الدرس: نعم الله للعبد دليل محبته له.

2015-01-01

محبة الإنسان للكمال و الجمال و النوال :

الدكتور راتب:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
 على وجه الارض يوجد سبعة مليارات ومئتا مليون، ما منهم واحد إلا وهو يحب الجمال والكمال والنوال، الجمال حسي، الأرض جميلة، الجبال خضراء، الأنهار عذبة، الأزهار فواحة، هذا الجمال، والكمال الوفاء، المروءة، الصبر، الحياء، والنوال العطاء، فالكمال والجمال والنول هذا ما فطر عليه الإنسان في شتى بقاع الأرض.
المذيع:
 الإنسان كيف يشكر ربه على هذه النعم؟ نحن اليوم مثلاً الجو صاف بالعادة يكون غائماً الجبال وخضرتها فرح الأطفال والناس كيف يشكر هنا الإنسان الله؟

شكر الله يكون بطاعته و بخدمة خلقه :

الدكتور راتب:
 الشكر ورد بآية دقيقة جداً:

﴿ اعمَلوا آلَ داوودَ شُكرًا ﴾

[سورة سبأ: ١٣]

 الحقيقة أن ترد على الجميل بالجميل، إذا منحك الله نعمة الإيمان، ونعمة الهدى، والإيجاد والإمداد، أوجدك:

﴿هَل أَتى عَلَى الإِنسانِ حينٌ مِنَ الدَّهرِ لَم يَكُن شَيئًا مَذكورًا﴾

[سورة الإنسان: ١]

 أي إذا تصفحت كتاباً، وانتبهت لتاريخ صك حروفه قبل ميلادي، أقول أنا أثناء صف الحروف: من هو فلان؟ ليس له وجود، فالله منحنا نعمة الإيجاد والإمداد، أمدك بالهواء، بالشراب، بالطعام، بالزوجة، بالأولاد، بالأقارب، بالطبيعة، بالفواكه، فأولاً منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، وتفضل علينا جميعاً بنعمة الهدى والرشاد، فثلاث نعم، نعمة الإيجاد والإمداد، والهدى، والرشاد، الآن رد الجميل أن نقابل هذه النعم بطاعة الله أولاً، وبخدمة عباده ثانياً، بطاعته أولاً لأن ربنا أمرنا أن نعبده، وبخدمة عباده ثانياً، وحجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح.
المذيع:
 كيف يرتقي الإنسان بعبادته لله؟

 

كيفية ارتقاء الإنسان بعبادته لله :

الدكتور راتب:
 الطاعة لها أصول ولها فروع، فالأصول ودعت في فطرتنا، أي إذا كان الإنسان يسكن مع والدته، وصاد أرنباً وأكله وحده، لو لم يسمع بحياته كلمة دينية ألا يشعر بالذنب لذلك؟

﴿فَأَقِم وَجهَكَ لِلدّينِ حَنيفًا فِطرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها ﴾

[سورة الروم: ٣٠]

 ما من شيء أمرك الله به إلا وفطرك على محبته، وما من شيء نهاك الله عنه إلا وجبلك على كراهيته، والدليل:

﴿ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الإيمانَ وَزَيَّنَهُ في قُلوبِكُم وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الكُفرَ وَالفُسوقَ ﴾

[سورة الحجرات: ٧]

 إذاً الإنسان عندما يستقيم يصطلح مع فطرته، السعادة والراحة النفسية التي لا توصف تكون حينما يتوب الإنسان إلى الله، لأن الحقيقة أن الإنسان اصطلح مع فطرته، فتطابق الفطرة مع المنهج تطابق تام وعفوي غير مصطنع، يوجد فطرة ومنهج، شيء الله أمرنا به، فطرنا الله على محبته، وأي شيء نهانا عنه فطرنا على كراهيته، فالإنسان عندما يتوب إلى الله:" إذا رجع العبد إلى الله ناد مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلانا فقد اصطلح مع الله".
 أنا والله الذي لا إله إلا هو لا أرى كلمة أهنئه إلا على شيء أبدي دائم، أما البيت فيغادره عند الموت، ويترك الأهل والأولاد، هذه الدنيا بأكملها لابد من أن تفارقنا أو أن نفارقها، لكن البطولة أن يكون لك عمل يدخل معك إلى القبر:" يا قييس إن لك قريناً تدفن معه وهو حي، ويدفن معك وأنت ميت، إن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك" هو عملك:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلوا ﴾

[سورة الأنعام: ١٣٢]

 أي حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، بل إن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح:

﴿ رَبِّ ارجِعونِ*لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا ﴾

[سورة المؤمنون: ٩٩-١٠٠]

