برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 06 - السعادة الحقيقية للمؤمن تكمن في وعد الله.

2019-05-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ضرورة اتساع صدر الداعية لكل انتقاد أو اعتراض :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ أيها الأخوة الأحباب؛ الإنسان ينتهز فرصاً كثيرة كي يعرف الحق، لكن الداعية إلى الله يجب أن يتسع صدره للآخر لنقده أحياناً، ولاستفهامه أحياناً أخرى، فما لم نستوعب الحاضرين على اختلاف ثقافاتهم واهتماماتهم وأطيافهم لا يمكن أن نكون دعاة صادقين متفوقين.
 أضرب هذه الأقصوصة أو إن صح التعبير الحكاية، كنت مرة في مجلس يضم عدداً ليس بالقليل من الناس في سهرة، أنا أحدثكم عن المؤمن، وعن حياته الدنيوية، وعن وعده بالجنة يوم القيامة، وكان الحديث شجياً، وممتعاً، ومتألقاً كثيراً، ولكن أحدهم قاطعني فقال: أنا لست قانعاً بهذا الكلام..
 أقول لكم مرة ثانية المتكلم يجب أن يتسع صدره لكل اعتراض، هكذا الداعية، ما لم تملك إجابة علمية مؤصلة مع الدليل القوي في القرآن والسنة والواقع والعلم لن تكون داعية، ما لم يتسع صدرك لهؤلاء المعارضين، للمنتقدين أحياناً، وهذا لن ينجو منه الأنبياء، ورد في الأثر أن سيدنا موسى قال: يا رب لا تبقي لي عدواً، فكان كلام الإله لموسى وكان كليم الله: يا موسى هذه ليست لي. لا بد من طرف آخر، كان من الممكن أن يكون الكفار في كوكب آخر، كوكب آخر بعيد عنا، أو في قارة واحدة، أو في حقبة واحدة، ولكن شاءت حكمة الله أن نكون معاً على أرض واحدة، وفي وقت واحد، وفي ظروف واحدة، ما الحكمة؟ الحكمة أن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، وإن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية، لذلك أن يكون معنا طرف آخر، طرف يناقضنا في فكرنا، وفي سلوكنا، طرف ينتقضنا، طرف يرفضنا، هذا شأن الواقع، والواقع مقبول عند كل الدعاة إلى الله، لذلك اتسع لمن ينتقض، أجب بهدوء لا تنفعل، أدّ له الدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء.

الدين شيء خطير :

 أنا أتمنى من أخوتي المشاهدين في الدين الانتباه لهذا النص الخطير:" إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، ابن عمر دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ".
 أنا أنصح أخوتي المشاهدين، من القلب إلى القلب، الدين شيء خطير، له مصير خطير، هذا الدين لا يقبل كلاماً بلا دليل، لا يقبل تمنيات، لا يقبل تصورات، لا يقبل شطحات، لا تقبل شيئاً إلا بالدليل، وبالمقابل لا ترفض إلا بالدليل.

السعادة الحقيقية للمؤمن تكمن في وعد الله له بالجنة :

 لذلك هذا الشخص قال: نحن نعيش حياتنا في أزمة اقتصادية يعانيها المؤمن، يوجد جو حار يعانيه المؤمن، المؤمن واحد منا ليس له أية ميزة تميزه عن غيره، هو واحد من مجموع، أنا قلت له - طبعاً من فضل الله هذا المثل في القرآن الكريم أستخدمه كثيراً -: تصور إنساناً عنده ثمانية أولاد، يسكنون جميعاً في غرفة واحدة، ولا يملك من مبالغ الإنفاق عليهم إلا القليل، قد يكون دخله يكفي لعدة أيام فقط، وهذه الغرفة يوجد دعوى على المستأجر بالإخلاء، وأولاده كثر، ودخله قليل، أنا الحقيقة ركبت حالة من أصعب الحالات، هذا الإنسان الفقير فقراً مدقعاً، عنده أولاد كثر، عليه ديون، غرفته صغيرة، عليه أقساط، عليه معالجتهم طبياً، عليه تأمين طعامهم، له عم يملك مئة مليون، ثروة طائلة، وليس عنده أولاد، ومات في حادث، عملياً فقهياً بحسب أحكام المواريث كل هذا المبلغ الضخم مئة مليون انتقل بثانية واحدة إلى هذا الوريث، شخص من فقر مدقع، من حاجة شديدة، من أولاد كثر، من دخل قليل، من غرفة قميئة إلى مئة مليون، لكن في كل البلاد يوجد ما يسمى بالإجراءات الإدارية المعقدة، يحتاج إلى براءات ذمة، وإلى موافقات، وإلى، وإلى، في النتيجة لا يستطيع أن يقبض قرشاً واحداً قبل عام، لماذا هو في هذا العام أسعد إنسان في الأرض؟ لم يأكل لقمة زائدة، لم يشتر دراجة، أبداً حياته القديمة في غرفة قميئة مع أولاد كثر مع دخل محدود، لكنه دخل في الوعد، عنده مئة مليون قطعاً سوف تأتيه بعد عام.

تعريف المؤمن :

 الآن لنستمع إلى القرآن الكريم:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة القصص :61 ]

 من هو المؤمن؟ إنسان يعيش في بلد، في جو معين، في ظروف معينة، في طقس معين، في حاجات معينة، في مآس معينة، في عقبات معينة، في صوارف معينة، لكن الله ميزه بوعده، و زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، وعده بجنة عرضها السماوات والأرض فيها:

(( ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 وعده بحياة طيبة في الدنيا قبل الآخرة، وعده بزواج متماسك، وعده بأولاد أبرار، رباهم تربية دينية، وعده بسمعة طيبة، وعده بمكانة كبيرة، والله الذي لا إله إلا هو لو ذهبت لتحصي وعود الله للمؤمن في الدنيا لا تنتهي، أي سعادة على تماسك على مكانة على حكمة، والحكمة أكبر عطاء إلهي، ومن هنا قال تعالى:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 لذلك دائماً وأبداً البطولة لا أن تعيش واقعك المؤلم، أن تعيش واقعك المؤلم مع وعد الله بالنصر، والفوز، والجنة إن شاء الله، فلذلك الآية تقول:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة القصص :61 ]

الدعاء :

 اللهم ارزقنا العمل بكتابك، اللهم ارزقنا التخلق بكتابك، والتأسي بنبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعل ما تلوناه حجة لنا لا حجة علينا، يا إلهنا، وخالقنا، ورازقنا، اللهم تقبل صيامنا، ودعاءنا، وتلاوتنا، وقيامنا يا رب العالمين.