الدرس : 5 - سورة الزخرف - تفسير الآيات 33-45

1994-07-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس من سورة الزخرف.

الآيات التالية أصل في نفي الجبر:

 مع الآية الثالثة والثلاثين وهي قوله تعالى:

 بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) ﴾

( سورة الزخرف )

 هذه الآية أيها الأخوة أصل أيضاً في نفي الجبر، كما أن قوله تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148) ﴾

(سورة الأنعام)

 فهاتان الآيتان أصل في نفي الجبر عن الإنسان كذلك هذه الآية ؛ لولا إعرابها أو معناها حرف امتناع لوجود، أداة شرط غير جازمة، و ( لو ) حرف امتناع لامتناع أداة شرط غير جازمة.

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16) ﴾

 (سورة الجن)

الفرق بين ( لو ) و ( لولا ):

 امتنعنا عن أن نسقيهم ماءاً غدقاً لامتناع استقامتهم على الطريقة، حرف امتناع لامتناع، لو جئتني لأكرمتك، امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيئك، لكن ( لولا ) حرف امتناع لوجود، لولا المطر لهلك الإنسان، امتنع هلاك الإنسان لوجود المطر، الآية:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا(33) ﴾

( سورة الزخرف )

 لمَ لمْ يجعل الله عز وجل لبيوت الكافرين سقفاً من فضة ؟ طبعاً القصد لجميع الكافرين ؛ فهناك كفار فقراء، وبعض الكفار أغنياء، أما الآية: لمَ لمْ يجعل الله لكل كافر بيتاً واسعاً مزخرفاً فيه من المباهج وما تحار معه العقول وما لا يعد ولا يحصى ؟

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ(33) ﴾

( سورة الزخرف )

لمَ لمْ يجعل الله بيوت الكافرين من فضة ؟

 تصور أن السقف كله من الفضة، في زماننا بعض البيوت سقوفها من الجبص فيقول الناس شيء بديع، مذهل، فكيف إذا كان فضة مزخرفة ؟ من الفضة الخالصة المزخرفة المنقوشة.

﴿ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) ﴾

( سورة الزخرف )

 المعارج هي الأدراج، يعني وأن يكون للبيوت أدراج فخمة جداً من الرخام ولها جوانب مزخرفة، أي أن كل شيء ممكن أن يرتفع مستواه إلى درجة مذهلة.

﴿ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا ﴾

( سورة الزخرف )

 والأبواب من فضة أيضاً.

﴿ وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) ﴾

( سورة الزخرف )

 ناهيك عن أن السرر كذلك من الفضة.

﴿ وَزُخْرُفًا(35) ﴾

( سورة الزخرف )

 والإنسان قد يدخل إلى بيت فيه فخامة، وفيه أناقة، وفيه زينة، وفيه اتساع، وفيه راحة، وفيه وسائل، وقال سبحانه:

﴿ وَزُخْرُفًا(35) ﴾

( سورة الزخرف )

 أي أن السقف من الفضة المزخرفة، والأدراج من الفضة المزخرفة، والأبواب من الفضة، والسرر التي يجلسون عليها من الفضة، والبيت إجمالاً مزخرف، وبتعبير العصر يقولون: زينة وزخارف تحار فيها العقول.

 

الله تعالى لم يجعل الدنيا للكفار لأنه أصلاً لم يخلق للجنة أناساً وللنار أناساً:

 

 ليس القصد الفضة بالذات، القصد أن الله عز وجل لو خلق الإنسان ليكون كافراً ولم يرد منه الهدى، ولم يخلقه لجنة عرضها السماوات والأرض، لو أن الله خلق للجنة أناساً كما يزعمون وخلق للنار أناساً، لو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في الأصل كافراً وخلق إنساناً آخر في الأصل مؤمناً، لو أنه فعل ذلك لجعل الدنيا للكفار لهوانها على الله سبحانه، متى تعطي عدوك شيئاً ؟ إذا كان هذا الشيء هيناً عليك، ولأنها هينة فقد شبهها النبي عليه الصلاة والسلام بشاةٍ ميتةٍ متفسخة فقال لأصحابه حين رآها: انظروا إلى هذه الشاة كم هي هينة على أصحابها ألقوها في الطريق، وللدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أصحابها، والحديث الذي تعرفونه جميعاً يؤكد حقيقة شأن الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام:

(( والله لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء))

[الترمذي عن سهل بن سعد]

الله تعالى جعل الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى:

 الدنيا هينة على الله لا قيمة لها، يعطيها لمن يحب ولمن لا يحب، بل في الأعم الأغلب يعطيها لمن لا يحب، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.
 إذاً ( لولا ) حرف امتناع لوجود، لماذا لم يعط الله للكفار ما يشتهون من زينة الدنيا ؟ من متاعها ؟ من مباهجها ؟ من بيوتها ؟ من نسائها ؟ من قصورها ؟ من مركباتها ؟ من مقاصفها ؟ من بساتينها ؟ من جناتها ؟ ليس القصد البيت فقط، البيت وما يتبع البيت، البيت والبستان والمركبة، لمَ لمْ يعط الله جلّ جلاله للكافرين هذه المباهج التي يصبو الناس جميعاً إليها ؟ قال سبحانه:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً(33) ﴾

( سورة الزخرف )

الناس كلهم مخلوقون لهدف واحد ومدعوون لمعرفة الله:

 لئلا يكون الناس أمة واحدة، ما معنى أمة واحدة ؟ أي مخلوقون ليؤموا هدفاً واحداً، مخلوقون لهدف واحد، مدعوون لمعرفة الله، مطلوبون للجنة، لو أن الله عز وجل خلق أناساً للنار وأناساً للجنة، خلق أناساً مؤمنين وأناساً كافرين، لو أن الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على الكفر لم يكن هناك من حكمة في تعذيب الكفار في الدنيا، والتضييق عليهم، وسوق الشدائد لهم، لكن لأنه خلق كل خلقه ليسعدهم، خلق كل خلقه من نفس واحدة ومن طبيعة واحدة ولهدف واحد نبيل، لأن الناس كلهم خلقوا لهدف واحد إذاً سيعالجهم وسيضيق عليهم، ولا يعطيهم سؤلهم في الدنيا كما يريدون، بل يعطيهم ما ينبغي أن يعطيهم إياه كي يلتفتوا إلى الله عز وجل.
 الناس أمة واحدة، من طبيعة واحدة، من بنية واحدة، من جبلة واحدة، أودعت فيهم الشهوات ليرقوا من خلالها إلى رب الأرض والسماوات، أعطوا حرية الاختيار، زودوا بعقل يدلهم على الله عز وجل، فطروا فطرة نقية صافية طاهرة، خصائص واحدة والهدف واحد والطريق واحد، كل هذه المعاني تجمعها كلمة:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً(33) ﴾

( سورة الزخرف )

الله سبحانه خلق الناس ليكونوا سعداء في الدنيا والآخرة:

 يعني أنت ترضى من أب عنده خمسة أولاد أن يهيئ واحداً ليكون طبيباً وواحداً ليكون حاجباً، ويكون أحدهم دخله غير محدود وآخر دخله محدود، ويهيئ أحدهم ليكون عالماً بينما يُبقي أحدهم جاهلاً، فهذا تصرف لا تقبله من أب أساساً، فالله عز وجل خلق الناس أمة واحدة ليؤموا هدفاً واحداً، ليقصدوا الجنة وما أعدّ لهم فيها من نعيم مقيم، خلقهم جميعاً ليكونوا سعداء في الدنيا والآخرة، هذا المعنى الذي يليق بالله عز وجل.

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً(33) ﴾

( سورة الزخرف )

(( يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[ أخرجه مسلم عن أبي ذر]

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون وفقت في توضيح معنى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً(33) ﴾

( سورة الزخرف )

 جميعاً مطلوبون، جميعاً خلقنا للجنة، جميعاً خلقنا للسعادة، جميعاً يحفزنا الله عز وجل لنلتفت إليه ونتقرب منه، فليس هناك عبد مخلوق للنار كما يدعي بعضهم، وعبد مخلوق للجنة، ليس هناك عبد قدّر عليه أن يكون كافراً من الأزل، وكفر في الدنيا نفياً لقضاء الله عز وجل، وسوف يحاسب في الآخرة لأنه كفر بقضاء الله، هذه المعاني الجبرية ما أنزل الله بها من سلطان، إذاً امتنع امتناع الكفار في الحياة الدنيا لأنهم مخلوقون للجنة.

الدنيا دار عمل و تنافس و ابتلاء:

 كذلك ليس من الحكمة أنه إذا إنسان خُلق للجنة أن تمتعه في الدنيا إلى أقصى درجة، كما أنه ليس من الحكمة أن تجعل في الصف التعليمي المقاعد وثيرة جداً بحيث تصبح كالسرر تتحرك كمقاعد الطائرات، فهذا ليس معقولاً لصف في مدرسة، فلو أن المقعد مريح إلى درجة أنه يصبح كالسرير فلأبسط حركة ينام الطالب، هذا المكان مكان انتباه، مكان سماع محاضرة، مكان تفاعل مع المدرس وليس مكان استلقاء، أيعقل أن يكون الصف فيه كل ما لذّ وطاب من الطعام ؟ ليس من المعقول لأنه يتنافى مع الهدف التعليمي.
 فلو أن الدنيا هي كل شيء للإنسان، لو أن الدنيا ليس وراءها آخرة فالمنطق يحتم ألا يكون هناك عذاب، وليس هناك مشكلة غنى وفقر، ولا قوي وضعيف، ولا غني وفقير، ولا وسيم ودميم، ولا غبي وذكي، إذا كان إلهنا واحداً وخلقنا للدنيا فلماذا التفاوت ؟ لا معنى للتفاوت، لكن لأننا خلقنا للآخرة ولجنة عرضها السماوات والأرض، وجئنا إلى الدنيا لتكون دار عمل ودار تنافس ودار ابتلاء لذلك هناك الشدائد، هناك الابتلاء بالعطاء والمنع، هناك الابتلاء بالغنى والفقر، والابتلاء بالقوة والضعف، دار ابتلاء، دار عمل، دار كشف، دار توبة، دار إنابة إلى الله عز وجل، فلذلك التنعم يأتي عرضاً، ليس التنعم في الدنيا هو الأصل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ))

[ أخرجه أحمد عن معاذ بن جبل]

الله تعالى عندما يعطي الدنيا للكافر لا لكرامته على الله بل لهوانه عليه:

 إذا كان هناك إنسان يبني حياته على السرور، على الاسترخاء، على التنعم بالطعام والشراب وكل المباهج، يقعد عن طلب الحق، يقعد عن طلب العلم، يقعد عن عمل صالح، فهذا الإنسان ما عرف حقيقة الدنيا بل جهلها، إذاً ما الذي لم يجعل للكفار جميعاً بيوتاً فخمة وبساتين غنَّاء وقصور رحبة ومال وفير وجمال لماذا ؟ لأنهم ما خلقوا للدنيا فقط، ولا أنهم خلقوا ليكونوا كفاراً، طبعاً هناك حالات نادرة، هناك إنسان يعطى الدنيا لا لكرامته على الله، بل لهوانه على الله، كما قال الإمام عليّ كرم الله وجهه:
 "فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا"
 قضية السيرة النبوية تعد أهم موضوع في هذا الأمر، يعني سيد الخلق وحبيب الحق ـ سيد ولد آدم ولا فخر ـ سيد الأولين والآخرين، سيد الأنبياء والمرسلين، المخلوق الأول الذي أقسم الله بعمره الثمين، لم يسكن في بيت فخم، كان إذا صلى قيام الليل نحى السيدة عائشة جانباً حتى يصلي لأن غرفته الصغيرة جداً لا تتسع لصلاته ونومها، كان إذا دخل بيته يقول:

(( هل عندكم شيء ؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم ))

[ مسلم عن عائشة ]

 بينما في بيوتنا لا يمكن ألا تجد شيئاً أبداً، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، لأن النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وكان فقيراً، قال:

 

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

 

[ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أنس]

 السيدة فاطمة طلبت من النبي عليه الصلاة والسلام خادمة، فقال:

(( والله يا فاطمة لا أؤثرك على فقراء المسلمين، لا أجد المزيد وفقراء المسلمين أولى منك ))

لا يليق بخالق الأكوان أن يخلق أناساً للنار وأناساً للجنة:

 فلولا أن يكون الناس أمة واحدة، وأنهم جميعاً مطلوبون، جميعهم مخلوقون لجنة عرضها السماوات والأرض، ويريد أن يتوب الله علينا جميعاً، جميعاً يريد أن يبين الله لنا، أن يخفف عنّا، هذا المعنى يتناسب مع عظمة الله ومع كماله، إذا الإنسان ميز بين أولاده يسقط، فإن كان هذا لا يليق بإنسان أيليق بخالق الأكوان ! قد تجد الإنسان خطأً يميز بين أولاده أو عن غير قصد فيصبح أحدهم في أعلى مرتبة اجتماعية، يعتنون بدراسته إلى حد أن يأخذ الدكتوراه ويزوجه أجمل فتاة وأفخر بيت، وابن آخر مهمل، مثل هذا الأب يسقط في عينيك، هذا ابنك وهذا ابنك، لم كل هذه العناية بزيد وقد حجبتها عن عبيد ؟ ما ذنب الثاني ؟ إن كان هذا لا يليق بإنسان ضعيف أيليق بخالق الأكوان أن يخلق أناساً للنار ولا ذنب لهم وأناساً للجنة من غير سبب يدعو لذلك، فهذا المعنى لا يليق بحضرة الله عز وجل.

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) ﴾

( سورة الزخرف )

عطاء الله سرمدي وأبدي فهو الجنة لا الدنيا:

 كلمة متاع تعني شيئاً وشيك الزوال من الناس، مَن اعتنى بكسوة بيته سنتين، ويوم انتهى العمل في البيت توفى صاحبه ولم يسكنه، وهناك أشخاص نالوا أعلى الشهادات، وما استمتعوا بها أبداً مات في المطار في طريق العودة إلى بلده، أناس كثيرون قبضت أرواحهم ليلة عرسهم، معنى ذلك أن الدنيا هينة على الله عز وجل، بالمناسبة لا يليق بالله عز وجل أن تكون الدنيا عطاءً له لأن الدنيا منقطعة، كنت أقول دائماً أن الموت ينهي غنى الغني، إنسان ترك أربعين مليوناً ألف مليون، أربعة آلاف مليون دولار، لا بدّ من أن يموت فإذا مات ما مصير هذا المال ؟ لم يعد له، إذ مات، وانتهى أمره، فالموت ينهي غنى الغني وينهي فقر الفقير، وقوة القوي، ووسامة الوسيم، وذكاء الذكي، ينهي كل شيء، إذاً لا يليق بالله عز وجل أن تكون الدنيا عطاءً له، بل الله يعطي الشيء الأبدي السرمدي، عطاؤه الجنة.

﴿ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا( 35 ) ﴾

( سورة الزخرف )

الحياة الدنيا خيال ولا يبقى منها إلا العمل الصالح:

 متاع، كأن يأكل الإنسان وجبة طعام، فمدة استمتاعهِ بطعم الشيء لحظات أثناء مضغ اللقمة، والحركة قبل البلع، واللسان يدفع اللقمة إلى سقف الحلق، وهناك أعصاب ذوق في هذه اللحظة تشعر أن هذه الطعام لذيذ، طبعاً بعد ثانية إذا انتقلت هذه اللقمة إلى المري فالمعدة، غدت الفلافل مثل اللحم في جوف المعدة، هي كلها ثوان أثناء المضغ فقط، وبعد ذلك استوى الأمران، متاع.
 يقال أحياناً: الدنيا خيال، يعني هذا العمر كيف مضى ؟ لا أعرف مثل لمح البصر، انظر فالإنسان يولد ويعتني به الأهل ويدخل المدرسة إلى كافة المراحل، ابتدائي، إعدادي، ثانوي، ويعيش في اهتمامات الدراسة، بعد ذلك يريد أن يتزوج، ومن ثم جاءه أولاد وتحولت اهتماماته إلى الأولاد، بعد ذلك زوج الأولاد، ثم لم يلبث أن تقاعد، ثم أصبح عرضة للعلل في جسمه فينتبه إلى السكر وغيرها وبعد ذلك تطبع ورقة الوفاة، وعظم الله أجركم، هذه هي الدنيا خيال ؛ وكل ما فيها مضى، ويبقى من العمل الصالح أجره ومن اللذة تبعتها، هذه رحلة الحياة الدنيا، فليأخذ المرء منها لآخرته، وليكن عاقلاً، وليحذر.

﴿ وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ(35) ﴾

( سورة الزخرف )

 الأبدية، السرمدية، الدائمة، المتنامية:

﴿ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) ﴾

( سورة الزخرف )

 لمن اتقى الله في الدنيا، اتقى أن يعصيه، اتقى غضبه، اتقى سخطه.

