الدين والمجتمع - الندوة : 2 - الأمل في زمن الألم .

2017-04-08

مقدمة :

المذيع:
 عندما تكون الحرب فعلاً مضارعاً، وفاسدون فاعلاً، والشعب مفعولاً به، والمال مفعولاً لأجله، ومرتب الضعفاء ممنوعاً من الصرف، والكذب توكيداً، والصدق منفياً، والفساد صفة، والمصلحة مبتدأ، والوطنية خبراً، سيصبح الفقر حالاً، والأوجاع ظرفاً والسرور مستثنى منه، عندها سيكون المستقبل مبنياً للمجهول، لكن لابد من أمل، ويبقى الأمل بالله.
 أرحب بكم مشاهدينا الكرام مع حلقة جديدة من برنامجكم:" الدين والمجتمع " نتناول في هذه الحلقة هذا الأمل لنطيب القلوب مع ضيف مميز محبوب، كلامه يدخل القلوب بلا استئذان، الدكتور محمد راتب النابلسي من مواليد دمشق عام 1938، تخرج من جامعة دمشق في كلية الآداب 1964، حصل على درجة الماجستير في الآداب من جامعة ليون فرع لبنان، كما حصل الدكتوراه في التربية من ( Trainity college ) في ١٩٩٩/٦/١٨ بناء على إنجازاته وخبراته ومؤلفاته في مجال التربية، له مؤلفات عديدة منها موسوعة الأسماء الحسنى، وموسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وأصول تدريس اللغة العربية، وتربية الأولاد في الإسلام، كما له عشرات البرامج واللقاءات التلفزيونية، رحبوا معي بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 اللهم آمين، دكتور نحن سعداء جداً بهذا اللقاء.
الدكتور راتب :
 السعادة من طرفين.
المذيع:
 سيدنا الشيخ هذه طلتكم الأولى من هذه الشاشة الصغيرة قناة الفلوجة قبل أن أبدأ ماذا تحب أن تقول لمشاهدينا الكرام مشاهدي قناة الفلوجة وللشعب العراقي وللأمة الإسلامية كلها؟

كلمة الدكتور راتب لمشاهدي قناة الفلوجة و للشعب العراقي :

الدكتور راتب :
 أنا أحبّ أن أقول: اليأس يتناقض مع الدين، مادام الله موجوداً وواحداً وكاملاً، فاليأس يتناقض مع أصل التدين، وطبيعة المؤمن متفائل، لكن الدنيا دار ابتلاء، والابتلاء علة وجودنا، الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.
المذيع:
 شيخنا هناك سؤال نبدأ بالألم قبل الأمل، سؤال يراود كثيراً من الناس أين الله مما يجري؟ أي الشيوخ، الأطفال، يوجد مآس كثيرة.

 

الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء :

الدكتور راتب :
 هناك حقيقة مرة، وهناك كلام يدغدغ مشاعرنا، أنا أميل إلى الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
 إذا شخص معه ورقة نقدية كبيرة جداً لكنها مزورة، الأولى أن يعرفها مزورة أم أن يقدمها لجهة رسمية فيعتقل؟ الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
 أول حقيقة تكون فردية، والثانية جماعية، قال تعالى:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

[سورة النساء: ١٤٧]

 هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء، نحن مبتلون فيها، فحينما يصطلح الإنسان مع الله، ويستقيم على أمره، ويتقرب إليه، لا يمكن أن يأتيه العذاب، يتوقف العذاب، والدليل:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

  لأن هذا الكون مسخر لنا تسخير تعريف، ومسخر لنا تسخير تكريم، أما موقف المؤمن من تسخير التعريف فأن يؤمن، ومن تسخير التكريم أن يشكر، فإذا آمن وشكر كفرد حقق الهدف من وجوده، وعندئذ تتوقف جميع المعالجات الإلهية،

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

 أما كأمة:

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم ﴾

[سورة الأنفال: ٣٣]

 أي يا محمد مادامت سنتك قائمة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله.
 يوجد عندنا سلام فردي وسلام جماعي، يوجد إنجاز فردي وإنجاز جماعي، أنا كفرد لو أنني عرفت الله في وقت مبكر، واستقمت على أمره، وتقربت إليه، تتوقف جميع المعالجات، لا معنى إطلاقاً للمعالجات، أنت أب وجاءك ابنك معه الجلاء، فيه علامات تامة، وثناء على أخلاقه، هل تضربه؟ مستحيل على أي أب في العالم أن يفعل ذلك.
 فالإنسان كفرد حينما يؤمن بالله، ويستقيم على أمره، تتوقف كل المعالجات الإلهية، لذلك قيل من الكليات في الدين: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، هذا لئلا نتملق أنفسنا، هذه الحقيقة المرة، أنا أقول: ابحث عن المخالفة، ابحث عن التقصير، ابحث عن المعصية، ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة، هذه الحقيقة المرة التي أراها أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
 أنت راكب سيارة، ويوجد ضوء تألق، هذا الضوء بين أن تفهمه ضوءاً تزيينياً، وضوء الزيت في المحرك، فإذا فهمته تزيينياً احترق المحرك، ودفعت عشرات الألوف، أما إذا فهمته تحذيرياً فاختلف الأمر، فالبطولة أن أفهم نوع الضوء، هذا ضوء تحذيري لا تزييني.
المذيع:
 جميل جداً، أنطلق من كلام حضرتك بصراحة لا أود أن أقاطع هذا الكلام الجميل جداً لكن استل من كلامك سؤالاً.
 ما نراه الآن في كل ساعة الآن من تقتيل وظلم في المجتمع الناس يلقون بالخطأ على الأقدار، مع أنه خطيئة الإنسان كما قلت، وخطيئة المجتمع، أي كفرد فعل ما عليه ربما اكتفى لكن المجمتمع بعمومه كيف يكون الحل؟ لابد من توبة جماعية وإصلاح مجتمعي؟

