الدرس : 4 - سورة الزخرف - تفسير الآيات 26-32

1994-06-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من سورة الزخرف.

الاتصال والترابط بين آيات القرآن:

 مع الآية الكريمة السادسة والعشرين، وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26) ﴾

 (سورة الزخرف)

 الحقيقة أن بين آيات القرآن الكريم اتصالاً و ترابطاً، هذا المعنى في الترابط أشار القرآن الكريم إليه في قوله تعالى:

﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ(1) ﴾

 (سورة هود)

 قد لا تجد بين المقطعين أو الآيتين رابطاً لغوياً، لكنك تجد الرابط المعنوي قطعاً، فحينما قال الله عز وجل:

 

﴿ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 أي نحن نقلد آباءنا، هكذا نشأنا، وهكذا تربينا، وهكذا التقاليد، وهكذا العادات، وهذا هو التراث.

 

﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 فربنا جلّ جلاله جاء بمثل حيّ، بنبي كريم، بأبي الأنبياء، بالنبي الذي اجتمع على تعظيمه كل الناس، قال:

 

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ (26) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 أي واذكروا إذ قال إبراهيم لأبيه:

 

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

التقليد في العقيدة مرفوض:

 أيها الأخوة، لا تقليد في العقيدة، في العقيدة التقليد مرفوض وغير مقبول، وعند جمهور العلماء فسق، وعند بعضهم كفر، التقليد لا يكون في العقيدة إطلاقاً، لو سمحنا أن يكون في العقيدة تقليد لأصبحت كل الفرق الضالة على حق، لأنهم ما فعلوا إلا أنهم قلدوا من قبلهم، لا يمكن أن تعطل عقلك مع أي إنسان، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إنما الطاعة في معروف))

[متفق عليه عن علي]

 لذلك فالمترفون الذين يحبون الدنيا يقلدون آباءهم، يقتدون بهم، يقدسون العادات ولو كانت مخالفة لكتاب الله، يقدسون التقاليد ولو كانت باطلة، يقدسون التراث ولو كان انحرافاً، الله عز وجل يبين أن هذا النبي الكريم وقف الموقف التالي من أبيه وقومه، قال:

﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26) ﴾

 (سورة الزخرف)

 أي براء من الأصنام التي تعبدونها، إنْ هي إلا أسماء سميتموها ما أنزل الله بها من سلطان، وبراء من عبادتكم لها، وبراء مصدر استعمل مكان الصفة، يعني إنني بريء، براء لأنها مصدر لا تجمع ولا تثنى ولا تذكر ولا تؤنث، تقول المرأة إنني براء، ويقول الرجلان إننا براء، ويقول الرجال إنا براء، على كل هذه القضية لغوية، براء مصدر حلّ محل الصفة.

 

﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي (27) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

العبادة لا تكون لغير الله:

 هذه الآية تبين أن العبادة للذي فطرك وحده، لأنه هو سبب وجودك، هو الذي خلق، هو الذي صور، هو الذي رزق، هو الذي ربى، هو الذي هدى، هو الخبير، هو المشرع، إليه المصير، إليه المآب، لا يمكن أن نتصور عبادة لغير الله، وهذا الذي يعبد غير الله يقع في مستنقع آسن، يعني احتقر نفسه، وأخذ بجريرة فعله.

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ(130) ﴾

 (سورة البقرة 130)

 أنت حينما تعبد غير الله تحتقر نفسك، يعني باللغة الدارجة لا يليق بك أن تعبد غير الله، أنت المخلوق المكرم، أنت المخلوق الأول لا يليق بك أن تعبد غير الله، هو الذي خلقك، هو الذي أوجدك، هو الذي رباك، هو الذي سيّرك، هو الذي أمدّك، هو الذي هداك، بيده كل شيء، مالك الملك، إليه يرجع الأمر كله، له مقاليد السماوات والأرض، إليه المصير، هو الأول والأخر والظاهر والباطن، أفتعبد غير الله عز وجل ‍!؟

﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِي(27) ﴾

 (سورة الزخرف)

الهداية لا تكون إلا من الذي فطر الإنسان:

 إذا قال إبراهيم عليه السلام إنه سيهدين بمعنى أنه سيزيدني هدىً، وبمعنى أنه سيثبتني على الهدى وسيزيدني هدى، لكن هناك معنى آخر يستنبط من هذا: أن الهداية لا تكون إلا من الذي فطر الإنسان، يعني عندك جهاز كمبيوتر لو أنه أصابه خلل، أو لو أردت أن تستعمله لا يمكن أن تهتدي إلا بتعليمات الصانع، لا يليق بجهاز معقد جداً أن تسأل عن طريقة استعماله إنساناً جاهلاً، أو صديقاً حميماً لا خبرة له، أو إنساناً أمياً، أو بائعاً لطيفاً تحبه كثيراً، فهؤلاء جميعاً لا يفقهون بهذا الجهاز، ولا يمكن أن نهتدي إلى طريقة تشغيله وصيانته إلا بالاستعانة بصانعه.
 ففي الآية إذاً معنيان دقيقان: الأول لا يمكن أن نعبد إلا الذي فطرنا، والذي فطرنا هو الذي سيهدينا، والمعنى أنه من لوازم الكمال الإلهية.. من لوازم ربوبية الله عز وجل أنه لا يدع عباده من دون توجيه، فمثلاً من المعاني الدنيا لأبوة الأب أنه يوجّه أولاده نحو الحق والخير، أيعقل أن يتوهم الأب أن كل مهمته في إطعام أولاده وإكسائهم فقط ؟ لا، فأقل أب يهتم بأخلاق أولاده، وبدينهم، وبمستقبلهم، فمن لوازم كمال الأب أن يوجه أولاده إلى طريق الخير، إذا كان في قلب الأب شيء من الرحمة قليل، وبهذا القليل يحنو على أبنائه، ويرحمهم فكيف بالرحمن الرحيم ‍!‍ أيدع عباده من دون توجيهات، من دون رسل، من دون أنبياء، من دون إلهام، من دون تبيين، من دون توضيح فالآية تعني أن الذي فطر الإنسان هو الذي سيهديه هو وحده، يعني الهدى لا يمكن أن يؤخذ إلا من الخالق، إنسان مفكر، مصلح اجتماعي، إنسان طرح أفكاراً، طرح منهجاً، نقول له: بادئ ذي بدء من أين جئتنا بهذا المنهج ؟ من عندك، من أنت حتى تكون مُنظِّراً لنا ؟ من أنت حتى تكون مشرعاً لنا ؟ ماذا تملك من خبرات ؟ ماذا تملك من علم حتى تشرع لهذا الإنسان ؟ لذلك أي تشريع وضعي باطل في أصله، لأن المشرع رجل، إنسان علمه محدود، الدليل:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85) ﴾

 (سورة الإسراء)

العبادة لا تكون إلا لله والهدى لا يكون إلا من الله:

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ(255) ﴾

 (سورة البقرة 255)

 صاحب العلم المحدود بالنسبة لطبيعة النفس البشرية لا يمكن أن يكون مشرعاً للبشر، ولو أن الإنسان تعمق في العلم إلى حدّ ما لأن له نزوات وله سهرات وله مصالح وله سقطات، لا يمكن لبشر كائناً من كان أن يكون مشرعاً، لأنه لا يعلم وإذا علم لا ينصف، حينما يشرع الإنسان يوجب التشريع لمصالحه الشخصية، ولا يحيط علماً بخفايا النفس لدى من يشرع له، فلذلك الآية فيها معنيان دقيقان:
 الأول أن العبادة لا تكون إلا لله، وأن الهدى لا يكون إلا من الله، فمن الذي ينبغي أن تعبده ؟ هو الذي أوجدك من العدم.

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1) ﴾

 (سورة الإنسان)

 من الذي ينبغي أن تعبده ؟ هو الذي أمدك بما تحتاج، فهذا الهواء من الذي أمدك به؟ وهذا الماء من أمدك به ؟ لو أن السماء شحت ويبس النبات ومات الحيوان ماذا نفعل ببلادنا ؟ نهجرها، لو أن السماء شحت هل تستطيع قوى الأرض مجتمعةً أن تصدر قراراً بإنزال المطر ؟ لا، وهذه حقيقة بين أيدينا جميعاً، إذاً من الذي ينبغي أن يعبد ؟ هو الذي خلق، وهو الذي يرزق، وهو الذي يربي، وهو الذي بيده كل شيء، وهو الذي إليه المصير، هذا الذي ينبغي أن تعبده، ومن هذا الذي يقدر على أن يهديك ؟ هو الخالق، أي بمعنى مبسط جداً ؛ أيُّ آلة بين يديك بالبديهة وبالفطرة ومن دون تعقيدات تشعر أن الجهة التي يمكن أن تزودك بالتعليمات لتشغيلها هي الجهة الصانعة وحدها، وأنت لا تقبل أساساً أن تأخذ التوجيهات من غير صانع هذه الآلة، فكم من آلة معقدة، فأول شيء يتبادر له أن يطلب التعليمات، فإن كانت مثلاً باللغة الأجنبية قام وكيل هذه الشركة بترجمة التعليمات بلغتك ليسهل عليك استخدامها، فإذاً أنت بالفطرة حريص على سلامة آلة، أفلا تكون حريصاً على سلامتك، وسعادتك، وآخرتك، فإن كنت حريصاً على كل ذلك، فلن تسلم، ولن تسعد إلا بتطبيق تعليمات الصانع، لذلك:

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِي(27)﴾

 (سورة الزخرف)

(إلا) استثناء متصل بمعنى أني أعبد الله وحده:

 قال (إلا) هذا استثناء متصل، هذه العبارة ترد كثيراً في دروس التفسير، معنى استثناء متصل: أي أن المستثنى منه من جنس المستثنى، إذا قلت: حضر الطلاب إلا خالداً، خالد طالب، أما المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كأن تقول: حضر الطلاب إلا المدرس، فالمدرس ليس طالباً، فالعلماء قالوا هذا استثناء متصل، لأنهم يعبدون الله ويعبدون أصناماً من دون الله

﴿ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي (27) ﴾

 (سورة الزخرف)

 هذا استثناء متصل، أي أنا أعبد الله وحده.

 

﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ (28) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

كلمة التوحيد باقية في عقب سيدنا إبراهيم:

 إن الذي جعلها كلمة باقية في عقبه هو الله عز وجل، يعني كلمة التوحيد باقية في عقب هذا النبي العظيم سيدنا إبراهيم، وكلمة التوحيد هي لا إله إلا الله، وإذا أردت أن تعرف الدين كله فهو أن تؤمن أنه لا إله إلا الله، فاعلم أنه لا إله إلا الله، لكن دقة الآية أنّ الله عز وجل لم يقل فقل لا إله إلا الله بل قال: فاعلم أنه لا إله إلا الله، والإنسان لو فهم القرآن فهماً دقيقاً لانتبه لأفعال الأمر، ومؤدى كل منها، فالله جل جلاله حينما يقول لك فاعلم أي، فاعلم أن الله جل جلاله حينما يقول ذلك فاعلم هذا يقيناً، ما قال قل، قد يقول أحدهم ما معنى قول النبي الكريم: من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ؟ الجواب معروف، قيل وما حقها ؟ قال أن تحجزه عن محارم الله، أحياناً يأتي القول تعبيراً عن عقيدة واضحة، هنا القول بمعنى قل ذلك عن عقيدة، وعن علم:

﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28) ﴾

 (سورة الزخرف)

الشرك أن تتوهم أن الأمر بيد غير الله:

 الرجوع إلى الله دائماً، والإنسان عندما يرى أن الأمر بيد غير الله فإنه لا يرجع إلى الله، بل يرجع إلى من يتوهم أن الأمر بيده، وهذا هو الشرك.

﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13) ﴾

 (سورة لقمان)

 لكن إذا أيقنت أن الأمر كله بيد الله ترجع إلى من ؟ إلى الله، أيضاً ببساطة إذا دخلت إلى دائرة حكومية وأنت محتاج إلى موافقة، تقول: الموافقة بيد من ؟ يا ترى هل بيد المدير العام أم معاون المدير العام ؟ أم مدير الشؤون الذاتية ؟ فإذا أبلغت أن الموافقة من حق المدير العام وحده فإلى أين تتوجه ؟ إلى المدير العام، وتدع كل من سواه، لذلك فهذه كلمة التوحيد.

 

﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ (28) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 أي ذريته.

 

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 إلى الله، فالشرك يرجعك إلى غير الله، يرجعك إلى عبد من عبيد الله، يرجعك إلى الجهة التي أشركتها مع الله، لكن التوحيد يرجعك إلى من ؟ إلى الله، لذلك قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213) ﴾

 (سورة الشعراء)

من أراد أن يسعد في الدنيا و الآخرة فليرجع إلى الله عز وجل:

 إذا أردت أن تسعد فارجع إلى الله، وإذا أردت أن تشقى فارجع إلى غير الله، غير الله عز وجل ليس شيئاً لكن الله كل شيء، وجعلها الله كلمة باقية في عقبه، والهاء في عقبه تعود على سيدنا إبراهيم:

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28) ﴾

 (سورة الزخرف)

 لعل الذراري من بعده يرجعون إلى الله دائماً، نقطة دقيقة جداً أنت ترجع لمن بيده الأمر، فإذا علمت أن الله بيده الأمر ترجع إلى الله، وإذا علمت أن الأمر بيد زيد أو عبيد أو فلان تتوجه إلى زيد أو عبيد أو فلان، تتوجه وتتوسل معصية الله لأنك أشركته مع الله.
 ولقد قلت مرة في خطبة في يوم عرفة يوم وقفة عيد الأضحى المبارك، قلت: من قال الله أكبر ثم أطاع مخلوقاً كائناً من كان وعصى خالقه فهو بحكم من لم يقل: الله أكبر ولا لمرة واحدة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه إنما أطاع الأقوى في تصوره، ومن كسب مالاً حراماً، فكأنه ما قال الله أكبر ولا لمرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن هذا المال أكبر عنده من الله، أو من طاعة الله، ومن لم يُقم الإسلام في بيته إرضاءً لأهله فهو ما قال الله أكبر ولا لمرة أبداً، ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه إنما رأى أن إرضاء أهله أكبر عنده من إرضاء الله عز وجل، فالأمر بات واضحاً جلياً.

 

﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

الله عز وجل يعلمنا أنه لا إله غيره عن طريق الوحي:

 الله عز وجل لا إله غيره لكن دائماً يعلمنا أنه لا إله غيره، كيف يعلمنا ؟ يعلمنا عن طريق الوحي، القرآن كله يلخص بكلمة لا إله إلا الله، تقول هذه مبالغة، لا ليست مبالغة.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ(64) ﴾

 (سورة النساء)

 ليس القرآن كله، بل الكتب السماوية كلها تحوم حول " لا إله إلا الله ".