أغلب آيات القرآن تتحدث عن الإيمان بالله واليوم الآخر فهما متلازمتان:

 فالملاحظ أيها الأخوة أن الله سبحانه وتعالى في أكثر الآيات التي تتحدث عن أركان الإيمان يذكر الإيمان بالله مع اليوم الآخر طبعاً أركان الإيمان هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، لكن أكثر ركنين يتلازمان في القرآن: الإيمان بالله واليوم الأخر، إذا آمنت بالله من دون اليوم الآخر ينشأ هناك مئات التساؤلات ليس لها أجوبة، فمثلاً قوي وضعيف يموت القوي قوياً، ويموت الضعيف ضعيفاً، وهناك إنسان لا يملك أن يفعل شيئاً وإنسان آخر بيده مقاليد الأمور، إنسان يملك أموالاً لا تأكلها النيران وإنسان يشتهي أن يأكل لقمة فلا يجدها، فلو أُلغي الإيمان باليوم الآخر ينشأ مليون سؤال بدون جواب، لكن اليوم الآخر فيه تسوية حسابات.
 إن الدنيا كلها تنطق بأسماء الله الحسنى، الكون كله يجسد أسماءه الحسنى، لكن الدار الآخرة تؤكد عدالته، تتم فيها تسوية الحسابات كلها، مرة قرأت مثلاً أعجبني: لو فرضنا أن أناساً جلسوا في مسرح والمسرحية بدأت، فإذا الأحداث تطورت إلى أن وصلت إلى عقدة ثم أُرخِي الستار فلماذا يبقى الناس في مقاعدهم مع أن الستار أرخي ؟ لأن الناس يعتقدون أن المسرحية لم تنته بعد، ما مصير القاتل ؟ ما مصير هذا الذي خان ؟ فالقصة لم تنته بعد، ونحن في الدنيا يأتي الموت والوقائع لم تنته، هناك ظالم، ومظلوم، ومغتصب، وقاهر، ومقهور، مستغِل ومستغَل، ولقد مات الاثنان، ثم لا بدّ من يوم تسوى فيه الأمور يعود الحق إلى أصحابه، يؤخذ للمظلوم من الظالم، للضعيف من القوي، للمغتصَب من المغتصِب، فلذلك الإيمان بالله واليوم الآخر هما الركيزتان الأساسيتان لأركان الإيمان.

﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) ﴾

( سورة الزخرف )

إعراض الإنسان بنفسه عن رؤية الحق و صم أذنيه لسماعه:

 عشا يعشو، طبعاً الفعل المضارع مجزوم بحذف حرف العلة والضمة دليل أن الحرف المحذوف هو الواو، أصل الفعل عشا، عشا لها معنى، وعَشِي يعشى لها معنى آخر عشي يعشى يعني لم ير بوضوح لضعف في بصره، هناك بصير وأعمى وأعور وأعشى، الأعشى ضعيف البصر، والأعور بعين واحدة، والبصير بصير، والأعمى أعمى، عشا يعشو لم ير حقيقة الشيء لضعف في بصره وهذا المعنى هنا غير مقصود، أما الفعل هنا فهو عشا يعشو، فما معنى عشا يعشو ؟ أي أن الإنسان لم ير حقيقة الشيء لا لضعف في بصره ولكن لرغبة في ألا يرى، أي يتعامى، يتعاشى، يُعرِض بنفسه عن أن يرى ويتعامى عنها.
 معنى ذلك أن الله زودك بالعقل الذي يريك الحق حقاً، فأداة معرفة الله العقل السليم، كما أعطاك بصر كي ترى آيات الله، أعطاك سمع كي تستمع إلى آيات الله، وأعطاك لساناً كي تسأل، بالعين ترى الآيات، وبالأذن تسمع المواعظ، وباللسان تسأل، وبالعقل تحاكم، ومع ذلك يعشو يعني يريد ألاّ يرى، يريد ألا يسمع، يريد ألا يفكر، فعشا يعشو، يعني عدم وضوح الرؤيا لا لضعف في عينيه بل لرغبة في عدم الرؤيا، وهو لا يريد أن يرى.

﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ(36) ﴾

( سورة الزخرف )

 يتعامى عن آيات الله، يتعامى عن الموعظة، يُصم عن سماع الحق، يعطل فكره، ولا يُعمله في الخير.

 

﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) ﴾

 

( سورة الزخرف )

لا أحد يستطيع أن يُضل أحداً أبداً:

 أخواننا الكرام الإنسان بين إلهام ملك وبين وسوسة شيطان إذا كان الإنسان مع الله يأتي الملك فيلهمه، وإذا ابتعد عن الله عز وجل يبادر الشيطان ليوسوس له، لكن بالمناسبة لا أحد يتوهم أن الشيطان بإمكانه أن يضل الإنسان، لكن هناك توافق بين رغبة الإنسان في الضلالة والانحراف والمعصية، وبين وسوسة الشيطان له، توافق فقط، أما الشيطان، فلا يستطيع أن يفعل شيئاً لقوله تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22) ﴾

 (سورة إبراهيم)

 يجب أن تعتقد أن الشيطان لا يستطيع أن يفعل شيئاً إذا كنت معتصماً بالله، إذا كنت مستعيذاً بالله، لكن الإنسان حينما ينقطع عن الله عز وجل ويتمنى الدنيا، فالشيطان أصبح رفيقاً له، رفيقاً يدله على الشر، فالشيطان ليس له دور حقيقي ولكن دوره من قبيل تحصيل الحاصل، لاحظ في المدرسة أن الطالب المنضبط الأخلاقي ذا التربية العالية لا يتأثر أبداً برفاق السوء، يظل بعيداً عنهم ويحتقرهم، لكن رفاق السوء يؤثرون بمن ؟ بشاب منحرف في الأساس، شاب ضائع، شاب ليس عنده رادع ديني، فمثل هؤلاء الشباب يؤثر فيهم رفاق السوء وكخلاصة أنه لا أحد يستطيع أن يضل أحداً أبداً.

