ندوة : 2 - الحب في الله.

2016-12-09

مقدمة :

المذيع:
  بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذا أحببت أخاً لك في الله فرحت برؤيته، أنست بحديثه، سعدت بالجلوس معه، تسعى دائماً لرضاه، تقضي معه أوقاتاً طويلة، تحرص على ما يسعده، لا تفعل ما يغضبه، تشكو إليه ما تعاني، تضحي من أجله بكل ما تستطيع، باختصار تبذل كل ما تقدر لتبقى هذه المحبة قوية متينة، كل هذا لأخ أحببته في الله، فماذا ستقدم من أجل محبة الله سبحانه وتعالى؟
 نرحب بكم أيها الأحبة مع رحلة جديدة وحلقة جديدة من:" مفاتيح الغيب " ونرحب بضيفنا في هذه الحلقة فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ليحدثنا اليوم عن محبة الله سبحانه وتعالى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله بكم.
المذيع:
 قبل أن نتكلم عن محبة الله أريد بكلمات مختصرة من هو الله سبحانه وتعالى؟

كلمات مختصرة عن الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الدقيقة أن الله سبحانه وتعالى ذات كاملة، أسماؤها حسنى، صفاتها علا، هذا الإله العظيم غني عنا لكن يفرح إذا اهتدينا إليه، هذا الإله العظيم عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال في عالم الأزل، السموات والأرض مصطلح قرآني يعني ما سوى الله، يسمونه: عالم الأزل أو عالم النفوس، نفوس مجردة، الأمانة عرضت عليها، أبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، الإنسان في عالم الأزل قبِل حمل الأمانة، فلما قبل حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة، وعندئذ سخر الله ما في السموات والأرض جميعاً منه، تسخير تعريف وتكريم، الموقف الكامل من تسخير التعريف أن يؤمن، والموقف الكامل من تسخير التكريم أن يشكر، فالإنسان في الدنيا إذا آمن وشكر حقق الهدف من وجوده، وحينما يحقق الهدف من وجوده تنتهي جميع المعالجات، تنتهي جميع المصائب، والدليل قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 هل هناك أب في الأرض يأتيه ابنه في نهاية العام بعلامات تامة وثناء على أخلاقه يضربه؟ مستحيل وألف ألف ألف مستحيل، لذلك من عظمة الإسلام أنه فردي وجماعي، أمة طبقت منهج رسول الله، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 أي يا محمد ما دامت سنتك قائمة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله، فنحن عندنا جانب فردي وجانب جماعي، الفردي لو أدى الإنسان ما عليه كفرد يقطف جميع النتائج الفردية:

﴿ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 إذاً هو معفى من أي مصيبة تشوش عليه حياته، هذه المصيبة لها علاقة بالتربية، لذلك المصائب بالمناسبة تصيب الأنبياء، مصائب الأنبياء مصائب كشف ينطوي على كمال كبير جداً لا يبدو إلا بالمصيبة، يذهب إلى الطائف مشياً، يدعوهم إلى الله، إلى سعادتهم، يكذبونه، يسخرون منه، سلطوا عليه صبيانهم ليضربوه وضربوه، جاء ملك الجبال وقال له:

(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

 أنا الذي أريد أن أقوله: الإنسان حينما يعرف الله عرف كل شيء:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 هذا الشيء يدعوني لأقول: يجب أن يعلم الإنسان سرّ وجوده، طالب وجد في جامعة، في الجامعة ملعب للسلة، ملعب كرة قدم، منتدى، مطعم، حدائق، لكن ما علة وجوده في هذه الجامعة؟ الدراسة، فحينما تغيب عن الإنسان علة وجوده يتيه في الأرض، أنت مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض، هذه الجنة لها ثمن، ثمنها العمل الصالح، والعمل الصالح هو العمل الذي يصلح للعرض على الله، فيوجد طرائق إلى الجنة من بيتك، كزوج صالح، أو كأب صالح، أو كجد صالح، أو كابن صالح، هناك طرق من البيت، وطرق من العمل، إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا.
المذيع:
 جزاكم الله شيخنا ندخل في محبة الله عز وجل، طبعاً أعظم حب هو حب الله عز وجل، كيف يتحقق هذا الحب؟

 

