافة دخل لهذا البيت حزن، انتهت الخدمة طبعاً، في صبيحة اليوم الأول من توليه الخلافة طُرق باب العجوز، فالعجوز عندها حفيدة، قالت لها: افتحي الباب يا بنيتي، فتحت الباب، قالت: من الطارق؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه، ما هذا الدين؟
 سينا عمر تسلم الخلافة بعده، وقف على المنبر نزل درجة، لِمَ؟ قال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام رسول الله، هنا يوجد تعليق دقيق، فلما سأل خليفة أموي عالماً من العلماء، لِمَ عثمان لم ينزل درجة؟ قال له: والله لو فعلها لكنت في قعر بئر.
 و الله يا أخوان ذكر الصحابة ينعش النفوس، قمم بالكمال، دائماً بذكر الصالحين تتعطر المجالس.
 وبالمقابل بذكر المنحرفين تتعكر المجالس، حاول بكل جلسة ألا يكون فيها سلبيون، لا تستطيع أن تقف على قدميك، اللؤماء، المتفرقون، يعكر لك الجلسة كلها.
 لذلك الأنبياء لهم مهمتان، مهمة التبليغ، و مهمة القدوة، الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، احذر أن يراك من تعلمه على خلاف ما تعلمه.

 

التفكر في خلق السماوات و الأرض :

 أخواننا الكرام؛ الآن من قواعد الدعوة، بربكم القرآن كم آية تقريباً؟ بالصفحة ستمئة صفحة، عندنا ألف و ثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، صح؟ ألف و ثلاثمئة آية عن الكون و الإنسان، أنت تقرأ آية فيها أمر تأتمر، آية فيها نهي تنتهي، آية فيها قصة تعتبر، و ألف و ثلاثمئة آية ما دورك منها؟ هنا الشرح، ما الموقف منها؟ الله قال:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 191]

 لماذا فعل مضارع؟ لأن الفعل المضارع يفيد الاستمرار، لذلك منهجكم بالتفكر ألف و ثلاثمئة آية، واضح؟ التفكر أقصر طريق إلى الله، و أوسع باب ندخل منه على الله.
 يوجد لمحات بسيطة؛ الشمس تكبر الأرض بمليون و ثلاثمئة ألف مرة، أي يدخل في جوف الشمس مليون و ثلاثمئة مليون ألف أرض، بينهما مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، يقطعها الضوء بثماني دقائق، أنت إذا وقفت في مكان عال، و الشمس أشرقت، هي أشرقت قبل ثماني دقائق، واضح تماماً؟
 الآن القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، أنتم كلكم طلاب علم، إذا أخذنا مركز الأرض و مركز القمر، ووصلنا بينهما بخط، الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، ضرب اثنين، القطر، ضرب البي المحيط، كم تستغرق دورة القمر حول الأرض بالشهر؟ ضرب اثني عشر بالسنة، ضرب ألف، ألف سنة، ممكن بدقائق مع آلة حاسبة احترافية رياضية تعرف كم كيلو متر يقطع القمر في رحلته على الأرض في ألف عام، قسم المسافة على الزمن تستنتج السرعة بالسنة، تقسيم ألف، تقسيم ثلاثمئة و خمسة و ستين باليوم، تقسيم أربع و عشرين بالساعة، تقسيم ستين بالدقيقة، ستين بالثانية، سرعة الضوء، الآية:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[ سورة الحج: 47]

 أنشتاين ملأ الدنيا، أنا أذكر مرة كنت بأمريكا ومعي صورة صورت تمثال أنشتاين من البرونز، الصورة دقيقة لدرجة كأنه سينطق، وقفت جانبه، وصورني شخص مع النصف الثاني، يقول هذا العالم: كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون، عليمة هي أعلم ما تكون، رحيمة هي أرحم ما تكون، هو إنسان حي و لكنه ميت.
 لذلك الله ماذا قال يوم القيامة؟

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الأنعام: 23 ـ 24]

 الحق أبلج، والباطل لجلج.
 إذاً التفكر في خلق السماوات و الأرض.

