مختلفة- لبنان - المحاضرة : 59 - طرابلس - ثانوية روضة الفيحاء - أثر الإيمان في تربية الأجيال 1 - الشباب مستقبل الأمة وقوتها.

2019-04-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الشباب مستقبل الأمة و قوتها :

 
أيها الأخوات الفضليات؛ أيها الأخوة الأكارم؛ أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم، وإن وجدتم في كلمتي تلك ما كنتم تتوقعون فالفضل لله وحده، وإلا فحسبكم الله ونعم الوكيل.
 الشباب أمل الأمة، الشباب مستقبل الأمة، الشباب قوة الأمة، الشباب درع الأمة، وريح الجنة في الشباب، وما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب، وإن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي.
 لو مثلنا الأمة بمركبة، الشباب بقوة اندفاعهم، وحيويتهم، هم المحرك والوقود، والشيوخ الربانيون بعلمهم وحكمتهم هم المقود والموجه، والشرع الحنيف بحكمته ودقته هو المنهج والطريق، فإذا انطلقت الأمة بقوة شبابها، واندفاعهم، وبتوجيه شيوخها، وحكمتهم، وبوضوح الطريق المشرق، واقتداءً بمنهج سنة النبي فهذه هي الأمة المختارة، في قرونها الخيرية الأولى.

قراءة القرآن حق التلاوة :

 لذلك كما قال النبي الكريم:

((تَسْمَعونَ ويُسْمَعُ منكم، ويُسمَعُ ممن يَسْمَعُ منكم))

[أبو داود عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما]

 هناك ثلاثة قرون أولى هي النخبة، والتي حفظها الله تعالى، فلذلك انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة النساء: 59]

 قبل أن أتابع، في القرآن أكثر من مئتي و خمسين آية يا أيها الذين آمنوا، بربكم أيها الشباب والشابات، إن قرأتم هذه الآيات هل تشعرون بأعماقكم أنكم معنيون بهذه الآية؟ الله عز وجل قال:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة: 121]

 
ما حق تلاوته؟ أن تقرأه بلغة عربية صحيحة، وقال سيدنا عمر: تعلموا العربية فإنها من الدين.
 وأن تقرأه إن أمكن قراءة مجودة، وأن تفهم هذه الآيات، وأن تتدبر هذه الآيات، أين أنا من هذه الآية؟ هل أنت مطبق لها أم أنت في قيد التطبيق أم أن هذه الآية لا تعنيك؟ لذلك التدبر، أو أن تقرأ القرآن حق قراءته.

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة: 121]

 أن تقرأه قراءة صحيحة، بلغة صحيحة، إذاً: تعلموا العربية فإنها من الدين.
 الشيء الثاني: القراءة إن أمكن قراءة مجودة، الإدغام، والإقلاب، والمدود.
 الشيء الثالث: أن تفهم الآيات.
 الشيء الرابع: أخطر شيء أن تتدبر هذه الآيات، أين أنت منها؟ مطبق، غير مطبق مقصر، متألم، نادم، لا تبالي؟ كلها مواقف.
 فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، هذا القرآن كتاب معجز، كتاب خالق الأكوان، وحي السماء والأرض.

 

طاعة الله و الرسول و أولي الأمر:

 إذاً انطلاقاً من قوله تعالى دقق:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 في قرآنه، والقرآن فيه كليات.

﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 عندما قال ربنا:

﴿ وَأَطِيعُوا ﴾

[ سورة النساء: 59]

 النبي الكريم يطاع استقلالاً، والدليل:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7]

 لكن ما قال الله: وأطيعوا أولي الأمر منكم، قال: أطيعوا الله بقرآنه، وأطيعوا النبي عليه الصلاة والسلام في سنته.

﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 تبعاً، لذلك هنا نقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أولي الأمر أي الذي أوكل لهم الأمر، إما بياناً أو قرآناً .

﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 لذلك طاعة أولي الأمر ليست كطاعة رسول الله، طاعة النبي الكريم استقلالاً، أما أولي الأمر فتبعاً.

ما من مشكلة نعاني منها إلا ولها حلّ في كتاب الله أو سنة رسوله :

 الآن:

﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 
شيء، والمطلق على إطلاقه، في أي شيء، في أي موضوع، في أي قضية.

﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 هل يعقل أن يحال القضاء إلى مرجعين اثنين فيهما إشارة لكل مشكلة في الأرض وإلى يوم القيامة ثم لا نجد حلاً لهذه المشكلة؟ مستحيل، وألف ألف ألف مستحيل! ما من مشكلة نعاني منها، صغيرة أو كبيرة إلا ولها حل في كتاب الله، علمه من علمه، وجهله من جهله.
 لذلك قالوا: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.
 وما لم نر اليوم إسلاماً يمشي أمامنا، إن تكلم فهو صادق، إن عاملته فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف.

 

قواعد الدعوة إلى الله :

 أنا أرى الآن أن القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، والأصول مع الفروع، والمبادئ لا الأشخاص، والمضامين لا العناوين، هذه قواعد الدعوة إلى الله، لذلك الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، مثل واحد حقيقي لبني البشر أبلغ من ألف مقالة، إذاً:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 كلاهما استقلالاً، أما أن تطيعوا أولي الأمر فتبعاً، طبعاً أولو الأمر ينبغي أن يعطون الأمر من الكتاب والسنة، إن كان مناقضاً لهما:

((لا طاعةَ في معصية الله))

[متفق عليه عن علي بن أبي طالب]

 لقد عبر عن هذا المنهج الرباني، والسلوك الرحماني عبر عنه الصادق المصدوق في قوله:

((إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي))

[الحاكم عن أبي هريرة]

القيم و المبادئ في تاريخ الصحابة :

 أخواننا الكرام؛ شاب في السابعة عشرة من عمره، هو أسامة بن زيد، يقود جيشاً فيه كبار الصحابة- موضوعنا عن الشباب- قائد جيش فيه كبار الصحابة، قائده شاب، أسامة بن زيد، ومعه بعض أهل الصحابة، وكان فيهم أبو بكر الصديق عملاق الإسلام، فهو يركب ناقة قائد الجيش، والصديق يمشي، قال: والله يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن؟ قال: والله لا ركبت ولا نزلت، وما عليّ أن تغبر قدماي ساعة في سبيل الله.
 ما هذا التواضع؟! أقسم لكم أيها الأخوة أن في تاريخ الصحابة من الأنوار والمبادئ والقيم ما لا يصدق.
 
إن الله اختارني واختار لي أصحابي.
 ونحن حينما نقرأ عن أصحاب رسول الله نرى ثماراً يانعة نادرة، صحابي شديد، صحابي لين، صحابي مقدام، صحابي متردد، هؤلاء الصحابة يمثلون النماذج البشرية، أما النبي الكريم فجمعت فيه كل الكمالات، الكمائل كلها في رسول الله، كل صحابي له موقف.
 غلام صغير يقف أمام حفرة، يقول له الفقيه الكبير أبو حنيفة النعمان: إياك يا غلام أن تسقط، يقول له هذا الصغير: بل إياك يا إمام أن تسقط، إني إن سقطت في هذه الحفرة سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم.
 لذلك العلماء إذا قالوا شيئاً لا يليق بهم، أو لا ينبغي أن يقولوه سقطوا، وإذا سقطوا سقطت معهم المصداقية، والناس يعذرون كل البشر إلا العلماء، هؤلاء قدوة الأمة، هؤلاء ينوبون عن الأنبياء في تبليغ الرسالة، لذلك أخطر شيء أن تزلزل هذه القدوة.
 دخل وفد الحجازيين، تقدمهم غلام صغير، قال له الخليفة: اجلس أيها الغلام، وليقم من هو أكبر منك سناً، فقال هذا الغلام بجرأة ما بعدها جرأة: أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام، وأن كان الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك في هذا المجلس.
 لقد أصابتنا سنة أذابت الشحم، وإني ذكرتها للتأكيد على أن أية وظيفة في العالم الإسلامي يجب أن يتوافر في صاحبها الخبرة والولاء، العلم والإخلاص، صفتان لا بد من أن نرعاهما.

العصور ثلاثة ؛ عصر البطولات و عصر الأشخاص و عصر الأشياء :