كيف تتحقق محبة العبد لربه ؟

الدكتور راتب :
 والله الحب له أسباب، طبعاً أريد أن أقول كلمة دقيقة: أحياناً يكون هناك مدير عام لمؤسسة، مزاجي الطبع، يرضى لسبب تافه، ويغضب لسبب أتفه، هذا غير منضبط، أما لو أن مديراً عاماً قال: الذي لا يأخذ إجازة طوال السنة له مكافأة، الذي ليس عليه أية شكوى له مكافأة، عمل العلاقة معه منضبطة بقواعد، فأنا أرى أن عظمة الله عز وجل تقتضي أن يكون التعامل معه بقواعد، هناك قوانين بالقرآن، الله يحب المحسنين، الآية واضحة، يحب الصادقين، يحب الورعين، فنحن حينما نبحث في الكومبيوتر عن فعل يحب، آيات كثيرة قد تصل إلى اثنتي عشرة آية، والمنهج واضح، إذا كنت محسناً يحبك الله، إذا كنت محسناً كأب، وكابن، وكزوج، وكموظف، وكصديق، وهكذا الإحسان أحد أبواب الله عز وجل، والإحسان نعرفه بديهةً، والدليل أن كل أمر أمرك الله به برمجك على محبته، وكل نهي نهاك الله عنه برمجك على كراهيته، والدليل القرآني:

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات: 7]

 لذا يقال: هذا الدين الإسلامي دين الفطرة، بمعنى أن أي أمر أمرك به فطرك على محبته، وأي نهي نهاك عنه فطرك على كراهيته، فعندنا الفطرة مقياس انفعالي، عاطفي، دقيق جداً، أنا أتصور إنساناً ما سمع كلمة حق بحياته كلها، وكان بسفينة وكادت أن تغرق، دخل مع والدته إلى جزيرة، صاد أرنباً وشواه وأكله وحده، ألا يشعر بألم؟ بضيق؟ بكآبة؟ هذه الفطرة، أي أمر أمرت به، أي نهي نهيت عنه، مبرمج عليهما، لذلك:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾

[ سورة الروم: 30]

 أن تقيم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها.
المذيع:
 من الفطرة حب الله عز وجل، لأنه هو رزقك، وأعطاك، وهو حباك، لو الواحد يفكر بنعم الله عليه خصوصاً بجسده، يكفي أنك تعي، تتكلم، ترى، قلبك يدق، أمور كثيرة.

 

الحب نوعان :

الدكتور راتب :
 قالوا: الحب في الله أصل التوحيد، و الحب مع الله أصل الشرك. لأنك تحب الله تحب أنبياءه جميعاً، تحب رسله، تحب المؤمنين، تحب الدعوة إلى الله، تحب القرآن الكريم، تحب المساجد، تحب عمل الخير، أصل الحب أن تحب الله، يتفرع من هذا الحب مئات الأنواع، أن تحب زوجتك:" الحمد لله الذي رزقني حب عائشة" الأصل أن تحب الزوجة لا أن تحب غيرها مما لا تحل لك، فالحب في الله أصل التوحيد، و الحب مع الله أصل الشرك، تحب جهةً لا تطيع الله، لكن انتفعت منها، فأنت أحببتها مع الله، الحب في الله عين التوحيد، و الحب مع الله عين الشرك، أنت وكيل شركة، ألزمتك الشركة باستيراد بضاعة لا تحل، خوفاً من ضياع الوكالة منك استوردت هذه، هذا حب مع الله، الحب مع الله عين الشرك، الآن الشرك الجلي يكاد يكون مفقوداً في عالمنا الإسلامي، الشرك الجلي الواضح لا يوجد عندنا بوذا، لكن الخوف من الشرك الخفي، لذلك: " أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله" هذه مشكلة كبيرة جداً، الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، إنسان ظالم تحبه لأنه أعطاك سيارة مثلاً أو أن تبغض على عدل، شخص نصحك بأدب فقاطعته، الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل، هذا هو الدين.
المذيع:
 نحن في تويتر شيخنا عملنا سؤالاً استطلاعياً لأخواننا المشاهدين وطلبنا من الناس اختيار إجابة من الإجابات التي يظنون أنها هي الأهم والأفضل، السؤال: كيف تسعى لكسب محبة الله؟ ووضعنا أربعة من الخيارات: 1 - بحبه سبحانه حباً صادقاً،2 - التوبة إلى الله، 3 - بزيادة النوافل، 4 - بطاعته واجتناب نواهيه.
 وجدنا أن بحبه حباً صادقاً حصل على 21%، وبالتوبة 16%، وبزيادة النوافل 15%، وحصل على النصيب الأكبر بطاعته واجتناب نواهيه 48%، دعنا نأخذ واحدة واحدة، بطاعته واجتناب نواهيه هل يكفي فقط أن تحب الله؟

حبّ الله يتجلى بـ :

1 ـ طاعته و اجتناب نواهيه :

