الدرس : 08 - سورة التوبة - تفسير الآية 5 ، معاملة الكفار بما يستحقونه دون إيذائهم.

2010-04-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الآيات التالية دقيقة جداً يحتاج فهمها إلى إعمال الفكر :

 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثامن من دروس سورة التوبة، ومع الآية الخامسة وهي قوله تعالى:

﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 أيها الأخوة الكرام، هذه الآيات دقيقة جداً، يحتاج فهمها إلى إعمال الفكر، الله عز وجل أمرنا أن نقاتل، من؟ الذين أرادوا إبادتنا.
 أنا أضع بين أيديكم بعض التصريحات لبعض الأعداء الكبار، يقول طاغية كبير: "ربما سيكرهني العالم وسيخشاني بدلاً من أن أشتكي إليه، ربما يخاف من ضرباتي الجنونية بدلاً من أن يعجب بروحي الجميلة، وليرتجف مني، وليعامل بلدي كبلد مجانين، وليقل إننا متوحشون، وإننا نمثل خطر الموت لجميع الجيران، وإننا جميعاً غير أسوياء، ونستطيع أن نغرز أزمة فظيعة إذا قُتل طفل منا واحد، وأن نفجر بسبب ذلك آبار البترول في جميع الشرق الأوسط".
 الله عز وجل هو الخبير، حينما أمرنا أن نقاتل، نقاتل من؟ نقاتل مثل هؤلاء الذين أرادوا إبادتنا.
 في العالم الغربي تمّ قتل ثلاثمئة مليون زنجي، الأخبار الدقيقة جداً عن أعمال الطرف الآخر حينما يسيطرون، لما فتح الفرنجة القدس قتلوا سبعين ألف إنسان في ثلاثة أيام، فمثل هذا الإنسان الذي يتشفى بدماء المسلمين، مثل هذا الإنسان الذي يبني مجده على أنقاض المسلمين، هذه الآية له فقط، لكن أصنافاً كثيرة، فئات كثيرة، أنواعاً كثير من البشر ما أُمرنا أن نقاتلهم أبداً، أنا أتكلم عن مثل هؤلاء.
 صحيفة من أشهر الصحف في بلاد الغرب، قالت: لا توجد قيم ولا أخلاق، إنما هي القوة، والقوة وحدها، ومنذ خمسة آلاف سنة والقوي يفرض ما يريد، وكلما أمعنا في القوة كسبنا أكثر، فنحن حينما استأصلنا الهنود الحمر، والإنكليز حينما استأصلوا سكان أستراليا الأصليين، نجحنا في حسم المعركة.
 أي حربهم حرب إبادة، مثل هؤلاء الذين يريدون إبادة البشر، مثل هؤلاء الذين يريدون أن يقوم مجدهم على أنقاض البشر، مثل هؤلاء الذين يريدون أن يبنوا غناهم على إفقار البشر، مثل هؤلاء الذين يريدون أن يبنوا أمنهم على إخافة البشر، مثل هؤلاء الذين أرادوا أن يبنوا عزهم على إذلال البشر، هؤلاء وحدهم المعنيون بهذه الآية، لئلا يُفهم القرآن على خلاف ما أراد الله، هؤلاء المعنيون بهذه الآية.

 

في تاريخ البشرية جرائم لا يعلم أبعادها إلا الله عز وجل :

 أخواننا الكرام، حينما فتح الفرنجة الأندلس تمت مجزرة تفوق حدّ الخيال، إذا ضُبط الإنسان يغتسل يوم الجمعة يُقتل، إذا ضُبط الإنسان في هذه البلاد يصنع حلوى في أيام العيد يُقتل، فهناك في تاريخ البشرية جرائم لا يعلم أبعادها إلا الله، هؤلاء الفئة القليلة، الطاغية، المجرمة، معنيون بهذه الآية، لئلا يُفهم القرآن على خلاف ما أراد الله عز وجل.
 هناك قصيدة قالها أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس، وهذه القصيدة تعد من الأدب العالمي، لأنها تُرجمت إلى أربع عشرة لغة:

يا راكبين عتاق الخيــــل ضامرة  كأنها في مجـال السبق عقبان
و حاملين سيوف الهند مرهفــــة  كأنها في ظلام النقــع نيران
و راتعين وراء البحر في دعــــة  لهم بأوطانهم عز وسلــطان
أعندكم نبأ من أهل أندلـــــس  فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث صناديد الرجال وهــم  قتلى و أسرى فما يهتز إنسان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهـــم  عليهم من ثياب الذل ألــوان
يا رب أم و طفل حيل بينهمــــا  كما تفرق أرواح و أبـــدان
و طفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت  كأنما هي ياقـوت ومــرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهــــة  و العين باكية و القلب حيـران
لمثل هذا يبكي القــــلب من كمد  إن كان في القلب إسلام و إيمان
* * *

