برنامج بيت المسلم – الحلقة : 08 - مشكلة النشوز- الخروج عن طاعة الزوج أو التخلي عن واجباتها.

2019-05-13

مقدمة :

الدكتور بلال:
  بسم الله:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1-4]

 والصلاة والسلام على نبينا العدنان، وعلى آله وأصحابه وإلى من تبعهم بإحسان.
 أخواتي الأكارم، أخواتي الكريمات؛ أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بالخير واليمن والبركات والطاعات، نحن معاً في: "بيت المسلم" ندخل إليه، نتفيأ ظلاله، نأخذ معانٍ عظيمة من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، نطبقها فيه فنكون إن شاء الله من المفلحين في الدنيا والآخرة.
 ضيفنا الدائم في هذه الحلقات فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله بكم، ونفع بكم.
الدكتور بلال:
 أكرمكم الله سيدي، بعد أن فصلنا في حقوق الزوجة على زوجها، وحقوق الزوج على زوجته، الآن نبدأ بالمشكلات، نبدأ اليوم بمشكلة النشوز، والله تعالى ذكر النشوز للمرأة وللرجل. للمرأة:

﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾

[ سورة النساء: 34]

 وللرجل:

﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾

[ سورة النساء: 128]

 والنشوز سيدي هو لغة مشترك، وهو كما تعلمنا منكم سيدي لغة هو الأرض المرتفعة، الشيء الخارج.

النشوز :

الدكتور راتب :
 المعنى السياقي لهذه الآية: الخروج الكلي عن طاعة الزوج، أو عن واجباتها تجاه الزوج.
الدكتور بلال:
 أي أن تأمرها فلا تأتمر.
الدكتور راتب :
 أو أن ينهاها فلا تنتهي.
الدكتور بلال:
 هي الآن بدأت مرحلة النشوز، عندما يقول تعالى:

﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾

[ سورة النساء: 34]

بطولة الإنسان أن يكشف الحقيقة قبل الوصول إليها :

الدكتور راتب :
 أي هذا النشوز له بوادر، البطولة أن تكشف الحقيقة قبل الوصول إليها، قبل بلوغها، هذا الموقف ذكي جداً، أن تعالج الأمر قبل وقوعه، أما حين وقوعه فأصعب بكثير، لكن بعد وقوعه انتهت المعالجة، فالبطولة أن تعالج الأمر قبل وقوعه.
 يسرني أن أذكر هذه الأقصوصة الصغيرة: مرّ صيادان على بركة ماء، فيها ثلاث سمكات، كيسة أي عاقلة، وأكيس منها، وعاجزة، وتواعدا أن يرجعا ومعهما شباكهما، ليصيدا ما فيه من السمك- القصة رمزية طبعاً- فسمعت السمكات قولهما، أما أكيسهن فإنها ارتابت وتخوفت، ولم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء، من النهر إلى الغدير فنجت، ارتاحت أعصابها.
الدكتور بلال:
 احتاطت للأمر قبل وقوعه.
الدكتور راتب :
 قبل وقوعه، وأما الأقل كياسة فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان، فذهبت من حيث ذهبت رفيقتها، فإذا بالمكان قد سُدّ، قالت: فرطت وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا ييئس من منافع الرأي، عندها مشكلة، الأولى بلا مشكلة، ارتابت وتخوفت وفعلت شيئاً قبل وقوعه، أما الثانية فأهملت وقصرت، إلى أن وقع الأمر، المكان سُد طبعاً، فتماوتت، منقلبة تارةً على بطنها، وتارة على ظهرها، ظن الصيادان أنها ميتة، أمسكها الصياد وضعها على الأرض بين النهر والغدير فنجت، وأما العاجرة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت.
 هذا العاجز يتحرك حركة عشوائية، إلى أن يقع الفأس بالرأس، أما الأقل ذكاء فيتحرك عند وقوع المشكلة، أما العقلاء والأذكياء فقبل وقوعها.
الدكتور بلال:
 إذاً سيدي أي إنسان قيادي، أي الزوج بالبيت له مكان قيادي، المعلم، المدير.
الدكتور راتب :
 يوجد بوادر، والآن اسمها إرهاصات، بوادر أو إرهاصات، أي مؤشر أن هناك مشكلة.
 مثلاً راكب سيارتك، تألق ضوء أحمر، هذا تألق تحذيري، المحرك لا يزال سليماً لكن الزيت قليل، أوقفت المركبة أضفت الزيت، هذا الفهم للضوء الأحمر فهم عال جداً، هذا تألق تحذيري، لو فهم هذا الإنسان هذا ضوء تزييني احترق المحرك، فالبطولة أن تكشف الحقيقة قبل فوات الأوان، حتى فرعون حينما غرق قال:

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة يونس: 90]

الدكتور بلال:
 قال:

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

[ سورة يونس: 91]

 فات الأوان، إذاً سيدي:

﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾

[ سورة النساء: 34]

 نحتاط للأمر قبل وقوعه، النشوز تحدثتم عنه، الخروج الكلي عن طاعة الزوج الآن:

﴿ فَعِظُوهُنَّ﴾

[ سورة النساء: 34]

 بدأ بالوعظ، إذاً العلاج أولاً الوعظ.

علاج النشوز :

1 ـ الوعظ :

الدكتور راتب :
 أول شيء الوعظ، الهدى البياني، يبين لها، أنا حريص على أن تكسبي مرضاة الله عز وجل، وهذا شيء يسيء لأولادك أيضاً، فالبيان، البيان يطرد الشيطان، لا تعاقب قبل البيان، لا تعنف قبل البيان، بيّن، أنا أتمنى على كل زوج في أول يوم من زواجه، أنا أحب كذا، وأكره كذا، وما وجدت من حسنة فانشريها، وما وجدت من سيئة فاستريها، لابد من تبيين برنامج العمل، ما الذي يزعجك، ما الذي يغضبك، ما الذي تحبه من زوجتك، أما أنا معي معلومات دقيقة جداً، ما بلغها ولا كلمة عن مزاجه، ولا عن طلباته، فإذا أخطأت إن جاء عملها مخالفاً لمزاجه أقام عليها الدنيا، أنت ما بلغتها، الإله العظيم لا يحاسب إلا بعد البلاغ.
الدكتور بلال:
 إذاً:

﴿ فَعِظُوهُنَّ﴾

[ سورة النساء: 34]

 إذاً الوعظ أولاً، ثانياً:

﴿ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾

[ سورة النساء: 34]

 ما معنى ذلك؟

2 ـ الهجر في المضاجع :

الدكتور راتب :
 يا أخي في القرآن ملامح دقيقة جداً، ما قال: فاهجروهن فقط.

﴿ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾

[ سورة النساء: 34]

 أي هذا الابن، لو هجرها ونام في غرفة الجلوس تبين للأولاد أن هناك مشكلة بين أبيهم وأمهم، يبدو أن أهم شيء أن هذه المشكلة لا تنتقل للأولاد، هذا الابن هذا أبوه، وهذه أمه، فإذا اختصما تمزق، أنا أقول: قد يصاب بانفصام الشخصية، أبوه غال عليه، وأمه غالية عليه، فإذا افترقا، وتشاجرا، وتراشقا التهم أمام الأولاد، هناك انهدام للأسرة، انظر القرآن ما أدقه.

﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾

[ سورة النساء: 34]

 فقط في غرفة النوم، لم يدرِ أحد بالموضوع، ملمح دقيق جداً، هذا الابن بريء، والطفل على الفطرة، ويحب أمه كثيراً، وأباه كثيراً، فإذا رآهما في خصومة دائمة، أنا أقول: إن أكثر الفتيات الصغيرات إن رأين من آبائهن وأمهاتهن خصومات يعزفن عن الزواج أصلاً، يوجد عندها أسوأ صورة عن الزواج، وإذا رأين الحب والمودة بين الزوجين أحبا الزواج.
الدكتور بلال:
 الآن نأتي سيدي إلى كلمة في الآية وهي تثير دائماً إشكالات عند الناس إذا لم يفقهوا حقيقة الدين:

﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾

[ سورة النساء: 34]

3 ـ الضرب غير المبرح :

الدكتور راتب :
 أنا جوابي دقيق جداً: كلام سيدنا عمر، يقول: ليس بخيركم من عرف الحق، ولا من عرف الباطل، ولكن من عرف الشرين، وفرق بينهما، واختار أهونهما.
 فرضاً لو طلقتها، يوجد أولاد، يوجد ذرية، يوجد انهيار أسرة، تشتت أولاد، مضار كبيرة جداً، أما لو أنك ضربتها بشيء غير مؤلم، هذا الضرب بمعنى السياق، عندنا معنى سياقي، وهناك بحث طويل عنه، قد يكون الضرب تنبيهاً قاسياً، قد يكون وضع اليد على كتف المرأة، الضرب المبرح ليس وارداً إطلاقاً.
الدكتور بلال:
 النبي صلى الله عليه وسلم ما ضرب امرأة أبداً.
الدكتور راتب :
 أبداً، هذا لو وازناه بين الطلاق وبين هذا، فهذا أفضل بكثير.
 عفواً، أب وجد ابنه علاماته متدنية جداً، ما ضربه أبداً، كبر بالسن لا يوجد معه شهادة، ولا حرفة، ولا زواج، ولا بيت، أصدقاؤه أطباء، مهندسون، حقوقيون، تجار، بيت، وسيارة، وزوجة، يقول لأبيه: لماذا عندما قصرت في الدراسة لم تضربنِي؟ فهذه نقطة مهمة جداً.
 أحياناً يكون التأديب له هدف كبير جداً، هدف مستقبلي، كثير من الأبناء تلقوا من آبائهم معاملة قاسية حتى يدرسوا، فعندما درسوا نالوا شهادة عليا، وتزوجوا، وكان لهم دخل معقول، وعندهم أولاد، يقول: لا أنسى فضل أبي عليّ عندما ضربني، عندما أدبني.
الدكتور بلال:
 إذاً سيدي الفقهاء قالوا كما تعلمون: الضرب بسواك أو نحوه، ماذا يفعل السواك؟ هنا النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((لولا القصاص لضربتك بهذا السواك ))

[أبو يعلى والطبراني عن أم سلمة أم المؤمنين]

الدكتور راتب :
 الضرب رمزي، تعبير عن الغضب.
الدكتور بلال:
 هذه سيدي مرتبة، أي هل يجوز أن يلجأ للهجر بالمضاجع قبل أن يعظ؟
الدكتور راتب :
 لا، الوعظ أولاً، الترتيب أصولي، أول شيء الوعظ.
الدكتور بلال:
 إن لم يجد هذا نفعاً.
الدكتور راتب :
 هذا اسمه الهدى البياني، ثم يأتي التأديب التربوي، ثم الإكرام الاستدراجي، لعلها إذا أكرمتها زيادة عما تتوقع استحت.
الدكتور بلال:
 إذاً كلها لعلاج للنشوز، ولا يلجأ إلى العلاج الأخير وهو الضرب إلا إن كان الخيار الآخر الطلاق كما تفضلتم، أي من الأفضل أن يؤدبها قليلاً لتعود الحياة إلى مجاريها.

من صبر على زوجته من أجل أولاده فهذا أكبر عمل صالح :

الدكتور راتب :
 أنا أقول كلمة لوجه الله: إذا كان هناك أولاد فالطلاق جريمة، لأن هناك مشكلة كبيرة، لا يوجد إنسانة في الأرض يمكن أن تخدم أولادها كالأم، فلو كان هناك مشكلة مع الزوجة تنتهي بالطلاق أنا أقول: صبره على زوجته من أجل أولاده هذا أكبر عمل صالح.
 كنت أقول مرة بعبارة أخرى: حينما تنجب أولاداً، الآن حينما يضعف نصيبك من زوجتك في الحاجة الأساسية، ضع قدمك على هذه الحاجة إكراماً لهؤلاد الأولاد، وأنا عندي قصص كثيرة جداً، الطفل عندما تطلق أمه يصاب بانفصام شخصية، أي الأولاد وحدهم يدفعون الثمن.
الدكتور بلال:
 إلا أن هناك حالة خاصة سيدي أعتذر، أحياناً قد يصبح هناك حالة خاصة جداً البقاء وهم على هذه المشاحنات الشديدة هذا مضر بالأولاد.