الدكتور راتب :
 الله عز وجل لا تدركه الأبصار ولكن العقول تصل إليه، من دون عمل صالح يعينك على أن تقبل عليه، وتذوق من خلال إقبالك طعم القرب، قد لا يصل الحب إلى المستوى المقبول، القصد أن الإنسان يتقرب إلى الله بعمل صالح، يخدم إنساناً فقيراً جائعاً مثلاً، عاجزاً يحتاج إلى مساعدة، حينما تعمل عملاً صالحاً هذا العمل يرفع بك إلى الله، الحقيقة العمل الصالح أول نقطة دقيقة فيه يصلح للعرض على الله، الشيء الثاني لا يقبل إلا إذا كان صواباً وخالصاً، والدليل لشرح قوله تعالى:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[سورة النمل: 19 ]

 العمل الصالح الذي يرضاه الله عز وجل ما كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة. شرطان كل منهما شرط لازم غير كاف.
المذيع:
 أستاذنا الفاضل وزيادة النوافل.

 

2 ـ زيادة النوافل :

الدكتور راتب :
 طبعاً الفرائض شيء طبيعي مثل مواطن أدى الضريبة التي فرضت عليه، أما أن يقدم للدولة بناء جامعة، يقام له حفل تكريم، فإذا قدمت للدولة شيئاً يفوق ما كلفت به من قبلك فأنت مكرم عند الدولة، لذلك:

(( ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

المذيع:
 يقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54 ]

 أستاذنا الفاضل لماذا قدم يحبهم على يحبونه؟

 

إكرام الله الإنسان بنعمة الإيجاد و الإمداد و الهدى و الرشاد :

الدكتور راتب :
 هو حينما أكرمنا بالرسالة أحبنا، وحينما خلقنا أصلاً أحبنا، هناك نعمة الإيجاد، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان:1 ]

 أنا من عادتي حينما أتصفح كتاباً صدر قبل ولادتي أسأل نفسي هذا السؤال: أنا من أنا عند طبع هذا الكتاب؟ لا شيء، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان:1 ]

 فأنا الله عز وجل أكرمني بنعمة كبيرة كبيرة، نعمة الإيجاد، الآن أوجدني، هيأ كل ما في الكون لخدمتي، قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية : 13 ]

 يوجد ينابيع ماء عذب، يوجد زوجة، أم، أولاد، طعام طيب، فواكه، ثمرات، غابات جميلة، سواحل بحر جميلة، هذه نعمة الإمداد، أمدك بالطعام، والشراب، والكساء، والأم، والأب، والبنين، والحفدة، أمدك بمسكن، أمدك بحرفة تعملها، أمدك بمال، بدخل، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، وهذه النعمة الأولى طبعاً، وقال العلماء: تمام النعمة الهدى. أنا الله أوجدني إذاً يحبني، أحبني فأوجدني، أحبني فأمدني، أحبني فأرشدني.
المذيع:
 أستاذنا الفاضل فاصل ثم نعود حول حب الله عز وجل..
 مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، هل الناس أجمعين الله يحبهم؟ اكتسبوا محبة الله عز وجل أم فقط المؤمن؟

 

محبة الله لجميع خلقه :

الدكتور راتب :
 الجواب:

(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، يا داود هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين؟ ))

[ورد في الأثر]

 الله عز وجل يحب خلقه جميعاً، لكن الذي آمن يحبه محبة زائدة، لأنه استجاب.
المذيع:
 أستاذنا الفاضل كيف الإنسان المبتلى هل يعتبر من الناس الذين كسبوا محبة الله عز وجل؟

 

الشدائد رسائل من الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 لا، هنا يوجد نقطة؛ أب عنده أولاد ثلاثة، ولد متفوق وذكي، انتهى، وولد ذكي غير متفوق يشدد عليه، ينصحه، يعاقبه، يحرمه المال أحياناً حتى يصحو من غفلته، ومن طيشه، فإذا صحا، ولزم الدراسة، ونال شهادات عليا، وتمتع بحياة كريمة، يقول: لولا تأديب أبي لي ما كنت في هذا الحال، الآية دقيقة جداً جداً:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص : 47 ]

﴿رَسُولاً﴾

 أي مصيبة، للتقريب طفل في السابعة من عمره قال لأبيه: لا أحب الدراسة، قال له: اترك الدراسة على أول كلمة، هذا استيقظ الساعة العاشرة، ذهب إلى السينما، لعب مع أولاد الحارة، لا عنده واجبات، ولا دوام، ولا أستاذ، ولا عقاب، ولا شيء، فلما كبر هذا الطفل لا عنده بيت، ولا زوجة، ولا ولد، ولا وظيفة، فنقم على والده، قال: يا أبت لما قلت لك لا أحب الدراسة لمَ لم تضربني؟ لمَ لم تزعجني؟ قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

