برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 05 - الفروق بين حقائق الإيمان وحلاوة الإيمان.

2019-05-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الفرق بين حقائق الإيمان و حلاوة الإيمان :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ هناك مفارقة حادة في حياتنا، الأمة الإسلامية تملك نصف ثروات الأرض، والأمة الإسلامية تتربع على أخطر موقع إستراتيجي في الأرض، وتملك لغة واحدة، وأهدافاً واحدة، ومصيراً واحداً، هناك حديث طويل عن عوامل التوحد بين المسلمين وأفراد الأمة، لكن كأن وعود الله عز وجل ليست محققة، قال تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

 آيات كثيرة تزيد عن عشرين آية تعد بالنصر، هناك مفارقة حادة بين واقع المسلمين وبين وعود الله لنا بالنصر، الحقيقة يوجد إجابات كثيرة، أحد هذه الإجابات هناك مصطلح دقيق جداً اسمه: حقائق الإيمان، وهناك مصطلح آخر اسمه: حلاوة الإيمان، والفرق بينهما شاسع جداً، أي أن تملك كتيباً لأرقى سيارة في العالم، السيارة مصورة في هذا الكتيب بألوان متعددة، بأوضاع متعددة، بنماذج متعددة، بخلفية متعددة، هذا كتالوج، بالتعبير المعاصر كتيب، فبين أن تملك هذا الكتالوج وبين أن تملك هذه السيارة مسافة كبيرة جداً جداً، بين أن تملك مخططاً وأن تملك أصل المخطط، لذلك أن تملك المخطط هذه حقائق الإيمان، وأن تملك الأصل هذه حلاوة الإيمان، كأن الصحابة الكرام ذاقوا حلاوة الإيمان، ذاقوا حلاوة الإخلاص، ذاقوا حلاوة التعاون، ذاقوا حلاوة النصر، ذاقوا حلاوة العز، ذاقوا حلاوة أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، هذه كلها ذاقوها فكانوا في قمم المجتمعات البشرية، لكن حينما بقيت هذه نصوصاً ندرسها، ومدارس، وجامعات، وهذا المنهج التفصيلي افعل ولا تفعل لا يطبق في الحياة اليومية، أي هناك أشياء كثيرة بخلاف عقيدتنا، متع كثيرة لا ترضي الله عز وجل، اختلاطات كثيرة في مجتمعاتنا، تجاوزات كثيرة في كسب أموالنا، خلافات كثيرة بيننا، هذا المجتمع الذي وعده الله بالنصر، قال تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

 النصر غير محقق، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

الدين منهج تفصيلي ما لم نطبقه لن نقطف ثماره :

 لذلك أركان الإسلام حقائق، معلومات، نصوص، أفكار، مراجع، كتب، جامعات، مناهج، فحوص، شهادات، وظائف، أما الدين فهو منهج تفصيلي، يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، وما لم نطبق هذا المنهج التفصيلي لن نقطف من هذا الدين شيئاً، لذلك:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان]

 الصلاة انتهت، الفرض الأول المتكرر الذي لا يسقط بحال هو الصلاة، الصلاة انتهت، شيء آخر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تعطل، الصيام؛ رب جائع وليس له من هذا الجوع أجر إطلاقاً، جاع عن الطعام والشراب، ترك الطعام والشراب، ما ترك الغيبة والنميمة ومتابعة الأفلام التي لا ترضي الله، واللقاءات التي لا ترضي الله، هذا الشهر شهر رمضان إذا كان فقط مسلسلات، ولقاءات، وولائم، فرغ من مضمونه كلياً، هذا الشهر يرقى بالإنسان من مرتبة إلى مرتبة، من درجة إلى درجة، من إسلام إلى إيمان، من إيمان إلى تقوى، من تطبيق للشرع إلى رؤية لحقيقة الشرع، مسافة كبيرة، فلذلك ما لم ننتقل برمضان نقلة نوعية قد يقال لا جدوى من هذا الصيام، لذلك هناك حلاوة الإيمان وهناك حقائق الإيمان.

محبة الله في قرآنه و النبي في سنته :

 الشيء الدقيق جداً جداً يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا.. ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 أن يكون الله في قرآنه، ورسوله في سنته، أحب إليه مما سواهم.
 لو سألنا ملياري مسلم اليوم: أليس الله ورسوله أحب إليك؟ يقول: نعم، لا، ليس هذا هو الجواب، الله ورسوله أحب للمؤمن مما سواهما عند التعارض، حينما تتعارض حرفة مع منهج الله، حينما يتعارض قبض مال لا يرضي الله، حينما يتعارض لقاء لا يرضي الله، فقدنا هذه الخيرية عندئذ، فلذلك:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ.. ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 هذا اسمه الولاء والبراء، والولاء والبراء الفريضة السادسة أن توالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وأن تتبرأ من غيرهم من المشركين ولو كانوا أقوياء وأغنياء.

الحب في الله عين التوحيد والحب مع الله عين الشرك :

 لذلك:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ..))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 الحب في الله، والبغض في الله، الحب في الله عين التوحيد، تحب الله، ورسوله، والأنبياء، والرسل، والعلماء الربانيين، والمساجد، والعمل الصالح، والصلوات، وإعطاء الأموال للفقراء، هذه كلها من فروع محبة الله، الحب في الله عين التوحيد والحب مع الله عين الشرك، أن تحب جهة تمنعك أن تطيع الله، أو تحملك على معصيته، هذه ينبغي أن نبتعد عنها، إذاً:

(( .. وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 الحقيقة تمسك المؤمن بدينه تمسكاً عالياً يشبه إنساناً في قمة جبل لن تصل إليه أية موجة في البحر، أما إنسان على شط البحر موجة عاتية تأخذه إلى البحر.
 أرجو الله عز وجل أن يكون هذا القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء أبصارنا، وضياء قلوبنا أيضاً ونوراً لأجسامنا، ودواء أيضاً ومن الذنوب ممحصاً، وعن النار مخلصاً، وإلى أعلى جناتك يا رب قائداً يا رب العالمين.