المنارات - قطر : 3 - معرفة الله من خلال معرفة أسمائه - اسم الله الجبار.

2017-03-28

التعرف إلى الله و الإقبال عليه :

 أوامر الله عز وجل معروفة، طلابنا درسوها في الابتدائي والإعدادي و الثانوي والجامعي، أحكام الصلاة والصيام والحج والزكاة والصدق والأمانة إلى آخره، فالأوامر بين أيدينا، أين المشكلة؟ إذا ضعفت معرفتنا بالآمر تفننا في معصيته، أما إذا صحت المعرفة تفانينا في طاعته، لذلك الأخوة الكرام الذين اقترحوا عليّ أن نقف وقوفاً متأنياً بأسماء الله الحسنى كان هذا الاقتراح مصيباً جداً، نحن في مرحلة نتعرف إلى الله، إلى خالقنا، إلى رب العالمين، إلى مسيرنا، إن عرفناه النتيجة الحتمية تفانينا في طاعته، أما إذا عرفنا الأمر فقط، ولم نعرف الآمر، تفننا في التقصير في أوامره، لذلك نحن في هذه السلسلة عن أسماء الله الحسنى، الله عز وجل قال:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ﴾

[ سورة الأعراف: 180 ]

 الأسماء الحسنى، قال تعالى:

﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

[ سورة الأعراف: 180 ]

 في الآية ملمح دقيق جداً أي أنت يا عبدي لن تستطيع أن تقبل عليّ إلا إذا تخلقت بأخلاق مستمدة من أسمائي الحسنى، الباء للاستعانة، فأنت تتعرف إلى الله عز وجل من خلال أسمائه الحسنى، هذه المعرفة تعينك على أن تقبل عليه، إذاً المرحلة المكية مرحلة التعريف بالآمر، هي أهم مرحلة، الآن لأنه اختلط الحابل بالنابل فلا بد من أن نرجع إلى السنة الأولى، من هو الله؟ لماذا خلقنا؟ أسماؤه الحسنى ما هي؟ صفاته العلا ما هي؟ ما معنى خالق؟ ما معنى رب؟ ما معنى مسير؟ فالوقوف بأناة عند معرفة أسماء الله الحسنى جزء من المرحلة المكية التي أرادها الله تعريفاً به وبدينه، لذلك نحن بدأنا عن الأسماء الحسنى، والاسم اليوم اسم الجبار.

 

الجبار اسم من أسماء الله الحسنى :

 أيها الأخوة؛ الآية تقول:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

[سورة الحشر: 23]

 الآية هذه فيها اسم الجبار، أخواننا الكرام؛ في لمحة لطيفة هناك صفات إذا نسبت للإنسان كانت صفات نقص، أما إذا نسبت إلى الواحد القهار فهي صفات حسنة، قال تعالى:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ﴾

[ سورة الأعراف: 180 ]

 الله جبار، لأنه كبير، لأنه خالق السموات والأرض، كن فيكون، زل فيزول، يعلم السر وأخفى، حياتنا بيده، كل شيء بيده، هو الجبار الكبير المتعال، فلذلك أن تنسب كل الأسماء الحسنى التي تليق بالله عز وجل هذا جزء من الدين، أن تعرف الآمر جزء أساسي من الدين، فنحن في هذه السلسلة سلسلة أسماء الله الحسنى نمشي على الطريق الذي رسمه الإسلام، وهو أن نعرف الآمر قبل الأمر، وفي مناسبات أخرى نتعرف إلى الأمر، إذاً اسم الجبار إذا نسب إلى الله فهذا من أسماء الله الحسنى لأنه قوي، لأنه خالق، لأنه رب مسير، إذاً هو الجبار، أما إذا نسب إلى مخلوق فهذه الصفة لا تليق به، لماذا؟ لأنه مخلوق من ضعف.