 

عظمة هذا الدين أنه دين فردي و جماعي في آن واحد :

الدكتور راتب :
 من أجل سلام كامل توبة جماعية، من أجل سلام فردي الإيمان والاستقامة والعمل الصالح.
 عظمة هذا الدين أنه دين فردي جماعي في آن واحد، لو أنت بمجتمع متفلت لم يأخذ خيار الدين أخذ خيار الدنيا، ما أخذ خيار الأخلاق أخذ خيار التفلت، ما أخذ خيار الدعوة إلى الله بل إبعاد الناس عن الله، أنا علاقتي مع نفسي أولاً وإلا أظلم والله لا يظلم، أنا أحقق سلامتي الخاصة وسعادتي ببيتي.
 وبالمناسبة شيء ذكر. أنت مسؤول على ثلاثة أشياء: مسؤول عن نفسك أولاً، وعن بيتك ثانياً، وعن عملك ثالثاً، هذه الدوائر الثلاث التي أنت مكلف بها، أما الدائرة الرابعة فلا علاقة لك بها، لكن تفرح لو أنها تألقت، وتتألم بحكم انتمائك، أما أنت كمسؤولية وكمحاسبة إلهية كبرمجة لطريق سلامتك وسعادتك عليك بنفسك أولاً، أقم الإسلام في نفسك أولاً، العقيدة صحيحة، والصلوات، العبادات المعاملات إذا نفذتها تقطف ثمار الدين الفردي، الدين له ثمار من نوعين: ثمار فردية، وثمار جماعية، إذا أنت عرفت الله وحدك في مجتمع فيه مئات الألوف بل ملايين، إن عرفت الله وحدك، واستقمت على أمره وحدك، وطبقت منهجه وحدك، وتقربت إليه وحدك، تقطف ثمار الإسلام الفردية، وقصدي بوحدك أي نفسك أول دائرة وبيتك وعملك، وتنتهي هنا مسؤوليتك.
 أما كأمة، كمجتمع، فالآية واضحة،

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

،

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم ﴾

 أي يا محمد مادامت سنتك قائمة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله، ومن أقام أمر الله فيما يملك كفاه الله ما لا يملك.
المذيع:
 أي القضية ليست خطيئة الأقدار كما يقول بعض الناس.
الدكتور راتب :
 كلام ليس له معنى، دائماً عندنا مئات الكلمات ليس لها معنى، يقول لك: حظه سيئ، لا يوجد حظ في الإسلام، الحظ نصيبك من الدين، لك من الدين حظ عظيم، نصيب عظيم، أما حظ عشوائي فلا يوجد عشوائية في الدين، لا يوجد سلوك عشوائي بالكون، سيدنا عمر قبض على شارب خمر، فقال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين؛ مرة لأنه شرب الخمر ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، هذه الحقيقة.
المذيع:
 أيضا هناك سؤال ملح سيدي؛ يردني كثيراً لماذا تخلى الله عنا نحن؟ قال تعالى:

﴿رَبَّنَا اكشِف عَنَّا العَذابَ إِنّا مُؤمِنونَ﴾

[سورة الدخان: ١٢]

 البارحة وصلتني رسالة من الموصل؛ جد جمع أولاده وأحفاده من شدة القصف في الموصل جمع اثنين و عشرين من أولاده وأحفاده تحت سقف واحد ليحتمي بعضهم ببعض نزل صاروخ قتل الجميع، وبقي الجد سليماً بمجرد أن خرج قتله قناص والتحق بعائلته، يوجد مآس كثيرة، نقول: نحن مسلمون هل تخلى الله عنا؟

 

المعالجات الإلهية للبشر في الدنيا مقابل الجنة في الآخرة :

الدكتور راتب :
 أولاً: الحقيقة الدقيقة أن العمر محدود جداً أما الأبد.. فهم الأبد يلقي الضوء على هذه المشكلة، يا ترى الأبد ألف سنة؟ مليون سنة؟ مليار سنة؟ ألف مليار سنة؟ مليار مليار سنة؟ هنا المشكلة.
 الأبد مثل واحد بالأرض وأصفار للشمس، أول ثلاثة ألف، ثاني ثلاثة مليون، ثالث ثلاثة ألف مليون، رابعة ثلاثة مليون مليون، الواحد بالارض ومئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر أصفار، وكل صفر بينه وبين الصفر الآخر ميلمتر واحد، ماهذا الرقم؟ هذا الرقم من الأرض للشمس، مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، وكل ميلمتر صفر، هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية صفر، أي رقم لو تصورته مليار مليار حتى تنتهي حياة الإنسان، هذا الرقم إذا نسب للانهاية صفر، الله وعدك باللانهاية مقابل هذا الوعد وهذه الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر تتحمل معالجة إلهية في الدنيا.
 لهذا ورد في الآثر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم أنه يؤتى بأفقر أهل الأرض فيغمس في نعيم الجنة لحظات ويخرج، فيسأل: ماذا ذقت من بؤس الدنيا؟ يقول: وعزتك وجلالك ما ذقت من بؤسها من شيء، ويؤتى بأغنى أغنياء الأرض، ويغمس غمسة واحدة في النار، ثم يخرج فيسأل: ماذا ذقت من نعيم الدنيا؟ يقول: وعزتك وجلالك لم أذق منها من شيء.
المذيع:
 هذه الكلمات النيرة نستكملها بعد الفاصل مشاهدينا الكرام.
 نعود من جديد مشاهدينا الكرام مع الشيخ المحبوب الذي يملك كلمات تدخل القلوب بلا استئذان، الشيخ الدكتور محمد رابت النابلسي مرحباً من جديد، شيخنا يوجد حديث للنبي عليه الصلاة والسلام، كان النبي عليه الصلاة والسلام في معركة أحد حتى أن الناس كان يخشى أن يذهب أحدهم إلى الخلاء من شدة الخوف والرعب، والنبي عليه الصلاة والسلام يعدهم بالأمل ويقول: ستفتحون كذا وكذا، هذا قرأناه كثيراً، لكن استوقفتني آية تتحدث عن هذا المشهد لم أجد لها قناعة تشفي غليلي قوله تعالى:

﴿ وَتَظُنّونَ بِاللَّهِ الظُّنونا﴾

[سورة الأحزاب: ١٠]

 كلمة تظنون بالله تكفي لإثارة دهشة الإنسان القارئ المؤمن، ثم أتى بالمصدر المطلق المؤكد ثم جمعه هل الصحابة والنبي بينهم ظنوا بالله ظنوناً؟

 

المعصوم هو رسول الله وحده و المؤمنون ساعة و ساعة :

الدكتور راتب :
 المعصوم هو رسول الله وحده، وما سوى النبي ليس معصوماً، لكن لو فهمنا العصمة إقبالاً دائماً، الأنبياء إقبالهم دائم، والرسل إقبالهم دائم، مع مهمة، مع رسالة، والمؤمنون ساعة وساعة، الآن المؤمنون يتفاوتون، أتمنى ألا تفهم الساعة الأخرى أنها ساعة معصية، بل ساعة تألق وساعة فتور، فإذا كان هناك مؤمن عنده ثلاث و عشرون ساعة تألق وساعة فتور، يوجد مؤمن آخر عنده ثلاث و عشرون فتور وساعة تألق، هنا التفاوت، ولأنه يوجد تألق إذاً يوجد إقبال على الله، واتصال به، وسعادة لا توصف، ويوجد فتور.
 لكن أحياناً هذه السيارة وهي واقفة وهي من ماركة عالية جداً، وموديل حديث جداً، يعمل المحرك بصمت، بهدوء شديد جداً، المحرك يعمل لكن لأن السيارة نوعها عال جداً فهي واقفة والمحرك يعمل أما إطفاء المحرك فشيء آخر.
 فأنا أقول: أي مؤمن لم يرتكب معصية، لم يرتكب كبيرة، دخله حلال، عمله جيد، زوج ناجح، أب ناجح، هذا عنده إقبال على الله مستمر، لكن من نوعية خفيفة جداً، لكن متى يشعر أنه فقد هذه الحالة؟ عند ارتكاب معصية يشعر بالضياع، فأنت مادمت مستقيماً في الأعم الأغلب فستشعر بتألق و سعادة، لكن أريد أن أبين بمثل؛ طريق عرضه ستون متراً، وعن يمينه واد سحيق، وعن يساره واد سحيق، وأنت راكب مركبة تمشي في الوسط، لو حرفت الموقد سنتمتراً واحداً و ثبته النهاية إلى الوادي، مع أنه سنتمتر واحد فقط أما لو حرفته تسعين درجة ثم أرجعته فأنت سليم، لذلك النبي قال:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار))

[الحارث في مسنده فيه ميسرة وميسرة وضاع]

 حرفته سنتمتراً واحداً لو ثبته، أي شخص يرتكب مخالفة بسيطة لكن ثبتها حجبته عن الله، وشخص ارتكب معصية كبيرة لكنه رأساً تاب إلى الله توبة نصوحة انتهت، فلا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، باب المغفرة مفتوح لكل المؤمنين.
المذيع:
 من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ليتنا نعود لهذه المعاني الرائعة لكن أيضاً هناك سؤال يسأله الشباب في زمن العولمة يقول: نحن مسلمون - وحتى ننصبها على الاختصاص- نحن المسلمين نلتزم بكتاب الله وسنة نبيه، وينظر إلى أصحابه في أوروبا يقول: عندهم النظام، وكأن الله عز وجل ليس غاضباً عليهم، أما نحن فكل المآسي تنزل فوق رؤوسنا كيف تكون هذه المعادلة؟

 

العبادة الشعائرية لا تحقق أهدافها إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

الدكتور راتب :
 تكون بجواب دقيق جداً، نحن في الإسلام عندنا عبادة شعائرية- وكلامي دقيق - هي الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادة، نأتي ببند بند.
 العبادة الأولى الصلاة: عن ثوبان بن بجدد رضي الله عنه: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد رضي الله عنه]

 انتهت الصلاة. الصيام:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري ، وأبو داود ، والترمذي]

 انتهى الصوم.
 الحج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من أمّ هذا البيت من الكسب الحرام شخص في غير طاعة الله فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب وانبعثت به راحلته قال : لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء : لا لبيك ولا سعديك، كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزوراً غير مأجور، وأبشر بما يسوءك))

[أخرجه البزار في مسنده]

 الزكاة:

﴿قُل أَنفِقوا طَوعًا أَو كَرهًا لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُم إِنَّكُم كُنتُم قَومًا فاسِقينَ﴾

[سورة التوبة: ٥٣]

 الشهادة:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 من خلال هذه الشواهد القرآنية؛ الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادة عبادات شعائرية لا وزن لها، ولا جدوى منها، ولا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، التعاملية لها أصل، أصل التعاملية، سيدنا جعفر التقى بالنجاشي قال له: حدثني عن هذا الدين؟ قال له:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقة، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا – الآن العبادة التعاملية - بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[ أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

.
 العبادة التعاملية هي الأصل، فركعتين من ورع خير من ألف ركعة من مخلط.
 فالعبادة الشعائرية ذكرت قبل قليل الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادة لا تقطف ثمارها، ولا تحقق أهدافها، ولا تنجي صاحبها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، فنحن حينما نهمل هذه العبادة التعاملية، مادام في غش بالبيع والشراء، كذب في الأسعار، مادام في إطلاق بصر للنساء، مادام يوجد أن تملأ عينك من امرأة لا تحل لك، يوجد مليون مخالفة، هذه المخالفات ظنها الناس عادات، وفصلوها عن الدين هي في الحقيقة حجب تمنعك من أن تصل إلى الله، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لَنْ - لن...لنفي المستقبل- يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ))

[أخرجه التَّرمِذِي ، وأبو داود]

 مليار وثمانمئة مليون ليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، الكرة في ملعبنا، أما أنت حينما ترى الإسلام بهذه الدقة لو طبقته وحدك أقمته في نفسك أولاً، وفي بيتك، وفي عملك، قطفت كل ثماره الفردية، الوضع العام لست محاسباً عليه، تتمنى أن يكون صالحاً تسعى في إصلاحه، إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، لكنه لا يعطي الآخرة إلا لمن يحب. لذلك لا يقاس أن هؤلاء يعيشون في رغد وهناء وهؤلاء الملحدون انظر إليهم كيف يعيشون ونحن في بؤس، هذه على الشبكية وليست بالدماغ، قال تعالى:

﴿وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا ﴾

[سورة طه: ١٢٤]

 قد يكون مليارديراً، وعنده خمس سيارات، وعنده قصور، لكنه مقطوع عن الله، إذاً يوجد شقاء.
المذيع:
 شيخي، أكثر الانتحار في الدول الملحدة، قفز إلى ذهني كلام قرأته في بعض الكتب السماوية السابقة: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني، ممكن تحدثنا قليلاً عن هذا؟

 

تولي الله عز وجل بذاته العلية هداية الناس :

الدكتور راتب :
 لو فرضنا شخصاً، معه التهاب معدة حاد، وشخصاً معه ورم خبيث منتشر في كل جسمه، صاحب الالتهاب قال: ماذا آكل؟ أخضعه الطبيب لحمية قاسية جداً لأن هناك أملاً في الشفاء، أما الذي معه ورم خبيث منتشر قال له: ماذا آكل؟ قال له: كُل ما شئت، أيهما أفضل كُل ما شئت أم أن تخضع لحمية قاسية جداً والشفاء أمله كبير؟ هذا الوضع، يوجد أناس مهملون لأنهم ابتعدوا عن الله بعداً شديداً، وأناس غرقوا في الدنيا لدرجة عالية جداً، فبقي هذا الإنسان الذي هو مسلم لم يطبق دينه تطبيقاً كاملاً هو الذي يعالج.
المذيع:
 شيخي أنت قلت: يوجد أشخاص عندهم إمكانيات ولكنه مهمل، ممكن أن نشبهه بالسكر في الشاي، الشاي لا يحلو إلا إذا حركت السكر لأنه موجود في الشاي، و بالتالي الإيمان موجود في قلوب كثير من الناس حتى العصاة الذين يشربون الخمر.
الدكتور راتب :
 لذلك الله يتولى بذاته العلية هداية هؤلاء، والدليل:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

[سورة الأنفال : 23]

 الإنسان حسب نفسه، طلب الحق يعطيه الحق، مستحيل والله أقول: زوال الكون أهون على الله من ألا يعطي عباده المؤمنين ما يستحقون، إله..
المذيع:
 شيخي عندما نقرأ عن الأنبياء، هذا الذي نشر بالمنشار - سيدنا زكريا- ، سيدنا يحيى قطع رأسه، أي هذه الدنيا لا تساوي شيئاً ولذلك سمح الله لهؤلاء أن يفعلوا هكذا بأنبيائه.

 

الغنى والفقر بعد العرض على الله :

الدكتور راتب :
 هذه القصص تحتاج إلى مراجعة، أحياناً يوجد هناك مبالغات، أي مادام هناك آخرة الدنيا لا قيمة لها إطلاقاً، مادام هناك موت الموت ينهي قوة القوي وضعف الضعيف، ينهي غنى الغني وفقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم ودمامة الدميم، ينهي ذكاء الذكي وغباء الغبي، الموت ينهي كل شيء، والغنى والفقر بعد العرض على الله، لا يعد الغني غنياً في الدنيا ولا الفقير فقيراً، الغنى والفقر بعد العرض على الله.
المذيع:
 جميل هذا الكلام، نتوقف عند هذه الكلمة الرائعة وهي عن سيدنا علي عليه السلام قال: إنما الغنى والفقر بعد العرض على الله.
 مرحباً بكم من جديد مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، شيخنا الأمل بالله شمس لا تغيب، من هنا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: الكبائر أربع؛ الإشراك بالله، القنوت من رحمة الله، اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، نريد كلمة أمل لمشاهدينا الكرام وخصوصاً البائسين.

التوحيد هو الحل الوحيد لكلّ مشكلاتنا :

الدكتور راتب :
 الحقيقة ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، التوحيد أن تعلم يقيناً أنه لا معطي ولا مانع ولا خافض ولا رافع ولا معز ولا مذل إلا الله، هذا التوحيد تحل به كل مشكلاتنا، وإذا أردنا أن نضغط الدين كله بكلمة واحدة هي التوحيد، كأنك تضغط التجارة هي مليار نوع، مليار مستوى، إنها الربح، والدين توحيد، لأنه لا يمكن أن يسلمك إلى غيره ثم يأمرك أن تعبده، قال لك:

﴿ وَإِلَيهِ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ ﴾

[سورة هود: ١٢٣]

 الآن فاعبده، متى أمرك أن تعبده؟ بعد أن طمأنك، أي حياتك بيده، ليست بيد شخص، لا يمكن أن تكون حياة الإنسان بيد شخص، أما على الشبكية فيقتل، لكنه لا يقتل إلا بعدما سمح الله له أن يقتل لينتهي عمر هذا الإنسان، الأمر معلق بالله عز وجل.
المذيع:
 تذكرت آية من كلامك وأيضاً استوقفتني عن فرعون:

﴿ يُذَبِّحُ أَبناءَهُم وَيَستَحيي نِساءَهُم ﴾

[سورة القصص: ٤]

 كيف يكون هذا؟
الدكتور راتب :
 أي لا يمكن أن يسلمك إلى غيره، إلى فرعون مثلاً، لم يعد إلهاً،

﴿ وَإِلَيهِ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ ﴾

 أي أمر في الكون كله توكيد فاعبده، فالعبادة هي علة وجودنا في الدنيا، نحن كل متاعبنا من ضعف التوحيد.
المذيع:
 أي نحن موحدون لكن يوجد ضعف؟
الدكتور راتب :
 نعم، لكن إذا رأيت قوياً يفعل ما يريد معك، لا ليس كذلك، لا يسمح الله له أن يفعل ما يريد، هو أداة عند الله.
المذيع:
 شيخنا هذا الضعف في التوحيد نريد كلمة من حضرتكم في هذا الضعف، أي يحضرني في هذا عتاب رباني للخلق عندما قال ربنا في الحديث القدسي: " أخلق ويعبد غيري" هذا عتاب.

 

عتاب رباني للخلق :

الدكتور راتب :
 وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنتهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها، هذه الذات الكاملة.
المذيع:
 لا إله إلا الله، كيف نبث هذه الروح روح التوحيد والعبودية والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى في نفوس أهلنا وأولادنا؟

 

كيفية بث روح التوحيد والعبودية والتقرب إلى الله في نفوس أهلنا وأولادنا :

الدكتور راتب :
 أنا أقول كلمة دقيقة: الدين توقيفي بمعنى أنه لا يضاف عليه ولا حرف، ولا يحذف منه. أي لا يوجد بالدين تجديد إطلاقاً، أما يوجد بالخطاب الديني تجديد، فالخطاب الديني ينبغي أن يتجه إلى العقل فيغذيه بالعلم، وأن يتجه إلى القلب فيغذيه بالحب، وأن يتجه إلى الجسم فيغذيه بالطعام والشراب، أي المؤمن الكامل له عقل يدرك، غذاوه العلم، وله قلب يحب، غذاؤه الحب، وله جسم يتحرك، غذاؤه الطعام والشراب، فيجب أن يدعو الداعي الناس إلى التحرك نحو الكسب المشروع، الخطاب الديني يجب أن يكون لبث الكرامة في نفوسهم، يتجه إلى العقول ويغذيها بالعلم، والقلوب بالحب، والأجسام بالطعام والشراب، المؤمن له حرفة يعمل بها، يكسب منها رزقه، وله عقل يغذيه بدروس العلم، وله قلب يغذيه بالحب والإقبال على الله، فإذا غذى عقله بالعلم، وقلبه بالحب، وجسمه بالطعام والشراب تفوق.
المذيع:
 كيف يغذي أحدنا قلبه بالحب؟

حاجة كل مسلم إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب :
 يجب أن تكون مع الصالحين:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكونوا مَعَ الصّادِقينَ﴾

[سورة التوبة: ١١٩]

 تحتاج إلى حاضنة إيمانية، تحتاج إلى إنسان يشجعك، قم لنصلي، ما قولك بأن نقوم بجمعية خيرية؟ تحتاج إلى حاضنة إيمانية، قال تعالى:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكونوا مَعَ الصّادِقينَ﴾

  وقال تعالى:

﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ ﴾

[سورة الكهف: ٢٨]

 فلابد لك من مجتمع إنساني، من حاضنة إيمانية، من رفيق مؤمن، من صديق، فما لم تقم هذه العلاقات مع بيئة إسلامية لا تستطيع لأن الآخر قد يغريك بالمعصية، يوجد عندنا علاقات حميمة وعلاقات عمل، الفرق كبير بينها، عندي دوام مثلاً خمس ساعات، أعود إلى المنزل، أي علاقتي مع المدير أني أطيع أمره، أما حبي ميلي وعلاقاتي الحميمة فمع المؤمنين،

﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ ﴾

  الفرق بين علاقة حميمة مع المؤمنين فقط وبين علاقة عمل مع أي إنسان.
المذيع:
 لكن إذا لم يجد حاضنة إيمانية ماذا تنصحه؟
الدكتور راتب :
 والله لا أعتقد أنه لا يمكنك أن تجد صديقاً مؤمناً، لا يوجد يجب أن يتابع الأمور عن طريق القراءة والمتابعة، والله يوجد وسائل إعلام مذهلة بنشر الخير فيها قراءات لكل العلماء.
المذيع:
 شيخنا نأتي إلى قوله تعالى ما دمنا نتحدث عن الأمل، قال تعالى:

﴿إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا﴾

[سورة الشرح: ٦]

الأفعال الإلهية هدفها إصلاح النفوس :

الدكتور راتب :
 بحسب المنطق الآن ينبغي أن تكون إن بعد العسر يسرا، أما مع ففيها لفتة دقيقة جداً، هذا الشيء الذي لا تحبه يوجد ضمنه اليسر، يوجد ضمنه السعادة، يوجد ضمنه العودة إلى الله، هذا الصلح مع الله شيء دقيق جداً، أعتقد لا يمكن أن يكون هناك فعل إلهي إلا هدفه إصلاح النفوس، التقرب من الله عز وجل، هذه ألوهية الإله وربوبية الرب، رب يعني مربّ.
المذيع:
 شيخنا الفاضل مرة قرأت عن لقمان الحكيم يعلم ابنه أن الأقدار حتى لو أتت فيها الشدائد فيها خير لك، ولكن ابنه لم يستوعب هذا الكلام، وكانوا مرة في سفر فنزلت قدم الغلام على شوكة فجرحت، فقال: يا أبت أين الخير في هذا؟ سكت لقمان الحكيم لا يدري ماذا يقول له، وبعد فينة مرّ فارس فقال له: السلام عليك يا لقمان، قال له: من أين تعرفني؟ قال: أنا ملك من السماء الرابعة جئت لأنزل العذاب إلى القرية الفلانية- وكانوا ذاهبين إليها- قال: أرأيت لو كنا سائرين لكنا فيها، ما المقصود؟ أن الكثير من الشدائد يوجد ضمنها رحمة بالغة حتى الصالحين يقولون: اللهم اقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين.

فائدة الاستسلام وحسن الظن بالله :

الدكتور راتب :
 المؤمن عنده حسن ظن بالله، هذه أقوى شيء بالمؤمن، يأتي بلاء قد لا يفهمه لكن يستسلم لله عز وجل لكن بعد حين يكشف له الحكمة.
المذيع:
 ما فائدة الاستسلام وحسن الظن على نفسية الإنسان؟
الدكتور راتب :
 يوجد عنده راحة نفسية هي أساس الراحة النفسية، الراحة النفسية دقيقة جداً، أحياناً إنسان يكون قد ارتكب خطأ، ولكن عنده فطرة، الفطرة تعذبه، فالإنسان عندما يبتعد عن فطرته يتعذب، أما إذا طبق منهج الله عز وجل فيصطلح مع الله أولاً ومع فطرته ثانياً، والدليل:

﴿فَأَقِم وَجهَكَ لِلدّينِ حَنيفًا فِطرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها ﴾

[سورة الروم: ٣٠]

 أن تقيم وجهك للدين حنيفاً هو ما فطرك عليه.
 السيارة بالأصل مصممة لطريق معبد، وهي غالية جداً، وأحدث موديل، لو تضعها على طريق وعر تسمع أصوات تكسير، صخرة، نتوء، ومستنقع، أما إذا مشت على الطريق المعبد فتكتشف كل ميزاتها، هي مصممة للطريق المعبد، وأنت مصمم لكي تعرف الله، إذا عرفته الحياة تصبح جنة، والدليل:

﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾

[سورة الرحمن: ٤٦]

 جنة في الدينا وجنة في الآخرة، والآية الثانية:

﴿وَيُدخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُم﴾

[سورة محمد: ٦]

 في الدنيا ذاقوا طعمها، في الدنيا ذاقوا طعم القرب من الله، وإن لم تقل: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني يوجد بالإيمان مشكلة.
المذيع:
 وأنا قرأت عن ابن تيمية يقول ......
الدكتور راتب :
 ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة.
المذيع:
 حتى أنه يقول: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل تلك الجنة، قالوا: وما هي؟ قال حب الله.
 كم نحتاج إلى هذا حتى البلاء الذي يبتلينا الله عز وجل به يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح:" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصل ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غمّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها عنه خطاياه" هذه البلايا.

 

المصائب كلها تكفير خطايا و ارتقاء عند الله :

الدكتور راتب :
 كلها تكفير خطايا، لذلك المؤمن إن شاء الله يصل إلى الدار الآخرة معافى من كل شيء، أي ممكن أن يخطئ المؤمن في الدنيا وقد تاب منها لكن يذكرها بدماغه، وبالآخرة ينساها.
المذيع
 أي هذه مكفرات الشدائد والمصائب، الآن نشاهد من خلال الشاشة الصغيرة مآس، هناك من فقد أحبابه لكن حديث النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن رب العزة سبحانه وتعالى: " قال للملائكة هل أخذتم ولد عبدي؟ ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم، قال: ماذا قال؟ قالوا: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد" ماذا تقول من خلال هذه الشاشة الصغيرة؟
الدكتور راتب :
 والله أنا أرى أن الإنسان حينما يبتلى ببلاء من الله ويراه من الله أولاً، ويصبر عليه ثانياً، ويبحث عن خلاص منه ثالثاً، ارتقى عند الله، لأن هذه الدنيا أصلها دار ابتلاء لا دار استواء ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى.
 العبرة ألا تفعل شيئاً محرماً، الله لا يحاسبك على خواطرك ولا على آلامك، أي إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولكن لا نقول إلا ما يرضي الله، أي أن ترى بيوتاً مهدمة، أموالاً مهدورة، شعوباً تعذب ولا تتألم واله تكون لا تنتمي لهذه الأمة، فالألم وسام شرف للمؤمن، لكن توحيده لعلمه أن الله بيده كل شيء، والله رحيم، وكل شيء له حكمة، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، هذا الشيء يخفف عنك.
المذيع:
 ما جزاء الصابرين شيخنا؟

جزاء الصابرين :

الدكتور راتب :
 كل شيء له حساب، هذا العمل له حساب، أعط شيكاً بالرقم والتوقيع إلا الصابر يعطى شيكاً مفتوحاً، قال تعالى:

﴿ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسابٍ﴾

[سورة الزمر: ١٠]

 لا يوجد رقم للشيك، مكان الرقم مفتوح لكن يوجد توقيع.
المذيع:
 شيخنا القرآن مليء بهذه المعاني، معاني الابتلاءات والشدائد، قال تعالى:

﴿أَم حَسِبتُم أَن تَدخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأتِكُم مَثَلُ الَّذينَ خَلَوا مِن قَبلِكُم مَسَّتهُمُ البَأساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلزِلوا حَتّى يَقولَ الرَّسولُ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ مَتى نَصرُ اللَّهِ ﴾

[سورة البقرة: ٢١٤]

 هذه الابتلاءات نعود لها أيضاً للأسف لأننا نحن في هذه الابتلاءات.