المذيع:
 أريد أن أتكلم بشيء، كنا قد تحدثنا عنه حتى قبل أن ندخل في المقابلة، هذه الطبيعة هنا رسالة ربانية كي يرى الإنسان جنة الله سبحانه وتعالى ونعيمها؟

 

الطبيعة رسالة ربانية من الخالق للناس :

الدكتور راتب:
 اللغة حروف، أصوات مقطعة، إذا قلت كلمة بحر وإنسان لم ير البحر بحياته هذه الحروف لا معنى لها إطلاقاً، لا بد للكلمة من مرتكز واقعي تستند إليه، فالإنسان إذا رأى جبلاً أخضر، إذا رأى طفلاً، رأى نهراً عذباً، رأى وردة جميلة، هذه الجماليات تذكره بالجنة، ولذلك آيات الجنة لابد من أن يكون لها في الدنيا مرتكزات، فإذا ذكر الله الجنة تجري من تحتها الأنهار، فيها ما تشتهيه الأنفس، هذه الجنة لابد لها من مرتكزات في الأرض، فإذا نظرنا إلى هذه المرتكزات تصورنا الجنة، وإلا فإن الجنة ليس لها معنى.
المذيع:
 أي يوجد جانب من خلال هذا الموقع الذي نحن فيه هي جانب تشجيعي للمشاهد في كيفية الاستمتاع والخروج مع الأسر والأبناء وخاصة في الرحلات، سيدي هل تحب الترحال؟

الجانب الجمالي جانب أساسي في حياة كل إنسان :

الدكتور راتب:
 أنا أولاً عندي قناعة أن الجانب الجمالي في حياة الإنسان أساس، فإذا أهملناه هجر أولادنا بلادنا إلى بلاد الغرب، فحتى نبقى في بلادنا، ونحبب بلادنا بأطفالنا وشبابنا ولمن حولنا لابد من فسحة جمالية، فالعناية بالبلد أنا أراها منطلقاً وطنياً قومياً وإنسانياً ودينياً، تمشي ترى الشوارع نظيفة، والأبنية نظيفة، يوجد شكل هندسي جميل، ألوان جميلة، هذه الجماليات في هذا البلد الطيب دليل أن المستوى الجمالي مرتفع، وهذا المستوى المرتفع يجذب الناس إليها، ويحافظ على بقاء شبابها بها، هذا منطلق إنساني وطني إسلامي، فالجمال مطلوب، إن الله جميل يحب الجمال.
المذيع:
 على المستوى الشخصي هل تحب الرحلات؟

بطولة الإنسان أن يملك القلوب و يشدها إليه :

الدكتور راتب:
 نعم أحبها كثيراً.
المذيع:
 هل تفضلها مع الأصدقاء أم مع الأهل مثلاً في مأدبة؟
الدكتور راتب:
 أنا أفضلها مع عائلتي، هؤلاء الأهل والأولاد إذا شاهدوا جانباً إيجابياً جمالياً في حياتهم انشدوا إليه، ما الذي يشد أولادك إليك؟ أن تأخذهم من حين إلى آخر، أنا عندي ثانوية في سوريا وهذه الثانوية ألحقنا بها منتجعاً، فهذا الطالب يذهب لهذا المنتجع يسبح، يأكل طعاماً طيباً، فربطنا الدراسة والتفوق بأشياء محببة للصغار، وقد ورد في بعض الآثار النبوية:

(( من كان له صبي فليتصابَ له ))

[ من الجامع الصغير عن أبي معاوية ]

 أي يحقق له أهدافه الصبيانية، الطفل بحاجة للعب، إلى مسبح، إلى طعام طيب، فأنا حين أكرم أولادي بأشياء يحبونها أشدهم إلي، فالبطولة أن تملك القلوب، لأن القوي يملك الرقاب، أما الأب فيملك القلوب، أن تملك القلوب، وأن تملك محبة من حولك إليك.
المذيع:
 إذا كان هناك جانب يخص الشباب، كيف يمكن أن نزرع المفاهيم من خلال هذا الجمال الرباني؟ أن نغرسها عند أطفالنا منذ الطفولة وهذا عندما يكبر يعلمها لأولاده وهكذا؟

 

الاستجمام يعطي الإنسان طاقة كبيرة لمتابعة العمل :