 

نقاط الضعف في الإنسان سلبية في ظاهرها وإيجابية في باطنها :

 يوجد ثلاث كلمات دقيقة جداً الله عز وجل عندما قال:

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 28]

 لم يا رب خلقتنا ضعفاء؟ هذه صفة في أصل خلقه، طبعاً خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه إلى الله، فإذا افتقر في ضعفه إلى الله أصبح قوياً، أنت قوي بالله إذا افتقرت إلى الله، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[سورة المعارج: 19]

 الهلع هو الخوف الشديد، هذا يدفعك إلى بابه لصالحك، لصالحك أن تكون ضعيفاً، لأنك إذا كنت ضعيفاً أقبلت عليه كي تكتسب القوة منه، أنت بالضعف تفتقر إليه، وبالافتقار إليه تكون قوياً، والهلع صفة سلبية بالإنسان لكن بالدين إيجابية، خوفك من الله سبب نجاتك، فالخوف أصل من أصول الدين، رأس الحكمة مخافة الله، أن تخاف القوي، الله قوي، أن تخاف العدل، أن تخاف الحكيم.
 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ خلق الإنسان ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، والله عز وجل قال:

﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾

[سورة الإسراء: 11]

 لأن الإنسان عندما يختار الهدف الآجل على حساب الهدف العاجل يرقى عند الله، الإنسان عجول يريد دنيا حاضرة بين يديه، يريد أن يستمتع بها، أما المؤمن فيختار الهدف البعيد، يختار الهدف الآجل لا العاجل، يرقى عند الله، ترقى عند الله إذا كنت ضعيفاً، بهذا الضعف تلتجئ إلى الله عز وجل، تكون قوياً تسعد بقوتك الناتجة عن التجائك إلى الله، وأنت عجول حينما اخترت الهدف الأخير البعيد ولم تعبأ بالشيء العاجل أنت خالفت الجانب النفسي في حياتك، الشيء أمامك، الشهوات بين يديك، ما الذي يضعف التدين؟ الشهوات بين يدي الناس، إذا أطلق بصره في النساء، إذا أكل المال الحرام، الشهوات بين يديك، أما المؤمن فيحسب حساباً لليوم الآخر، يختار الهدف البعيد، إذاً إذا اختار الهدف غير العجول، البعيد يرقى بهذا الاختيار، وهناك شيء آخر؛ هلوع، شديد الهلع، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[سورة المعارج: 19]

 لو لم يكن الإنسان هلوعاً ما تاب إلى الله، هذا الخوف الذي يدب في قلبه من شبح مصيبة يدفعه إلى الله عز وجل، كأن الله سبحانه وتعالى بخصائص الإنسان أراد سعادته، قال تعالى:

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 28]

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[سورة المعارج: 19]

﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾

[سورة الإسراء: 11]

 هي نقاط ضعف لكن سبب رقي الإنسان، للتقريب: جهاز كهربائي سعره مرتفع جداً، لماذا يوجد نقطة ضعف بالتيار تسمى الفيوز؟ لو جاء التيار قوياً جداً حرق الجهاز، هذه الوصلة الضعيفة هي صيانة للجهاز، فضعف هذه الوصلة إذا جاء التيار قوياً تسيح - تذوب - ينقطع التيار فيسلم الجهاز، فكأن نقاط الضعف في الإنسان الهلع والعجلة نقاط ضعف هي سلبية في ظاهرها، أما في باطنها فإيجابية لسعادة الإنسان.

 

التفكر بالموت يمنع الإنسان من أن يعصي الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ هل يعقل أن تقول: الإنسان جبار؟ هل معنى جبار أن بإمكانه أن يضمن استمرار حياته إلى ساعة واحدة؟ لم يعد جباراً، ما دام لا يضمن أن تستمر حياته ساعة واحدة، بثانية سبحانك يا رب يقول لك: موت مفاجئ، جلطة في الدماغ، خثرة في الشريان الفلاني، بثانية فقد الحياة، بتعبير معاصر: الإنسان سريع العطب، يكون له مكانة كبيرة، وله أموال منقولة وغير منقولة، ومنصب رفيع، ويستمتع بالحياة استمتاعاً كبيراً، وعنده بيت بالعاصمة في أرقى شوارعها، وبيت في المصيف، وبيت على البحر، ولقاءات، وسهرات، وولائم، توقف القلب انتهى كل شيء، مادام الإنسان كل شيء يملكه يخسره بثانية واحدة توقف القلب أليس من المعقول أن نبحث عن الهدف الأخير؟ أن نعمل للدار الآخرة؟ والله ما وجدت على وجه الأرض أعقل ممن يعمل للدار الآخرة، أنأ أقول: لا يوجد أبسط من أن تشيع جنازة، هذا الميت وضع في القبر، ألم يكن له منصب كبير؟ ألم يكن له دخل كبير؟ ألم يكن عنده بيت وسيارة ومكانة اجتماعية ولقاءات وسهرات وحفلات؟ أين هو الآن؟ هذه النقلة المفاجئة، لذلك التفكر في الموت أكبر حافز لنا لمعرفة الله، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 أيها الأخوة الكرام؛ والله من أعماق أعماقي أتمنى عليكم كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نفكر كل يوم بالموت، هذا التفكير ليس تشاؤمياً أبداً، تدرس تنال شهادة تتوظف تتزوج تشتري بيتاً، كله طبيعي، لكن الموت يمنعك أن تعصيه، التفكر بالموت يمنعك أن تعصي الله:

