برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 09 - لآيات الله التكوينية النظر - معية الله عامة وخاصة.

2019-05-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين.

النظر موقف كل إنسان من آيات الله التكوينية :

 أيها الأخوة الكرام؛ تحدثنا في لقاء سابق عن آيات الله الكونية، وذكرت لكم في ذلك اللقاء الطيب أن الآيات الكونية تقتضي التفكر، ولله آيات أخرى هي التكوينية، ما معنى التكوينية؟ أي أفعاله، خلقه آيات كونية، وأفعاله آيات تكوينية، موقفنا من الآيات الكونية التفكر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 أما موقفنا من الآيات التكوينية فالنظر، والأصل في هذا آيتان، قال تعالى:

﴿ فَسيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة آل عمران: ١٣٧]

 هذا المكذب ما مصيره؟ هل دفع ثمن معصيته غالياً؟ هل لقي عقاب الله لاحقاً؟ هل عاش المستقبل؟ أتمنى على كل إنسان فضلاً على أنه يعيش حاضره وماضيه، أن يعيش المستقبل، المستقبل ماذا فيه؟ فيه مغادرة الدنيا، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

والليل مهما طال  فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال  فلا بد من نزول القبر
***

الإنسان بقبضة الله فبطولته أن يعبده و يطيعه :

 أما القسم الأول من هذا اللقاء الطيب فقد قال تعالى:

﴿ قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة الأنعام: ١١]

 لي صديق كان قاضياً، وفي بيت بأحد أهم أحياء دمشق مات صاحبه جاء إنسان أبرز عقد شراء منذ عشر سنوات، شيء عجيب مادام هذا البيت اشتريته منذ عشر سنوات لم لم تطالب به؟ لا يوجد معه جواب، فالقاضي معه ورقة رسمية متقنة جداً، قلت: متقنة لئلا يظن أنها حقيقية، متقنة جداً، دعاه إلى حلف اليمين الحاسمة في القضاء، فبقي رافعاً يده، والحقيقة كان ممسكاً طرف المنصة بيده اليسرى، رفع يده اليمنى وأبقاها مرتفعة، فغضب القاضي قال له: أنزل يدك، كان قد مات، مات لفوره، أنا أقول كلمة: الله كبير، الإنسان بقبضة الله بلمحة يفقد بصره، بلمحة يفقد حركته، بلمحة يفقد عقله، نحن في قبضة الله، فالبطولة والعقل والذكاء أن نعبده، أن نحبه، أن نطيعه، أن نتقرب إليه، فلذلك:

﴿ فَسيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة آل عمران: ١٣٧]

 جاءت الفاء هنا للترتيب على التعقيب، لمجرد أن حلف اليمين الكاذبة شلّ كلياً، هذه حالة.
 يوجد حالة ثانية، قال تعالى:

﴿ قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة الأنعام: ١١]

 بالمناسبة الفاء وثم أداتان للعطف، إلا أن الفاء للترتيب على التعقيب، تقول: دخل الطلاب فالمعلم، دخل بعدهم مباشرةً، أما دخل الطلاب ثم المعلم بعد ساعة، فللترتيب على التعقيب، بينما ثم للترتيب على التراخي، وهذه حروف العطف لها معان دقيقة جداً، حروف الجر لها معان دقيقة جداً، لكن بالمناسبة الشيء بالشيء يذكر، يوجد نحاة صاغوا النحو شعراً، أحدهم صاغ أحرف الجر، قال:

هاك حروف الجرّ وهي من إلى  حتّى خلا حاشا عدا في عن على
مذ منذ ربّ اللاّم كي واو وتــــــا  والكاف والبــــــا ولعـــــــــلّ ومتـــــــــى
* * *

 كل فروع الجر في هذين البيتين من الشعر.
 الآية الثانية:

﴿ قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا ﴾

[سورة الأنعام: ١١]

 فهذا الشاهد الثاني على هذه القصة أن إنساناً متهماً بقتل إنسان، سيق إلى المحكمة، وحكم عليه بالإعدام، وسيق إلى مكان الإعدام، ووضع الحبل في رقبته، فقال قبل أن يشنق: أنا الآن سوف أموت متهماً بقتل إنسان والله أنا ما قتلته، لكنني قتلت إنساناً قبل ثلاثين عاماً، قال تعالى:

﴿ قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا ﴾

[سورة الأنعام: ١١]

 القصة الثانية على ثم، للترتيب على التراخي، أي أنت في قبضة الله دائماً إما يأتي العقاب فوراً، أو بعد حين، أما أن تفعل ما تشاء، وأن تعتدي على من تشاء، وأن تبني مجدك على أنقاض الآخرين، وأن تبني حياتك على موتهم، وصحتك على سقمهم، وغناك على فقرهم، وقوتك على ضعفهم، يوجد إله عظيم سوف ينتقم، وسوف يقيم الحق بين عباده في الدنيا قبل الآخرة.

البطولة والنجاح والتفوق أن تعرف الله :

 لذلك أيها الأخوة الكرام؛

﴿ قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة الأنعام: ١١]

 لكن أحياناً إنسان يقول لك: أنا مع الله، وكن مع الله تر الله معك، هناك بحث لطيف جداً عن هذه المعية، قال بعضهم: هناك معية عامة، هي معية علم فقط، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

.

[ سورة الحديد: 4 ]

 الله مع الكافر، مع الملحد، مع الطاغية، هذه معية عامة، أي معية علم فقط، لكن إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 19 ]

 معهم بالحفظ، والتوفيق، والدعم، والنجاح، والتفوق حدث ولا حرج، بالمعية الخاصة.

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 19 ]

 إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ لذلك البطولة والنجاح والتفوق والتوفيق أن تعرف الله، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.

مساعي البشر محصورة في حقلين اثنين :

 قال تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

[سورة الليل1-3]

 دققوا:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل: 4]

 ثمانية مليارات إنسان يتحركون، كل واحد يسعى إلى شيء، هذا إلى زواج، هذا إلى شركة، هذا إلى قتال، هذا إلى معصية، هذا إلى طاعة:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل: 4]

 ولكن حكمة الله في كتابه الكريم أنه جعل كل هذه المساعي لبني البشر في حقلين اثنين، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل5-6]

 والحسنى هي الجنة، الذي صدق بالحسنى من لوازم تصديقه لها يتقي أن يعصي الله، ومن لوازم تصديقه أيضاً أن يعطي، يبني حياته على العطاء، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، لذلك:

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل5-6]

 ثلاث خصائص، لأنه صدق بالجنة، والجنة هي الحسنى، فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، الطرف الآخر قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل8-9]

 فلما كذب بالحسنى، استغنى عن طاعة الله، بنى حياته على الأخذ، فالأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا.

الدعاء :

 اللهم أحسن عاقبتنا من الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، و لك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، وقولك الحق، ودعاؤك حق.