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25) ﴾

 (سورة الأنبياء)

لا إله إلا الله هي العقيدة وطاعة الله عز وجل هي السلوك:

 العقيدة لا إله إلا الله والسلوك هو العبادة، لذلك العلماء قالوا: لا إله إلا الله نهاية العلم والتقوى نهاية العمل، فأنت إذا وصلت إلى لا إله إ لا الله وصلت إلى الحقيقة الكبرى التي لا حقيقة بعدها، وإذا أطعت الله عز وجل فأنت أكرم الخلق.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25) ﴾

 (سورة الأنبياء)

 معرفة أنه لا إله إلا الله هي الكلمة التي تقوم عليها العقيدة الصحيحة، وطاعة الله عز وجل هي السلوك الصحيح، وما سوى ذلك باطل في باطل.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3) ﴾

 (سورة المؤمنون)

 اللغو ما سوى الله عقيدةً وسلوكاً، أيُّ حركة لغير الله لغو وباطل، وأي توهم بعيد عن الله عز وجل لغو وباطل، يعني أنت ترجع لمن بيده الأمر فإذا علمت أن الله بيده كل شيء رجعت إليه.

الله عز وجل ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله إليه:

 لذلك فالله عز وجل ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله إليه قال:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ(123) ﴾

 (سورة هود)

 الله جل جلاله هو الذي ينبغي أن يعبد، والله جل جلاله هو الذي ينبغي أن يستهدى، الحديث القدسي:

 

(( يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته. فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته. فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته. فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا. فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني. ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم. كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم. ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم. وإنسكم وجنكم. كانوا على أفجر قلب رجل واحد. ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم. وإنسكم وجنكم. قاموا في صعيد واحد فسألوني. فأعطيت كل إنسان مسألته. ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم. ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))

 

[صحيح مسلم عن أَبِي ذَرٍّ]

 إنه كلام قطعي، والله عز وجل أكبر وأعظم من أن يظلمك، أو من أن يحرمك، أو من أن يعطي غيرك ولا يعطيك، أومن أن يكرم غيرك ولا يكرمك.

 

﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمْ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ(29) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 كلمة متعت: أي أطلت أعمارهم وأعطيتهم ما يشتهون، يعني فقد تجد إنساناً باعه طويل في الدنيا، المال عنده موفور، وصحته قوية، ودخله كبير، وجاهه عريض، ولا ينقصه شيء من الدنيا وبهجتها، فهل هذا إكرام ؟ هذه الدنيا لا علاقة لها بالإكرام إطلاقاً.

 

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)كَلَّا ﴾

 

 (سورة الفجر)

 فلا هذا صحيح ولا هذا صحيح، ليس عطائي إكراماً بل هو ابتلاء، وليس منعي حرماناً بل هو دواء.

حظوظ الدنيا درجات نرقى بها إلى الجنة أو دركات نهوي بها إلى جهنم:

 ملخص الملخص أن: حظوظ الدنيا درجات نرقى بها أو دركات نهوي بها، وهي حيادية، كل شيء أعطاك إياه بإمكانك أن ترقى به إلى الجنة، وبإمكان الإنسان الضّال أن يهوي به إلى جهنم، الشيء نفسه كالعقل يمكنك أن تصل به إلى الله، ويمكن أن تستخدمه في المكر والدسيسة والكذب والاحتيال، والمال كذلك، والصحة كذلك، والذكاء كذلك، وطلاقة اللسان كذلك، أي حظ من حظوظ الدنيا يمكن أن تستخدمه لتكون في أعلى عليين، وأي حظ من حظوظ الدنيا يمكن أن تستخدمه فتكون لا سمح الله في أسفل سافلين.

﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ (29) ﴾

 (سورة الزخرف)

 ولقد جاء الحديث الشريف أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

((والله لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء))

 

[الترمذي عن سهل بن سعد]

 لا أعتقد أن هناك مخلوقاً أهون على الناس من بعوضة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقل بعوضة بل قال جناح بعوضة.
ولقد رأى النبي الكريم مرة شاة ميتة وقد تفسخت فقال:

(( انظروا إلى هذه الشاة كم هي هينة على أهلها، والله للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها))

الدنيا ليست عطاءً بل متاعاً ما دامت تنتهي إلى الموت:

 وما أكثر ما أردد الكلمة التالية: الموت ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي كل شيء، إذاً الدنيا ليست عطاء، فمادامت تنتهي بالموت إلى لا شيء فإذاً ليست عطاءً، هذا العطاء لا يليق بالله عز وجل، لا يليق بالله أن يعطيك شيئاً ثم يسترده، وهذه الفكرة الأخيرة تؤكد لنا هذه الدنيا بمجملها ليست عطاءً، وهذا ملخص قول الله عز وجل:

﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمْ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ(29) ﴾

 (سورة الزخرف)

 يعني إلى أن أسمعهم الرسول القول الحق، وأن الدنيا متاع والمتاع الشيء العابر، وهي متاع الغرور يُغتر بها.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ﴾

 (سورة التوبة 38)

 وبعد ؛ فهل سمعت ؛ أن الله يعجب من سلوك بعض الناس إذ يتناقلون إلى الأرض ويؤثرونها.

﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38) ﴾

 (سورة التوبة 38)

 هذه الآية مما تهتز لها النفوس ‍! وإليك آية أخرى:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77) ﴾

 (سورة النساء)

 إنّ الرب العظيم يقول هذا عطاء قليل يجب أن نصدقه وألا نحرص عليه وألا نعصي الله أو نتنافس من أجله.

أشقى الناس من يأتيه الحق فيكفر به:

﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ(30) ﴾

 (سورة الزخرف)

 هذا أشقى إنسان إذ يأتيه الحق فيكفر به، يأتيه الحق فيسخر منه، يأتيه الحق فيتهم من يأتي بالحق بالسحر والشعوذة والكهانة وما إلى ذلك.

 

﴿ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ(30) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 هناك سؤال أطرحه عليكم: الكفار قالوا عن النبي إنه ساحر ومجنون وقالوا كاهن، هذه تهم وبهتان، هذا ما قالوه، فلماذا أثبته الله في القرآن وصار يتلى إلى يوم القيامة ؟

 

﴿ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(39) ﴾

 

 (سورة الذاريات)

 ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى أثبت التهم الباطلة التي نعت بها النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق ؟ الجواب: أنّ أيّ إنسان دعا إلى الله في الدنيا، ثم إذا هاجمه من هاجمه، وطعن به من طعن، وانتقص من قدره من انتقص فلئلا يتألم لما يصفه به الآخرون، فإنه يتعزى عندما يجد لنفسه في شخص النبي الكريم أسوة حسنة، يعني هذه التهم التي أتهم بها النبي وهو منها براء أثبتها الله في القرآن الكريم تطييباً لخاطر أمته من بعده، فإذا النبي الكريم قالوا عنه ساحر وشاعر ومجنون وكاهن فمن أنت ؟ فطب نفساً، وتابع مسيرة الدعوة إلى الله والإيمان به، والعمل الصالح الذي يرضاه.

الحياة الدنيا هي معركة أزلية بين الحق والباطل:

 أيها الأخوة إن الحياة الدنيا كلها من بدايتها إلى نهايتها معركة أزلية بين الحق والباطل، والنبي الكريم قال:

(( للمؤمن أربعة أعداء: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وشيطان يضله، وكافر يقاتله ))

[الجامع الصغير 7352]

 فليمعن أحدكم النظر في الحديث فالدنيا دار ابتلاء، وليست دار استواء:

﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمْ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ(29) ﴾

 (سورة الزخرف)

 الإنسان يمتع لكن إذا جاء الحق ولم يستجب يهلك، أحياناً الله عز وجل يعطيك فرصة، لكن بعد أن توضحت الأمور وأسمعك الحق بالحجج الدامغة لن يعذرك أبداً.

المؤمن لا يقلد بل يتحقق بالدليل:

 وبعد فالآية الأولى:

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26) ﴾

 (سورة الزخرف)

 توجز أمر المؤمن الصادق من أنه لا يقلد ولكن يتحقق، وأنت كمؤمن لا يليق بك إلا الدليل.

 

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللـَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهـَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِـسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِـحُ الْكَافِرُونَ(117) ﴾

 

 (سورة المؤمنون)

 أنت تحتاج إلى برهان، إذاً:

 

﴿ حَتَّى جَاءَهُمْ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ(29)وَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ(30)﴾

 

 (سورة الزخرف)

العلم هو الوصف المطابق للواقع وغير ذلك فهو جهل:

 يعني إذا قلت عن هذه الكأس إن هذا الماء الذي فيها ليس صافياً وهو صافٍ، فوصفك المغاير للحقيقة هل يغير من طبيعة الماء شيئاً ؟ أبداً لن يغير شيئاً، من تعاريف العلم: أنه الوصف المطابق للواقع، فإن لم يكن الوصف مطابقاً للواقع فليس علماً، أصبح جهلاً، الجهل ليس فراغاً بل الجهل علاقات باطلة، والإنسان الجاهل عنده آلاف العلاقات، وآلاف التصورات، وآلاف المقولات لكن كلها غير صحيحة، أما الأمي فهو الفارغ، فالأمي وعاء عقله فارغ، أما الجاهل فعقله مملوء بالعلاقات الباطلة، وبالتصورات الخاطئة، وبالأفكار الفاسدة، وبالعقيدة الزائغة، فهذا هو الجهل.
 لو أن مصباح الزيت الذي في السيارة، ظنه السائق مصباحاً تزيينياً، فإذا تألق، فهذا التألق من أجل أن يسليه أثناء القيادة فيكون هذا جاهلاً، فالجاهل هو الذي لديه تصورات ولكنها كلها باطلة.