[ سورة القصص : 47 ]

 ما قال مصيبة، قال: رسولاً، معنى هذا أن الشدائد كلها رسالات من الله، أنت تقول أحياناً بالسياسة: جرى عرض عسكري بالدولة الفلانية، وهذه رسالة إلى دولة تعاديها، هذه رسالة، المصيبة رسالة من الله، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تنزل مصيبة بلا ذنب، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، هذا شيء يتناقض مع كمال الله ووجوده، لا يوجد سبب إطلاقاً.
 أذكر مرة في طريقي إلى مكان عملي استوقفني أخ كريم ودعاني إلى أن أدخل محله التجاري، هناك سؤال، قال لي: جاء رجل في أحد أسواق دمشق، فتح محله التجاري يبيع أقمشة سمع إطلاق رصاص، مدّ رأسه فجاءت رصاصة استقرت في عموده الفقري، فشُلّ فوراً، قال لي: هذا ماذا فعل؟ جاء ليكسب قوت يومه، أليس العمل عبادة؟ قلت له: والله لا أعلم، أنا أعلم عدل الله تصديقاً من كلامه، أما أن أعلم العدل تحقيقاً فيجب أن يكون لي علم كعلم الله، وانتهى الأمر، مضى عشرون يوماً، عندي أخ مدير معهد حدثني قصة عرضية، قال لي: لنا جار يسكن فوقنا، يوجد رجل له محل تجاري في المكان الفلاني، نفس المكان، وسمع إطلاق رصاص، مدّ رأسه فجاءت رصاصة استقرت في عموده الفقري، أما قصة هذا الرجل؛ توفي أخوه قبل عام، وترك بيتاً مؤجراً، فامتنع عن إعطاء الأجرة لأولاد أخيه اليتامى، طلبوا مرة، مرتين، أربع، إلى أن وصلوا إلى أحد العلماء الكبار شيخ القراء الشيخ حسين خطاب رحمه الله، فاستدعاه، وكان وقحاً جداً مع هذا العالم، قال له: لن أعطيهم هذا البيت، هذا الحاضر، في اليوم الثاني حصل معه ما حصل.
 كل واحد منا عنده ألف قصة من آخر فصل ليس لها معنى إطلاقاً، عنده خمس قصص من أول فصل، أنا أتمنى على أخوتي المشاهدين أن يقيسوا الخمسة آلاف قصة التي وصلت إليهم من آخر فصل على الخمس قصص التي عرفوها من أول فصل، يوجد عدل مطلق في الحياة، هذا الذي شلّ برصاصة لأنه امتنع عن إعطاء الحق لأولاد أخيه الأيتام.
المذيع:
 قد يقول إنسان لماذا الله عز وجل يحب الآخر أكثر مني؟ لماذا لم يهدني إلى الطريق الصواب وهدى فلاناً إلى الطريق الصواب؟ قد يقول قائل: هذا الكلام الكافر.

 

طرق هداية الله عز وجل للإنسان :

الدكتور راتب :
 الله عز وجل هدانا وانتهى الأمر، هدانا بالكون، الكون هو الثابت الأول، ينطق بكل ذرة فيه، بكل خلية، بكل نبات، بكل كائن حي، بكل ما في الكون بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، أعطانا الوحي، أتى بالأنبياء والرسل، هناك وحي، وقرآن، وآيات، افعل ولا تفعل، الخمر حرام، الميسر حرام، الزنا حرام، الحلال كذا، هدانا بالكون أولاً، وبالوحي ثانياً، وبالأنبياء ثالثاً، وبالعلماء رابعاً، وهدانا بالأحداث خامساً، يستقيم يريحه الله، الله عز وجل قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت: 30]

 فيهدينا الله بمليون طريق، بالكون هدانا، بالأنبياء هدانا، بالرسل هدانا، بالعلماء هدانا، بالحوادث هدانا، فالإنسان لو تعمق بالحوادث يرى العجب العجاب، ما من شيء إلا وله حكمة.