 ليست أحداث غزة عنا ببعيد، من هؤلاء الذين قُتلوا؟ مقاتلون؟ لا، أطفال في عمر الورود، نساء ضعاف، ألف وخمسمئة طفل قُتلوا بأحدث الأسلحة، هذه الآية لهم، لهؤلاء الطغاة، لهؤلاء القتلى، لهؤلاء الذين يبنون مجدهم على أنقاض الشعوب، لهؤلاء الذين يرتاحون للدماء تسيل، هذه الآية لهم وحدهم، لا يذهبن بكم الظن أن الإسلام أمر بهذا إلا مع فئة قليلة جداً، أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، أرادت أن تبني حياتها على موتهم، أمنها على خوفهم، غناها على فقرهم، عزها على ذلهم.
 هذه الآيات لها معنى محدد، وتجاه فئة تريد أن تسيل الدماء في ديار المسلمين، هؤلاء فقط، خمسة آلاف في قلعة في بلاد الشرق البعيد حُصروا في قلعة، وبقوا بلا طعام ولا شراب حتى شربوا أبوالهم، وأكلوا لحوم بعضهم، ثم قُصفوا حتى قُتلوا، هذا الذي تتحدث عنه الآية.

 

الإسلام دين السلام والمحبة والتسامح :

 أما الإسلام دين السلام، دين المحبة، دين التسامح، لما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس، لم تُرق قطرة دم واحدة، وهؤلاء الفرنجة يتحركون آمنين مطمئنين، باعوا متاعهم بأثمانها، ولم يفعل معهم المسلمون شيئاً، حتى قال أحد كبار الفلاسفة تولستوي: "ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب"، طبعاً العرب المسلمون، ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب.
 فأنا أذكر هذه التحفظات لئلا يذهب بكم الظن إلى أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾

 من هذا الصنف، الذين يبنون مجدهم على أنقاض الشعوب.

 

ارتباط كرامة الإنسان بمصير المعركة التي يقودها :

 أيها الأخوة،

﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ ﴾

 ما معنى انسلخ؟ أي شيء لصيق بشيء، كالجلد في الدابة سلخته، أي نزعته، أي هذه الأشهر الحرم إن انسلخت كانت حصناً، كانت درعاً للمشركين، كانت وقاية، كانت حماية.

 

﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾

 مِن الصنف الذي ذكرته قبل قليل، مِن الصنف الذي يهوى سفك الدماء، مِن الصنف الذي يبني مجده على أنقاض البشر، مِن الصنف الذي يتوهم أن له ما ليس للبشر، وأن على غيره ما ليس عليه من البشر.
 أيها الأخوة، معنى ذلك أن الأشهر الحرم لها حكمة بالغة، من أجل حقن الدماء، قد يتحارب جيشان، وكل جيش جعل مصير المعركة منوط بكرامته، فالدماء تسيل، والحرب لا تقف، فتأتي هذه الأشهر الحرم التي حرم الله فيها القتال، في خلال هذه الأشهر يذوق الناس طعم السلامة فيتمنون استمرارها، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تحقن الدماء، لأنه خلق الإنسان على جِبلة خاصة، حينما تسيل الدماء ترتبط كرامة الإنسان بمصير المعركة، فلذلك تستمر الحروب سنوات، وسنوات.
 في تاريخ الجاهلية رجل مدّ رجله، وقال: من كان أشرف مني فليضربها، فقام إنسان وضربها، ودامت الحرب بين قبائل العرب عشر سنوات.
 فالإنسان حينما يثور دم الحقد عنده قد يغدو مجرماً كبيراً، الآية هذه موجهة إلى هذا الصنف وحده، إلى الذي يتلذذ بالقتل، ألف وخمسمئة طفل صغير مع امرأة قُتلوا في حرب غزة، أي هل من الممكن مصارع كبير يمسك طفلاً رضيعاً ويصرعه ويقول: انظروا إلى قوتي؟ أحمق، يجب أن تقف أمام مصارع آخر، هذه الطائرات لجيش آخر لا لأطفال عزّل في بلدة محصورة مكشوفة، لا تملك سلاحاً مضاداً للطائرات، ولا سلاح طيران، وتبرز عضلاتك.