القرآن كلام الله لا يليق به إلا أن ينزل على عظيم حسب نظرة الكفار:

﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ(30) ﴾

 (سورة الزخرف)

 قولهم عن الحق أنه سحر لن يجعله سحراً، بل يبقى الحق حقاً والباطل باطلاً، والأسماء لا قيمة لها.

 

﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

 

 (سورة النجم 23)

﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ(31) ﴾

 (سورة الزخرف)

 هم عندهم العظيم هو الغني، والعظيم هو الوجيه، والعظيم هو القوي، وهذه هي مقاييسهم، وإذا كان القرآن كلام الله فلا يليق به إلا أن ينزل على عظيم حسب نظرتهم، وعلى رجل من أعلام قومهم فمن هو محمد بنظرهم ؟ فقير، يتيم الأب والأم، ليس من هؤلاء الكبار الأغنياء الأقوياء المسيطرين.

 

﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ(31) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 يعني لو أن هذا القرآن نزل على الوليد بن المغيرة نقبله، هذا إنسان من زعماء مكة، لكن من هو محمد إزاءه ؟ يقول الله عز وجل:

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ (32) ﴾

 (سورة الزخرف)

مقياس ربنا الطاعة ومقياس أهل الأرض الغنى والجاه:

 النبوة رحمة الله عز وجل أفهم يقسمونها ؟ هذا شأن الله عز وجل، الله له مقاييس أخرى، مقياس أهل الأرض الآن هو الغنى لكن مقياس ربنا الطاعة له، فقد تجد صاحب شركة ضخم الثروة والسطوة لكن حاجبه عند الله أعظم منه، مقياس ربنا عز وجل الطاعة، في حين أن مقياس الناس الغنى، والقوة، والجاه، والسلطان.
 سيدنا عمر رضي الله عنه قال لسيدنا سعد بن أبي وقاص: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له فقط.
 فأنت بطولتك أن تعرف مقياس ربنا عز وجل، ابتغوا الرفعة عند الله وطريقها التقوى والطاعة، بينما هي عند الناس المال والقوة.

عالم القيم وعالم الدين هو الحق عند الله عز وجل:

 أي شخص قوي يقولون هذا يده تصل إلى كل مكان فالناس يحترمونه كثيراً، كما يحترمون الغني والقوي وهذا مقياس مادي، لكن عالم القيم وعالم الدين هو الحق عند الله عز وجل، والإنسان لا يرقى إلا بمعرفة الله وبأخلاقه الفاضلة، والدليل: أن النبي عليه الصلاة والسلام هو أعظم عند الله، واسمع يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت لك العلماء.
 وبعد فقد تجد شاباً يحمل شهادة الليسانس في الشريعة، ثم يحصل على دبلوم في الشريعة، ثم شهادة ماجستير، وبعد ذلك يختار حوالي عشرين حديثاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقوم بشرحها ويقول: هيأت أطروحة في الحديث الشريف، ونال على أثر هذه الأطروحة شهادة الدكتوراه. فماذا فعل هذا الشاب القدير ؟ فهم بعضاً من أحاديث رسول الله، فأين هذا وغيره من النبي صلى الله عليه وسلم.
 إذاً يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت لك العلماء.
 إنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان أعظم الخطباء، وأعلم العلماء، وأفقه الفقهاء، وأقضى القضاة، وأعظم المفتين، وكان قائداً عسكرياً، وزعيماً مدنياً، ومصلحاً اجتماعياً، ولما أراد الله عز وجل أن يمدحه فبماذا مدحه ؟ لقد قال سبحانه:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾

 (سورة القلم)

 فهذا مقياس ربنا.

الصفة المرموقة عند الله الخلق العظيم:

 الإنسان قد يكون ذكياً جداً، وطليق اللسان، وقد يكون فهيماً، ويحمل أعلى الشهادات، وهذه كلها صفات عقلية، وأما الصفة المرموقة عند الله الخُلُق العظيم، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة))

[ رواه الطبراني عن أنس بن مالك ]

 فإذا أردت أن ترقى عند الله فكن ذا خلق عظيم، لأن الله عز وجل يمكن أن تعرفه، ويمكن أن تعرف أمره، ويمكن أن تعرف خلقه، أما خلَق الله عز وجل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك والهندسة والطب وعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا والفيزياء النووية والكيمياء العضوية والكيمياء اللاعضوية هذه علوم الأرض، وهي علوم خلقِ الله، وأما علم أمر الله، فهو الشريعة والفقه والمقارن وأصول الفقه وأحكام الزواج والطلاق وأحكام العارية والبيوع إلى أخره هذا علم الأمر والنهي وعلم الشريعة.
 لكن معرفة الله لا تحتاج إلى مدارسة بل إلى مجاهدة، جاهد تشاهد، إذا غضضت بصرك عن محارم الله فالله عز وجل ألقى محبته فيك وتجلى عليك وألقى في قلبك نوراً تعرفه به هذا معنى من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم.

 

﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ(31)أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 إن كل ما يتعلق بدنياهم قد قسمه الله بينهم، قال سبحانه نحن قسمنا بينهم معيشتهم، وجعلنا فيهم غنياً وفقيراً، قوياً وضعيفاً، صحيحاً وسقيماً، وفيهم على الخط الوسط وآخرون تحت الأحمر.

 

﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 فكل ما يتعلق بهم ولا يستطيعون تدبيره نحن قسمنا بينهم معيشتهم، أما ما يتعلق برحمة الله عز وجل، فقال سبحانه:

 

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ (32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

هذه الآية فيها معنيان:

 هذه الآية من أدق الآيات:

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾

 (سورة الزخرف)

 هناك معنيان للآية: أما المعنى الأول فسأسمعكم إياه، وأما المعنى الثاني سأبينه لكم:

 

1 ـ المعنى الأول:

 قد جعل الله غنياً وفقيراً لحكمة بالغة، وجعل قوياً وضعيفاً، وجعل صحيحاً وسقيماً، وجعل ذكياً وأقل ذكاءً، وجعل وسيماً وأقل وسامة، حظوظ الدنيا متفاوتة، شخص ما حجمه المالي ألف مليون، وآخر مئتا مليون، وثالث لا يكفيه راتبه يومين، هذه أرزاق متفاوتة، والعقول متفاوتة، والقوة متفاوتة، هذا هو المعنى الأول.

 

 

2 ـ المعنى الثاني:

 الله أعطى كل إنسان اختصاصاً، ومن خلال اختصاصه تفوق على الآخرين، فهناك الطبيب والمهندس والحقوقي والمدرس والأستاذ الجامعي، كما أن هناك الميكانيكي والحداد والنجار وعامل البناء إلى غير ذلك من الأعمال والمهن وكل برز في اختصاصه، وكل يحتاج إلى غيره.
 هذه الآية تعني إذاً أن الله أقدر كلَّ إنسان على عمل، ويسره له، وبهذا العمل تفوق على بقية الخلق، وأنت بهذا الاختصاص سيد، ولو أعطوا عالماً من علماء الأزهر الكبار تخطيط قلب ليدرسه فماذا يفهم منه ! يرى خطوطاً ليس إلا، بينما الطبيب ينظر إلى التخطيط فيقول عند المريض تسرع في القلب، كما يفهم الطبيب منه أشياء كثيرة، فعالم الأزهر أمام التخطيط أُمِّي، وهذا الطبيب أمام معاني كتاب الله أُمِّي.

 

 

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 كل إنسان تفوق بشيء فهو سيد في مجاله، ولذلك قيل:
 احتج إلى الرجل تكن أسيره، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره.
 فأنت ذو باع طويل بالعلم ولك شخصيتك عندك جهاز معطل فلا بد لك من شخص مختص يصلحه، وإلا بقي معطلاً، لأنه ليس لديك قدرة أو خبرة لإصلاحه، وهذا المعنى الثاني للآية:

 

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا (32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

الله رفع بعض الناس فوق بعض درجات ليصبح المجتمع متكاملاً:

 المعنى بصورة عامة أن الله سبحانه وتعالى رفع بعض الناس فوق بعض درجات في الاختصاصات، وفي كافة المجالات الدنيوية.

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا (32) ﴾

 (سورة الزخرف)

 ليصير المجتمع البشري متكاملاً، ولو كان كل فرد يتقن كل شيء لما بقيت حاجة ليكون الإنسان اجتماعياً ولاستغنى كل فرد بنفسه ولكن:

 

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا (32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 سخرياً ؛ من السُّخرة لا من السخرية، أي الخدمة، أنت تَخدِم وُتخدَم، بهذه الطريقة أنت تمتحن، الإنسان يمتحن بالعمل، لكن الإنسان لو جعل اختصاصه لجمع المال، مسرور لأنه يملك ثروة طائلة، الله نبهه أنه ليس القصد أن تجمع الثروة من الاختصاص.

 

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 القصد من الحرفة أن تخدم بها المسلمين، فمن أين يأتي الجشع ؟ حينما تريد من هذه الحرفة أن تجمع ثروة طائلة، أنت إذاً تفعل أشياء مخالفة للفطرة، ترفع الأسعار وتستغل وتطعن بغيرك وتدلس وتكذب وتوهم وتغش ثم تجمع الأموال، لكن:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾

 (سورة الزخرف)

ليس الهدف من الحرفة جمع المال بل خدمة الناس:

 بالمناسبة أيها الأخوة. إليكم هذه الحقيقة الصارخة إن أيَّ إنسان بأي حرفة إذا وضع المادة هدفه سقط وهان، أما إذا وضع المادة وراء ظهره ارتقى، وجاءته المادة حلالاً، وكل إنسان صاحب حرفة مادي ينتهي إلى خسران، فاجعل همك الأول خدمة المسلمين، فإذا كنت بهذا الإتقان وهذا الإخلاص أتتك الدنيا وهي راغمة، وإذا أردت الدنيا وحدها على حساب اختصاصك وإخلاصك وصدقك وإتقانك ذهبت منك الدنيا وذهب منك المال واستحق الإنسان لعنة الناس، ولذا فكل إنسان يستغل حرفته لابتزاز أموال الناس، فهو ملعون عند الله وعند الناس، وكل إنسان يهدف إلى خدمة الناس والمادة وراء ظهره يأتيه الثناء من الله ومن الناس وتأتيه الدنيا راغمة مثقلة بالمال الحلال هذه نقطة مهمة جداً، ولتعلم أن أكبر رأسمال تملكه في دنياك هو ثقة الناس، ولن يتحقق لك ذلك إلا بالتقوى والصلاح، واجعل نصب عينيك:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾

 (سورة الزخرف)

 واجعل شعارك في عملك:

 

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 أتقن عملك، وانتظر من الله الثواب:

 

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 والإنسان عند الموت يفقد كل شيء، ولكن رحمة الله هي التي تبقى، وتنفع.

الاختصاصي يصل بإخلاصه إلى رحمة الله:

 من المعاني المستفادة من هذه الآية: أن الإنسان صاحب الاختصاص (كل إنسان له اختصاصه وعمله هو اختصاصه) ممكن أن يصل بعمله إلى رحمة الله، بإخلاصه وصدقه وأمانته ونصحه للمسلم، أما بعدم إخلاصه وغشه وتلاعبه واحتياله فقد يصل إلى المال الوفير ولكن يخسر نفسه، إذ يضيعها في جمع المال، واللهاث وراء الثراء. فبعض الأطباء يعطي المريض إبرة ماء مقطر ليكسب ثمنها حراماً وغشاشة، ولئن كان المريض لا يعرف فإن ربك بالمرصاد، لا أحد يجعل اختصاصه استغلالاً لحاجة الناس إليه، الله عز وجل يقول:

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (32) ﴾

 (سورة الزخرف)

 إن على كل إنسان أن يتقي الله، خلل بسيط بدماغه يذهب اختصاصه، أنا أعرف رجلاً يحمل دكتوراه من النوع الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه، وارتقى بالمناصب إلى منصب معاون وزير، وتزوج امرأة من أوروبا وعاش في بحبوحة، ثم فقد بصره وقبع في بيته، ثم سرّح من منصبه، أنقل لكم ما قاله لصديقه، قال له: والله أتمنى أن أجلس على الرصيف وأن أتسول وألا أملك من الدنيا إلا معطفي وأن يردّ الله عليّ بصري، فليتعظ الإنسان بغيره، ولا يستغل اختصاصه لظلم الناس، ولا يبتز أموال الناس، ولا أن يتعالى باختصاصه على الناس، وليعلم أن للناس كرامة عند الله سبحانه هو خلقهم والكل عياله والآية دقيقة المعنى جداً ولئن كان قد رفعك بهذا الاختصاص، أو رفعك بهذه الوظيفة، فعليك أن تعلم أن الله أعطاك ليمتحنك، فإن اجتزت الامتحان فهنيئاً لك، وإلا فالحذر الحذر، قال الله عز وجل:

 

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 من أجل أن تخدم أخاك، لا من أجل أن تستغله:

 

﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا (32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

عطاء الله للإنسان امتحان له:

 حينما رفعك فوق منزلة أخيك فمن أجل أن تخدمه، ومن أجل أن ترقى إلى الله بخدمته، يقول الله عز وجل:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾

 (سورة الزخرف)

 فإخلاص الإنسان في عمله، وإتقانه لعمله وصدقه وأمانته ونصحه للمسلمين هدف سامِ وكبير ومرتقٍ إلى الله عز وجل ومشرف، إن بعض معامل الطحينة تضع إسبيداج في هذه المادة فتصبح بيضاء فيرتفع سعرها خمس ليرات، وهذه المادة تستعمل في الدهان هذا يجعل كسبه للمال عن طريق تلوين هذه المادة الغذائية بلون يؤذي الناس في صحتهم، ولئن كان الآخرون لا يعرفون لكن الله عز وجل يعرف ويشاهد ثم ينتقم، واعلم أنك إذا أخلصت واتقيت الله فرحمته خير لك من المال كله.
 ما كل ربح هو مال، فأحياناً يكون الربح رحمة الله ومحبته لك ورضوانه، فتقر عينك، وتطمئن نفسك، ويأتيك الرزق وفيراً، لأن الله لا يخلف الميعاد، فهو القائل:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ(3) ﴾

 (سورة الطلاق )

 وكرر دائماً:

 

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾

 

 (سورة الزخرف)

 الدرس القادم إن شاء الله تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ(33)وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ(34)وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ(35) ﴾

 (سورة الزخرف)