 

الابتلاء علة وجودنا في الدنيا :

الدكتور راتب :
 علة وجودنا في الدنيا الابتلاء، لا بد من الابتلاء، الإمام الشافعي سئل: ندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى، لا تفكر أن تصل إلى الجنة من دون ابتلاء، طبيعة الدنيا الابتلاء:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون:30]

 إنا كنا مبتلين:

﴿الَّذي خَلَقَ المَوتَ وَالحَياةَ لِيَبلُوَكُم ﴾

[سورة الملك: ٢]

 لكن الآية فيها ملمح دقيق جداً:

﴿ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلًا ﴾

[سورة الملك: ٢]

المذيع:
 المفروض أن ننجح جميعاً لكن الابتلاء للترتيب فقط، فالمفروض مع كل هذه الأدلة أن يكون هناك إيمان صحيح، لكن نحن بالابتلاء نتفاوت، حتى البيان القرآني أوله بدأ الموت على الحياة خلق الموت والحياة، ما سرّ هذا الترتيب؟

 

السر وراء البدء بالموت ثم الحياة في القرآن الكريم :

الدكتور راتب :
 الموت هو العدم، الموت العدمي الأول كان الله ولم يكن معه شيء، خلقنا من العدم.
المذيع:
 ثم تفنى الأرض، ويقف الظالم والمظلوم أمام رب العزة، ماذا تقول للظالم؟ وماذا تقول للمظلوم؟
الدكتور راتب :
 نقول للظالم: الحق نفسك قبل أن تموت بأن تتوب، وأن تصحح ما أخطأت به، وأن تعوض على الذي ظلمته، ونقول للمظلوم: أنت في رعاية الله وحفظه.
المذيع:
 إذاً شيخنا سؤال للمجتمع من أجل المجتمع ككل لماذا قال الله سبحانه وتعالى:

﴿ وَتوبوا إِلَى اللَّهِ جَميعًا ﴾

[سورة النور: ٣١]

 ما فائدة هذه التوبة المجتمعية الجماعية؟

 

فائدة التوبة الجماعية :

الدكتور راتب :
 لها معنى كبير جداً، أي أنتم لا تقطفون ثمار توبتكم إلا إذا كنتم تائبون جميعاً، البائع يخاف الله ترتاح معه، المدرس يخاف الله ترتاح معه، التاجر يخاف الله ترتاح معه، فهذا الدين لا تظهر ثماره اليانعة إلا إذا كان هناك توبة جماعية، أما ما الذي يحصل الآن؟ مؤمن حالة نادرة حوله أناس متفلتون فالتعامل معهم صعب جداً.
المذيع:
 ماذا تقول للمجتمع المسلم الآن في كلمة أخيرة؟

 

كلمة للمجتمع المسلم :

الدكتور راتب :
 والله يجب أن نفهم على الله حكمته، يوجد إنسان يفهم على الله حكمته، ويوجد إنسان يفسر هذه الأحداث أن هكذا طبيعة الحياة، يقول: هذا قدرنا... كلمة هذا قدرنا، وهذا حظنا، كلمات ليس لها معنى إطلاقاً، يوجد إله بيده كل شيء، أي الحقيقة المرة ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلى بتوبة.
المذيع:
 هذا من حيث المجتمع ولكن من حيث الأفراد ليس عندهم ذنب لكن للترقية يمتحنهم الله ليرقيهم.

أنواع المصائب :

الدكتور راتب :
 الحقيقة مصيبة الأنبياء مصيبة كشف، عنده حقيقة، عنده عاطفة، ذهب إلى الطائف مشياً، كذبوه، سخروا منه، أغروا صبيانهم بضربه، جاءه ملك الجبال قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" مصائب الأنبياء كشف فقط.
 عندك سيارة مئتي حصان، هذه ليست للطريق المستوي، ولا للطريق الهابط، هي للطريق الصاعد، فالأنبياء مصائبهم كشف، المؤمنون دفع ورفع، الكفار ردع وقصم، فالمؤمن تزداد سرعته إلى الله بمصيبة، يقوم الليل، يغض بصره، يتحرى ماله أن يكون حلالاً، فمصيبة المؤمن دفع، ومصيبة الكافر ردع و قصم، ومصيبة الأنبياء كشف.
المذيع:
 ماذا ترى مستقبل الأمة؟

التفاؤل بمستقبل الأمة :

الدكتور راتب :
 أنا متفائل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ]

المذيع:
 أي بعد المحن تأتي المنح، وبعد الآلام تأتي الآمال.
الدكتور راتب :
 كل محنة بعدها منحة، وكل شدة بعدها شدة إلى الله.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 قلوبنا لابد أن تعود دائماً إلى الله، هذه الكلمات الطيبة من حضرتكم، وهذا الحضور الطيب نشكركم جداً فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، كما نشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لتبقى القلوب مستيقنة بالله رغم الآلام والشدائد والمحن، لنقول: يا رب عظم الأمر علينا من خطوب صارت ناراً فاعف واصفح واجل عنا الغمام، يا لطيف الصنع فرج الكرب الذي حلّ بنا إنما الكرب علينا عظم، فاستجب لي يا إلهي دعوتي، أنت ربي ورحيم الرحماء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.