على هدى - الحلقة : 03 - إغاثة الملهوف فرض عين على المسلم- الفطرة والصبغة- القلب السليم.

2013-07-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

إغاثة الملهوف :

 أيها الأخوة الكرام، أخ كريم دخل في المدينة المنورة إلى الحجرة الشريفة إلى الداخل فقرأ حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصه: " أفضل المعروف إغاثة الملهوف" لذلك حينما تقع مأساة في بلد ما من بلاد الملسمين أول ما تستطيع فعله أيها الأخ المسلم أن تقتطع من مالك مبلغاً ترسله في قناة نظيفة آمنة بعد البحث عنها إلى إخوتك الذين أصابهم ما أصابهم، لقد هدمت بيوتهم، ودمرت ممتلكاتهم، وجرفت مزارعهم، وأتلفت أدويتهم، وقتل رجالهم وشبابهم، وسيق أبناؤهم إلى السجون والمعتقلات، وقطعت عنهم الكهرباء فتلفت مدخراتهم الغذائية، وقطعت عنهم المياه فشربوا المياه المالحة، أتهنأ في حياتك وأنت معافى في أهلك وولدك؟ آمناً في بيتك؟ عندك قوت يومك وإخوتك يعانون ما يعانون؟ تسمع بأذنك أخبارهم، وترى بعينك أحوالهم، إنك إن لم تحمل همهم، ولم تتحرك نحوهم، فأنت لست من المسلمين، الدليل- ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء- قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط والطبراني في المعجم الصغير]

 فلذلك المسلمون وحدة كاملة، يجب أن نسهم بشكل أو بآخر بأية نكبة ألمت بهم، نسهم بالدعاء، بالمال، بالمعونة، فالطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، بل إن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، بل إن علة وجودك في الدنيا بعد الإيمان بالله العمل الصالح، والدليل الإنسان حينما يأتي أجله يقول كما ورد في القرآن الكريم:

﴿ رَبِّ ارجِعونِ*لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا ﴾

[سورة المؤمنون: ٩٩-١٠٠]

 فأنت يجب أن تعلم علم اليقين أن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، بل إن العمل الصالح ثمن الجنة، قال تعالى:

﴿وَاللَّيلِ إِذا يَغشى*وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى*وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثى*إِنَّ سَعيَكُم لَشَتّى﴾

[سورة الليل: ١-٤]

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاث :

 الآن يوجد بالأرض سبعة مليارات إنسان، كل إنسان من هؤلاء يتحرك، الإنسان كائن متحرك، ما الذي يحركه؟ حاجته إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقاء جسمه حياً، ما الذي يحركه؟ الحاجة إلى الجنس أي الحاجة إلى الزواج حفاظاً على بقاء النوع من دون أن يشعر، ما الذي يحركه حفاظاً على بقاء الذكر؟ التفوق، عند علماء النفس تأكيد الذات.
 تأكل من أجل أن تحافظ على وجودك كإنسان، الآن تتزوج ومن دون أن تشعر من أجل أن تحافظ على بقاء النوع، ثم تعمل عملاً صالحاً من أجل أن تحافظ على بقاء الذكر، فأنت بالطعام والشراب تحافظ، وبالزواج تحافظ، وبالعمل الصالح تحافظ، وكل هذه الحاجات الثلاث من أصل هذا الدين العظيم، فلذلك

﴿ رَبِّ ارجِعونِ*لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا ﴾

  والله سمعت أن إنساناً عنده بيت واسع جداً، وله حديقة فحفر قبراً في بيته، وكان يجلس كل خميس في هذا القبر، ويتلو قوله تعالى:

﴿ رَبِّ ارجِعونِ*لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا ﴾

  يخاطب نفسه ويقول: قومي لقد أرجعناك، مرة مرّ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقبر فقال:

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم))

[ ابن المبارك عن أبي هريرة ]

 يوجد شركات عملاقة ميزانياتها تفوق ميزانيات دول:

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم))

[ ابن المبارك عن أبي هريرة ]

 أي عظمة هذا الدين أن المسلمين أمة واحدة، الشيء العجيب في بلاد الغرب كم قومية؟ وكم أمة؟ وكم بلد؟ وكم عاصمة؟ تدور بأوروبا كلها وكأنها بلد واحد، هؤلاء الطرف الآخر لا يجمع بينهم لا عرق، ولا دين، ولا آلام، ولا آمال، كل هذه التي نذكرها نحن كأمة عندهم مفقودة، ومع ذلك جعلوا بلادهم بلداً واحداً بتجارتهم وحركتهم.