 

 

موقف الإسلام من الآخر :

 حينما اجتاحوا لبنان، دمروا البنية التحتية، من أجل أسير واحد، فلذلك الله هو الخبير، هؤلاء الذي يرون مجدهم في القتل، يرون مجدهم في إسالة الدماء، يرون مجدهم في سفك الدماء، في انتهاك الأعراض، هذه الآية لهم وحدهم، أي لها سياق.
 أضرب مثلاً: أضرب مثلاً: إذا كان هناك بضع شباب في مسبح، وقال أحدهم لزميله: رش فلاناً، ما معنى رش هنا؟ هل معناها اقتله؟ لا ، رشه بالماء فقط، الجو جو مسبح، البيئة بيئة مسبح، رشه أي صب عليه الماء فقط، أما إذا كان في ساحة معركة، وهناك تلاحم، وقال له: رشه أي اقتله، بيئة هذه الآية لا علاقة لها بمشرك مسالم إطلاقاً، لا علاقة لها بمشرك لا يعتدي عليك:

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 7]

 آية واضحة كالشمس:

 

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾

[ سورة الممتحنة الآية: 8]

 أنا أريد أن أُبين موقف الإسلام، الإسلام لا يقبل من جهة أن تتلذذ بسفك الدماء، ولا بقتل الأبرياء، ولا بقتل النساء والأطفال، هذه الآية موجهة لهذا النوع من البشر.

 

التصاق الأشهر الحرام بالناس وكأنها درع لهم تحميهم :

 إنسان فرضاً خلال عشرين أو ثلاثين سنة خطط لإبادة المسلمين، أليس في قتله خلاصاً للمسلمين وشروره؟ هكذا الآية لها سياق، الآية لها سباق، ولها لحاق، ولها سياق، يجب أن نفهم الآية في جوها، فهذه الأشهر الحرم ملتصقة بالناس، وكأنها درع لهم، تحميهم، كأنها وقاية لهم، لذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يذوق الناس طعم السلم، وهل تصدقون أن قوله تعالى:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾

[ سورة النصر]

 ما الفتح؟ صلح الحديبية هو الفتح الحقيقي، أي إشاعة السلام هو النصر الحقيقي، البشر يحبون السلام، يحبون الأمن، الراحة، وهذا تشريع الله عز وجل.

 

بيان معنى انسلخ عنه و انسلخ منه :

 لكن هناك في اللغة ينسلخ عنه، وينسلخ منه، سلخنا الجلد عن الدابة، أي أخذنا جلدها بعيداً عنها، أما انسلخ الإنسان من دينه، أي ابتعد عنه، فرق كبير بين أن نقول: سلخنا عن الدابة جلدها أي نزعناه، وبين أن نقول: انسلخ الإنسان من دينه، والآية:

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ﴾

[ سورة الأعراف الآية:175]

 انسلخت من الشيء أي أنا خرجت منه، أما سلخنا عنه جلده أي نحن أخذنا منه جلده:

 

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ﴾

[ سورة يس الآية: 37]

 فالنهار طارئ، والأصل هو الظلام الدامس، لذلك عندما صعد رائد الفضاء إلى القمر، وتجاوز طبقة الهواء التي تبلغ خمسة وستين ألف كم، صاح بأعلى صوته: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، لأن ظاهرة انتثار الضوء انتهت بعد طبقة الهواء.
 لذلك هذه الحادثة التي ظهرت بعد ألف وأربعمئة عام من بعثة النبي تبين أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.

 

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر]

الله سبحانه وتعالى أراد ألا يجتمع في الجزيرة دينان :

 أيها الأخوة الكرام، الآن بعد إعطاء المشركين مهلة أربعة أشهر، أو إعطاء من لهم عهد إلى انقضاء عهدهم، أراد الله سبحانه وتعالى ألا يجتمع في الجزيرة دينان، مع أنه:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 256]

 ولكن لا بد من جهة يبقى بها الدين الإسلامي مهيمناً، وليكون هذا المكان رمزاً لوحدة المسلمين.
 فلذلك لك أن تؤمن، ولك ألا تؤمن، لأنه:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

 لكن إذا آمنت ينبغي أن تلتزم، ليس لك أن تخرج متى تشاء، وتنقل نقاط الضعف التي توهمتها إلى أعداء المسلمين، فأنت في الأساس مخير، لك أن تؤمن، ولك ألا تؤمن،

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

 أما إذا آمنت ينبغي أن تلتزم، وهذا ما يفهم من بعض هذه الآيات.