 نحن في عصر بطولات، وجاء بعد هذا العصر عصر الأشخاص، وجاء بعد هذا العصر عصر الأشياء.
 مثلاً سيدنا عمر استقبل ملك الغساسنة جبلة بن الأيهم، ملك، طاف حول الكعبة، بدوي عن غير قصد داس طرف ردائه، فانخلع الرداء عن كتفه، فما كان منه إلا أن ضرب هذا الأعرابي البدوي ضربة هشمت أنفه، وكان هذا في أيام الحج في مكة، شكاه إلى عمر، استدعى عمر ملك الغساسنة جبلة بن الأيهم، وقف أمامه، بالتعبير المعاصر مواطن عادي من عامة الناس، من دهماء الناس، فقال له سيدنا عمر- هناك من صاغ الحوار شعراً توفي رحمه الله-ك أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن ينكر شياً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي، فقال سيدنا عمر: أرضِ الفتى لابد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك- يخاطب من؟ ملك الغساسنة- وتنال ما فعلته كفك، صعق قال: وكيف ذاك يا أمير؟ هو سوقة- بالتعبير المعاصر من عامة الناس، من الدهماء- وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ فقال له عمر: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، قال: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
هذا عصر مبادئ، وقيم، وهناك عصر آخر عصر أشخاص.
 صلاح الدين الأيوبي واجه سبعة عشر جيشاً أوروبياً واتنصر عليهم، والله شيء لا يصدق له أخ اسمه شيركو قال له: يا صلاح الدين لو أبرزت كرديك؟ - أنت كردي ولست عربياً- قال له: والله لولا أنك أخي لقتلك، أنا مسلم، ولا أزيد على إسلامي شيئاً، هذه الأمة الله عز وجل وصفها بأنها:

﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :

 ما خيريتها؟ ما سبب خيريتها؟ قال:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 
علة خيريتها أنها تأمر بالمعروف، وما المعروف؟ المعروف سمي معروفاً لأن الفطر السليمة تعرفه ابتداءً.
 إذا شخص له والدة جائعة، أحضر طعاماً وأكله وحده، لو لم يتلق من أي جهة بالأرض توجيهاً دينياً يشعر بكآبة، هذه فطرة.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم: 30]

 أي ما من أمر الله أمرنا الله به إلا وجبلنا أو برمجنا بالتعبير المعاصر أو فطرنا عليه.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم: 30]

 وما من أمر نهانا الله عنه إلا برمجنا، ولفنا، وفطرنا على كراهيته، والدليل:

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات: 7]

ضيق القلب عاقبة من أعرض عن ذكر الله :

 كان عندنا دكتور في الجامعة من كبار علماء النفس، قال: في العالم الغربي مئة و اثنان و خمسون بالمئة نسبة الكآبة، والله ما فهمتها منه، قال: مئة معهم كآبة، واثنان وخمسون يعانون من كآبتين، لمجرد أن تعصي الله معك كآبة، شعرت بضيق أم لم تشعر.
 شخص سأل: معيشة الضنك كيف نفهمها مع الملوك والأمراء؟ قال: ضيق القلب.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه:124]

 هذه معروفة عند عامة الناس، عند ملك، أو أمير، أو كبير، بيل غيتس مثلاً، جوبز يملك سبعمئة مليار، كيف نفهم هذه المعيشة الضنك عند الأقوياء والأغنياء؟ فكان الجواب: ضيق القلب.

 

التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :

 المؤمن عنده سعادة، والله لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، ما هي هذه السعادة؟
تشعر أنك مع الله، مع القوي، مع الغني، مع الكبير، مع الحليم، مع الرحيم، مع الهادي، أنت مع الذات الكاملة، مع الذات الإلهية، أصل الكمال، والجمال، والنوال، أنت معه، وإذا كنت معه فمن عليك؟ من يجرؤ أن يقف ضدك؟ بالتعبير المعاصر وحوش كاسرة، سباع جائعة، لكن كل هذه الوحوش مربوطة بأزمة متينة من قبل جهة رحيمة وعادلة، علاقتك مع الوحوش أم مع الجهة التي بيدها الوحوش؟ هذا التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ألا ترى مع الله أحداً، لا معطي، ولا مانع، ولا رافع، ولا خافض، ولا معز، ولا مذل، هذا معنى لا إله إلا الله، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، هل يعقل أن تضغط دعوة الأنبياء جميعاً بكلمتين؟ إليكم الآية:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ ﴾

[ سورة الأنبياء:21]

 فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:

﴿ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء:21]

 العلماء قالوا: لا إله إلا الله نهاية العلم، والعبادة نهاية العمل.

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء:21]

أولادنا الورقة الرابحة الوحيدة في أيدينا :

 أخوتنا الكرام؛ عبارة ذكرتها قبل، وأنا في الطريق تذكرتها: كيف نواجه القنبلة الذَّرية؟ قال: بقنبلة الذُّرية، أولادنا الورقة الرابحة الوحيدة في أيدينا، أو بتعبير آخر: لم يبقَ يأيدي المسلمين اليوم من ورقة رابحة إلا أولادهم، ابنك امتدادك.

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الطور:21]

 ألحقنا بهم ذريتهم، أي ألحقنا بهم أعمال ذريتهم، أعمال الابن والبنت إلى نهاية الحياة في صحيفة الأب والأم، أكبر تجارة مع الله.

 

كلما ارتقى مقامك اتسعت رؤيتك :

 لذلك الشباب أمل الأمة، سقف مطالبهم فرصة عمل، والذي عنده عمل، وعنده ضغط عمل هذا يقوم بأعظم عمل.
 
أخ من أخواني الكرام عنده معمل، استأذنني أن يغلق المعمل، قلت له: كم عامل عندك؟ قال: أربعة و ثمانون، قال لي: لا يوجد ربح إطلاقاً، قلت له: أنت تفتح أربعة و ثمانين بيتاً، إذا في كل بيت خمسة أشخاص تطعم خمسمئة إنسان دون أن تشعر، يسكنون ببيوت، يأكلون ويشربون، هذا العمل كبير، كلما ارتفع مقامك اتسعت رؤيتك.
 أنا مرة كنت قادماً من المغرب إلى سوريا بالطائرة، الطيار كان تلميذي قديماً وضعني في غرفة القيادة، فدخلنا إلى سوريا والله رأيت بعيني هذه طرطوس وصيدا، خمسمئة كيلو متر بنظرة واحدة، فتعلمت درساً بالغاً: كلما ارتقى مقامك اتسعت رؤيتك، وكلما ارتقى مقامك اتسعت عاطفتك.
وقف النبي بجنازة، تعجب أصحابه! قالوا: هذا ليس مسلماً، قال: أليس إنساناً؟
 أحياناً الإنسان ينتمي إلى نفسه فقط، هذا أحقر إنسان، هناك إنسان مع أسرته، مع عائلته، مع أهل بلده، مع قومه، مع أمته، مع الإنسانية كلها، الأنبياء إنسانيون، كلما اتسعت دائرة انتمائك واهتمامك أنت أرقى عند الله.

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

 أخواننا الكرام؛ هؤلاء الشباب، بالكلمة الصريحة، والواقعية سقف مطالبهم متواضعة، فرصة عمل، مع فرصة العمل مسكن صغير عبارة عن ستين متراً، زوجة، هذه أقصى مطالبهم، فإذا أمنت له هذه المطالب كان هؤلاء الشباب مثلك أيها المؤمن.
 لذلك أنا أقول: إن لم تؤمن لهم هذه المطالب نحن نواجه تطرفين، تطرف تشددي تكفيري، وتطرف تفلتي إباحي، أنت أمام تطرفين تشددي، أو تفلتي، لذلك أعظم عمل أن تؤمن فرص عمل للشباب.
 والله أعرف شخصاً بالشام أراد أن يعمل عملاً صالحاً لكن بذكاء بالغ، أنشأ أربعة أبنية، كل بناء تقريباً عشرة طوابق، وكل طابق أربع شقق، أجرة هذا البيت بالأحوال العادية عشرون ألفاً، قال: أنا أريد أربعة، يأتي لي هذا الشاب بوثيقة حسن حال من عالم، أي يحضر لي وثيقة تزكية من عالم رباني أعطيه بيتاً، هذا عمل عظيم، كم شابة ستر وكم شاب ستر؟
 والله يوجد أعمال أيها الأخوة تنهار لها الجبال، لا يوجد إنسان إلا ويقدر أن يفعل الخيرات- والكلام الآن دقيق جداً- ملخص الملخص علة وجودك الوحيدة في الأرض العمل الصالح، الدليل:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنين:99-100]

 ما قال: يا رب أريد أن أعمر طابقاً خامساً، أريد أن آخذ دكتوراه.

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنين:99-100]

 لِمَ سمي العمل صالحاً؟ لأنه يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح، إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
 لذلك أرجو الله أن يحفظ إيمانكم جميعاً، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، بقي واحدة، واستقرار بلدكم، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، أنتم فقدتموها من قبل، ونحن فقدناها لاحقاً.
 والحمد لله رب العالمين

 

أسئلة و أجوبة :

السؤال الأول:
 بداية نشكر من جديد ضيفنا الكريم على ما أسمعنا من طيب الكلام.
 كيف يحافظ الشاب على دينه في بلاد الغرب؟ وخاصة أن كثيراً منا يسافرون طلباً للعلم، الرزق، والأمان؟

كيفية الحفاظ على الدين في بلاد الغرب :

