مختلفة - المغرب : 9 - الجانب الإنساني من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2019-11-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الجانب الإنساني من شخصية النبي صلى الله عليه وسلم :

 أيها الأخوة الأكارم؛ أيتها الأخوات الفضليات؛ أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم.
 الموضوع الذي طلب مني أن أعالجه الجانب الإنساني من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
لذلك ننتقل في هذا اللقاء الطيب من رحمته إلى عدله، ومن محبته إلى سموه، ومن أدبه إلى حرصه، إننا معشر المسلمين نرى في هذا النبي الكريم محمد عليه أتم الصلاة والتسليم الإنسان الحاني، الرحيم، الذي لا تفلت من قلبه شاردة من آلام الناس وآمالهم إلا لباها، ورعاها، وأعطاها من ذات نفسه كل اهتمام وتأييد.
 نرى في هذا الإنسان الذي يكتب إلى ملوك الأرض طالباً إليهم أن ينبذوا غرورهم الباطل، ثم يصغي في حفاوة ورضا إلى أعرابي حافي القدمين، يقول في جهالة: اعدل يا محمد فليس المال مالك ولا مال أبيك.
 نرى فيه العابد الأواب، الذي يقف في صلاته يتلو سورة طويلة من القرآن الكريم في انتشاء وغبطة، لا يقايض عليها بملء الأرض تيجاناً وذهباً، ثم لا يلبث أن يسمع بكاء طفل رضيع كانت أمه تصلي خلفه في المسجد، فيضحي بغبطته الكبرى، وحضوره الجياش، وينهي صلاته على عجل رحمةً بالرضيع الذي كان يبكي، وينادي أمه ببكائه.
 نرى فيه الإنسان الذي وقف أمامه جميع الذين شنوا عليه الحرب والبغضاء، وقفوا أمامه صاغرين، ومثلوا بجثمان عمه الشهيد حمزة، ومضغوا كبده في وحشية ضارية، ويقول لهم وهو القادر على أن يهلكهم، وأن يلغي وجودهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
 نرى فيه الإنسان الذي يجمع الحطب لأصحابه في بعض أسفارهم ليستوقدوه ناراً تنضج لهم الطعام، ويرفض أن يتميز عليهم.
 نرى فيه الإنسان الذي يرتجف حينما يرى دابة تحمل على ظهرها أكثر مما تطيق.
 نرى فيه الإنسان الذي يحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله.
 نرى فيه الإنسان وهو في أعلى درجات قوته، يقف بين الناس ويقول: من جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه، صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، نشهد أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.

رحمته صلى الله عليه وسلم :

 أما عن رحمته صلى الله عليه وسلم فقال:

(( إنما أنا رحمة مهداة ))

[الحاكم عن أبي هريرة ]

 وقد روى عن ربه في الحديث القدسي الصحيح:

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي))

[ حديث قدسي]

 
وبيّن صلى الله عليه وسلم أن الراحمين يرحمهم الله، وأرشد المؤمنين إلى التزام الرحمة فقال لهم:

((ارحَمُوا مَن في الأرض يرحمْكم من في السماءِ ))

[الترمذي وأَبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]

 وبيّن أيضاً أن الرحمة خير من الإفراط في العبادة، فقد خرج صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى مكة في رمضان، حتى بلغ موضعاً يدعى كراع الغنيم فصام، وصام الناس، ولما رأى صلى الله عليه وسلم بعض الناس قد شقّ عليهم الصيام بسبب وعثاء السفر دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، ولما قيل له: إن بعض الناس لا يزال صائماً، قال: أولئك العصاة، أن تأخذ بالرخصة هذا أدب مع الله.
 رجل يسرع الخطا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يغشاه الشوق الكبير، وتغرمه الفرحة العارمة، ليبايع النبي الكريم على الهجرة معه، وعلى الجهاد في سبيل الله تحت رايته يقول له: يا رسول الله، أبايعك على الهجرة والجهاد، وتركت والدي يبكيان، فيقول عليه الصلاة والسلام: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما.
 إن بسمة تعلو شفة أب حنون، وتكسو وجه أم متلهفة لا تقدر بثمن عند سيدنا محمد، حتى عندما يكون الثمن جهاداً في سبيل الله يثبت دعوته، وينشر الحق في الآفاق البعيدة، وحينما تتم العبادة على حساب رحمة الوالدين تتحول إلى عقوق، والنبي صلى الله عليه وسلم يركز على الرحمة تركيزاً شديداً كلما اشتدت الحاجة.