﴿ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ(27)قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ(28) ﴾

(سورة ق)

 وقال:

 

﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) ﴾

 

( سورة الزخرف )

تحضير الأرواح مجرد كذب و دجل:

 هؤلاء الشياطين ماذا يفعلون ؟ أحياناً يقال إنهم يقومون بتحضير أرواح، وهم بهذا يدجلون على الناس، حقيقة تحضير الأرواح أن هذا الإنسي المتعاون مع الجن يسأل قرين هذا المتوفى فيحدثه حديثاً مسهباً عن تفاصيل حياته، ويوهمون أنهم حضّروا روح هذا الميت، الميت لا يأتي، ولا تحضر روحه، ولكن هذا القرين الشيطاني كان قريناً للإنسان الذي مات كافراً، وهو يعرف كل تفاصيل حياته، إذاً يستعين الإنسان أحياناً بالجن في معرفة تفاصيل حياة من توفاهم الله على غير ملة الإسلام.

﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) ﴾

( سورة الزخرف )

 هذا السبيل هو سبيل الله عز وجل، سبيل الجنة، سبيل السعادة في الدنيا والآخرة، مهمة الشياطين الصدّ عن السبيل، والشيطان هكذا قال:

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)﴾

(سورة الأعراف)

الشيطان لا يتحرك إلا عندما ينوي الإنسان السير إلى الله تعالى:

 الملاحظ أن الإنسان مادام في المعاصي والموبقات والانحرافات ليس لديه مشاكل نفسية، وليس لديه وسوسة، ولا ضيق ولا كوابيس أبداً، لكن لمجرد أن يتجه إلى الله تقوم قيامة الشياطين، فمتى الشيطان يتحرك ؟ حينما يزمع هذا الإنسان السير إلى الله.

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17) ﴾

(سورة الأعراف)

 تارة يزين له الحداثة والتقدم والعلمانية والمجتمع والعلم، وتارة يزين له التقاليد البالية في تراث الآباء، ويكون في التراث المعاصي الكثيرة، وعادات كلها خروج على الدين، إما أن يأتيه من الحداثة أو من التقليد، أو عن شمائلهم، وهي المعاصي، أو عن أيمانهم وهي الوسوسة، فدائماً يأتي الشيطان للمؤمن من باب أن يلقى في روعه أنك أنت لست مؤمناً، بل أنت منافق، أنت لا تحب الله عز وجل، يلقي في ذهنه خواطر سيئة، هذا الذي يفعله الشيطان، عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن بين أيديهم ومن خلفهم.

﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) ﴾

( سورة الزخرف )

أخطر شيء في الحياة أن تتوهم أنك على حق وأنت على باطل:

 والحقيقة أن الخطر الأكبر في حياة الإنسان أن يتوهم أنه على حق بينما هو على الباطل، من الناس من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالم فاتبعوه، ومنهم يدري ولا يدري أنه يدري فهذا غافل فنبهوه، ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه، لكن أخطر واحد منهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري هذا شيطان فاحذروه.
 المشكلة أن يكون الإنسان على باطل ويحسب أنه على حق، منحرف ويحسب أنه مستقيم، مسيء ويحسب أنه محسن، مفسد ويحسب أنه مصلح، ضال ويحسب أنه مهتدٍ، ماله حرام ويحسب أن هذا ذكاء، يقتنص الموبقات ويحسب أنه ذو باع طويل في خبرات الحياة، هذه كلها أوهام لذلك:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104) ﴾

 (سورة الكهف)

المبتدع أحب إلى إبليس من العاصي لأن المبتدع لا يتوب لكن العاصي يتوب:

 ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم مهتدون، يعني أخطر آفة في الإنسان أن يكون في وضع سيئ جداً ويتوهم أنه خلاف ذلك، المشكلة إذا الإنسان عرف نفسه أنه مقصر أو عاصٍ أصبح باب التوبة أمامه مفتوحاً، لكن حينما يظن نفسه أنه على حق بينما هو على باطل فقد أغلق عليه باب التوبة، وقالوا أيضاً: المبتدع لا يتوب، قالوا: الابتداع أحب إلى إبليس من المعصية، إذا الإنسان اعتقد عقيدة فاسدة، فالشيطان يرحب به أكثر من المعصية، لأن المعصية قد يتوب منها الإنسان ولأنها معروفة أنها معصية بالبديهة، بالفطرة، بالنص، فكل من النص والفطرة والبديهة تؤكد أنها معصية، إذا أدرك الإنسان أنه وقع في المعصية فاحتمال التوبة كبير جداً، لكن إذا وقع في عقيدة فاسدة بابتداع هذا لا يتوب، قالوا المبتدع لا يتوب، وقالوا الكبائر هي ذنوب المبتدعين، والصغائر ذنوب المتبعين، فإبليس أحب إليه أن تبتدع من أن تعصي، لأن المبتدع لا يتوب، ولكن العاصي يتوب.

﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) ﴾

( سورة الزخرف )

العلم هو الوصف المطابق للواقع وكل وصف خلاف الواقع هو جهل:

 الحقيقة أن الشيء الخطير جداً أن تعتقد عقيدة غير صحيحة وهذا هو الجهل والضلال، لكن تعريف العلم: الوصف المطابق للواقع، أي أن تصف الشيء بما هو فيه، فكل وصف خلاف الواقع جهل، وإذا كانت العقيدة ترتكز على جهل فذلك هو الضلال البعيد، يعني لما الإنسان يحرص أن تأتي كل تصوراته وعقائده وفق الواقع معنى ذلك أنه على حق، أما خلاف الواقع، فهو باطل.
 الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا، أحد الصحابة قال:والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، وقال صحابي آخر: والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي، يعني أن من نعمة الله الكبرى على الإنسان أن تتفتح بصائره في الحياة الدنيا، وهذا الذي أقوله لكم الآن قلته سابقاً، يعني مشكلة الإيمان مشكلة وقت فقط، خيارك في الإيمان ليس خيار رفض أو قبول بل خيار وقت، لأنه لا بدّ لأي إنسان أن يتوب ولكن بعد فوات الوقت لا تنفعه توبة أبداً، بقي أن تؤمن قبل فوات الأوان، الإيمان سيحصل لكن عليك أن تستفيد من وقتك، بقي أن تؤمن في الوقت المناسب، بقي أن تؤمن وأنت معافى وأنت صحيح وأنت غني وأنت قوي وأنت حي، هذا هو الإيمان النافع.

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ(38) ﴾

( سورة الزخرف )

شيطان الإنس أشد فتكاً وإضلالاً من شيطان الجن وكلاهما يُدعى قريناً:

 كان هناك اتصال حميم، ولقاءات، واستشارات، والقرين كما قال العلماء: قد يكون من الإنس لا من الجن، ولما ربنا عز وجل قال شياطين الإنس والجن، فقد قُدم شياطين الإنس على الجن تقديم أهمية ربما كان شيطان الإنس أشد فتكاً وإضلالاً من شيطان الجن، لأن بينهما تجانس، صديق لصديقه، صاحب لصاحبه، إنسان مرح لطيف ذكي دلّك على معصية، على انحراف، على بؤرة فساد، على مكان ترتكب فيه المعاصي، وكلاهما شيطان الإنس أو الجن سماه الله قريناً.

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) ﴾

( سورة الزخرف )

هناك عداوة حال وعداوة مآل وعداوة المآل أخطر:

 هناك في الحقيقة عداوة حال وعداوة مآل، عداوة المآل أخطر، عدو الحال تتقيه، لك عدو يعيش معك تتقيه، تتقي أن تتحرك بتوجيهاته، تتقي أن تصاحبه، تتقي أن ينال منك، لأنه عدو في الحال وهناك إنسان هو عدو في الحقيقة لكنك لا تعرفه عدواً بل تعرفه صديقاً حميماً ودوداً محسناً ذكياً، فتلتقي معه فيأخذ بيدك شيئاً فشيئاً ـ لا سمح الله ولا قدر ـ إلى طريق الهاوية، متى تعاديه ؟ بعد الموت، لذلك لما ربنا عز وجل قال:

﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾

 (سورة التغابن 14)

 بعض العلماء حملوا هذه الآية على عداوة المآل، يجوز وهو في الدنيا أن يحبَّ زوجته حباً جماً، فقد تحمله على معصية وقد تدفعه إلى الكسل والقعود عن طلب العلم، وقد تزين له الدنيا، وقد يرضيها ويعصي ربه وهو مستمتع في حياته الدنيا، أما إذا جاءه الموت يخلق في نفسه عداوة لهذه الزوجة لا حدود لها، لماذا ؟ لأنها سبب شقائه، وسبب دماره، فهذه عداوة مآل لا عداوة حال.

 

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(39)﴾

 

( سورة الزخرف )

كل إنسان أودع الله فيه عقلاً يدنيه أو يرديه وهو مأخوذ بأفعاله الاختيارية:

 قد تدعي أن المسؤولية على فلان، لا، كل إنسان محاسب عن نفسه، وكل إنسان أودع الله فيه عقلاً يدنيه أو يرديه.

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14) ﴾

 (سورة الإسراء)

 وقال:

﴿ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ(27)قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ(28)مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(29) ﴾

 (سورة ق)

 فلما يقع الإنسان بمخالفة كبيرة ويلقى عليه القبض متلبساً بهذه الجريمة، فما ينفعه أن يقول فلان دلني على هذا، فلان أغواني، هذه كلام لا يسمع منه، وقوله مردود عليه، والإنسان مأخوذ بأفعاله الاختيارية.

 

﴿ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(40)﴾

 

( سورة الزخرف )

الإنسان مخير وكل إنسان له اختيار:

 هذا الذي أصمّ أذنيه عن سماع الحق مختاراً، وهذا الذي أغمض عينيه عن رؤية الآيات مختاراً، وهذا الذي عطّل عقله عن إجراء المحاكمة المنطقية اختياراً، هذا إذا اختار الضلال واختار الشهوة واختار الدنيا لا يستطيع أحد وفيهم رسول الله أن يهديه إلى سواء السبيل لماذا ؟ لأن الإنسان مخير، كل إنسان له اختيار:

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) ﴾

( سورة البقرة )

 من هنا قوله تعالى:

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

 (سورة القصص 56)

 الإنسان مخير، فإن لم يشأ الإنسان الهداية فلن يهتدي، ولا أحد يستطيع أن يهديه إلى سواء السبيل، فأعظم الناس سيدنا النبي وقد رأى عمه كماله، ومنطقه، وحجته، ونورانيته، ورأى صدق دلالته، رأى ذلك كله، ومع ذلك لم يؤمن، أفأنت يا محمد:

 

﴿ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) ﴾

 

( سورة الزخرف )

 لا تستطيع.

 

النبي بلَّغ الرسالة لكن تلقي التبليغ والعمل به بيد الإنسان لا بيد المرسلين:

 

 أما قوله تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52) ﴾

 (سورة الشورى)

 يعني أن دعوتك حق، والنبي يبلغ، أما الاستجابة فصاحبها مخير، التبليغ وقع وهو حق لكن تلقّي هذا التبليغ والعمل به هذا بيد الإنسان لا بيد الدعاة ولا المرسلين، الآن:

 

﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) ﴾

 

( سورة الزخرف )

 إن كل إنسان يتمنى أن يرى نهاية القوي الظالم، يتمنى أن يرى نهاية المنحرف الذي أخذ أموال الناس بالباطل، الذي بنى مجده على أنقاض الآخرين، الذي بنى حياته على موت الآخرين، الذي بنى غناه على فقر الناس، الذي بنى أمنه على خوف الناس، يتمنى أن يرى إحقاق الحق، لكن الله عز وجل يسلّي نبيه فيقول:

 

﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ(41) ﴾

 

( سورة الزخرف )

على المؤمن أن يكون عمله مطابقاً لمنهج الله عز وجل:

 قبل أن ننتقم منهم فلا ضير، وأنت عزاؤك أنك على الحق، كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله، وهناك أشخاص يقولون أين الله عز وجل ؟! الله موجود، المهم أن تكون أنت على الحق، أن تكون على الصراط المستقيم، أن تكون على المنهج الصحيح، أن يكون عملك مطابقاً لمنهج الله عز وجل، أما الكافر فالله انتقم منه أم لم ينتقم فليس هذا من شغلك، قال تعالى:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾

 (سورة آل عمران)

 وقال:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42) ﴾

 (سورة إبراهيم )

 وقال:

﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(47)﴾

 (سورة إبراهيم)

 وقال:

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146) ﴾

 

(سورة آل عمران)

على المؤمن أن يرضى بقضاء الله وقدره:

 المؤمن معنوياته عالية جداً، كل إنجازه عظيم لأنه على الصراط المستقيم، أما أن الله عز وجل انتقم من الكفار أم لم ينتقم فهذا شأن الله عز وجل، والمؤمن أديب مع الله لا يحشر أنفه فيما لا يعنيه، والنبي عليه الصلاة والسلام علمنا دعاء:

(( اللهم رضِّنا بقضائك وبارك لنا بقدرك حتى لا نحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت ))

 والإنسان يتمنى شيئاً أخره الله بأن يعجله، أو شيئاً عجله الله أن يؤخره، سلِّم أمرك لله عز وجل، وهذا ما خاطب الله به نبيه صلى الله عليه وسلم:

﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) ﴾

(سورة الزخرف)

 وسواء ذهبنا بك، أم لم نذهب بك فلا بدّ من أن ننتقم منهم، في عاجل أمرهم أم في آجله.

﴿ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) ﴾

(سورة الزخرف)

 قضية زمن فقط، هذا تعبير مستخدم الآن ؛ قضية وقت، يعني صدر قرار بتنحيته مع وقف التنفيذ، ينتظر الوقت المناسب، قرار صدر بقي أن ينفذ هذا القرار بالوقت المناسب، فالقضية منتهية يا محمد لا تقلق.

 

﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ(42)﴾

 

(سورة الزخرف)

العبرة في العاقبة:

 لهذا عليه الصلاة والسلام قال لعدي بن حاتم:

(( يا عدي لعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم (يعني أن المسلمين كانوا ضعافاً جداً وأعداؤهم أقوياء) و أيم الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف، ولعله يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم (من فقرهم ) ))

 المؤمن فقير وضعيف ومستضعف ولا يريد شيئاً، والإنسان يقول ما هذا الدين أهله كلهم ضعاف، متخلفون، كما هو حال العالم الثالث اليوم.

(( والله يا عدي ليوشكنَّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ))

 النبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة تبعه سراقة، وبعد أن غاصت قوائم حصان سراقة في الرمال وقال يا محمد: أعدك أنك لا ترى مني ما تكره، فقال له:

((كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ))

 النبي ملاحق ومهدور دمه وضعت مئة ناقة جائزة لمن يأتي به ميتاً أو حياً، ومع ذلك كان واثقاً من نصر الله، ومن وصوله إلى المدينة، ومن إنشاء كيان إسلامي، ومن حرب الفرس والانتصار عليهم، وأن يؤتى بسواري كسرى إلى المدينة، وما لبث أن جيء بسواري كسرى وتاجه وسرواله وكل ما يلبسه كسرى، سيدنا عمر قلَبه بقضيب بيده احتقاراً له وقال:إن هؤلاء الذين أدوا هذا لأمناء، قال له سيدنا علي: يا أمير المؤمنين عفوت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا، ثم قال: أين سراقة ؟ وجيء بسراقة فألبسه تاج كسرى وقميص كسرى وسواري كسرى وقال: بخٍ، بخٍ، أعيرابي من بني مدلج يلبس سواري كسرى، وتحققت نبوة النبي عليه الصلاة والسلام.
 العبرة للآخرة، العبرة للعاقبة، الله عز وجل قال:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128) ﴾

 (سورة الأعراف)

 وقال:

 

﴿ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾

 

(سورة الزخرف)

 سواءً أنتقم الله من الكفار أم لم ينتقم، أحاسبهم في الدنيا أم لم يحاسبهم، أريت نتائج أعمالهم أم لم تر.

 

التمسك بالحق ينبغي أن يكون لأنه حق فقط ولا ينبغي أن يعلق على قوة المسلمين:

 

 قال سبحانه:

﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) ﴾

(سورة الزخرف)

 الآية دقيقة المعنى جداً، معنى الآية: يعني لا يحملنك على ترك الدين أن ترى المؤمنين ضعافاً، أو أن تراهم فقراء، أو أن تراهم معزولين، أو أن تراهم عطلاً من متاع الدنيا، لحكمة بالغة تارة يقوّي المؤمنين وتارة يقوي أهل الدنيا، فإذا جاء دورك في الحياة في عصر كان فيه المؤمنون مستضعفين والقوة للكفار، فهذا الوضع لا يحملنك على عدم اتباع الدين.