الدكتور راتب:
 مثلاً في العالم الإسلامي الآن معظم البلاد اتبعوا يومي عطلة؛ الجمعة والسبت، أو الخميس والجمعة، أنا أجد أن في هذين اليومين أموراً إصلاحية مثل الاستحمام، وتهيئة الثياب، وأشياء إدارية، يوجد يوم جميل لرحلة، لزيارة، هذا اليوم يعطي الإنسان طاقة كبيرة لمتابعة العمل، يسمونه: الاستجمام، الاستجمام أنا أراه الآن مع ضغوط الحياة وتعقيدها وصعوبتها وشدتها هذه الشدة والصعوبة من طبيعة العصر، هذه الضغوط إذا تخللها يوم راحة، يوم استجمام، ليس من الشرط أن يكون الإنفاق كبيراً، قد تأخذ معك طعام البيت، أخذته إلى مكان جميل، إلى منطقة خضراء، هذا اليوم ينسيك تعب الأسبوع الماضي، ويعطيك طاقة لعمل أسبوع جديد، فأنا أؤمن أن الاستجمام جزء من حياتنا، قديماً كان عندنا في الشام بيت عربي فيه بحرات، نباتات رائعة جداً، كان البيت القديم فيه نزهة، أما الآن فالبيت طابق أو شقة صغيرة، هذا الطفل جالس فيها، شيء خلاف طاقته، فإذا أخذته يوماً خارج المنزل استمتع بالمناظر والطعام، هذا أعنته على متابعة العمل والدراسة، فأنا أرى أحياناً أن النزهة والاستجمام أحد أسباب متابعة المسيرة، أي إذا أنت تمشي في الصحراء ورأيت واحة - نخلة وماء وطعام - هذا المكان الجميل يعينك على متابعة الرحلة.
المذيع:
 أنا من خلال التلفاز أو الراديو سمعت كثيراً في المحاضرات عن الجانب الإنساني من فضيلتك، وليس مدحاً، هذا قربك لقلوب كثير من الناس، الصغير والكبير، في مجتمعاتنا العربية والإسلامية كيف يمكن مخاطبتهم إن كان في المحاضرات الدينية أو في الأخلاق أو في العبادات؟

مراعاة الحالة العامة للناس تعطي الدعوة طابعاً إنسانياً :

الدكتور راتب:
 والله أنا عملي في التدريس، فمنطلقي في التدريس أن هذا الإنسان فيه جانب مشترك مع كل البشر، فأنا حينما أبقى في هذا الجانب الإنساني أنا أخاطب الجميع لا أستثني أحداً يهمني أن تكون دعوة عامة، فدائماً الخطاب إذا توجه إلى فئة معينة، إلى طبقة معينة، إلى مستوى معين يوجد مشكلة، أما إذا توجهت للقواسم المشتركة بين كل البشر فدعوتك عالمية، فأنا ذهبت مرة إلى فرنسا، شخص سلم عليّ بسلام حار، وزوجته بجانبه، هو يسمع دروسي وينقل لزوجته مضمون هذا الدرس، فأي إنسان مادام إنساناً عادياً عنده عقل، عنده عاطفة، عنده أهداف، إذا سمع الحق خضع له، ولماذا سمي الدين ديناً؟ لأن الإنسان يدين له، يخضع له، فالبطولة أن يصل الكلام للمستوى الإنساني، هذه الدعوة الإنسانية، أما إلى فئة معينة، إلى طبقة معينة، إلى الأغنياء فقط، إلى الفقراء فقط، إلى المعذبين فقط، فهناك مشكلة، أما أنا فآخذ الحالة العامة، هذه الحالة العامة تعطي الدعوة طابعاً إنسانياً.
المذيع:
 بالأمس كان عندكم محاضرة وسوف يكون لك محاضرتان هل تخبرنا عنهما؟

ارتباط نجاح الدعوة بمخاطبة العقل و القلب :

الدكتور راتب:
 أحيانا أرى أن الإنسان مكلف، بما كلف؟ كلف بطاعة الله، هذا التكليف ماذا يعني له؟ يعني أنه إنسان منح حرية الاختيار، ولأن الإنسان كريم على الله منحه الله بعض خصائص الألوهية، فجعله مختاراً، ثم جعله يؤمن بشيء ثابت، فهذا الحب الذي طبع في قلب الإنسان هو له عقل، وله قلب، وله جسم، فأنا أرى أن الدعوة تنجح إذا خاطبت عقله، وخاطبت قلبه، ودعمت جسمه، العقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، فإذا غذينا عقولنا بالعلم، وقلوبنا بالحب، وأجسامنا بالطعام والشراب تفوقنا، فإذا اكتفينا بواحدة تطرفنا، والفرق كبير بينهما.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 كانت مقابلتنا خفيفة لم نثقلها عليكم، أحببنا أن نعيش معكم في الأجواء الخارجية.
الدكتور راتب:
 حفظ الله لكم بلادكم، واستقرارها، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم.
المذيع:
 بارك الله بك، سعدت كثيراً بوجودك معنا اليوم، والسلام عليكم ورحمة الله وتعالى وبركاته.