(( أكثروا من ذكر هادم اللذات ـ مفرق الأحباب ـ مشتت الجماعات ))

[الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]

العاقل من يفكر بساعة الموت و يعد لها عدتها :

 أيها الأخوة الكرام؛ معظم الناس تسأله عن أحواله يحدثك عن حاضره، وعن ماضيه، يقول لك: أنا مهندس، درست بالقاهرة، لماذا يغفل الناس المستقبل؟ لأن فيه حدثاً خطيراً هو مغادرة الدنيا، المغادرة شيء مخيف، تصور إنساناً حياته وسطى، يعيش في بيت وزوجة وأهل وأولاد وأصهار وكنائن وسهرات وولائم وسفريات وسياحة واجتماعات وحفلات، ثم إلى القبر، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 أقسم لكم بالله ما وجدت على سطح الأرض إنساناً أعقل ممن يفكر في هذه الساعة الحرجة ساعة الموت، والموت يستعد له بطاعة الله، وطاعة الله تحتاج إلى معرفة أمره، الإنسان متى يعالج نفسه من ضغط الدم المرتفع؟ بأي حالة؟ إذا علم أن ضغطه مرتفع بحاجة إذاً إلى مقياس ضغط، إذا الإنسان لم يعرف من هو، يا ترى هل دخله حلال؟ هل إنفاق دخله حلال؟ هل لقاءاته الاجتماعية حلال؟ هل تجوز أم لا تجوز؟ هل علاقاته مشروعة؟ يعيش الإنسان سبهللة، معنى هذا أنه غبي، هناك حساب دقيق، أحياناً الإنسان تأتيه ورقة من جهة قوية: تعال غداً، لا ينام طوال الليل، إنسان طلبك لا تنام، والواحد الديان سوف يطلبك يحاسبك عن مالك من أين اكتسبته؟ فيم أنفقته؟ ماذا فعلت بعقلك؟ ماذا فعلت بشهواتك؟ ماذا فعلت بأولادك؟ هل علمتهم؟ هل دربتهم؟ هل ربيتهم تربية إسلامية؟ والله يوجد مليون سؤال، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

 أيها الأخوة الكرام؛ لا يوجد شيء بعيد عنكم، الفشل الكلوي صعب جداً، كل أسبوع يغسل الإنسان مرتين، وكل مرة ثماني ساعات لتنقية الدم، فشل كلوي، خثرة بالدماغ شلل، بمكان فقد ذاكرة، أي كل مكانة الإنسان وهيمنته ونجاحه في الحياة وأدبياته العالية مربوطة بقطر الشريان التاجي، هذا قطره ميلمتر وثلث، إذا نزل عن الميلي أصيب بذبحة صدرية وألم في الصدر، وألم في اليد اليسرى، ومتاعب لا يستطيع أن يمشي، يصعد الدرج يلهث، دخل في متاهة إذا نزل قطر الشريان التاجي عن الميلمتر والثلث.
 أيها الأخوة الكرام؛ هذه واقعية أنا أقول كلمة دقيقة عندما تكون واقعياً تنجو، يجب أن تفكر بالسلبيات لا بشكل تشاؤمي بل بشكل واقعي، أنا أستطيع أن أعيش هكذا كما أنا؟! لا، يوجد موت، و مغادرة، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.

 

عدم استواء المؤمن مع الفاسق :

 أنا أريد أن أقول: السلبيات لا عن تشاؤم بل عن واقع، فأنت كل مكانتك مبنية على قطر شريانك التاجي، ميلمتر وثلث، أو على سيولة الدم، لو تخثر الدم بشريان أصيب الإنسان بجلطة، أنا أقول: الإنسان إذا اصطلح مع الله، وأقبل عليه تائباً منيباً طائعاً محباً، يتقرب إليه بالعمل الصالح، تأتي الآيات:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية:21]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص :61 ]

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾

[سورة السجدة:18]

 شيء مخيف المفارقة بين الآيتين كبيرة جداً، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

 آمن بالله خالقاً، مربياً، مسيراً، آمن بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، استقام على أمره، أقبل عليه، أحسن إلى خلقه، ضبط بيته، ربى أولاده، هذا الإنسان يستوي مع إنسان متفلت؟ قال تعالى:

﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

ضرورة معرفة الله و الاصطلاح معه لأن حياتنا بيده :

 أيها الأخوة الكرام؛ أحياناً أعرف شخصاً يتمتع بذكاء يفوق حدّ الخيال، صحة جيدة، ذكاء متألق، طالب طب سنة رابعة على وشك التخرج، فجأة شحب لونه، ضعف جسمه، التقى بالأطباء أي الأمر معقد جداً، ثم كشف أن الطحال يقوم بنشاط زائد، ما هو الطحال؟ غدة هي مقبرة كريات الدم الحمراء، ومعمل لتوليد كريات الدم الحمراء، ومخابر ثانية، هذا الطحال عندما يجمع كريات الدم الحمراء يعيد تصنيعها ويرسلها إلى نقي العظام، أيها الأخوة الكرام؛ بكل ثانية يموت مليونان وخمسمئة ألف كرية حمراء، وفي كل ثانية يولد مليونان ومئتان وخمسون ألف كرية حمراء، وهذه الكريات سبب نشاطنا، تضعف أو تتنشط، فالطحال يصنع الكريات، والطحال مقبرة لهذه الكريات، هذا الطحال.
 هناك شيء دقيق جداً فيه هدم وفيه بناء، هذا الأخ الذي يتمتع بذكاء عال جداً، وله مكانة كبيرة، فجأة طحاله تضخم، وصار يقتل الكرية الصحيحة، نشاط زائد، يأخذ الكرية الميتة ويحللها إلى مكوناتها وهيموغلوبين وحديد، ويرسل الحديد إلى نقي العظام، و الهيموغلوبين يصبح صفراء، صار الطحال بنشاط زائد يأخذ الخلية الصحيحة ويقتلها، لذلك فقد شحب لونه واصفر، وخلال أشهر كان من عداد الموتى.
 إذاً حياتنا متوقفة على نشاط معتدل للطحال، النشاط زاد فقدنا حياتنا، أقسم لكم بالله لا أبالغ يوجد مليون سبب يبدو لك تافهاً ينهي حياتك، أنت تعيش برحمة الله، بتوفيق الله، هذا الإله الذي بيده حياتك، بيده مماتك، بيده صحتك، بيده سعادتك، ألا ينبغي أن تعرفه؟ أن تصطلح معه؟

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 أيها الأخوة الكرام؛ مثلاً والله أنا عندما أسمع بالأمراض والله شيء مخيف، يوجد مرض اسمه فقر الدم اللا مصنع، الكريات الحمراء تتوقف ولادتها بخلل في نقي العظام، من يضمن ألا يأتيه مرض؟ أنا لست متشائماً، لكن هذه الحياة فيها مطبات كثيرة جداً، أنت ماذا تملك؟ تملك أن تعتصم بالله، كل شيء بيده، والإله خلقنا ليسعدنا، خلقنا كي نعبده، إذا أنت فتحت مع الله صفحة جديدة ضبطت دخلك، إنفاقك، علاقاتك الاجتماعية، أتقنت عملك، خدمت المسلمين، دعوت إلى الله، تعلمت القرآن، هذا العمل الطيب، أنت أمام أبواب للخير لا يعلمها إلا الله، لذلك نبدأ من أن نعرف أنفسنا بهذا الإله العظيم من خلال خلقه، الكون ما سوى الله، يدل على الله، يدل عليه موجوداً وواحداً وكاملاً.
 أيها الأخوة الكرام؛ والله قد لا تصدقون حجم الخثرة لا ترى بالعين، تسد شرياناً متعلقاً بالذاكرة، يفقد الإنسان ذاكرته، تسد شرياناً متعلقاً بالحركة يصاب الإنسان بالشلل، متعلقاً بالسمع يفقد سمعه، هناك دقة بالغة في خلق الإنسان، الشرايين لا ترى بالعين، والخثرة لا ترى بالعين، لكن هناك شرياناً فرعياً متعلقاً بالسمع، يفقد سمعه، بالبصر فقد بصره، نحن ضمن رحمة الله، نحن نرتبط بالله عز وجل ارتباطاً وجودياً، هذا الإله العظيم ألا ينبغي أن نعرفه وأن نطيعه وأن نحبه؟ مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، و مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعتـــه  إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *

 أيها الأخوة الكرام؛ أحياناً نصف الإنسان بصفة هي مذمة له إذا كان جباراً، متكبراً، متعجرفاً، مهيمناً، لا يرحم، لا يسامح، لا يعفو، منتقم جبار، لذلك في الأرض جبابرة، أما الجبار فهو الله، يا الله، يجبر القلوب، يجبر الخواطر، هذه من أفعال الله عز وجل، هناك اسم لله جبار و اسم لإنسان جبار بينهما بون شاسع.

 

من معاني اسم الله الجبار :

 أيها الأخوة الكرام؛ أحياناً نقول: هذا الرجل ينفق من ماله صفة مدح، لو الزوجة تنفق من مال زوجها بلا أذنه، ولأشياء تافهة، الإنفاق بالمرأة ذم، بالرجل صفة مدح، وبالمرأة صفة ذم، إذاً لا بد أن أن نعرف الصفات التي تليق بالله عز وجل.
 أول شيء هذا الاسم له معان عديدة: أول معنى الجبار هو العالي الذي لا ينال، نقول: نخلة جبارة، أي عالية، لشدة ارتفاعها، يصعب أن تقطف ثمارها، نقول: ناقة جبارة لا نستطيع أن نركبها عالية جداً، جبار أي عال هذا معنى من معاني الجبار والإنسان قد يكون جباراً، قال تعالى:

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾

[ سورة المائدة : 22]

 وهناك أشخاص أقوياء عظماء أشداء، عندهم صفات الجبابرة، لذلك هذه الصفة بالإنسان ذم، بالواحد الديان مديح، الله جبار، أي يسعد الإنسان، جبار يكرمه، يجبر كسره، فقير يغنيه، خائف يؤمنه، مريض يعافيه، من أسماء الجبار هكذا، المصلح لعباده، هو قوي، هذه صفة.
 الصفة الثانية: مصلح لعباده، أنت مع الجبار هو يرحم، الجبار يغني، يعطي، يوفق، هذه كلها من اسم الجبار.
 شيء آخر، الجبار لا نستطيع أن نحيط به، أنت يمكن أن تصل إليه لكن مستحيل أن تحيط به، تصل إليه مثل البحر، راكب سيارتك قدتها إلى شاطئ البحر، السيارة نقلتك إلى البحر لكن لا تستطيع أن تخوض البحر بها، فالعقل يصل إلى الله ولا يحيط به، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

[ سورة البقرة: 255 ]

 لذلك لو أن شخصاً وقف أمام المتوسط وسأله شخص آخر: هذا البحر كم لتراً؟ ما قولكم بهذا السؤال؟ أي رقم يقوله يكون خاطئاً، متى يكون عالماً؟ إذا قال: لا أعلم، أي إنسان قال لك: ثمانية وثلاثين ملياراً وسبعمئة وخمسة وستين، يكون كاذباً، أي رقم تذكره غلط، أما الرقم الصحيح فأن تقول: لا أدري، وقيل مع الله نصف العلم لا أدري، لا أدري قمة العلم، الله عز وجل لا يحاط به، ولا العقول تحيط به لكن تصل إليه، والفرق واضح، بمركبتك وصلت إلى شاطئ البحر، لكن بهذه المركبة لا تستطيع أن تخوض البحر، لذلك قالوا: عين الجهل به أن تقول: لا أعلم، هو عين العلم به، وعين العلم به عين الجهل به، ما الله؟ لا أعلم، وسام شرف، مع شيء آخر وسام ضعف، وقالوا أيضاً: العجز عن إدراك الإدراك إدراك، وإذا قلت لا أعلم هذه صفة علماء، عود نفسك أن تقول لا أعلم، هذا وسام شرف، نصف العلم لا أدري، إذا قلت: لا أعرف أنت عالم، أما هذا الذي يعلم كل شيء فقطعاً لا يعلم شيئاً، صار هناك كبر يجب أن يجيب.
 شخص كلما طرح عليه قضية يقول: للمسألة قولان، فهناك إنسان خبيث سأله: أفي الله شك؟ قال له: في المسألة قولان، فنال نصيبة من الضرب، ليس كل سؤال جوابه تقليدي، هناك سؤال جوابه دقيق.
 من معاني اسم الجبار الإله العظيم الذي لا تناله الأفكار، ولا تحيط به الأبصار، ولا يصل إلى كنهه العقول في الليل ولا في النهار، وهو من صفات التنزيه، هذا أول معنى من اسم الجبار، وهناك معنى آخر العوام يقولون: جبار الخواطر، فلان جبر خاطر فلان، أي كان في ضائقة مالية أكرمه بمال فجبر خاطره، و هناك جابر عثرات الكرام.
 يوجد قول رائع جداً: ما عبد الله في الأرض بأفضل من جبر الخواطر، إنسان وضع ثقته فيك طلب منك مساعدة، وأنت قادر، وهو أمين، اجبر خاطره، لأن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، ما عبد الله في الأرض بأفضل من جبر الخواطر.
 جبر العظم أي عالجه، الجبار بالمعنى الثاني المصلح للأمور، فكلما حصل أمر هناك مشكلة، إن سلم شيء تهدم شيء، لذلك يأتي خالق الأكوان وهو الجبار يرأب الصدع، جبار يلم الشمل، جبار يغني الفقير، جبار يجبر الكثير، جبار يعطي المحروم، جبار يرفع الذليل، فكلما جئت إلى الله خاضعاً منكسراً جبرك، هذه القاعدة تعلموها، الإله العظيم لا يمكن أن يعطيك شيئاً إلا إذا كنت مفتقراً إليه، الصحابة نخبة البشر في بدر افتقروا فانتصروا، هم هم في حنين اعتدوا بعدتهم فلم ينتصروا، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 25 ]

 إذاً الصحابة نخبة الخلق في بدر افتقروا فانتصروا، في حنين اعتدوا بعددهم لم ينتصروا، يغني الفقير، يجبر الكثير، يعطي المحروم، يرفع الذليل، وكلما جئت إلى الله خاضعاً منكسراً جبرك، وكلما جئته من باب الخضوع والتذلل والانكسار جبر كسرك، رأب صدعك، قوى ضعفك، وأغنى فقرك، وأعز ملكك، وهزم الأحزاب وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده.
 الآن من معاني الجبار أنه كثير الجبر، نوعاً وكماً، كماً أطعم ألف فقير، عمل وجبات غذائية في رمضان، أو أعطى إنساناً ثمن بيت، إما كماً أو نوعاً.
 أيها الأخوة؛ إن جبر الفقير أغناه، إن جبر المريض شفاه، إن جبر الذليل أعزه، إن جبر الضعيف قواه، إن جبر الخائف أمنه، فالجابر هو المصلح، والجبار كثير الإصلاح كماً ونوعاً، التجار ماذا يقولون؟ يا جبار، اشترى بضاعة، أين راحته النفسية؟ في بيعها، يا جبار اجبر هذه البضاعة.

 

من لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً :

 أيها الأخوة الكرام؛ الآن الآية تقول:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 24 ]

 هنا الآية دقيقة جداً،

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

 تربصوا انتظروا، أين مركز الثقل بالآية؟ الفاسقون، ما دام هناك معصية الخروج عن طاعة الله، ومادام هناك معصية إذاً لا يوجد هداية، لا يوجد توفيق، أريد أن أقول كلمة من الأخير: ما لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، و الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، ما لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، دين من دون استقامة فولكلور، فولكلور شرقي، ومع الأسف الشديد القرآن قرئ في باريس على أنه فولكلور شرقي، أو يقول: خلفية دينية، عنده أرضية دينية، عنده عواطف إسلامية، أريد مسلماً، من هو المسلم؟ طبق منهج الله، هذا المنهج يغطي حياة الإنسان من أدق تفاصيلها، من العلاقات الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، أكبر خطأ تتوهم أن الإسلام صوم وصلاة وحج وزكاة، هذه عبادات شعائرية، وهناك عبادات تعاملية، والتعاملية خطيرة جداً، مثلاً الإنسان إن لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 هنا الصلاة انتهت:

(( .....وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

 الحج: " من حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب ونادى: لبيك اللهم لبيك نودي أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك". هذا الحج، الصيام:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 الزكاة، قال تعالى:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53 ]

 الآن الشهادة:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 هذه خمس آيات وخمسة شواهد وأدلة قطعية، العبادات الشعائرية الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادة لا تقطف ثمارها ولا تصح ولا يستفاد منها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، التعاملية أين نجدها؟ النجاشي عندما التقى سيدنا جعفر رضي الله عنه قال: حدثني عن هذا الدين؟ فقال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 هذا الإسلام؛ الصلاة والصوم والحج والزكاة، كل واحدة لها شرط، إذا حج بمال حرام غير مقبول، قال: لا إله إلا الله لكن لم يقلها بحقها ما استقام على أمر الله، أدى زكاته لكن ما ترك بعض المعاصي والآثام، هذا الدين عظمته إما أن تأخذ به كله، أو أنك لن تقطف من ثماره شيئاً.

 

الدين الإسلامي فردي و جماعي معاً :

 أنتم ألا تقرؤون القرآن؟ طبعاً تقرؤون، قال تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

 المؤمنون الآن مليار وثمانمئة مليون، هل كلمتهم عليا في الأرض أم يواجهون حرباً عالمية ثالثة كانت تحت الطاولة الآن فوق الطاولة؟ هناك مشكلة كبيرة، الوقائع لا تتناسب مع النصوص، هناك خلل كبير في حياتنا، أنا أتمنى على الإنسان أن يعرف أين الخلل، وبالمناسبة عظمة هذا الدين أنه دين فردي جماعي، لو طبقته وحدك في البيت، ماذا قال تعالى؟

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء : 147]

 إذا أنت آمنت وشكرت الكون مسخر لك تسخير تعريف وتكريم، الموقف الكامل من تسخير التعريف أن تؤمن بالله، الموقف الكامل من تسخير التكريم أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك وعندئذ تتوقف جميع المعالجات الإلهية، وينتهي الأمر.

 

الدين يرقى بالإنسان إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ الدين شيء دقيق جداً، هو المسعد، هو الحافظ، هو الذي يرقى بك إلى الله، والله أكاد أقول كلمة أرجو الله أن تسامحوني بها: إن لم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني عندك بالإيمان مشكلة، لماذا؟ أنت مع من؟ مع الخالق، مع خالق السموات والأرض، مع العليم، مع الحكيم، مع الرحيم، مع القوي، مع المعز، أنت مع الله، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟
 أيها الأخوة الكرام؛ من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: يا جابر كل كثير، الحزانى في كنف الله:

(( ‏إن الله تعالى يحب كل قلب حزين ))

[ الطبراني والحاكم عن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ تصحيح السيوطي : حسن‏ ]

 الحزانى معرضون للرحمة.
 فيا أيها الأخوة الكرام؛ هذا الاسم يرقق مشاعرنا، هذا الاسم ينمي أعمالنا الصالحة، هذا الاسم يخلق فينا التواضع، هذا الاسم يجعل الطريق إلى الله سالكاً، هذا الاسم دائماً وأبداً مسعد لكل إنسان، والله أتمنى أن تكون الأسماء الحسنى كلها مدروسة دراسة مفصلة تماماً لأن الله عز وجل معين، حكيم، فالإنسان إن عرف أسماء الله الحسنى كلها، وأقبل عليه يسعد في الدنيا و الآخرة، فأنت دائماً تسعد بإنسان لطيف معك، الله لطيف، أحد العارفين بالله قال:

فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنــــــــــــا
***

من خطب ود الله فالله يخطب وده :

 يوجد نقطة دقيقة أختم بها هذا اللقاء الطيب: أنت حينما تخطب ود الله بقيام ليل، بغض بصر، بدفع صدقة، أنت إذا خطبت ود الله تأكد يقيناً أن الله يخطب ودك، إله كريم أنت تتقرب منه، وهو بالتالي وهو الإله العظيم يوفقك في دراستك، في إدارة بيتك، في علاقتك مع الآخرين، بصحتك، إذا أعطى أدهش، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