الدكتور راتب :
 أقترح على أي شاب اضطر أن يذهب إلى بلاد الغرب ليدرس، أنت بحاجة إلى حاضنة إيمانية، بحاجة إلى صديق مؤمن، تسهر معه، بحاجة إلى صديق مؤمن تدرس معه، هذه الحاضنة يؤكدها كلام الله:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 أو:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 يحتاج لحاضنة إيمانية، والصاحب ساحب.
السؤال الثاني:
 كيف يمكن أن يعلق الإنسان قلبه بالصلاة؟

 

كيفية تعلق القلب بالصلاة :

الدكتور راتب :
 
إذا شخص ربح أرباحاً طائلة يغلق محله؟ يكون أحمق، أنت إذا استقمت على أمر الله كما أراد، ولزمت مجالس العلم، وعشت مع المؤمنين، فهذا مكسب كبير، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تترك، أما إذا لم يكن هناك بيع إطلاقاً فتمل، متى يمل الدين؟ إذا ذهبت الاستقامة، عفواً بيت فيه ثريات، ثلاجات، غسالات، مكرو ويف، فيه جميع الأجهزة، لكن لا يوجد كهرباء، كله لا قيمة له، جاءت الكهرباء كله يعمل.
 أنت تمشي بطريق عرضه عبارة عن ستين متراً، هنا يوجد واد سحيق، وهنا واد سحيق، إذا حرفت المقود سنتمتراً واحداً، صغيرة، لو ثبت الانحراف سنتمتراً واحداً بالأخير إلى الوادي، لذلك النبي قال:

(( لا صغيرة مع الإصرار))

 واضحة، حرف المقود سنتمتراً ينتهي إلى الوادي إذا ثبته، فكل الصغائر ساكنة بذاتنا، خذ ألف بيت، موضوع قتل، وجريمة، وزنى، وخمر، لا يوجد، لكن يوجد إطلاق بصر، ومسلسلات، وأشياء لا ترضي الله، فالصغائر في النهاية كالكبائر في قطعك عن الله عز وجل، حرف المقود سنتمتراً واحداً إلى الوادي، أما الكبيرة فحرفه تسعون درجة، لكن نستطيع أن نرجعه.

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار))

السؤال الثالث:
 يوجد جوابان لسؤالين أحدهما يجاوب عن الآخر، كيف يحافظ الشاب على دينه في بلاد الغرب. بالغربة لا يوجد خيار، إما يمين أو شمال، الله يجعلكم من أهل اليمين إن شاء الله.

 

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم :

الدكتور راتب :
 ببلادنا يوجد أبيض، وأسود، ومليون لون رمادي، متدرجة، بالغرب يوجد أبيض وأسود.
السؤال الرابع:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[ سورة الحجرات: 1]

 أنت دائماً تقول: إذا الإنسان عنده مشكلة بحياته يراجع نفسه، والذي لا يوجد عنده مشكلة لا تغير لا يغير، وغير ليغير.
الدكتور راتب :
 والله مرة كنت بعمان، أنا راكب سيارة، دخل من النافذة اليمنى شخص، قال لي أستاذ: نريد أن نسمع منك كلمتين، قلت له بأي موضوع؟ قال: بأي موضوع، شي يحير والله، قلت له: أنت مرتاح؟ مرتاح بصحتك، ببيتك، مع زوجتك، مع أولادك، مع جيرانك، بعملك، لا يوجد عندك أية مشكلة؟ مرتاح لا تغير لا يغير، المستقبل معك، عندك مشكلة كبيرة، أسرية، صحية، بعملك، بدخلك، مقلقة غير ليغير، ضغطنا الدين الذي فيه مليون موضوع، ومئة ألف عالم، بأربع كلمات، لا تغير لا يغير، غير ليغير، واضح تماماً يا أخوان؟
السؤال الخامس:
 الإيمان بالحياة والموت، ماذا أفعل إذا كنت لا أؤمن بالحياة والموت، وأن الحياة قد تكون مجرد حلم؟

 

طلب العلم و الأدلة للإيمان بالحياة و الموت :

الدكتور راتب :
 شخص لم يدرس إطلاقاً، أُمي، قال: أنا لست مقتنعاً بالجامعة إطلاقاً، طلبت العلم؟ سألت عالماً؟ التحقت بمعهد؟ فتحت كتاباً؟ فتحت موقع الانترنيت؟ نعم و لست مقتنعاً، لا تقنع.
السؤال السادس:
 حوار بين شاب مؤمن وشاب غير مؤمن، الغير مؤمن يسأل المؤمن: أنت سوف تتفاجأ إذا اكتشفت غداً أنه لا يوجد جنة ولا نار مع كل التعب الذي تتعبه بالحياة، قال له: أنت سوف تتفاجأ عندما تعرف أن النار حق، والجنة حق.