 

انتشار الدين بالقدوة لا بالإكراه :

 هناك نقطة ثانية دقيقة جداً، وأتمنى أن توضح لكم:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

 أنت حر في أن تؤمن، أو ألا تؤمن، والدين انتشر بالقدوة، لكن هذا الذي يمنع وصول الدين إلى كل الفئات هذا نقاتله، هذا الذي يلغي حرية الاعتقاد، هذا الذي يلغي حرية التدين، هذا ينبغي أن يُقاتل، لأنه يمنع الخير عمن حوله، هذا دين الله، الآن الدول العظمى الكبرى تريد أن تعمم ثقافتها على الشعوب بالقوة أليس كذلك؟ الدول الكبرى الآن تريد أن تنقل ثقافتها بل إباحيتها إلى الشعوب الضعيفة، بسبب قوتها وهيمنتها.
 فالإسلام أراد أن تشيع العقيدة الصحيحة في بني البشر، فما أمر المسلمين بالجهاد إلا لينشر هذا الدين في الآفاق، والذي أراد أن يبقى على دينه يدفع مقابل حمايته الجزية، أي بدل نقدي، كل مواطن ينبغي أن يدافع عن بلده، أحياناً يسمح لمواطن أن يدفع بدلاً مقابل أن يعفى من الخدمة الإلزامية، هذا معنى الجزية بلا زيادة ولا نقصان، أناس أرادوا أن يبقوا على دينهم، من يحميهم؟ المسلمون، نظير عزوفهم عن الجهاد، وعزوفهم عن الدخول في الدين، يدفعون الجزية كبدل نقدي لحمايتهم.

 

من أسلم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم ومن بقي على دينه فعليه الجزية :

 أيها الأخوة، الآية تقول:

﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾

 لكن أن وجدتموهم لا يشكلون خطراً عليكم، هذه حالة ثانية، مشرك طاغية، مشرك مجرم، مشرك يتمنى إبادة المسلمين، مشرك يقعد للمسلمين

﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾

 مشرك يخطط لسفك الدماء، هذا له حكم، قال: إن وجدتم مشركين لا يفكرون في سفك الدماء، قال: هؤلاء خذوهم، لا تقتلوهم،

﴿ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ ﴾

 راقبوا حركاتهم، فإن لم تجدوا في حصرهم، وفي حركاتهم ما يقلق دعوهم وشأنهم، ويدفعون الجزية طبعاً.

 

﴿ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾

 أما عظمة هذا الدين:

 

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾

 أي الإسلام واضح، إما أن تسلم، لك ما لنا، وعليك ما علينا، فإن أردت أن تبقى على دينك لا مانع، لكن مقابل بدل نقدي، البدل النقدي هو الجزية، أما إن أردت أن تحاربنا، إن أردت أن تقاتلنا، إن أردت أن تسفك دماءنا، إن أردت أن تبني مجدك على أنقاضنا، إن أردت أن تُيتّم أولادنا، وأن ترمل نساءنا نحاربك، فقط هذا الكلام الدقيق.
 لذلك:

﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾

 خذوهم أسرى، ولو قاتلوكم، أرادوا بقتالكم أن يدافعوا عن أنفسهم، هذا قتال غير قتال رؤوس الكفر، رؤوس الكفر يقاتلونكم ليبيدوكم، أما هؤلاء يقاتلون دفاعاً عن أنفسهم، قال:

﴿ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ ﴾

 أي راقبوا حركاتهم وسكناتهم، إذا قاموا بأية حركة معادية يسهل عليهم كشفها،

﴿ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾

 المؤمن كيس فطن حذر، ولا يكن استطلاعكم لهم إذلالاً، هذا لا يجوز، فالاستدلال على حركاتهم وسكناتهم شيء، والاستذلال شيء آخر.

 

عظمة الإسلام :

 إذاً الآية:

﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾

 الطغاة، سفاكو الدماء، الوحوش البشرية، الذين يبنون مجدهم على أنقاض الشعوب، يبنون حياتهم على إبادة الشعوب، يبنون غناهم على إفقار الشعوب، ينهبون ثروات أهل الأرض، ليعمروا بلادهم.

