برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 04 - معاني الزكاة.

2019-05-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ الحقيقة أن للإسلام أركاناً، أركان الإسلام؛ الصلاة والصوم والحج والزكاة، لكن من أركان الإسلام الزكاة، أروع ما في الزكاة تسميتها، إنها تزكي النفوس، تطهرها، تقربها إلى الله، ولم يوفق أهل الأرض بتسمية الضريبة ضريبة لأنها من الضرب، أما التزكية فعلاقتها بالزكاة علاقة لغوية، أنت بدفع المال تزكو، والدليل قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 هذا التعليل، والأمر إذا جاءه تعليل يكون رائعاً جداً، والمربي الحكيم يعطي الأوامر مع التعليل:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 والحقيقة لحكمة بالغة نحن في الأرض لا بد من عمل صالح يصلح للعرض على الله، وإنفاق المال على رأس الأعمال الصالحة، أنت بالمال تطعم الجياع، تكسو العراة، تؤسس معاهد شرعية، مستشفيات وطنية، تعمل أعمالاً لا تنتهي، علة وجود الإنسان في الدنيا العمل الصالح، بل إن حجمه عند الله بحجم عمله الصالح، قال تعالى:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 والعمل الصالح كما قلنا سابقاً سمي صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله، فلذلك الزكاة أحد أركان الإسلام الكبرى.

رسائل الله توجه للإنسان في الحياة الدنيا للاستقامة على أمره :

 لكن أحياناً هناك حكاية، الحكاية لها مغزى كبير، والقرآن ممتلئ بالقصص، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ﴾

[سورة يوسف:111]

 أذكر تماماً أخاً من أخوتي في المسجد زكاة ماله كانت اثني عشر ألفاً وأربعمئة وخمسين ليرة بالضبط، بالتمام والكمال، له زوجة ضغطت عليه ضغطاً شديداً كي يرمم البيت، فاستجاب لضغوطها ورمم البيت، له مركبة عمل حادثاً، تصليح المركبة بالتمام والكمال كان اثني عشر ألفاً وأربعمئة وخمسين ليرة، توافق الرقمين رسالة من الله.
 أنا أقول لأخوتي المشاهدين هناك مئات الرسائل توجه للإنسان في الحياة الدنيا، إن الله رحيم يريدنا أن نستقيم على أمره قبل فوات الأوان، يريدنا أن نعمل صالحاً وهو علة وجودنا في الدنيا قبل الآخرة، يريد أن نكون معه، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ يريد أن نسعد بقربه.

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
***

كلما زاد الإيمان زادت معه العفة :

 الكمال عند الله، الجمال عند الله، العطاء من الله:

((ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء))

[ تفسير ابن كثير]

 الله عز وجل مصدر الجمال في الكون، والكمال، والنوال، الجمال حسي تسعد بقربه، إن لم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني هناك مشكلة مع الله، أنت مع الرحيم، مع العليم، مع الحكيم، أنت حينما تنفق المال، هذا المال محبب للإنسان، والإنفاق يأتي بآيات كثيرة قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 والإنسان إذا دفع ماله ارتقى عند الله، إذا دفع ماله تماسك المجتمع، إذا دفع ماله صار المجتمع سداً منيعاً تجاه الطرف الآخر، لذلك هذا الفقير من له غير الغني؟ لماذا جعل الله البشر متفاوتين في المال؟ كي يرقى الغني بإنفاق ماله، ويرقى الفقير بأخذ هذا المال، لكن كلما زاد الإيمان زادت معه العفة، فالفقير المتعفف له شأن كبير عند الله، ورد بالآثار القدسية: أحبّ المتصدقين وحبي للفقير المتصدق أشد، أحبّ المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، أحبّ العلماء وحبي للشاب العالم أشد، أكره ثلاثاً وبغضي لثلاث أشد، أبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد.
 لذلك أيها الأخوة؛ أن يحبك الله شيء كبير جداً، أن يحبك خالق الأكوان، أن يحبك خالق الإنسان، أن يحبك من بيده ملكوت السماوات والأرض، أي إذا أعطاك من يمنعه وإذا منعك فمن يعطيك؟

 

الزكاة حصن للمال و تعاون و عطاء :

 أيها الأخوة الكرام؛ أصل هذا الدين إقبال على الله تنعم بكمالاته، استنار بنوره، هو الموفق، هو المعطي، هو كل شيء بحياة الإنسان، فإذا تعاملت مع الله على أنه إله عظيم كريم يعطي كنت أسعد الناس، وقد لا يكون الوضع المادي له علاقة بهذا، أنت ينبغي أن تقول: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، فلذلك الزكاة تؤلف القلوب، تخفف الفروق الطبقية بين المجتمع، المجتمع المسلم قوي، متماسك، متعاون، والتعاون شرع، قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة :2]

 مع الأسف الشديد الشديد الطرف الآخر يتعاون تعاوناً مذهلاً، وبين أطراف الطرف الآخر خمسة بالمئة قواسم مشتركة، و مع الأسف الأشد أن المسلمين يوجد بينهم خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة، ومع ذلك يتخاصمون بل يتقاتلون، هذا من ضعف إيمانهم، وضعف قربهم من الله، من هنا كان حبس الزكاة عقاباً كبيراً من الله عز وجل، وحبس الزكاة يعني:

(( ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة ))

[ الطبراني في المعجم الأوسط عن أبي هريرة]

 أعرف شخصاً غرقت باخرة كبيرة في البحر الأحمر وعليها بضاعته، وهو يؤدي زكاة ماله بالتمام والكمال، أقسم لي بالله بعد استخراج الباخرة باع بضاعته بعشرة أضعاف أمثالها، هذه الزكاة حصن للمال:

(( حصنوا أموالكم بالزكاة))

[الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 والزكاة تعاون، الزكاة عطاء، الزكاة إنسانية، والمواطنون يتماسكون بالزكاة ويختلفون بعدم الزكاة.

 

الدعاء :

 اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، ناصيتنا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وقائدنا وسائقنا إلى رضوانك، وإلى جناتك جنات النعيم.