 

التفكر في جسم الإنسان :

 عفواً كأس الماء الذي أمامك الكون كله بالتبريد ينكمش، صلب، مائع، غاز، بالتسخين يتمدد، إلا الماء، لولا هذه الخاصة لما كان هناك هذه الجلسة، و لا هذه المدينة، و لا يوجد تركيا كلها، و لا الشرق الأوسط كله، ما هذه الخاصة؟ هذا الماء تسخنه للأربعين يسخن، برده، خمس و ثلاثون، ثلاثون، خمس و عشرون، عشرون، خمس عشرة، خمس، أربع، يزداد حجمه، لولا هذه الظاهرة لما كان هناك حياة بالأرض كلها، لو تابع انكماشه تزيد كثافته، تغوص الثلوج بأعماق البحار، يلغى التبخر، تلغى الأمطار، تموت النباتات، يموت الحيوان، يموت الإنسان، من أعطى هذا الاستثناء؟ من؟ يد من؟
 و الله في جسم الإنسان يا أخوان شيء لا يصدق، كل شعرة برأسك، كم شعرة برأسك؟ ليس الكل طبعاً، يوجد ثلاثمئة ألف، لكل شعرة وريد، وشريان، و عصب، و عضلة، و غدة دهنية، وغدة صبغية، لكل واحد.
 القلب عندما يضخ، قلب الجنين يضخ الدم، لكن لا يوجد بالجنين هواء، هل يوجد هواء؟ هل هناك رئة تعمل؟ يوجد رئة لكن لا تعمل، عند الولادة تأتي جلطة تغلق الثقب، الله فتح ثقباً بين أذينين، كشفه عالم فرنسي اسمه بوتال، تأتي جلطة تغلق الثقب، إن لم يسد هذا الثقب، لي صديق حميم، أستاذ علوم بالشام، ابنته الثقب لم يسد عندها، كلفته العملية خمسمئة ألف، بالجنين لا يوجد هواء، و التنفس معطل، الله فتح ثقباً بين الأذينين، كشفه عالم فرنسي اسمه بوتال، عند الولادة تأتي جلطة تغلق الثقب، لو لم يغلق العملية تكلف خمسمئة ألف قلب، يصبح القلب مفتوحاً فيصير معه داء الزرق، يد من؟
 الطفل الآن ولد يقرب شفتيه من ثدي أمه يحكم الإغلاق، يسحب الهواء يأتيه الحليب، من عمل هذا الشيء؟ هذا اسمه بالعلم الفيزيولوجي منعكس.
 راكب سيارة عامة، شخص معه دخينة مشتعلة، إن أصابك نار منها تسحب يدك فوراً، سحب اليد ليس بأمر من الدماغ، هذا منعكس، الطفل الآن ولد، يضع فمه على ثدي أمه، يحكم الإغلاق، يسحب الهواء، يأتيه الحليب، لولا هذا المنعكس لما كانت هذه الجلسة، و لا تركيا كلها، و لا أي مكان بالأرض، منعكس المص وحده، هذا الطفل يسحب الحليب، لماذا بأول يوم بالرضاعة تأتي مادة سوداء؟ لأن الأمعاء مغطاة بشحم أسود، أول يومين أو ثلاثة مادة تذيب الشحم الأسود، يا أخي و الله شيء لا يصدق، أقسم لكم بالله:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر: 28]

 إنما أداة قصر وحصر، العلماء وحدهم يخشون الله، لذلك: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، و إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، و إذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، و يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، أما العالم فيؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً.
 آخر نقطة، اجلس إلى الطعام و أنت تشتهيه، و قم عنه و أنت تشتهيه.
 الآن بالعين، يوجد آلات تصوير هنا؟ الاحترافية، السوني، أو كانون، مكان تلقي الضوء يوجد بالميليمتر المربع عشرة آلاف مستقبل ضوئي، شبكية عينك يوجد بالميليمتر المربع مليون مستقبل ضوئي، طبعاً هو بالميلي والثلث يوجد مليون وثلاثمئة ألف، شيء لا يصدق مثلاً لو كانت عين واحدة، ما هي الآية:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[ سورة البلد: 8]