الجنة حق و النار حق :

الدكتور راتب :

زعم المنجم والطبيب كلاهما  لا تبعث الأموات قـلت إليكمــــا
إن صح قولكما فلست بخاسرٍ  أو صحّ قولي فالخسار عليكما
* * *

السؤال السابع:
 سؤال بالعقيدة، الإيمان بالله عز وجل، نؤمن بالله عز وجل ولم نره، لماذا الإسلام هو الدين الصحيح؟

 

أنواع اليقين :

الدكتور راتب :
 أنت ببيت، بوجد جدار، وراء الجدار دخان، أنت بعقلك، لا دخان بلا نار، هذا اسمه استنباط عقلي، نحن عنا ثلاثة يقينيات، يقين حسي، هذا هاتف، هذا لاقط، هذا كأس ماء، هذه ساعة، يقين حسي أدواته الحواس الخمس واستطالاتها، الميكرسكوب، والتليسكوب، اليقين الثاني يقين عقلي، أداته العقل، اليقين الحسي لشيء ظهرت عينه وآثاره، عينه وآثاره أداة اليقين به الحواس الخمس واستطالاتها، الميكرسكوب، والتليسكوب، اليقين العقلي شيء غابت عينه بقيت آثاره، أداة اليقين بها العقل، العقل فيه ثلاثة مبادئ؛ مبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض.
 
عندك سفرة مدة أسبوعين أغلقت الأبواب كلها، وأغلقت الكهرباء قطعاً كاملاً، رجعت الأنوار مضيئة، غضبت، قالت زوجتك: أطفئهم، ليس موضوع أطفئهم، يوجد أحد كان داخل البيت، الموضوع خطير، عقلك لا يقبل شيئاً بلا سبب.
 البقرة تعطيك سبعة و ستين كيلو، وليدها يحتاج إلى كيليين أو ثلاثة، الباقي لمن؟ مبدأ الغائية.

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾

[ سورة النحل: 5]

 مبدأ الغائية، عدم التناقض إذا شخص متهم بجريمة بحلب مثلاً، وأثبت بالدليل القطعي أنه كان بالشام في ذلك الوقت، تنعقد ثلاثة مبادئ، مبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض.
 عندي يقين حسي، أدواته الحواس الخمس، عندي يقين عقلي أداته العقل، شيء غابت عينه وبقيت آثاره، واليقين الحسي شيء غابت عينه وآثاره، يوم القيامة، في الآخرة نعتمد على اليقين الإخباري، فإذا كان المخبر هو الله، الله يقول لك:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾

[ سورة الفيل: 1]

 أي أنت من إيمانك بالله تتلقى إخبار الله لك وكأنك تراه بعينك، نحن بين يقين حسي، أدواته الحواس الخمس واستطالاتها، واليقين العقلي شيء غابت عينه وبقيت آثاره، وهو الإيمان بالله، عندنا الآخرة، والملائكة، مليون موضوع إخباري لا يوجد عندنا أي دليل، الإخباري قيمته بالمخبر، فإذا كان المخبر هو الله انتهى الأمر.

 

من استقام على أمر الله قطف ثماراً يانعة في الدنيا قبل الآخرة :

 والله أنا أعتقد إنسان تجاوز عمراً معيناً يتمنى أن يعود شاباً ليستخدم ما تعلمه في حياته.
 كان عندنا عالم بالشام مشهور، كان إذا رأى شاباً - بدر الدين الحسني - يقول له: يا بني أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، عاش سبعاً و تسعين سنة ، علم ثمانين سنة، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، فكان إذا سُئل: يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 لي صديق زرته بالعيد، فتح لي والده، قلت: فلان موجود؟ قال: والله ليس هنا، ثم قال: هل من الممكن أن تدخل خمس دقائق؟ قال لي: عمري خمس و تسعون سنة، عملنا بالأمس تحليلاً كاملاً للدم، كله طبيعي، قال لي: والله يا بني أنا لا أعرف الحرام بحياتي، لا حرام المال، ولا حرام النساء، واضح؟

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾

[ سورة هود: 112]

 تقطف ثماراً يانعة في الدنيا قبل الآخرة.