 

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :

 أيها الأخوة؛ نحن من باب أولى أن نجعل من هذه الأمة أمة واحدة، وأن نعين هذه الأمة على بلوغ أهدافها، من هنا والكلام دقيق والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح:

(( من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط والطبراني في المعجم الصغير]

 والله أحياناً إنسان يبكي على الشاشة مما يجري في بلاد المسلمين، حسناً هؤلاء مسلمون، هؤلاء أخوانك، ألا يمكن أن أتعاطف معهم؟ أن أقدم لهم شيئاً؟ وبالمناسبة الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، مليون طريق إلى الله، أي أنت حينما تقرأ هذه الآية ماذا تفهم منها؟

﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ ﴾

[سورة آل عمران: ١١٠]

 قال علماء التفسير:

﴿كُنتُم﴾

 في هذه الآية بمعنى أصبحتم بهذه الرسالة أيها العرب خير أمة أخرجت للناس، لكن ما علة هذه الخيرية؟

﴿ تَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ ﴾

 بربكم لو أن الأمة اليوم لم تأمر بالمعروف ولم تنه عن المنكر ماذا بقي من خيريتها؟ فقدت خيريتها، لأن علة الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا باب عظيم للخير.
 ولذلك يجب أن نأمر بالمعروف، وأن ننهى عن المنكر، وهناك بحث طويل إن شاء الله يعالج في وقت لاحق خصائص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنها علة خيريتنا، ورد في بعض الآثار النبوية:

((كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟- كأن الصحابة صعقوا- قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟ - صعقوا صعقة أشد- قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال : نعم، وأَشدُّ منه سيكون ، قالوا: وما أشدّ منه؟ قال: كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟))

[ زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

تبدل القيم أخطر شيء بحياتنا :

 أخطر شيء بحياتنا تبدل القيم، في عهد سيدنا عمر شاعر هجا إنساناً قال له:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 هذا البيت يعد عند نقاد الأدب أهجى بيت قالته العرب، ودخل الشاعر بعهد سيدنا عمر السجن من أجله هو شعار كل إنسان اليوم.

 

الفطرة و الصبغة :

 يفهم من قوله تعالى:

﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعروفِ ﴾

 ما هو المعروف؟ المعروف الذي تعرفه الفطر السليمة ابتداء، من دون تعليم، أنت مبرمج، مفطور على المعروف، على أن تحب المعروف، وأنت مبرمج على أن تكره المنكر، فإذا عملت المعروف واطمأنت نفسك، إذا رجع العبد العاصي إلى ربه نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.
 والله أيها الأخوة حينما نصطلح مع الله دخلنا في تطابق حركتنا مع فطرتنا، ما سرّ هذه السعادة؟ أنت مبرمج مفطور على منهج الله، فإذا اصطلحت مع الله، وطبقت منهج الله، أنت اصطلحت مع فطرتك، ومع نفسك، السعادة التي لا توصف تتأتى بين هذا الصلح الذي بينك وبين فطرتك.
 الفطرة - والكلام دقيق - لا تعني أنك خير، لكن تعني أنك تحب الخير فقط، الفطرة لا تعني أنك لست شريراً لكن الفطرة تعني أنك تكره الشر، أحياناً الذين يسرقون كيف يقتسمون السرقة؟ بالعدل، مكارم الأخلاق فطرة.
 لكن أن تتخلق بهذه المكارم فهذه صبغة الله تعالى، قال:

﴿صِبغَةَ اللَّهِ ﴾

[سورة البقرة: ١٣٨]

 الصبغة، أن تكون خيراً، أن تكون كريماً.
 أن تحب الكرم فطرة، أن تكون كريماً صبغة، أن تحب العدل فطرة، أن تكون عادلاً صبغة، الفرق كبير، فالإنسان بعد أطوار بالإيمان يصطبغ بكمال الله، أما قبل ذلك فمفطور على حب الكمال، حب الشيء لا يعني أنك متمثل به، لذلك أدق تعريف المعروف تعرفه النفوس بفطرتها.
 بيت فيه شاب وأمه فقط، لا يوجد طعام أبداً، بعد حين وصل الشاب إلى طعام أكله وحده ولم يطعم أمه، هذا لم يلتق بإنسان بالأرض متعلق بالدين، لا قرأ إسلاماً، ولا غير إسلام، يشعر بضيق، هذا الضيق من أين جاء؟ من فطرته، الآية الدقيقة جداً:

﴿فَأَقِم وَجهَكَ لِلدّينِ حَنيفًا فِطرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها ﴾

[سورة الروم: ٣٠]

 أي أن تقيم وجهك للدين حنيفاً هكذا برمجت عليه، هكذا جبلت عليه، هكذا فطرت عليه،

﴿ فِطرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها لا تَبديلَ لِخَلقِ اللَّهِ ﴾

 لذلك السعادة التي يشعرها الإنسان حينما يصطلح مع الله هي أنه اصطلح مع فطرته، اصطلح مع ما جبل عليه، اصطلح مع ما برمج عليه، لذلك أكبر ثمرة من ثمار الإيمان هذه السعادة التي تتأتى بأنك اصطلحت مع فطرتك.
 إذاً المعروف تعرفه النفوس معرفة ابتدائية بفطرتها، والمنكر تنكره النفوس إنكاراً ابتداء من فطرتها.
 أيها الأخوة النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( البِرُّ حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ))

[ أخرجه مسلم والترمذي]

 يوجد بقال في الأرض يضيف الماء للحليب أمام الشاري؟ لا، بل بالغرفة الأخرى:

(( البِرُّ حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ))

[ أخرجه مسلم والترمذي]

تطبيق سنة النبي مأمن من عذاب الله :

 أيها الأخوة شيء آخر أحياناً يقول الله عز وجل:

﴿ بَل أَنتُم بَشَرٌ مِمَّن خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: ١٨]

 كيف؟ الآية الدقيقة:

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم ﴾

[سورة الأنفال: ٣٣]

 أخواننا الكرام؛ لو سألت إنساناً هل أنت جائع؟ يقول: لا، قل له: هل أنت سارق؟ يقول لك: ما كان لي أن أسرق، هذا مستحيل لا أقبله، هذا اسمه أشدّ أنواع النفي نفي الشأن لا نفي الحدث، اسمع الآية،

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم ﴾

 أي مستحيل وألف مستحيل أن نعذب والنبي فينا، ما معنى والنبي فينا؟ أي سنته مطبقة في حياتنا، إذا طبقنا سنة النبي الكريم في حياتنا مستحيل أن نعذب، الأمر بيدنا،

﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرونَ﴾

 إذاً أنت في بحبوحتين بحبوحة الاستغفار، وبحبوحة تطبيق منهج النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

 

تعريف القلب السليم :

 أخواننا الكرام:

﴿يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ وَلا بَنونَ ﴾

[سورة الشعراء: ٨٨]

 دقق:

﴿ إِلّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَليمٍ﴾

[سورة الشعراء: ٨٩]

 ما القلب السليم؟ العلماء قالوا: القلب السليم هو القلب الذي نجا من شهوة لا ترضي الله، قد تشتهي شيئاً أباحه الله، جائع، تتمنى الزواج، هذا مباح، حينما تشتهي شيئاً حرمه الله هذا مرض خبيث، أما حينما تشتهي شيئاً أحله الله فهذا طلب مشروع، لذلك في بعض الأحاديث في الجامع الصغير:" من طلب العفاف من الشباب حق على الله عز وجل أن يعينه" فلذلك دائماً وأبداً أنت حينما تتطلع إلى شيء شرعه الله أنت في بحبوحة المباح، لكن الأشياء التي أودعها الله فينا الشهوات ممكن أن تتحرك فيها مئة و ثمانين درجة، والمسموح به مئة درجة فقط، مادامت ضمن المئة درجة فأنت في بحبوحة، وأنت مع الله، وأنت وفق منهج الله.

 

من طبق تعليمات الصانع ضمن السلامة و السعادة :

 أريد أن أقنع الأخوة الشباب ليس في الإسلام حرمان، يوجد تنظيم، ومرة ثانية ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، إذاً ابحث عن طاعة الله.
 فكل حاجاتك متوافرة في هذا الدين العظيم، ويستطيع الإنسان أن يتفوق، وتنمو حياته، وتنمو سمعته، وتنمو أمواله وفق منهج الله عز وجل، هذا منهج الله من عند الله، وما من جهة تشتد الحاجة إلى تطبيق تعليماتها كالجهة الصانعة، فصانعك هو الله، والقرآن والسنة تعليمات الصانع، فإذا اتبعنا تعليمات الصانع نكون قد ضمنا السلامة والسعادة.
 إذاً الإنسان جبل على حب سلامته وسعادته، سلامته بالاستقامة، أشياء سلبية لم آكل مالاً حراماً، لم أغتب، والعمل الصالح إيجابي.
 الآن، أنت مفطور على سلامة وجودك، وعلى كمال وجودك، وعلى استمرار وجودك، السلامة بالاستقامة، والكمال بالعمل الصالح، والاستمرار بتربية أولادك، إنهم امتداد لك.