 بعين واحدة يرى الطول و العرض فقط، لا يمكن أن تضم إبرة بعين واحدة، بالعينين يوجد بعد ثالث.
 أقسم لكم بالله: ممكن أن أتكلم عشر ساعات بالجسم فقط، إذا لم تر عظمة الله بجسمك، فكر بجسمك يا أخي، فكر بالطعام، بالشراب، بجهاز الهضم، يمر الدم بالكليتين مئة كيلو متر باليوم، هل تصدقون هذا؟

 

آيات الله طرق سالكة إليه :

 يا أخوان هذا الدين عظيم، ويحتاج إلى آيات، دقق:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 6 ]

 أي لا يوجد طريق سالك إلى الله إلا الآيات، كم نوع الآيات؟ آيات كونية خلقه، آيات تكوينية أفعاله، آيات تكوينية كلامه، الكونية تفكر، التكوينية نظر.

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 137]

 لي صديق قاض، حدثني قال لي: بيت بأرقى أحياء دمشق مات صاحبه، جاء إنسان أبرز عقد شراء قبل سنوات، و العقد متقن جداً، لن أقول أنه صحيح، لكن لا يوجد مأخذ عليه، فالقاضي لا يوجد عنده حل، شخص معه ملكية رسمية، فدعاه لحلف اليمين، وضع يده على المصحف وحلف اليمين، و رفعها، و لم ينزلها، القاضي غضب، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً، هذه:

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾

[ سورة آل عمران: 137]

 ما معنى الفاء؟ للترتيب على التعقيب.
 قصة ثانية بالشام؛ شخص متهم بقتل إنسان، وضعوا الحبل برقبته، قال قبل أن يشنق: أنا لم أقتل هذا الذي اتهمت بقتله، لكنني قتلت شخصاً من ثلاثين سنة:

﴿ فَانْظُروا ﴾

[ سورة آل عمران: 137]

 و الثانية:

﴿ ثُمَّ انْظُرُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 11]

 هذه أفعال الله عز وجل، و القرآن تدبر.

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾

[ سورة الأنعام: 115]

 أي يا عبادي بيني و بينكم كلمتان: منكم الصدق و مني العدل، تتفاوتون عندي بصدقكم وأنا أعدل بينكم.

 

العلم اليوم بيد كل إنسان :

 أخواننا الكرام؛ ألا يوجد عندك أنت كمبيوتر؟ عندك، تعرف الحج غوغل؟ كلكم تعرفونه، اسمي على الحج غوغل، عندي موقع من فضل الله الأول بالعالم، ترتيبه عشرون ألفاً على ملياري موقع، يدخل له كل يوم مليونا شخص، يسحب منه عدة ملايين، فيه تسع لغات، هناك صوت، وفيديو، ونص ببي إس، أو وورد، الوورد تستطيع أن تعدل أنت كداعية، تحذف وتضيف، قبل أن تنام اسمع درساً، إن أردت أن تراه فيديو تضعه على الشاشة، إن أردت أن تريه لأهلك لا مانع، تريد نوعية إذاعية، يؤخذ مجاناً كله، أنا لا يوجد عندي شيء له ثمن، كله حر، و الموقع بين أيديكم، الحج غوغل ضع اسمي، الاسم فقط، كله بين أيديكم، تستطيع أن تسحب أي شيء تريده، أربعة و ستون كتاباً من الموقع بكبسة زر تتابع الدرس كله عندك، بأكمله، سحب كتب، فيديو، صوت، نص ببي إس، نص وورد، بين يديك.
 فالآن العلم، ماذا قال النبي؟

(( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار))

[الطبراني والإمام أحمد عن تميم الداري]

 بالليل و النهار معاً.