 

﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) ﴾

 

(سورة الزخرف)

 إذاً استمساكك بالحق لا ينبغي أن يعلَّق على قوة المسلمين، ولا على غناهم، ولا على أنهم بيدهم الأمر، استمساكك بالحق ينبغي أن يكون لأنه حق فقط، أقوياء ضعاف مستضعفين أغنياء بيدهم مقاليد الأمور أم ليست بيدهم، فهذا لا يقدم ولا يؤخر في حقيقة مسألة الإيمان:

 

﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ﴾

 

(سورة الزخرف)

يجب أن يكون الحق وحده سبباً لإتباعنا له:

 انتقمنا منهم أم لم ننتقم، أريناك ما نعدهم أم لم نرك ما نعدهم فهو سواء، شخص يأتي بالقوة، إنسان يأتي بالحجة، الحق حق إن كان أصحابه ضعافاً أو أقوياء سواء، إن كان أصحابه أغنياء أو فقراء، إن كان أصحابه متمسكين بمقاليد الأمور أو متفلتين، فلا تجعل المظاهر سبباً لانصياعك، اجعل الحق وحده سبباً لإتباعك له.

وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ: لهذه الآية معانٍ ثلاثة:

 ثم يقول الله عز وجل: إن هذا القرآن الذي أوحي إليك:

﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ(44) ﴾

(سورة الزخرف)

1 ـ أن هذا القرآن رفع من شأن النبي وأمته:

 المعنى الأول: أن هذا القرآن رفع من شأن هذه الأمة، رفع من شأن النبي عليه الصلاة والسلام، أُوحي إليه هذا القرآن ورفع من شأن أمته، وهذا يؤكده قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

 (سورة الشرح)

 وكل إنسان يؤمن بالله عز وجل ويستقيم على أمره لا بدّ من أن يرفع الله له ذكره، هذا من عطاء الله في الدنيا، له اسم متألق وسمعة طيبة وشأن وهيبة ومكانة، هذا المعنى الأول.

 

2 ـ الثاني أن هذا القرآن تذكرة للمؤمن بفطرته وبإيمانه:

 والمعنى الثاني: أن هذا القرآن تذكرة لك، الإنسان بالفطرة مؤمن، الفطرة إذا انطمست يأتي القرآن ليذكر المؤمن بفطرته وبإيمانه.

 

﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) ﴾

(سورة الزخرف)

 يعني كل ميزة وراءها مسؤولية، كل إنسان يرقى درجة يحاسب بدرجة أعلى، ما دام هذا القرآن أنزل علينا باللغة العربية ونحن عرب فنحن محاسبون أشدّ من غيرنا.

﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) ﴾

(سورة الزخرف)

3 ـ أن في القرآن نماذج بشرية متعددة ومتباينة:

 وأما المعنى الثالث ؛ فكل من يقرأ القرآن يجد فيه وصفاً للناس، كما يجد نماذج بشرية متعددة ومتباينة.

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16) كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17)﴾

 (سورة الذاريات)

 هذا نموذج هل أنت منهم ؟ لعلنا منهم إن شاء الله تعالى.

 

النماذج البشرية متباينة فعلى كل إنسان أن يعرف أي نوع هو:

 

 ثم هناك نموذج آخر:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2) ﴾

(سورة الأنفال)

 هل أنت منهم ؟ أي أن الله ذكر نماذج ؛ وهو ذكرٌ لك ولقومك وصف النبي بأعلى وصف فقال:

 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾

 

(سورة القلم)

 وصف المؤمنين منهم سابق ومنهم مقتصد، ووصف الكفار أيضاً، ووصف المنافقين والفجار، كما وصف المؤمنين، والمتقين، والصديقين، والأولياء:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63) ﴾

 (سورة يونس)

 فأنت من أيِّ هؤلاء ؟ ذكر لك إذا قرأت القرآن تعرف أين أنت من هؤلاء، المعنى الأول ذكر لك أي رفع لشأنك أنت وأمتك، هذا شرف لك ولقومك أن يأتيك هذا القرآن من عند الله عز وجل، والمعنى الثاني ؛ تذكير لك، فالفطرة عالية، لكنها تحتاج إلى تذكير، والمعنى الثالث ؛ أنك إذا قرأت القرآن عرفت أين أنت من هؤلاء المؤمنين، هل أنت مع المتقين ؟ مع الصديقين ؟ مع المؤمنين ؟ مع المقتصدين ؟ مع المقصرين ؟ مع المذنبين ؟ مع العصاة ؟ تعرف أين أنت من هؤلاء.

 

﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) ﴾

 

( سورة الزخرف )

 عن كل صغيرة وكبيرة ندَّت منكم في الدنيا.

 

يوم القيامة سوف تُسأل عن كل صغيرة وكبيرة:

 

 آخر آية:

﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا(45) ﴾

( سورة الزخرف )

 طبعاً الرسل ماتوا، اسأل أتباعهم.

﴿ أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) ﴾

( سورة الزخرف )

الأديان كلها تدعو إلى التوحيد ومع ذلك فهم يعارضون:

 فأنت يا محمد ما كنت بدعاً من الرسل، ما جئت بشيء لم يأت به الأنبياء من قبلك، أنت على شاكلة الأنبياء، ودعوتك كدعوتهم، والأديان كلها تدعو إلى التوحيد فلماذا هؤلاء يعارضونك ؟ هل جئت بشيء خلاف السابق ؟

﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) ﴾

( سورة الزخرف )

 ثم يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) ﴾

 

( سورة الزخرف )

 هذه القصة إن شاء الله تعالى نبدأ بها درسنا القادم.