 

﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾

  فإن قاتلوا دفاعاً عن أنفسهم، وليسوا في مستوى الصنف الأول، قال:

 

﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾

 خذوهم أسرى، واحشروهم في مكان معين،

﴿ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾

 إنهم أخوانكم إن آمنوا :

 

﴿ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 5]

 وهذه عظمة الإسلام،

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ أول ما أوحى الله تعالى إلى نبيه الكريم :

 أيها الأخوة، ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتاب زاد المعاد، وهو كتاب سيرة، من أشهر كتب السيرة، هناك فصل عقده باسم: فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين، يقول: أول ما أوحى الله جلّ جلاله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

[سورة العلق]

 أول أمر، أول كلمة، في أول آية، في أول سورة نزلت في القرآن الكريم:

﴿ اقْرَأْ ﴾

 أي تعرف إلى الله،

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

 بعدها:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾

[ سورة المدثر]

 أي تعلَّم وعلِّم، تذكر وذكّر، تلقى وألقِ،

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾

 أمره أن ينذر عشيرته الأقربين:

 

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء]

مراحل الدعوة الإسلامية:

 ثم هناك آيات أخرى:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء]

 ابدأ بأهلك، لأن هناك ثقة بين الأخ وأخيه، بين الأب وابنه. ثم:

 

﴿ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾

[ سورة نوح]

 أول شيء:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾

 ثاني شيء:

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾

 أنذر من؟

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 ثم:

﴿ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾

 ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين جميعاً.

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء]

 تعلَّم وعلِّم، تذكر وذكّر، تلقى وألق، ابدأ بـ

﴿ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 ثم بمن حول العشيرة، ثم بقومك، ثم بالعرب، ثم بمن حول العرب، ثم بالبشر أجمعين.

 

 كل مرحلة مرّ بها النبي عليه الصلاة والسلام لها ما يقابلها اليوم :

 أقام النبي عليه الصلاة والسلام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، بضع عشرة سنة يدعو النبي في مكة إلى الله، ليس هناك قتال، ولا جزية، ولا هم يحزنون، وأمر أصحابه بالكف عن قتال الأعداء:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة النساء الآية: 77]

 أي في مرحلة لا بدّ من أن تجهز نفسك لإيمان لا يتزلزل، إيمان كالجبال، لإيمان راسخ رسوخ كقمم الجبال، هذه المرحلة الأولى، فأقام النبي في قومه بضع عشرة سنة بعد نبوته ينظر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف، والصبر، والصفح.

 

﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾

[سورة الحجر]

 هذه مرحلة، ماذا فعل بهذه المرحلة؟ أسس صحابة إيمانهم كالجبال، لا تزلزلهم المصائب، صامدون، صادقون، الله عز وجل يصفهم ويقول:

 

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[سورة الأحزاب]

 هؤلاء النخبة، هؤلاء نخبة أصحاب رسول الله، هم الذين حافظوا على هذا الدين، وبعد أن انتقلوا إلى المدينة، وأسسوا دولة، وجهزوا جيشاً، الآن دخلوا في طور آخر، ثم أمرهم أن يقاتلوا من يقاتلهم، عهد الضعف، والصفح، والتسامح، هذا العهد مرحلي، الآن هناك شأن للمؤمنين، لهم كيان، لهم كرامة، لهم عزة، في هذا الوضع أُمروا أن يقاتلوا الذين يقاتلونهم، ويكفوا عمن لم يقاتلهم، ثم أُمروا أن يقاتلوا ليكون الدين كله لله.
 فلذلك هذه المراحل المتعاقبة تعطينا نماذج يعيشها المسلمون اليوم، فكل مرحلة مرّ بها النبي عليه الصلاة والسلام لها ما يقابلها اليوم.

 

من يملك السلاح و العدة مرهوب الجانب :

 أيها الأخوة، الموضوع موضوع محدد، أنا عجبت عجباً كبيراً، زرت مرة سويسرا، وهذا البلد معروف أنه بلد مسالم دائماً، ولا علاقة له بأية حرب، فإذا يملك جيشاً من أقوى الجيوش، بل نظامه هناك أن كل مواطن عنصر في الجيش، وفي ساعات يجتمع شمل هذا الجيش لماذا؟ لا بدّ من أن تكون قوياً.

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

[سورة الأنفال الآية: 60]

 الذي يملك السلاح مرهوب الجانب،

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

 الآن الدولة التي تملك سلاحاً نووياً مرهوبة الجانب، وقد لا تستخدمه أبداً، وقد يمضي مئة عام وهذا السلاح لا يستخدم، لكنه أداة ردع، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد الإيمان بالله :

 هناك ملمح دقيق في الآية يجب أن يكون عدوكم عدواً لله، لذلك:

((كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ))

[أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 سبب هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 110]

 علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بعد الإيمان بالله، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟))

 أي معقول؟! قال عليه الصلاة والسلام:

(( نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال : نعم، وأَشدُّ منه سيكون ))

 صعقوا ثانية.

(( قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ))

[ ورد في الأثر]

 على كلٍّ أيها الأخوة، الآية الكريمة:

﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