 

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :

 لذلك المقولة الدقيقة الدقيقة: كل شيء وقع بالخمس قارات من آدم إلى يوم القيامة أراده الله، ما معنى أراده؟ لا تعني أنه رضيه، ولا تعني أنه أمر به، كيف؟ طبيب تزوج وأنجب بعد عشر سنين طفلاً آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الطبيب الأب أن ابنه مصاب بالتهاب الزائدة، فأراد أي سمح لم يكن يتمنى أن يفتح بطن ابنه، إلا أنه أراد أي سمح لحكمة بالغة أن تستأصل الزائدة، كلمة أراد لا تعني أنه أمر، ولا تعني أنه رضي، أراد ولم يأمر، أراد ولم يرض، لكن هذا الشيء لا بد منه قطعاً، كل شيء وقع أراده الله، كل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، بالكون لا يوجد شر مطلق، أي الشر للشر فقط، يوجد شر موظف للخير، الآية:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[ سورة القصص: 4]

 وما أكثر الفراعنة، الآن دقق:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 5-6]

 لا يوجد إنسان يرتكب أعمالاً طغيانية في الأرض إلا موظف لخدمة الخلق من دون أن يشعر، من دون أن يريد ولا يشعر، فرعون ذبح أبناءهم واستحيا نساءهم، تتمة الآية:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾

[ سورة القصص: 5]

 لا يوجد شر مطلق لأنه يتناقض مع وجود الله، يوجد شر موظف للخير، الشِّدة بعدها شدَّة إلى الله، والمحنة بعدها منحة من الله، هذا إيماننا جميعاً.
المذيع:
 أنا أريد أن أضع ميزاناً لنفسي، هل هناك علامات أن الله يحبني أو لا يحبني؟

 

علامات تدل على أن الله يحب عبده :

الدكتور راتب :
 مستحيل أن يحبك الله إلا وأن يلقي في روعك أنه يحبك، ما الدليل؟ من وقف في عرفات، ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له. يجب أن يغلب على ظنك، الله يودع في كيانك أنه يحبك، تحس أن الله يحبك لأنك تمشي بشكل صحيح، بار بوالديك، محسن إلى الخلق، متقن لعملك، أب ناجح، ابن ناجح، تشعر أن الله يحبك، يودع في كيانك أنه يحبك، وأحياناً يوجد أشياء التوفيق محبة الله، التيسير محبة، إصابة الهدف محبة، الموقف الحكيم محبة، قال تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة:125]

 إنك إذا أديت الصلاة ذكرته، وأديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك ماذا يكون؟ منحك نعمة الأمن، الأمن نعمة لا يتمتع بها إلا المؤمن، إن ذكرتكم منحتكم التوفيق، السكينة تسعدون بها ولو فقدتم كل شيء، وتشقون بفقدها ولو ملكتم كل شيء، يوجد مليون نتيجة إذا الله أحبنا استعملنا في الخير، حفظنا، قال تعالى:

﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

[سورة الرعد: 11]

 محفوظ، ملهم الخير، يسخر عدوك لخدمتك، وإذا لم يحبنا الله سمح لأقرب الناس لنا أن يتطاول علينا، فمحبة الله تودع في كيان الإنسان، ومستحيل أن تطيعه ولا تعلم يقيناً أنه يحبك، أن تعرفه ثم لا تطيعه، ومستحيل أيضاً أن تطيعه ثم لا تحبه، هذا شيء بديهي.
 مثل دقيق أم مريضة دخل ابنها الساعة الواحدة ليلاً قالت له: أريد دواء مسكناً، قال لها: ليس هناك أحد مناوب، الكل مغلق، لكن هو يعلم أن هناك صيدليات مناوبة، لكن لو ركب سيارته وتوجه للصيدليات المناوبة، هذا الدواء لا يوجد، أمه في الحالتين لم تأخذ الدواء، لكن بالأولى هناك ألم، وفي الثانية راحة نفسية، حساب دقيق جداً، مريضة من حق الطبيب أن ينظر إلى مكان الألم لكنه نظر إلى مكان آخر، من يحاسبه؟ قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر: 19 ]

المذيع:
 كيف أعبد الله عن محبة لا أعبده كشيء مفروض عليّ؟

 

من انعقدت صلته مع الله دعاه و اجتهد بعبادته :

