برنامج منهج التائبين - الحلقة : 09 - الدعوة إلى الله1 - لمن يسير في طريق التوبة في حدود ما يعلم ومع من يعرف.

2019-05-14

مقدمة :

الدكتور بلال:
  بسم الله :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن:1-4]

 والصلاة والسلام على النبي العدنان، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي، أخواتي؛ أسعد الله أوقاتكم بكل خير، في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا: "منهج التائبين" نسعد فيها باستضافة شيخنا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله بكم.
الدكتور بلال:
 سيدي نحن في منهج التائبين، ومفردات المنهج كثيرة ومتشعبة، واليوم نتناول موضوعاً يتعلق بالتائب قبل التوبة وبعد التوبة.
 الموضوع هو الدعوة إلى الله تعالى، بداية سيدي ما أهمية الدعوة إلى الله وما أقسامها؟

 

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 
لو سألت مسلماً سؤالاً عابراً: لِمَ تصلي؟ يقول لك مندهشاً لأن الصلاة فرض، فإذا أقنعنا الأخوة المشاهدين أن الدعوة إلى الله فرض كالصلاة، ما الدليل؟ لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾

[ سورة يوسف:108]

 قل يا محمد.

﴿ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف:108]

 فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، والآية تقول:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران:31]

 فالدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، ولكن إذا قلنا: فرض عين أي في حدود ما تعلم، ومع من تعرف.
 كنت في المسجد، استمعت إلى خطاب مؤثر جداً من الخطيب، تأثرت بهذا الخطاب، انقل هذه الحقائق إلى زوجتك، إلى أولادك أثناء الطعام، إلى شركائك في العمل التجاري، إلى أصدقائك، إلى سهرة، هذه الدعوة فرض عين وكلامي دقيق، في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، بهذه الطريقة تتنامى دوائر الحق، وتضيق دوائر الباطل، سمعت درس علم، قرأت مقولة رائعة جداً، شاهدت ندوة تلفزيونية موفقة جداً، استمعت إلى خطاب ديني في المسجد، قرأت كتاباً علمياً يشير إلى عظمة الله عز وجل، طبعاً قرأت، سمعت، ناقشت، حضرت ندوة، إلى آخره، عندك مصادر كثيرة، هذه الأشياء التي تأثرت بها انقلها إلى من يلوذ بك، لزوجتك، لأولادك، لأصهارك، لجيرانك أحياناً، لزملائك بالعمل، لموظفيك في الدائرة، هذه الدعوة فرض عين، في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، وبهذه الطريقة تنمو دوائر المعرفة، هناك شواهد كثيرة:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

 هنا لا يشترط في هذه الدعوة التبحر في العلم، ولا التعمق به، في حدود ما تعلم ومع من تعرف، بهذه الطريقة تنمو دوائر الحق، وقد تضيق معها دوائر الباطل، أما حضرت خطبة رائعة جداً، وتأثرت بها، ولم تنقلها إلى أحد، فهناك تقصير، أنت التقيت مع شخص، مع عالم بسهرة، وتكلم أشياء رائعة جداً في الإعجاز العلمي، انقلها إلى أهل البيت.

طلب العلم سرّ وجود الإنسان وغاية وجوده :

 هذا الجماد، شيء جامد، له وزن، وحجم، وطول، وعرض، وارتفاع، النبات يزيد عليه بالنمو، والكائنات المتحركة بالحركة، والإنسان هو كالجماد له وزن، وحجم، وطول، وعرض، وارتفاع، وكالنبات بالنمو، وكبقية المخلوقات بالحركة، بماذا خصه الله؟ بالإدراك، أعطاه قوة إدراكية، هذه القوة الإدراكية ما غذاؤها؟ العلم، فإن لم يغذ الإنسان عقله بالعلم هبط عن مستوى إنسانيته، والكلام خطير جداً، ما الذي يحصل لو عزف عن طلب العلم؟ هذا الكلام كلام خالق الأكوان.


﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

 ميت، نبضه ثمانون، ضغطته 8 ـ 12 مثالي، عند الله ميت.

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

الدكتور بلال:
 لأنه ترك طلب العلم.
الدكتور راتب :

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون:4]

 خشبة.

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان:44]

 والآية الأخيرة أصعب آية:

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة:5]

 هذا كلام الله لمن عزف عن طلب العلم، أي أنا خياري مع العلم ليس خيار وردة حمراء أزين بها صدري، خيار هواء أستنشقه، أؤكد بهذا الطلب إنسانيتي، سرّ وجودي، غاية وجودي، معرفة ربي، طموحي للآخرة.
الدكتور بلال:
 هذه الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم.

 

الفرق بين العالم و العابد :

الدكتور راتب :
 في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، أما التبحر في العلم، والتعمق، والقدرة على الإجابة عن أي سؤال، فهذه الدعوة فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل.
 لكن عظمة هذا الدين أن فيه شيئاً لطيفاً جداً، قالوا: معرفة الشيء أحد فروع تصوره، كيف؟
 أميّ لا يقرأ ولا يكتب، اشترى مكيفاً، ضغط الزر، جاءه هواء بارد، للتقريب، هذا المنهج الإسلامي لو طبقته فقط بلا فلسفة، بلا تعمق، بلا فهم المقاصد، بلا فهم العلل والأسباب، تقطف ثماره، مثل الذي يشتري مكيفاً وهو أمي، يضغط الزر يأتيه الهواء البارد، أما أن تفهم دقة صنعته، وآلية عمله، وكيف ينقل لك الهواء البارد، فهذا يحتاج إلى علم.
 لذلك عندنا إنسان عابد يطبق فيسلم ويسعد، وإنسان عالم يطبق ويدعو إلى الله، الحق ينتشر بدعوته.
الدكتور بلال:
 خطر في بالي وأنتم تقرؤون قوله تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾

[ سورة يوسف:108]

 ما هي البصيرة سيدي؟

 

تعريف البصيرة :

الدكتور راتب :
 بالدليل والتعليل، مثلاً:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

[ سورة التوبة:103]

 إله.

﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة:103]

 
وأنا أقول للأخوة المشاهدين: لا تقبل في الدين شيئاً من دون دليل، ولا ترفض شيئاً من دون دليل.
 إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينك، ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذي مالوا.
 ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، أنا أقول: أن كل هذه المدينة ملكي، أين الدليل؟ الدين خطير، معنى خطير أي مهم جداً بحياتك.
الدكتور بلال:
 إذاً الدعوة إلى الله تعالى فرض عين على كل مسلم في حدود ما يعلم، ومع من يعرف، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

 فكل إنسان مطلوب منه أن يبلغ، هنا السؤال سيدي الذي نربطه الآن بقضية التوبة: بعض الأشخاص يكون في طريق التوبة، في طريق الله عز وجل، وقد يأمر الناس بشيء هو لا يفعله، ولا يستطيع فعله، أو يسمع من الخطيب كما تفضلتم عن قيام الليل، وعن شيء من هذا، فينقله للناس وهو لا يفعل هذا الأمر، ما تعليقكم؟

 

على الإنسان قول الحقيقة و لو كان غير مطبق لها :

الدكتور راتب :
 أنا كحل وسط، الإنسان إذا سُئل يجب أن يقول الحقيقة، ولو لم يكن مطبقاً لها، هذا بينه وبين الله، أما أن يبدأ بنقل المعرفة في أشياء لا يطبقها فسوف تضعف عند الله مكانته، كأن الله يعاتبه، أنت كذلك يا عبدي؟ أما تستحي مني؟ فأنت عند السؤال تجيب بالحق، بصرف النظر عن كونك مطبقاً له أو غير مطبق، أما أن تبدأ الحديث عن أشياء لا تفعلها، فعندئذٍ لا تؤثر الحقيقة، هو يوجد سر بالتأثير حينما يعلم الله من هذا العبد صدقه، وتنفيذه لما يقول، يكتب له القبول عند الناس، هذا القبول شيء ليس سهلاً، إنه شيء إلهي، قد تتعلم، وتتعلم علماً عميقاً، وعندك طلاقة لسان، وحجة قوية، وأدلة، وبراعة في إلقاء الكلمة، ولكنك غير مطبق لما تقول، لا يسمح الله لك أن تؤثر بالناس، أن يكتب لك القبول عند الناس هذه نعمة كبيرة، لعلها دليل إخلاص الناس.
الدكتور بلال:
 
وهذا طرف من معاني قول الله تعالى:

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾

[ سورة البقرة:44]

الدكتور راتب :
 أما تستحي من الله أيها المتكلم في شيء لا تفعله؟
الدكتور بلال:
 أن تأمر الناس به.
الدكتور راتب :
 أما لو سُئلت يجب أن تجيب عن الحقيقة الخالصة، بصرف النظر عن أنك مطبق لها أم لا.
الدكتور بلال:
 وفي الحديث سيدي الذي هو في الصحيح:

((يُؤتَى بالرجل يوم القيامة فيُلْقى في النار، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بها كما يدُور الحمار في الرَّحَى، فيجتمع إِليه أَهلُ النار، فيقولون: يا فُلانُ مالك؟ أَلم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنتُ آمر بالمعروف ولا آتيه، وأَنْهَى عن المنكر وآتيه))

[متفق عليه عن أسامة بن زيد]

 إذاً سيدي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أي حد يستطيع من يسير في التوبة في منهج التائبين أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انطلاقاً من الإيمان بالله :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الآية التي تقول:

﴿ كُنْتُمْ ﴾

[ سورة آل عمران:110]

 أي أصبحتم.

﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران:110]

 ما علة هذه الخيرية؟

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

[ سورة آل عمران:110]

 لكن لا عن ذكاء اجتماعي، لا عن تحصيل مكانة اجتماعية، لا عن استمرار منصب معين.

﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران:110]

 الباعث لهذا الأمر، وهذا النهي انطلاقاً من إيمانك بالله، لذلك ورد في الأثر:" كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ - فالصحابة صعقوا- قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟- الصعقة أشد كانت- فلما سُئل: وما أشدّ منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟" أخطر شيء تبدل القيم.
أذكر تماماً أن هناك شاعراً دخل السجن بأمر سيدنا عمر لبيت قاله:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 قد يكون هذا الكلام شعار كل إنسان في هذا العصر، الانسحاب من الشأن العام، لا علاقة لنا، هذا أكبر خطأ يرتكبه المؤمن.

 

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد مفردات التائب إلى الله عز وجل في حدود ما يعلم، ومع من يعرف.
 جزاكم الله خيراً، أخوتي الأكارم؛ بقي لنا في ختام هذا اللقاء أن نشكر لشيخنا ما تفضل به، وأمتعنا به، وأن نشكر لكم حسن المتابعة، سائلين المولى جلّ جلاله لكم دوام الصحة والعافية، متمنين أن نلقاكم دائماً وأنتم في أحسن حال، إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته