ماليزيا- ديناً قيماً 1 - الحلقة : 01 - مفهوم الأخلاق.

2017-05-27

مقدمة :

المذيع:

وإني لتطربني الخلال كريمــــة   طرب الغريب بأوبة وتلاقــي
وتهزني ذكرى المروءة والندى   بين الشمائل هزة المشتـــاق
فإذا رزقت خليقة محمـــــــــــودة   فقد اصطفاك مقسم الأرزاق
فالناس هذا حظه مــــــــــال وذا   علم وذاك مكارم الأخـــــــلاق
والمال إن لم تدخره محصنـــــا   بالعلم كان نهاية الإمـــــلاق
والعلم إن لم تكتنفه شمائــــــل   تعليه كان مطية الإخفـــــاق
لا تحسبن العلم ينفع وحـــــده   ما لم يتوج ربه بخـــــــــــلاق
***

  الأخلاق التي ذكرها ربنا في كتابه ووصف به نبيه فقال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ﴾

[سورة القلم: ٤]

 وقال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما معناه:

(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))

[البزار في مسنده والإمام أحمد في مسنده]

 فماهي الأخلاق؟
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ مشاهدينا الكرام مع هذا البرنامج الجديد بعنوان: " ديناً قيماً" ولأن الموضوع يحتاج إلى علماء استضفنا عالمين جليلين من علماء الأمة الإسلامية رحبوا معي بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، مرحباً فضيلة الدكتور.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع:
 ومعنا العلّامة الجليل الأستاذ الدكتور عمر عبد الكافي السلام عليكم.
الدكتور عمر :
 وعليكم السلام، مرحباً يا ولدي وجزاكم الله خيراً.
المذيع:
 من حسن الطلع أن يجتمع عالمان جليلان في هذا البرنامج الذي نتحدث عنه.
الدكتور عمر :
 ربنا سبحانه وتعالى يرزقنا الإخلاص وإياكم، وينفع بهذا البرنامج القائمين والمستمعين إن شاء الله.
المذيع:
 بإذن الله تبارك وتعالى نبدأ من على اليمين.
الدكتور عمر :
 بالكبير وليس على اليمين.
المذيع:
 جميلة هذه الأخلاق بين العلماء.
الدكتور عمر :
 نحن نتعلم من الدكتور محمد راتب النابلسي حقيقة منظومة قيم تسير على قدميه، ولما نرى من السلف الصالح قراءات فنحن نرى سهماً من هذه السهام المصوبة ممثلة في الدكتور النابلسي وهذا وصف وليس مدحاً.
الدكتور راتب :
 أرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم.
المذيع:
 فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي عندما نقول كلمة الأخلاق ما الذي يأتي لذهنكم مباشرة؟

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة المكرم و المكلف :

الدكتور راتب :
 أولاً: الإنسان في الأصل هو المخلوق الأول رتبة، لأنه في عالم الأزل عندما عرض الله الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، الإنسان قبِل حمل الأمانة، فلما قبِل حمل الأمانة كان المخلوق الأول رتبة، وعندئذ سخر الله له ما في السموات والأرض تسخير تعريف وتكريم، فهذا الكون الثابت الأول كل ما فيه ينطق بوجود الهي، ووحدانيته، وكماله.
 هذا الإنسان منح حرية الاختيار، منح مقومات هذا التكليف، منح كوناً ثابتاً عظيماً ينطق بوحدانية الله، وكماله، ومنح نفساً طموحة للمعالي، كما أن هذا الإنسان عندما قبِل حمل الأمانة أعطي صفة اللانهائية لنفسه، لذلك أي هدف يختاره يكون محدوداً، يشقى به الإنسان، لا يسعد إلا إذا عرف سرّ وجوده.
بالمناسبة هذا الكون لا نهائي، وأي هدف نهائي يختاره الإنسان دون طموحه عندئذ يسعد به قبل أن يصل إليه، أما إذا بلغه فيشقى به.
 لذلك النفس البشرية صممت تصميماً لا نهائياً، فحينما تختار هدفاً محدوداً تشقى به، هذه نقطة دقيقة جداً، الإنسان طالما أنه لم يصل إلى الشيء يتوهم أنه يسعد به، فإذا بلغه انتهت السعادة، بقي العبء، لذلك الإنسان لا يسعد إلا إذا اختار هدفاً لا نهائياً هو الله، وهذا ينقلنا للشباب، من هو الشاب؟ لا علاقة للسن بالشباب أبداً، قد تجد شاباً في التسعين من العمر مادام هدفه الله ومادام هدفه أكبر منه فهو شاب دائماً، من هو الشيخ بالمعنى السلبي؟ الذي اختار شيئاً وبلغه.
المذيع:
 دكتور عمر عبد الكافي الأخلاق تصلنا لله عز وجل، ما مفهوم الأخلاق من مرصدكم الخاص؟

تعريف الأخلاق :

الدكتور عمر :
 تصرفات الإنسان وسلوكياته في الحياة كنهر عذب، يختلط بهذا الماء العذب بعض الشوائب، النهر العذب في جلّ مائه صاف، صالح للشرب، هذه هي الأخلاق الحميدة الحسنة، وسلوك الإنسان القويم، يعلق بهذا التيار العذب بعض من الزبد وهي الأخلاق الذميمة، يوماً ماء الزبد يذهب وما ينفع الناس يمكث في الأرض.
 فالأخلاق طبيعة الإنسان، الناس لا تحب إلا صاحب الخلق الحسن، وكأنما رب العباد عز وجل عندما أحبّ عبداً أحبّ فيه خلقه، فوضع له القبول في الأرض بأخلاقه، فلما وجد له القبول في الأرض الملائكة وجدت له هذا القبول أمراً، لأن الحب والمحبة والخلق هذه كانت تنزل من أعلى، فلما تنزلت هذه الأخلاقيات والمثل من أعلى على الإنسان صار إنساناً سوياً كما خلقه الله عز وجل.
 فكمال العبودية لله عزوجل هو أول عنوان من عناوين الخلق الحسن، أن يتخلق مع الخالق الذي أوجده، هذا الخلق وجب عليه أن يصبح ليس صالحاً في نفسه وإنما مصلح لغيره، هذه قيمة الأخلاق، أما إذا علق بالإنسان بعض الملكات التي تشوبه كالخلق الذميم، كالبخل، فعليه أن يحاول أن يصلحها.
ولذلك يأتي الدين الحنيف ليجعل الخلق ربع الرسالة المحمدية، آيات الله، تعليم الكتاب، الحكمة، التزكية، والله عز وجل رتب التزكية والخلق قبل العلم والحكمة، علم بلا خلق يصبح كقنبلة ناكازاكي وهيروشيما، علم بلا خلق تصبح فوضى عارمة في العالم الإسلامي، أما إذا التزم الإنسان بالخلق فهذا الذي وجه الدين، حتى في أمر التزويج جاءكم من ترضون خلقه ودينه، الدين وحده بلا خلق، الخلق هو ثمرة هذا الدين، فإذا غرست شجرة الدين أثمرت خلقاً.
المذيع:
 أريد أن أسأل شيخنا الجليل الدكتور راتب النابلسي: الذي لا يدين بدين الإسلام هل عنده خلق؟

الخلق الحقيقي للإنسان في المنزل :

الدكتور راتب :
 عنده خلق ذكي، الخلق الذكي أن تصل إلى أهدافك ببساطة، أي عندنا سلوك يسمى باللغة المعاصرة بزنس، أما الأخلاق فهي المنطلقة من قناعاتك وتتجه لمن حولك.
 لذلك الإنسان خارج بيته قد يكون أنيقاً، ينحني للضيف، يبتسم، يجامل، هذا كله اسمه بزنس، أما أين خلقه الحقيقي؟ في المنزل، هذا الخلق في البيت ليس عليه ضابط، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها]

 البطولة في البيت، الاستقامة في البيت، التألق في البيت، الدين في البيت، هذه الحقيقة، كل سلوك ذكي خارج المنزل متعلق بعمله، هذه قد لا تنطوي تحت الأخلاق، لذلك النبي الكريم أعطي مئات الصفات الاستثنائية أما حينما مدحه الله فمدحه بالخلق العظيم.
 أنت إذا قدمت لابنك مركبة هل تقيم له حفل تكريم؟ مستحيل، أما إذا نال الدرجة الأولى في الامتحان تقيم له حفل تكريم، هذا التكريم لأنه قدم شيئاً من إنتاجه.
المذيع:
 دكتور عمر عبد الكافي هل نحن بحاجة الآن كما تعودنا مع فضيلتكم دائماً ننزل إلى الواقع ونسأل أسئلة لكثير من الناس، هل نحن بحاجة في هذا التوقيت بالذات الذي تموج فيه الأمة وتعصف به العاصفة من كل جهة وصوب هل نحن بحاجة إلى الأخلاق؟

 

حاجة المجتمعات إلى القيم و الأخلاق :

الدكتور عمر :
 ابن خلدون له جملة تكتب بماء الذهب:" العربي لا تصلحه إلا رسالة، فإن نزعت الخلق من العربي صار حيواناً أعجم" العربي لا تصلحه القوانين، فهو فوضوي، لا يحب النظام، سمات الشعب العربي دون دين عفوي، لا يحب التخطيط، عاطفته ترتفع إلى عنان السماء وتهبط إلى قعر المحيط بلحظة واحدة، يضبطها الدين، تضبطها وسطية الدين، فهذا رجل منفق حتى حدّ التبذير يصير شيطاناً من المبذرين، ويمسك حتى يصير بخيلاً فتدعو عليه الملائكة:

(( اللهم أعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 ما بين هذين الأمرين:

﴿ إِذا أَنفَقوا لَم يُسرِفوا وَلَم يَقتُروا وَكانَ بَينَ ذلِكَ قَوامًا﴾

[سورة الفرقان: ٦٧]

 هذا القوام هو الذي جعل هذا الدين قيماً، فإذا غابت القيم وغابت الأخلاق عن البيئة العربية، والبيئة الإسلامية، والمجتمع العالمي، غابت الإنسانية، نقول: الإنسان قد مات إذا ماتت فيه أخلاقه.
المذيع:
 وهل هذا وارد شيخنا؟
الدكتور عمر :
 إذا أمات أهل الباطل قيمة القيم، ومفهوم القيم، ومنظومة القيم عند الناس كبيراً وصغيراً، ما بالك بطبيب لا أخلاق له؟! ما بالك برجل أعمال لا أخلاق له؟! ما بالك بإعلامي إذا انفرد لوحده على الشاشة يسب هذا ويسب ذاك؟! وإذا خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزال لأنه لا قيم له، إذا وجدت القيم مسك لسانه، فالقيم هي الضابط الأساسي لإنسانية الإنسان، وبدون قيم وبدون أخلاق لا يصير إنساناً يصبح مسخاً، أي حيونة التصرفات أن يعود حيواناً أعجم.
المذيع:
 دكتور راتب النابلسي فضيلتك عالم جليل في مجال الأدب العربي وفي مجال التربية كمعلم ومربّ ماذا تعني كلمة أخلاق بلغة العصر؟

 

