الدرس : 240 - النعم إذا أُلِفَتْ نُسِيَتْ - أسس توزيع الحظوظ - أنواع اليقين - التفكر بمآل المعاصي.

2017-12-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

النعم إذا أُلفت نسيت :

 أيها الأخوة الكرام؛ لو أن إنساناً أعطاك ليرة واحدة، وقال لك: عدها، هذا الكلام كيف يُفهم؟ واحدة، كيف أعدها؟ الآية تقول:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

[ سورة إبراهيم: 34]

 
الحقيقة يوجد معنى دقيق يفرق به بين العدل والإحصاء، لقد عدهم وأحصاهم، العد شيء والإحصاء شيء، أنت معلم يوجد عندك خمسون طالباً، كم عددهم؟ خمسون كلمة واحدة، ما إحصاؤهم؟ يوجد تفوق، وتخلف، وقوة، وضعف، وأدب، وقلة أدب، يتكلم عن الخمسين طالباً مئة صفحة، الإحصاء غير العد، لذلك:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

[ سورة إبراهيم: 34]

 أخواننا الكرام، شخص سافر لأمريكا، غاب شهرين، خلال شهرين لا يدخل في خاطره ولا لثانية واحدة أن هناك إنساناً أجنبياً دخل لبيته بغيابه، هذه نعمة لا تقدر بثمن، إلا أنك ألفتها، والنعم إذا أُلفت نُسيت، أين بطولتك؟ أن تشكر النعم التي أُلفت، النعم إذا أُلفت نُسيت، فأنت معك مليون نعمة لكنك دون أن تشعر تفكر فيما ينقصك، الزوجة الصالحة نعمة، السمعة الطيبة نعمة، سلامة صحتك، خمس حواس، تمشي على قدمين، تخدم نفسك بنفسك، هذه نعم لا تقدر بثمن، البطولة النعم التي ألفتُ تنسى، أين بطولة المؤمن؟ في النعم التي أُلفت، فكلما شكرت الله على نعمة مألوفة كلما كنت أقرب إلى الله عز وجل.

 

بعض النعم المألوفة :

 لذلك من هذه النعم المألوفة عملك الشاق؛ لك عمل شاق، عملك الشاق هو حلم كل إنسان عاطل، إن شكوت عن عملك، أخي العمل طويل، المدير صعب، ولا يوجد عطل عنده، ولا يوجد إجازات، لكن الذي لا يوجد عنده عمل، عاطل يتمنى عملك، فعملك الشاق حلم كل إنسان عاطل، اشكر الله.
 الزوجة الصالحة؛ أنا بحكم عملي بالدعوة، إذا عندي حوالي عشرة آلاف شخص أجد أن حوالي أربعة أشخاص أو خمسة يشكون بزوجاتهم، لا ينامون الليل، هو بالمحل التجاري يبعث الموظف ليقف أمام البيت و يرى هل دخل أحد للبيت؟ أنت لا يوجد عندك شك ولا واحد بالمليون بزوجتك هذه نعمة أيضاً لا تقدر بثمن.
 