 

قانون الولاء والبراء :

 أخواننا الكرام؛ آية واحدة مهمة جداً:

﴿ فَبِمَا ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

 هذه باء السبب.

﴿ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

 أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك لنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، وأحبوك، ونصروك، وأنت أنت بالذات:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

 هذا قانون الولاء والبراء، اتصال، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، غلظة، انفضاض، هذا الكلام يحتاجه الأب، والأم، والمعلم، والمدرس، وأستاذ الجامعة، ورئيس الدائرة، يحتاج هذا النظام من الخفير إلى الأمير.
 وحينما تتم العبادة على رحمة الوالدين تتحول إلى عقوق.

 

الرحمة فوق الفضائل كلها :

 هؤلاء المساكين الذين تسوقهم ضرورات العيش إلى الدين، ثم يعجزهم قلة الدخل عن السداد، فيعانون من أجل الدين هماً في الليل وذلاً في النهار، هؤلاء النبي الكريم يأسو جراحهم لكنه لا يملك أن يقول للدائن: تنازل عن حقك، فمحمد صلى الله عليه وسلم خير من يصون الحقوق، لكن يهب الدائن شفاعته، وقلبه، وحبه، إذا هو أرجأ مدينه وصبر عليه، حتى تحين ساعة فرج قريب، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرا، أَو وَضَع له، أَظَلَّهُ الله يومَ القيامة تحت ظِلِّ عَرشه، يومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلّه ))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر))

[أحمد وأبو يعلى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]

 
بل يجعل النبي الكريم الرحمة فوق الفضائل كلها، فيجعل الرحمة فوق الفضائل الإنسانية كلها، فيجعل كل عمل رحيم عبادة، من أزكى العبادات، عدّ النبي الكريم أعمالنا الرحيمة التي نسديها للآخرين إنما يراها الله قربات تتوجه إلى ذاته العلية، لذلك قالوا: عادات المؤمن عبادات، كسب ماله، إنفاق ماله، رعاية أولاده، علاقته بزوجته، عادات المؤمن عبادات، حركته في اليوم، في إنفاق ماله، في علاقته بوالديه، عاداته كلها عبادات، بينما عبادات المنافق سيئات.
 أخواننا الكرام:

(( من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر))

[أحمد وأبو يعلى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]

 شيء دقيق جداً: عدّ النبي أن الأعمال الرحيمة التي نسديها للآخرين إنما يراها الله قربات توجه إلى ذاته العلية، كيف؟ إذا زرت مريضاً فإنما أنت تزور الله، إذا أطعمت جائعاً فكأنما تطعم الله، يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

(( يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده؟ يا بنَ آدمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطعمني، قال: يا رب، كيف أطعِمُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنه استطعمكَ عبدي فلان فلم تُطْعِمْهُ، أمَا علمتَ أنَّكَ لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 يوجد ملمح لطيف: وجدتني عنده، وجدت ذلك عندي، معنى هذا أن عيادة المريض من أعظم القربات إلى الله.
 ويصور النبي الكريم رحمته بصورة باهرة، أخاذة، حينما رأى أماً تضم طفلها إلى صدرها في حنان بالغ، ورحمة فائقة، فالتفت إلى أصحابه وقال لهم:

(( أَتَرَونَ هذه المرأَةَ طارِحَة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: الله أرحَمُ بعباده من هذه المرأة بوَلَدِها ))

[متفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه]

((ارحَمُوا مَن في الأرض، يرحمْكم من في السماءِ ))

[أخرجه الترمذي وأَبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]

 ذات يوم تقدم أعرابي في غلظة وجفوة، وسأله مزيداً من العطاء، وقال له: اعدل يا محمد، ويبتسم عليه الصلاة والسلام، ويقول له: ويحك يا أعرابي من يعدل إن لم أعدل؟