تعريف كلمة أخلاق بلغة العصر :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن هذا الإنسان هو المخلوق الأول عند الله رتبة، وقد كلفه أن يعبده تكليفاً، فالإنسان إذا تحرك وفق منهج الله هو أعقد آلة في الكون قطعاً، الإنسان أعقد آلة في الكون، ولهذه الآلة بالغة التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرصه على ذاته اللامحدودة، انطلاقاً من حرصه على سلامته، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، يوجد بالأرض الآن سبعة مليارات ومئتا مليون، ما منهم واحد إلا حريص على سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، سلامة الوجود لأن الإنسان آلة معقدة جداً تعقيد إعجاز باتباع تعليمات الصانع هذه الاستقامة، الاستقامة تحقق السلامة، لكنها ذات طابع سلبي، يقول المستقيم: أنا لم آكل مالاً حراماً، ما كذبت، ما غششت، كلها فيها ما، فالاستقامة ترك، ترك الكذب، ترك الغش، إلخ، العمل الصالح إيجابي، قدم ماله، قدم علمه، قدم خبرته لله.
 لذلك يقع على رأس الهرم البشري زمرتان الأقوياء والأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم والأنبياء في غيبتهم، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي. فالبطولة أن يكتشف الإنسان أنه تابع لمن؟ التابع للأنبياء يرحم الناس، يستقيم على أمر الله، يعمل عملاً صالحاً، وفي النهاية البشر رجلان؛ رجل عرف الله، والتزم منهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وبنى حياته على الأخذ، فشقي في الدنيا والآخرة، ولن تجد إنساناً آخر، لذلك القصة هنا أن أعرف سرّ وغاية وجودي، وهذه من بديهيات الحياة.
المذيع:
 شيخنا الدكتور عمر معي دقيقة إذا كانت الأخلاق مصطلحاً لجميع الناس عموماً فلم نحتاج إلى الأديان، الغرب يركز على هذه المقولة؟

الأخلاق فريضة لا فضيلة :

الدكتور عمر :
 أخلاق الغرب أخلاق نفعية، وقد تكون عندهم أحياناً فضيلة الأخلاق، عند المسلم فريضة، وهذه قد تغيب عنا، الأخلاق فرائض وليست فضائل، أي إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، هذه فرائض، حتى العبادات مآلها ومقتضاها تصب في نهر الأخلاق، فالذين يقولون: إننا نريد أخلاقاً مثلكم كما قال أستاذنا هي أخلاق نفعية تهدف إلى شيء، أي لا يبتسم لك إلا إذا أراد شيئاً، أما أنت فمكلف بالابتسامة في وجهه، لأن هذه الابتسامة لا تعود عليّ أنا، لا، تعود عليك أنت:

(( تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك صدقة))

[أخرجه الترمذي عن أبي ذر]

 فقضية الأخلاق فريضة لا فضيلة.
الدكتور راتب :
 حينما يكون هناك وكيل لشركة يأتي المندوب يبالغ في الترحيب به لو سحبت منه هذه الوكالة لا يسلم عليه.
المذيع:
 هل للأخلاق أنواع؟

 

أنواع الأخلاق :

الدكتور عمر :
 نعم الأخلاق إما أخلاق يحمدها رب العباد، يجب على المؤمن أن يتخلق بها، أخلاق حسنة، و إما أخلاق مذمومة يجب على الإنسان أن يتخلص منها، وإن أصيب بإحداها يجب أن يتملص منها فوراً، حتى يعد في عداد أصحاب الأخلاق الحسنة.
المذيع:
 إذا أردنا في هذا البرنامج أن نبدأ بمجموعة الأخلاق الحسنة والأخلاق المذمومة، بماذا نبدأ بالأخلاق الحسنة دكتور محمد في الحلقة القادمة؟
الدكتور راتب :
 إن شاء الله، الإخلاص.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 شكرا لكم على هذا اللقاء، جزاكم الله كل خير.
 في النهاية نشكر حضرتكم، ونشكر ضيفينا العالمين الجليلين صاحب الفضيلة معالي الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، وصاحب الفضيلة الشيخ معالي الدكتور عمر عبد الكافي، شكراً لكما على هذا اللقاء، ونلتقي بإذن الله في الحلقة القادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في أمان الله.