الدكتور راتب :
 هناك مثل دقيق؛ لو شخص دعاك لطعام، ووضع صحوناً فخمة جداً، وشوكات، لكن لا يوجد أكل، إذا دعاك مرة ثانية لن تأتي، فالإنسان عندما تنعقد له مع الله صلة، يعيد الدعاء والإقبال والاجتهاد، إذا ما قطفت ثمار إيمانك، أنا أحب أن أقول مثلاً دقيقاً: عندك بيت فيه ثلاجة، وغسالة، وميكرويف، ومراوح، وثريات، وكل الأجهزة عندك موجودة، لكن لا يوجد كهرباء، كل هذه الأجهزة لا معنى لها، كتل لا معنى لها إطلاقاً، الحقيقة بالإيمان الزواج له معنى، المؤمن يحب زوجته:" الحمد لله الذي رزقني حب عائشة"، الذي يطلق البصر لا يحب زوجته، دخلك حلال أطب مطعمك، ليس المعنى أن يكون طيباً، يكون ماله حلالاً:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 دائماً كل فعل معه نتيجة أو مقدمة ونتيجة، أما كمسلمين فلا نريد أن نغير شيئاً وننتظر معجزة بالنصر، لا، لا يوجد نصر إذا لم يكن هناك تغيير، أنا مرة كنت راكباً سيارة مع صديق لي، والنافذة مفتوحة، فدخل لي لاقط ميكروفون قال لي: كلمة وهو صديقي، قلت له: ما الكلمة التي تريدها؟ قال: كلمة فقط، قلت له: أنت مرتاح؟ قال: أنا؟ قلت له: ليس أنت شرطاً، مرتاح لا يوجد عندك مشكلة لا صحية، ولا زوجية، ولا بعملك، ولا اجتماعية، ولا فكرية، لا تغير لا يغير، اطمئن، عندك مشكلة كبيرة؟ صغيرة؟ اجتماعية؟ بعملك؟ في بيتك؟ غيّر حتى يغير، هذا هو الدين العظيم، يمكن أن يضغط في أربع كلمات؛ لا تغير لا يغير، غير ليغير، والدليل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11 ]

 مرة ذكرت قصة هي ملخصة بعبارة قلت: إما أن تأتي ركضاً أو يأتي بك ركضاً، إذا جئت ركضاً لوحدك أقدر لك، وأكمل، أو يحضرك، شخص مرة قال لي: أنا في عام ألف و تسعمئة و سبعين جمعت أرباحاً فلكية، عنده مطبعة وكان هناك رواج اقتصادي في سوريا بهذا العام كبير، قال: وضعت في جيبي خمسة ملايين وذهبت إلى أمريكا حتى أتسلى، وما أخذت معي زوجتي، قال لي: هناك بعد يومين أو ثلاثة شعرت بألم في ظهري، دخلت إلى المستشفى سرطان في النخاع الشوكي، قطع الرحلة وعاد إلى بلده، والآن من جامع إلى جامع حتى تبين بالنهاية التشخيص كان خطأ، إما أن تأتيه ركضاً أو يحضرك ركضاً، فالبطولة أن نأتيه طائعين عن محبة، عن اختيار وليس عن ضغط.
المذيع:
 أستاذنا الفاضل بارك الله فيك فاصل..
 حياكم الله أعزائي المشاهدين هذه الحلقة عن حبّ الله عز وجل، مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، نحب الله عز وجل ولكننا قد نذنب ونرتكب معصية هل هذه الطريقة تؤثر على حبنا لله؟

 

التوبة النصوح يسبقها ندم ويتبعها فعل وعزم :

الدكتور راتب :
 والله قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[سورة البقرة: 222 ]

 إلا أن هناك حقيقة دقيقة: أول توبة أسهل توبة، يا رب لقد تبت إليك، يلقي الله في روعه ويا عبدي أنا قد قبلت، لكن التوبة الثانية من نفس الذنب تصبح أصعب، كلما تكرر الذنب تصعب التوبة، أنا أقول: حينما تصعب التوبة ادعمها بصدقة، أول مرة يكفي أن تقول: تبت لك يا رب فيقبل الله، أما الثانية فتحتاج إلى صدقة، الحقيقة أن التوبة في مفهومها الدقيق لها زمن ماض وحاضر ومستقبل، بالماضي يوجد ندم على ما فعل، وبالحاضر إقلاع عن الذنب فوراً، وبالمستقبل عزم شديد ألا يعود إليه، هذه التوبة النصوح يسبقها ندم، يتبعها فعل، يتبعها عزم .
 هناك نقطة دقيقة؛ لو قلنا لشخص: على ظهرك عقرب، فاستقبل هذا الكلام بابتسامة وقال: أنا شاكر لك هذه الملاحظة، وأرجو الله أن يعينني على رد الجميل، هل يكون قد فهم ما قلت له؟ لو فهم يقفز ويخلع معطفه، علاقتنا في الحياة أنه يوجد عندنا إدراك، انفعال، سلوك، إذا كان الإدراك غير صحيح لا يوجد انفعال، يوجد إدراك لا يوجد انفعال لا يوجد سلوك، علاقتك مع الأرض لو شخص رأى أفعى في البستان، أدرك أنها أفعى، عندما أدرك هذا هرب أو قتلها، هناك إدراك بعده انفعال ثم سلوك، هذا قانون نحتاجه جميعاً، فإذا لم يصح الإدراك لم يكن الانفعال، عندما قلت: هناك عقرب على رقبتك وبقيت هادئاً وابتسمت إذاً لم تفهم ما قلت لك، فلذلك الإنسان عندما يفهم الحقيقة بعدما فهم هناك موقف أن يدع الذنب، وأن يعقد العزم ألا يعود، فالندم توبة، التوبة ندم على ما فعل فيما مضى، وإقلاع حالي، وعزم على ألا يعود، لكن وقع بالذنب مرة ثانية ليس لنا إلا الله، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر: 53 ]

المذيع:
 استشعار مراقبة الله عز وجل، كيف يستحضره الإنسان في حياته؟

 

كيفية استحضار الإنسان استشعار مراقبة الله في حياته :

الدكتور راتب :
 أنا سوف اضرب مثلاً من واقع الناس، راكب سيارتك، والإشارة حمراء، وهناك شرطي واقف، واضع قانون السير وزير الداخلية علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، الآن يوجد كاميرات نفس الشيء، وقدرته تطولك، مخالفة كبيرة، لأنك مؤمن من أن واضع القانون علمه يطولك وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، إلا بحالتين نادرتين، أن تكون أقوى من واضع القانون، أو الشرطي غير موجود، الساعة الثالثة بالليل ليس هناك شرطي، أو إذا أنت أقوى من وزير الداخلية.
 مثال: التجار يستوردون، هناك نسخة من استيرادهم يذهب إلى المالية، هل يستطيعون أن يخفوا هذه الصفقة عن المالية؟ يوجد نسخة عندهم، إذاً التاجر لا يمكن أن يغفل هذه الصفقة، إذا أيقنت أن علم الله يطولك وقدرته تطولك تستقيم على أمره، الآيات:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 الله عز وجل اختار من كل أسمائه العلم والقدرة، أي الله عز وجل علمه يطولك وقدرته تطولك فكيف تعصيه؟
المذيع:
 أبناؤنا كيف نربيهم على حب الله عز وجل؟

 

كيفية تربية أبنائنا على حبّ الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 أنا أقول كلمة: الإنسان واحد من سبعة مليارات ومئتي مليون الآن في الأرض، لا يوجد منهم واحد إلا حريص حرصاً لا حدود له على سلامته، من يحب المرض؟ في البشر كلهم بوذي، مسلم، سيخي، غير مسلم، ملحد، من يحب المرض؟ من يحب الفقر؟ من يحب القهر؟ من لا يحب أن يكون بيته واسعاً وسيارته فارهة وزوجته تروق له؟ كلنا من لا يحب أن يعيش مئة سنة؟ إذاً أنت مجبول على حبّ سلامة وجودك، وعلى حبّ كمال وجودك، وعلى حبّ استمرار وجودك، الآن لأنك أعقد آلة في الكون، وهذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، الدماغ مئة و أربعون مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، الآن يوجد على القشرة أماكن للذاكرة بحجم حبة العدس، تتسع لسبعين مليار صورة، شيء لا يصدق، فأنت حينما جبلت على حبّ وجودك وعلى سلامة وجودك، السلامة بالاستقامة، قال تعالى:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[ سورة هود: 112 ]

 بالاستقامة تحقق السلامة، وكمال وجودك بالعمل الصالح، قال تعالى:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 واستمرار وجودك بتربية أولادك، أنا زرت أمريكا عدة مرات، مرة كان الرئيس كلينتون، ليس الزوجة بل الزوج، فقلت لأخواني: لو بلغت منصباً ككلينتون، وثروة كأوناسيس، وعلماً كأنشتاين، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾

[سورة طه: 117]