 

النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر :

 هذا النبي الكريم وصل قمة الكمال البشري، هو النموذج البشري، لكن ملمح لابد منه:

﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 43]

 لِمَ؟

﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾

[ سورة عبس: 1]

 مع أنه عتب له لا عليه، لأن حمل نفسه فوق طاقتها، ليكون هناك فرق جلي واضح بين مقام الألوهية المطلق ومقام البشرية.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾

[ سورة الكهف: 110]

 وكلمة دقيقة جداً: لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر، قال:

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

الابتلاء علة وجودنا الوحيدة في الدنيا :

 
أخواننا الكرام؛ حقيقة مهمة، علة وجودنا الوحيدة في الدنيا الابتلاء، هو:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك:2]

 والبطولة ليس ألا تبتلى، بل أن تنجح في الابتلاء.
 أخواننا الكرام؛ قال: ويحك يا أعرابي من يعدل إن لم أعدل؟
 يوجد شيء دقيق، كان من الممكن أن يعيش الكفار في كوكب آخر، لا يوجد جهاد، ولا مشكلات، ولا متاعب إطلاقاً، أو كان من الممكن أن يعيشوا في قارة خاصة، أو في حقبة خاصة، ولكن جلّ جلاله أراد أن نعيش معاً على أرض واحدة، وفي زمن واحد، لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، ولأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية.

 

العصور ثلاثة عصر مبادئ و عصر أشخاص و عصر أشياء :

 أيها الأخوة الكرام؛ النبي الكريم كان مع أصحابه لمعالجة شاة ليأكلوها، قال أحدهم: عليّ ذبحها، وقال الثاني: وعليّ سلخها، وقال الثالث: وعليّ طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقال أصحابه: يا رسول الله نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.
 
لقطة ثانية: في معركة الصحابة ألف، والرواحل أي البعير ثلاثمئة، فقال، أمر من الرسول العظيم، والنبي الكريم، والزعيم القوي، ومن قائد الجيش: كل ثلاثة على راحلة- أمر- وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، سوّى نفسه مع جندي، فركب النبي الكريم الناقة فلما انتهت نوبته جاء دوره في المشي، فتوسل صاحباه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر.
 للتقريب؛ صحابته الكبار سيدنا الصديق من عادته أن يخدم جارته الضعيفة بحلب شياهها، فكان كل يوم يطرق الباب ليحلب الشياه، فلما أصبح خليفة المسلمين، أصبح رأس الهرم، طرق باب الجارة صباحاً، فالأم قالت لحفيدتها: افتحي يا بنيتي الباب، فلما فتحته، قالت: من الطارق؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه، سيدنا الصديق، هؤلاء الصحابة قمم، أعلام، نجوم، منهج لنا جميعاً، النبي الكريم أوتي جوامع الكمالات، وكل صاحب له كمال.
 جاء ملك الغساسنة في عهد عمر مسلماً، أثناء الطواف حول الكعبة بدوي من فزارة داس طرف ردائه، فانخلع الرداء عن كتفه، هو ملك، جبلة بن الأيهم، ضربه ضربة هشمت أنفه، الوقت أثناء الحج، هذا الأعرابي من الطبقة الدنيا، من دهماء الناس، من سوقتهم، من عامتهم، والخلاف مع ملك الغساسنة، فسيدنا عمر استدعى جبلة، وقال له: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن ينكر شيئاً، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، قال: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك- لجبلة بن الأيهم- وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير؟! هو سوقة، من دهماء الناس، من عامتهم، من الطبقة الدنيا الدنيا، وأنا عرش وتاج! كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال له سيدنا عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، قال: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، فقال: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 هذا العصر عصر مبادئ، ما الذي جاء بعده؟ عصر الأشخاص.
 سيدنا صلاح الدين الأيوبي، له أخ اسمه شيركو، قال له: لو أبرزت كرديتك؟ قال له: والله لولا أنك أخي لقتلتك، أنا مسلم ولا أزيد على إسلامي شيئاً.
 هذا عصر الأشخاص، العصر الحالي عصر أشياء، مكانتك من مساحة بيتك، مكانتك من نوع سيارتك، يوجد مرسيدس 600، وهناك 180، و300، من أعلى درجة، يستمد الإنسان مكانته من مركبته، من بيته، من وظيفته، نحن في عصر الأشياء.

الأمة الإسلامية لا تموت :

 لكن بشارة لكم جميعاً:

(( اشتقت لأحبابي، فقال الصحابة الكرام: أو لسنا أحبابك، قال: لا، أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجرهم كأجر سبعين، قال: منا أم منهم؟ قال: بل منهم، لأنكم تجدوا على الخير معواناً ولا يجدون))

[ورد في الأثر]

((مثل أمتي كالمطر، يجعل الله في أوله خيراً وفي آخره خيراً ))

[الطبراني عن عمار بن ياسر رضي الله عنه]

 
الآن محصول العصير عبارة عن ثلاث و ثلاثين صفيحة زيت، أراد أن يبيعها في القدس، الذي على الحاجز من بني صهيون، قال له: هذه الكمية لا تمر إلا بضريبة، دققوا، قال: ما الضريبة؟ قال: أن تسب محمداً، قال له: والله لا أفعل، فجاء هذا الجندي ضرب على كل صفيحة رصاصة واحدة من الأسفل حتى سال الزيت كله، يقول صاحب الزيت: والله سال دمي معه، هذه الكمية أقساطه، أقساط أولاده، طعامه، شراب، أجوره، مصروف سنة، ثلاث و ثلاثون صفيحة زيت، وعاد إلى قريته، المفاجأة! وجد في البيت ثلاثاً و ثلاثين صفيحة زيت، علم من حوله بالقصة، وعوضوه عليها.
 هذه الأمة لا تموت، لكنها تضعف أحياناً، لذلك دعا سيدنا عمر قال: إن لصاحب الحق مقالاً، يتكلم، دعوة يتكلم.

(( كلُّ المسلمِ على المسلم حَرَام: دمُهُ، وعِرْضُهُ، ومَالُهُ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 وأن زوال الدنيا جميعاً أهون على الله من دم سفك بغير حق.

((إنَّما أَهلك الذين قبلكم أنَّهمْ كانوا إذا سَرقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ. وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا ))

[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين]

 عظمة هذا الدين الشرع فوق الجميع، كائناً من كان.

((وإِنكم تختصمون إِليَّ ))

[متفق عليه عن أم سلمة أم المؤمنين]

 الآن دقق، ما قولك معك فتوى من سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، إن كنت غير محق بها، لن تنجو من عذاب الله، اسمع يقول عليه الصلاة والسلام:

(( وإِنكم تختصمون إِليَّ، ولَعَلَّ بعضكم أن يكونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحَقِّ أخيه، فإنما أَقْطَعُ له قطعة من النَّار))

[متفق عليه عن أم سلمة أم المؤمنين]

 اطلعت على قصة سريعة جداً لقاض في عصر بني أمية، تقدم إليه خصمان، الأول قدم له طبقاً من التمر في بواكيره فرده، قال: في اليوم التالي تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم لي الطبق، مع أني لم آخذه، فكيف لو أخذته؟ كان النبي يقول:

((أرحنا بها يا بلال ))

[الطبراني عن رجل من الصحابة ]

 مسافة كبيرة جداً بين أرحنا بها، وبين أرحنا منها.

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
فأيسر مافي الحب للصب قتـلـه  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـــا
***

الدين منهج تفصيلي :

 أخواننا الكرام؛ النبي حينما ذهب إلى الطائف ودعاهم إلى الله أذوه، وأغروا صبيانهم بقتله، وسال الدم من قدمه الشريفة، جاءه ملك الجبال:

 

(( قال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده))

 

[ متفق عليه عن عائشة]

 لذلك القضية سنة، منهج تفصيلي، يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، العبادة الشعائرية صلاة، صوم، حج، زكاة، شهادة.

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 هذا المنهج التفصيلي الذي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية.
 حفظ الله لكم إيمانكم، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، واستقرار بلادكم.