حاول من الآن فصاعداً أن تبحث عن النعم التي أُلفت.
 شخص كان بالشام بمنصب معاون وزير الصناعة، هو صديق صديقي، فقد بصره، أقسم له بالله قال له: أتمنى أن أجلس على الرضيف أتكفف الناس، ولا أملك إلا ما ألبس، على أن يرد الله لي بصري، البصر قليل؟
 من باب التعليق: أحد الأدباء الكبار بمصر طه حسين، كان كفيف البصر، أين كان يصيف؟ بالنمسا، قلت: ما من داع للنمسا، إن صيف بصعيد مصر بغرفة مكيفة مثل النمسا لأنه لا يبصر.
 والله يوجد نعم يا أخوان تذوب شكراً لله عليها، الزوجة الصالحة نعمة كبيرة، يوجد تأفف دائماً، الإيجابيات ننساها، عود نفسك أن تشكر النعم التي بين يديك.
 الآن ابنك المزعج لا تحتمله أحياناً، في سن المراهقة، وليس منضبطاً، يأتي الساعة الثانية ليلاً، تتكلم معه بكلمة يردها بعشر كلمات، هذا ابنك المزعج حلم كل إنسان عقيم لا يوجد عنده أولاد، يتمنى ولداً مزعجاً.
 الآن بيتك الصغير حلم كل مشرد، ستون متراً، لكن معك مفتاح بيت.
 أنا كان لي عمل تجاري، كنت بحلب أنهينا عملنا الساعة الرابعة، وهناك عدة أشخاص وعدونا بدفعة في اليوم الثاني، احتجنا أن ننام بالفندق، من الرابعة للثانية عشرة ليلاً، فلم نجد مكاناً ننام فيه، ثم وجدنا فندقاً من الدرجة العاشرة، نمنا بالممر على فراش لم يغسل منذ سنة، أنا كلما أدخل للبيت أقول: "الحمد لله الذي آواني، وكم ممن لا مأوى له".
 معك مفتاح بيت، لا يهم إن كان ملكاً أم أجرة، كبيراً أم صغيراً، عالياً أم منخفضاً، معك مفتاح بيت مستور، فأنت كلما أوغلت بهذه النعم المألوفة تحب الله، ما الدليل؟

((أحِبُّوا الله لما يَغْذوكم من نعمه))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما]

 أنا أعرف عدة أشخاص قلائل كثيراً، عنده شك بزوجته، لا ينام الليل، دائماً قلق، هل دخل أحد للمنزل؟ يضع كاميرا، مرة يبعث الصانع ليرى إن دخل أحد لبيته، أنت لا يوجد عندك شك بزوجتك ولا واحد بالمليون، هذه نعمة كبيرة.
 الآن عافيتك حلم كل مريض، كان النبي إذا استيقظ صباحاً يقول: " الحمد لله الذي مد لي في أجلي" أي سمح لك أن تعيش يوماً جديداً، "وعافاني في بدني" استيقظ ذهب إلى الحمام، توضأ، وصلى، عافاك في بدنك، وأذن لك بذكره، وتسكن ببيت.
 الآن ابتسامتك حلم كل مهموم، عافانا الله جميعاً، يستدعى الأب أحياناً إلى المخفر ليتسلم ابنته من دار دعارة، ماذا سيكون موقفه؟ عندك بنات صالحات، مؤمنات، عفيفات، طاهرات، محجبات، أكبر نعمة عندك بنت رائعة، بنت مؤمنة، بنت تحافظ على عرضك، هي نعمة كبيرة، الذي عنده شك ببناته وزوجته حياته جحيم لا تطاق.
 الآن ستر الله لك نعمة، لا أحد له عليك ممسك، المستقيم لا يخشى شيئاً، لا يوجد عنده شيء يستحي فيه إطلاقاً.
 الآن حتى استقامتك حلم لأصحاب الذنوب، لا يوجد حقوق برقبتك، لا تأكل مالاً حراماً، لا يوجد دخل من دار سينما مثلاً، الإنسان عندما يصحو يحاسب نفسه حساباً دقيقاً جداً.
 لذلك اشكر الله على النعم التي أنت فيها، لا يوجد شخص من الحاضرين إلا و عنده ألف نعمة، لكن أُلفت فنسيت.

 

بطولة الإنسان ألا ينسى نعم الله عليه :

 الآن الدعاء النبوي:

(( اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها))