 ولم يقل فتشقيا، مع أن الصياغة اللغوية تقتضي أن تكون فتشقيا، لكن العلماء قالوا: شقاء الأزواج شقاء حكمي لزوجاتهم. والعبد الفقير يستنبط: وشقاء الأولاد شقاء حكمي لآبائهم وأمهاتهم، لذلك تذهب إلى بلاد الغرب، شخص ذهب إلى هناك، جمع ثروة طائلة، شيء من الرفاه يفوق حدّ الخيال لكن ابنه ملحد، فالبطولة أن تضمن إيمان أولادك، كنت مرة في أستراليا وحينما غادرتها ودعني رئيس الجالية وهو إنسان محترم جداً في المطار بكى، كنت مقيماً عنده ما يقارب الشهر والنصف تقريباً، كان هناك ألفة كبيرة جداً، قال لي: بلغ أخواننا في الشام أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا. أنا أرى هذه القارة من أجمل قارات العالم، وهذه القارة عدد سكانها ثمانية عشر مليوناً، هناك أنواع من الفواكه أنا لا أعرفها إطلاقاً، خيرات لا يعلمها إلا الله، قلت له: اشرح لي؟ قال: ابنك في أستراليا خمسون بالمئة ملحداً، والخمسون الثانية شاذاً، وإذا لم تصدق فاسأل، أنا انتبهت إلى نقطة أعرف إيجابيات بلدي، عندنا الأب أب، كم أب باع بيته في دمشق وسكن في الريف كي يزوج أولاده؟ آلاف، نحن عندنا إيجابيات لا ننتبه إليها، نحن عندنا جلد الذات هذا مرض خطير جداً، نحكي عن تخلفنا، نحن لسنا متخلفين، عندنا إيجابيات لا يعلمها إلا الله، الأب أب، أذكر مرة أخاً كريماً سافر إلى باريس، رأى شاباً ساهماً على نهر السين، قال له: بمَ تفكر؟ قال: أفكر بقتل أبي، قال له: لماذا؟ قال: أُحب فتاة فأخذها مني. نحن كم أب يبيع بيته بمركز المدينة بأرقى أحيائها ويأخذ خمسة بيوت بثمن بيته في الريف؟ عندنا إيجابيات في حياتنا، أنا أتمنى اذكر الإيجابيات والسلبيات، نحن عندنا جلد الذات وعندهم إيجابيات، في كل ثلاثين ثانية ترتكب في العالم الغربي جريمة قتل أو اغتصاب أو سرقة.
المذيع:
 نحن في نعمة كبيرة شيخنا في الختام، محبة الله الحقيقية تجدها في الآخرة، تتجلى في الجنة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟

 

محبة الله الحقيقية تتجلى في الدنيا و الآخرة :

الدكتور راتب :
 في الدنيا، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبو بكر في الجنة "، ما معنى هذا؟ معنى هذا أنه في الجنة الآن، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، يقول ابن تيمية: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن حبسوني فحبسي خلوة، وإن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ أنت في جنة، قال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

 قال علماء التفسير: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة. قال تعالى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد الآية : 6]

 ذاقوا طعمها في الدنيا، المؤمن في جنة والله لا أبالغ، مرة زرت حاجاً بعد أن أدى الحج، قال لي وأبكاني: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني. الخيرات، الإقبال على الله، العمل الصالح، المكانة الاجتماعية، النظر الثاقب، الحكمة الرائعة، الموقف القوي، الأسرة السعيدة، وبعمله سعيد أيضاً.

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 لن تحصوا الخيرات وليس الاستقامة، والله أنا أحتار يا ربي سعيد بصحته، في بيته، بعلاقته مع زوجته، بأولاده الأبرار، لأنه رباهم تربية إسلامية، كانوا بارين به، ثمار الإيمان لا يعلمها إلا الله، والعملية عملية ومضة، أنا أذكر تماماً أن أحد كبار المشركين من غطفان، عندما كانت معركة الخندق، قال: هذا الرجل أنا أحاربه لم أحاربه؟ ماذا فعل؟ هل سفك دماً؟ هل أخذ مالاً؟ هل انتهك عرضاً؟ أين عقلك؟ خاطب نفسه، هذا سيدنا نعيم بن مسعود كان زعيم قبيلة غطفان، التفكير أخذ أربعين ثانية، وهو في الخيمة فكر، ما الذي جاء بك يا نعيم؟ أجئت لتحارب هذا الرجل الصالح؟ وقف وتوجه إلى معسكر النبي عليه الصلاة والسلام ودخل على النبي، قال له: نعيم! قال: نعيم، قال له النبي: ما الذي جاء بك إلينا؟ قال له: جئت مسلماً، أربعون ثانية تفكيراً فقط انتقل من زعيم المشركين إلى زعيم المؤمنين، والحقيقة أحد أسباب الانتصار في معركة الخندق كان هو.
المذيع:
 سؤال؛ كيف أعبر عن حبي لله سبحانه وتعالى؟

 

ارتباط حبّ الله بطاعته :

الدكتور راتب :
 بطاعته، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه، هذا كلام فارغ، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تطيعه ثم لا تحبه، معكوسان، يوجد محبة تطيعه، تطيعه تحبه.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 بارك الله فيك فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه الحلقة القيّمة، أمتعنا الله بعلمك، بارك الله فيك، نشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على كلماته الطيبة، وما أضافه لنا من خير وعلم، ونقول لكم أخواني المشاهدين في نهاية الحلقة: اجعل هدفك في الحياة ممن يحبهم الله عز وجل ويحبونه، اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.