روح الحج - الندوة : 2 - أسرار الحج

2018-07-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

أسرار الحج بعد الوصول إلى عرفات :

 عودة إلى أسرار الحج وصلنا إلى عرفات، وكأن الله عز وجل يقول لك أيها الحاج: تعال إلى عرفات لتعرف أنك المخلوق الأول من بين كل المخلوقات، ولك وحدك سخرت الأرض والسماوات، وأنك حملت الأمانة التي أشفقت من حملها الجبال والأرض والسماوات، وأني جئت بك إلى الدنيا لتعرفني، ولتعمل عملا صالحاً يؤهلك لجنات الخلد.
 تعال إلى عرفات – يوم عرفة - لتعرف:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾

[ سورة العصر : 2-3 ]

 

 وأنك إذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.
 وبعد أن يذوق المؤمن في عرفات من خلال دعائه، وإقباله، واتصاله روعة اللقاء، وحلاوة المناجاة ينغمس في لذة القرب، عندئذ تصغر الدنيا في عينه، وتنتقل من قلبه إلى يديه، ويصبح أكبر همه الآخرة فيسعى لمقعد صدق عند مليك مقتدر.
 يكشف للحاج في عرفات أن كل شيء ساقه الله له مما يكره هو محض عدل، ومحض صدق، ومحض رحمة، إذا تحسس الحاج من قوله تعالى:

 

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة: 216]

 وبعد أن يفيض الحاج من عرفات، وقد حصلت له المعرفة، واستنار قلبه، وصحت رؤيته، يرى أن السعادة كلها في طاعة الله، وأن الشقاء كله في معصية الله، عندئذ يرى عداوة الشيطان كيف أنه يعد أولياءه بالفقر إذا أنفقوا، ويخوفهم ممن سوى الله إذا أنابوا وتابوا.

﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾

[ سورة النساء: 120]

 

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾

 

[ سورة إبراهيم: 22]

 أيها الإخوة الكرام؛ عندئذ يعبر الحاج عن عداواته للشيطان تعبيراً رمزياً لرمي الجمار، ليكون الرمز تعبيراً مادياً، وعهداً موثقاً لعداوة الشيطان، ورفضاً موثقاً لوساوسه، يقول الإمام الغزالي:
 اعلم أيها الحاج أنك في الظاهر ترمي الحصى في العقبة، وفي الحقيقة ترمي بها وجه الشيطان، وتقصم ظهره، ولا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك لطاعة الله عز وجل  
وحينما يتجه الحاج لسوق الهدي، ونحر الأضاحي، وكأن الهدية إلى الله تعبير عن شكره لله على نعمة الهدى التي هي أثمن نعمة على الإطلاق، إن ذبح الأضحية ذبح لكل شهوة ورغبة لا ترضي الله، وتضحية بكل غال ونفيس في سبيل مرضاة الله رب العالمين، قال تعالى:

 

﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِين﴾

[ سورة الحج: 37]

 ثم يكون طواف الإفاضة تثبيتاً لتلك الحقائق والمشاعر، ثم يطوف طواف الوداع لينطلق منه إلى بلده إنساناً آخر يستنير قلبه بحقائق الإيمان، وتشرق نفسه بأنوار القرب، ويعقد العزم على تحقيق ما عاهد الله عليه، وإذا صح أن الحج رحلة إلى الله فإنه يصح أيضاً أنها الرحلة قبل الأخيرة لتجعل الرحلة الأخيرة مفضية إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

سرّ السعادة التي تغمر قلب المسلم حين زيارة مقام النبي :

 بعد أن ينتهي الحاج من مناسك الحج، ويتجه إلى المدينة المنورة التي هي أحب البلاد إلى الله، يتجه إليها ليزور سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي))

[ رواه الدار قطني في سننه]

 وقد علقت في مكان بارز في الحجرة النبوية الشريفة الآية الكريمة:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾

[ سورة النساء: 64]

 أشار القرطبي المفسر إلى أن الآية تصلح إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، ليس هذا لغير النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أورد القاسمي في تفسيره أن هذه الآية تنويه بشأن النبي صلوات الله عليه، فالرجل حينما يظلم نفسه بمعصية ربه لا لخروجه عن سنة النبي الكريم وجب عليه أن يستغفر الله، وأن يعتذر من رسول الله، فلا تتم التوبة إلى الله، ولا تقبل، إلا إذا ضمّ إلى استغفار الله استغفار رسول الله عليه الصلاة والسلام، فطاعة النبي الكريم عين طاعة الله عز وجل، ورفض سنة النبي الكريم عين معصية الله، وإرضاء رسول الله عين إرضاء الله، يستنبط هذا من إفراد الضمير في قوله تعالى:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة التوبة: 62]

 هكذا بضمير المفرد، وقوله تعالى:

﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾

[سورة النساء: 80]

 

 ولعل سر السعادة التي تغمر قلب المسلم حينما يزور مقام النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما إن يرى معالم المدينة حتى يزداد خفقان قلبه، وما إن يبصر الروضة الشريفة حتى يجهش في البكاء، وعندئذ تصبح نفس الزائر صافية من دون كدر، نقية من كل شائبة، سليمة من كل عيب، منتشية بحبها لله، وبحبها لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقربها منه، هذه حقيقة الشفاعة التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام في قوله:

 

(( من جاءني زائراً لا يعلم له حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة))

[الطبراني في المعجم الكبير والطبراني في المعجم الأوسط]

 وإذا شئت الدليل القرآني عما يشعر به الحاج المسلم من سكينة وسعادة عندما يتصل برسول الله عليه ولصلاة والسلام فهذه الآية:

﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾

[سورة الأحزاب: 56]