 
إذا زالت تراها صارخة، أين البطولة؟ النعم التي إذا أُلفت نسيت، أنت كمؤمن لا تنسى النعم، عندك أولاد، الذي لا يوجد عنده أولاد، شخص يكون معه ملايين مملينة يتمنى طفلاً من زوجته لأنه متعلق بها كثيراً، وهي لا تنجب، يوجد هكذا حالات، عندك أولاد ذكور وإناث، بلا عمل، أنت عندك عمل، عندك مفتاح محل، كبير، صغير، أرباحه طائلة، غير طائلة، عندك مورد رزق، عزيز النفس، وطن نفسك أن تشكر النعم التي ألفت، واشكر الله عليها حتى تزيد.
 مرة كنت بتركيا سمعت قصة وتأثرت تأثراً كبيراً جداً، شخص يوناني قدم للسياحة بتركيا في الصيف، وتركيا مدينة من أجمل المدن، وصل إلى المدينة الساعة الثانية عشرة، بحث عن فندق فلم يجد، لم يجد فندقاً خمس نجوم، ولا أربع، ولا ثلاث، ولا اثنتين، ولا نجمة واحدة، ولا بانسيون، ولا غرفة، لم يعد يتحمل، ثم طرق باباً لا على التعيين، قال له: ممكن ننام عندك الليلة؟ حوالي ساعة بعد العشاء، لا يوجد مكان، فاستقبله صاحب البيت استقبالاً لا يصدق، ثم قال له: يوجد عندي بيتان، هذا البيت لك، هذه غرفة النوم، وهذه غرفة الأولاد، وهذا المطبخ، وهذا البراد، كل شيء لك، هذا شعر بسعادة لا توصف أبداً، عشر ساعات يبحث عن غرفة ينام فيها، وجد بيتاً، القصة ليست هنا، هو مسيحي، يوناني، استيقظ صباحاً، ماذا قال له صاحب البيت؟ عندي بيت ثان، وجد صاحب البيت وأولاده ينامون تحت شجرة أمام البيت، كان سبب إسلامه والله.
أخواننا الكرام؛ النعم التي أُلفت ينبغي أن تشكرها، النعم التي لا ينتبه لها أحد.

 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء :

 أخواننا الكرام، لذلك نضطر أن نتكلم كلمة طيبة: كلمة حظوظ مفردها حظ، الصحة حظ، والقوة حظ، والغنى حظ، والوسامة حظ، والنسب الطيب حظ، عندك زوجة صالحة حظ، هذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، هذا غني مبتلى بالغنى، مادة امتحانك مع الله الغنى، وهذا الفقير مبتلى بالفقر، مادة امتحانك مع الله الفقر، وهذا صحيح، مادة امتحانك مع الله الصحة، هذه الصحة تبذل في المعصية؟ أعوذ بالله، تتمتع بحواسك الخمس، ومكانتك، وعندك دخل وبيت، هذه نعم كبيرة جداً.
 
لذلك الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، دقق الآن: عاش ستين سنة، أنا سأحضر مثلاً بسيطاً: شخصان؛ الأول مادة امتحانه مع الله الفقر، والثاني مادة امتحانه الغنى، والاثنان عاشا ستين سنة، ثم ماتا، الذي نجح بامتحان الفقر كان صابراً، متعففاً، أدار حياته بحكمة بالغة، بدقة بالغة، نجح بامتحان الفقر، استحق الجنة، والذي رسب بامتحان الغنى استحق النار.
 لا تنظر إلى الدنيا، ليس لها قيمة، انظر إلى الآخرة، هذا الفقير الذي تعفف، ولم يمد يده للحرام، وكان راضياً عن الله، استحق الجنة، وهذا الغني البطران، المتكبر، المتعجرف، الذي كلما دخل لبيت صغير يقول لصاحبه: كيف تعيش في هذا البيت؟ و صاحبه يعتبره جنة، اسكت لم يكن عنده بيت، اشترى بيتاً، النعم إذا أُلفت نسيت.
 لذلك الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، الجزاء أبدي، والابتلاء سنوات محدودة، فالعبرة للمآل، العبرة للنهايات.
 مثلاً: طالبان، الأول لا يدرس، من فيلم لفيلم، من سهرة مع أصدقاء ضالين لسهرة، مرتاح، ينام للساعة العاشرة، يأكل طعاماً غير معقول، لا تراه الآن، انظر له بعد عشرين سنة، وهناك طبيب، له عيادة مثلاً، اشترى بيتاً، وهو متزوج، عنده سيارة، له مكانة، وهذا بلا عمل عاطل، ويتكفف الناس، ويسب الدهر، والله قال:

((لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر))

[الطبراني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه]

 يلعن الساعة التي جاء بها إلى هذه الدنيا مثلاً، هذا كله كلام كفر، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد.
 إذاً الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.

 

من بنى مجده على أنقاض الناس سيعاقب عاجلاً أم آجلاً :

 الآن:

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾

[ سورة التكاثر: 5]

 علم اليقين.

﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾

[ سورة التكاثر: 6]

 كيف؟ شخص يركب سيارة، والطريق انحداره شديد، وبعد مسافة قصيرة يوجد منعطف حاد، زاوية قائمة، ومكبحه تعطل، ماذا يقول؟ انتهينا، هو لم ينته، لكن يقيناً هلك، سيارة مندفعة، وزنها خمسة أطنان، لا يوجد مكبح، والطريق ينتهي بمنعطف حاد، كلما كان عندك بصيرة تعرف مآل المعاصي، المال الحرام.
 شخص يصنع مادة غذائية من غير الحليب، بطريقة كيميائية معقدة جداً، إذا اللبن صفي يقال عنه: لبنة، الكيلو فرضاً بمئة ليرة، أو هنا بعشرة دنانير فرضاً، فكانت أرباحه بهذه المادة عشرة أضعاف، وربح أرباحاً طائلة، يوجد قدرة فائقة لا أحد يعرف أن هذا لبن من دون حليب، من مواد كيميائية، ما مات إلا مجنون، وعاهة، ويمشي بالطريق معاق كلياً، الله كبير، لا تظن إذا بنيت مجدك على أنقاض الآخرين، بنيت حياتك على موتهم، بنيت صحتك على مرضهم، بنيت غناك على فقرهم، تنفد، ما دام هناك إله فلا تنفد.

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[ سورة الغاشية: 25 - 26]

أنواع اليقين :

 أخواننا الكرام؛ آخر شيء بهذا اللقاء الطيب عندنا يقين حسي، ما هي الآية؟

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾

[ سورة التكاثر: 5]

 
اليقين الحسي الحواس الخمس، هذا مصحف، هذه طاولة، هذه ثريا، هنا سجاد، اليقين الحسي سهل جداً، لكن بعضهم أضاف اليقين الحسي، واستطالاته، الميكرسكوب استطالة لحاسة البصر، والتليسكوب استطالة، هذا يقين حسي، وهو شيء ظهرت عينه وآثاره، لا يوجد عليه خلاف إطلاقاً.
 الدواب عندما تغيب الشمس تأتي إلى الإسطبل بنفسها، و الإنسان كذلك عندما تغيب الشمس يأوي إلى بيته، هذا شيء مشترك، لكن البطولة اليقين العقلي، اليقين الحسي شيء ظهرت عينه، وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس، اليقين العقلي شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، كيف؟ جدار وراءه دخان صاعد، ماذا تقول؟ لا دخان بلا نار، النار أنت لم ترها، لكن استدللت عليها بآثار الدخان، لا دخان بلا نار، هذا يقين عقلي، الإيمان كله يقين عقلي، الذات الإلهية لا نراها، لكن الكون كله آثاره، الكون يدل على خالق كامل قويم، ذات كاملة، هذا اليقين العقلي، ديننا كله يقين عقلي.
 أما الإيمان بالملائكة، هل رأيتهم أنت؟ لا، الجن، هل رأيتهم؟
 النقطة الثالثة الإيمان بالملائكة والجن والدار الآخرة، هذا يقين إخباري، فأنت بين يقين حسي، ويقين عقلي، ويقين إخباري، فكل قضية للدين تصنف معك، يوجد يقين حسي:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

[ سورة الغاشية: 17]

 هذا يقين حسي، أما:

﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 21]

 هذا إخباري، الله أخبرنا أمام هؤلاء الفجرة عذاب أليم، فأنت بين اليقين الحسي، وأدواته الحواس الخمس واستطالاتها، وبين اليقين العقلي أن الشيء غابت عينه وبقيت آثاره، أما الإيمان باليوم القيامة، والبعث، والنشور، والملائكة، والجن، وما إلى ذلك، وأشراط الساعة فهذا يقين إخباري.
 فأي قضية بالدين لا بد من أن تنضوي تحت يقين حسي، أو عقلي، أو إخباري.