حالة خاصة للفراق بين الزوجين :

الدكتور راتب :
 هذا اسمه خيار انفجاري، إذا الأمور ممكن أن تنفجر انفجاراً أكبر، لا، أنا معك أخف الضررين.
الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً، سيدي تختم الآية بخاتمة مدهشة:

﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾

[ سورة النساء: 34]

 عندما يقرأ الزوج هذه الآية مع خاتمتها.

سلطة الرجل على المرأة مسؤولية كبيرة أمام الله :

الدكتور راتب :
 والله يا أخي الكريم كلمة:

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾

[ سورة النساء: 34]

 الله كبير، غلطة بالجسم يفقد الإنسان أحياناً بصره، أو سمعه، أو حركته، الله كبير، الله بتعبير معاصر عنده مليارات الخيارات، تنقلب حياة الإنسان إلى جحيم لا يطاق إذا ظلم، أو تجاوز الحق، واعتد بقوته، وماله على زوجته، الله كبير.
 رجل قاعد مع زوجته، طرق الباب، جاء سائل، قال: اطرديه، طردته، ثم ساءت العلاقة بينهما، طُلقت، أخذها رجل آخر، طرق الباب، سائل، رجعت مضطربة قال لها: من الطارق؟ قالت: سائل، لِمَ اضطربتِ؟ قالت له: أتدري من هو؟ إنه زوجي الأول فقال لها: أتدرين من أنا؟ أنا السائل الأول.
 الله على كل شيء قدير، هذا المتكبر قد يفقد ماله كله، يفقد مكانته، منصبه، وهذا الذي صبر لله عز وجل قد يؤتيه الله ضعف ما يتمنى.
الدكتور بلال:
 إذاً عندما نقرأ الآية سيدي بشكل كامل، يقرؤها الزوج ويختمها:

﴿ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾

[ سورة النساء: 34]

 لا يمكن أن يفهم من هذه السلطة التي مكنه الله منها؛ عظوهن، واهجروهن واضربوهن، سلطة استعلائية، وإنما مسؤولية كبيرة أمام الله.
الدكتور راتب :
 أنت إمام، وخطيب ما شاء الله! كم مرة نقول: الله أكبر بالصلاة في اليوم؟
الدكتور بلال:
 عشرات، أو مئات.
الدكتور راتب :
 ما معنى الله أكبر؟ حينما تتوهم أن الله أكبر منك، ومن قدرتك، ومن صحتك، ومن ذكائك، ومن مالك تخضع له، فالذي قال: الله أكبر وفعل شيئاً لا يرضي الله ما قالها ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة.
الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي، إذاً النشوز بهذا المعنى أصبح واضحاً فيما أعتقد، خروج كلي عن طاعة الزوج، وأيضاً يوجد آية أخرى.

تلخيص لما سبق :

الدكتور راتب :
 وتقصير كلي عن واجبات المرأة.
الدكتور بلال:

﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً ﴾

[ سورة النساء: 128]

 أيضاً هي قد تخاف منه الإعراض عنها.

﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾

[ سورة النساء: 128]

الدكتور راتب :
 البطولة أن تكشف الحقيقة قبل فوات الأوان، الآية خافت من زوجها، النشوز لم يقع لكن يوجد بوادر، هذه يسمونها: الإرهاصات.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:س
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 أخوتي، أخواتي؛ طاب هذا اللقاء بحضوركم، وطاب من قبل بكلمات شيخنا الفاضل وتوجيهاته الرائعة، أسأل الله عز وجل أن ألتقيكم دائماً وأنتم بأحسن حال، في أسر سعيدة وبيوت طيبة، إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته