روح الحج - الندوة : 4 - وصايا للحاج قبل الذهاب إلى الحج.

2018-07-24

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.

الحج فريضة والعمرة سنة :

 أخوتنا الكرام، الحج فريضة، والعمرة سنة، لو أن الإنسان أراد أن يحج كل عام مثلاً، ما الذي يحصل؟
 لو فرضنا عندنا بساط له مساحة معينة، هذا البساط يتسع لخمسين مصلياً، وهناك ألف إنسان ينتظر الصلاة، فلو أن كل إنسان صلى على هذا البساط، وجاء مرة ثانية على هذا البساط، ومرة ثالثة، ورابعة، ما الذي حصل؟ منع أخوته الذين لم يصلوا أصلاً من الصلاة.
 فهناك حج، وهناك عمرة، العمرة زيارة، والزيارة وقتها واسع، وقتها أحد عشر شهراً، أما الحج فريضة معينة، في وقت معين، فالذي ورد في بعض الآثار:

((من حج البيت ومضى عليه خمسة أعوام لم يزرنِي فقد جفاني))

 إذاً يمكن أن تكون الفترة بين الحجتين خمس سنوات، أما الحج السنوي فهذا يثقل كاهل الذين يقومون على إدارة هذا الحج، يثقل المكان، الزمان، فالعمرة سنة تؤدى في أي شهر، والإنسان إذا أدى الفريضة الأعم الأغلب والأكمل ألا يؤديها إلا مرة ثانية بعد خمس سنوات، ليتيح لأخوته الذين لم يحجوا.
 أعيد المثل مرة ثانية: بساط يتسع لخمسين مصلياً، المصلون بعضهم لم يصلِّ الفرض، هذا الذي صلى الفرض صلى مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، إذاً حرم الذي صلى الفرض أن يصلي الفرض.
 فأنا أرى أخوتي المستمعين والمشاهدين أنك إذا أديت الفرض أده كل خمسة أعوام، أما العمرة فتؤديها كل عام، وكل شهر أحياناً، لذلك العبرة:

((من حج البيت ومضى عليه خمسة أعوام لم يصل إلي لمحروم))

 كأنه هذه السنوات فترة معقولة رائعة بين كل حجتين.

الحج صلح مع الله و تقرب إليه :

 لذلك أيها الأخوة، تلبية الله عز وجل أنت بهذا تؤكد أن الله أغلى عليك من بيتك، ومن عملك، ومن مكتبك، ومن أهلك، ومن أولادك، برهان عملي على محبة الله عز وجل.
 والله عز وجل يقول:

﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾

[ سورة الحج: 28]

 هذه المنافع روحية، منافع معرفة.

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ حديث قدسي ]

 وكأن بعض التسميات في هذه البلاد المقدسة لها معنى عميق.

((الحجُّ عرفةُ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي]

 الحج أن تعرف الله، الحج أن تعود مصطلحاً مع الله، الحج أن تتقرب إلى الله، ألا يقف الحاج أمام الحجر الأسود مشيراً إليه، أو ملتمساً له ويقول: عهداً على طاعتك، عهداً على اتباع سنتك، عهداً على قرآنك، وشرعك، دون أن ينفذ ذلك، هذا عهد، لكن الآية التي يتمزق بها الإنسان:

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ﴾

[ سورة الأعراف: 102]

 أن تتذكر وقد حججت بيت الله الحرام أنك عاهدت الله على طاعته، عاهدت الله على خدمة خلقه، عاهدت الله على محبته، فإذا خرجت من بلاد الحجاج، من الديار المقدسة إلى بلدك إياك أن تعود إلى ذنبٍ سابق، إلى مخالفة سابقة، إلى شيء لا يرضي الله، وكأنك ألغيت حجك.

 

ثمار الحج :

 لذلك أيها الأخوة، من ثمار نجاح الحج الاستقامة بعد الحج، من ثمار نجاح الحج التبدل النوعي في السلوك بعد الحج، من ثمار هذا الحج الصحيح أنك إنسان آخر، يجب أن يقول من حولك: إنسان آخر بعد الحج، بعاداته، بمبادئه، بطباعه، بنشاطه، هذا كله ينبغي أن يكون ماثلاً لدى الحاج.

الحج الصحيح رقي نوعي :

 لذلك أخواننا الكرام؛ الآن يوجد توجه لطيف، المبالغة في الرفاه في الحج، فندق خمس نجوم، طعام نفيس، المبالغة في الرفاه كأنه يتناقض مع حكمة الحج.
 ما الحج؟ العج والثج، العج التقشف، لابد من أن تتقشف، لابد من أن تشعر بما يشعر به الآخرون، أما الرفاه واختيار أفضل مكان فهذا يضعف الاتصال بالواحد الديان.
 لذلك الطواف طواف المحب حول محبوبه، والسعي سعي المشتاق لمطلوبه، وأما تقبيل الحجر الأسود فبعضهم قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن قبّله فكأنما قبّل كف الرحمن، وأما تقبيل الحجر الأسود أو الإشارة إليه فهو عهد على طاعة الله، فالإنسان بعد الحج يمضي شهراً، وشهرين، وأشهر، وسنة، وسنوات، لا ينسى هذا العهد الذي قطعه على نفسه، وليحذر أن يكون ممن تنطبق عليهم الآية:

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ﴾

[ سورة الأعراف: 102]

 أي الحج الصحيح عبارة عن درج، في كل حجة ترقى رقياً نوعياً، والحجة الثانية أعلى، أعلى، أما الحج التقليدي فارتفاع ثم هبوط، صعود ونزول، تبقى بالمستوى نفسه، فما لم تعتمد الحج الصحيح الخالص لوجه الله عز وجل يكون حجك رقياً متتابعاً لنهاية الحياة.

 

الحج يبدل نفسية الإنسان و ينقله إلى مستوى آخر :

 بعضهم قال: الحج هو الرحلة قبل الأخيرة، لماذا؟ ثياب بيضاء، مناشف بيضاء رخيصة جداً، يستوي بها الغني والفقير، والأمير والخفير، يستوي بها الملك والمأموم، هذا كله يستوي به الناس، وكأن الله أراد من هذا الحج أن يهيئنا للرحلة الأخيرة، التي تنتهي بالموت.
 فلذلك الحج الصحيح ينقلك إلى مستوى آخر، إلى مستوى معرفة الله، مستوى محبته، مستوى الالتزام، تغدو زوجاً مسعداً، وأباً رؤوفاً، وموظفاً أميناً، وتاجراً صدوقاً، هذا الحج يبدل النفسية تبدلاً جذرياً، وهذا هو الصلح مع الله.

(( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادِ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

 وما رمي الجمار إلا تعبير عن معاداة الشيطان، وما ذبح الأضاحي إلا تعبير آخر عن ذبح الشهوات التي لا ترضي الله عز وجل، وما الوقوف بعرفة إلا أن تعرف الله.

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[حديث قدسي]

 أيها الأخوة الكرام، هذه المناسك مناسك الحج لا من زاوية الأحكام التي يعرفها الجميع، والتي ملئت بها الكتب، من زاوية الأسرار والحكم، والعبرة في العبادة أن تكتشف حكمتها.
 أرجو الله أن يرزقكم حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته