الدرس : 226 - السنة النبوية عند العلماء هي أقواله وأفعاله وإقراره وصفاته.

2016-07-05

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

السنة النبوية هي أقوال النبي وأفعاله وإقراره :

 أيها الأخوة الكرام؛ النبي صلى الله عليه وسلم له سنة؛ سنته أقواله التي قالها، النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، قال تعالى:

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4]

 فكلامه سنة، كلامه قانون، كلامه تعليمات الصانع، كلامه توجيه صحيح، كلامه معصوم أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، الآن أقواله سنة، وأفعاله سنة، شيء فعله النبي إذاً هو تشريع، ما فعله نهي، أقواله وأفعاله، وهناك بند ثالث إقراره، إقراره إذا تكلم إنسان أمامه وسكت النبي سكوت النبي إقرار لهذا المتكلم، لكن لو كان الكلام غير صحيح لا يسكت النبي، مرة أحد الصحابة الكرام الذين خاضوا معه الغزوات مات، ومن عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يزور الصحابي المتوفى في بيته قبل تشييعه إلى القبر:

(( ... فقلت: يا عثمان بن مظعون رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله... ))

[الحاكم عن أم العلاء الأنصارية ]

 لو سكت النبي صلى الله عليه وسلم لكان كلامها صحيحاً:

(( ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟... أما هو فقد جاءه اليقين فو الله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي، قالت: فوالله ما أزكي بعده أحداً أبداً ))

[الحاكم عن أم العلاء الأنصارية]

 فاستنبط أن الإنسان المؤمن الصادق لا ينبغي أن يصدر أحكاماً قطعية مستقبلية، هذا من شأن الله وحده، أنت قد ترى إنساناً عاصياً هو الآن عاص لكن قد يتوب ويسبقك، فلا تحكم على الأشخاص إطلاقاً، دع أمرهم لله، ودائماً وأبداً قل: هذا من شأن الله وحده، والدليل قوله تعالى:

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾

[سورة الإسراء:17]

نور الدين الزنكي بطل مسلم وهو نموذج للقائد المؤمن الشجاع :

 هناك أقوال، وهناك أفعال، وهناك إقرار، بقي شيء واحد، هناك نموذج بشري، يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا وكذا، المؤمن نموذج، عندنا بطل مسلم يعد نموذجاً للقائد المؤمن الشجاع، هذا البطل المسلم أذاق الفرنجة هزائم متتالية، وأرعبهم وكان يقول: إني لأستحي من الله تعالى أن يراني مبتسماً والمسلمون محاصرون من الفرنجة، يستحي، ما كان يبتسم إطلاقاً، هو البطل القائد الذي علم صلاح الدين الأيوبي فنون النزال والفروسية، شيخه، إنه نور الدين الشهيد.
 أما عن شجاعته فيقال إنه لم ير على ظهر فرس أشجع ولا أثبت منه، الشجاعة بطولة.
 وقال له يوماً الإمام الفقيه قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك؛ فإنك لو قُتلت قُتل جميع من معك، وأخذت البلاد، وفسد المسلمون، فقال له: اسكت يا قطب الدين، فإن قولك إساءة أدب مع الله، ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ من أنا؟- انظر إلى التواضع- قال: فبكى من كان حاضراً رحمه الله، إنه البطل نور الدين محمود الزنكي.

 

حياة نور الدين الزنكي :

 الاسم المشاع نور الدين الشهيد، رباه أبوه على الفروسية، وزرع فيه الشجاعة، وعلمه القرآن، وكان رحمه الله محباً للسنة، عاملاً بها، وكان زاهداً عابداً لا يحب حياة الترف، وكان مؤمناً بالنصر على الفرنجة وانتزاع الأقصى.
 هناك كلمة دقيقة: أحياناً بالمجالس تكون الأخبار كلها سلبية عن المسلمين في العالم، هنا يوجد هزيمة، هنا يوجد بلد محتل، هنا فرق ضالة تسيطر على هذه المدينة، تتالي الهزائم والنكسات تسبب ثقافة اسمها: ثقافة اليأس والإحباط والطريق المسدود، هذه الثقافة انتشرت في أطياف المسلمين، من ثمار هذه الثقافة أو من سلبيات هذه الثقافة اليأس والإحباط والطريق المسدود، لم يعد هناك أحد يصدق أي إنجاز في العالم الإسلامي، تمثيلية، مؤامرة، لم يعد أحد يصدق أي إنجاز ولو كان حقيقياً، هذه من ثمار ثقافة اليأس والإحباط والطريق المسدود، لكن الله عز وجل أراد أن يشحننا بثقة جديدة، هذه شحنة إلهية، انهيار النظام النقدي العالمي في الغرب شحنة من شحن الإيمان، ظهور بلد كان يحارب الدين أصبح ناصراً للدين شحنة ثانية، انتصار فئة قليلة في فلسطين وصنع طائرة وقصف أعلى برج في تل أبيب شحنة ثالثة، هذه الشحنات شحنات إيمانية من الله عز وجل، وكأن الله يقول: لا تقنطوا أنا موجود، اصطلحوا معي، الأمر بيد الله عز وجل، والله قادر، أضعف فئة في الأرض ممكن أن تصنع طائرة، وأن تطير فوق عاصمة إسرائيل، وأن تقصف أعلى برج، وأن تصنع صواريخ دقة إصابتها مذهلة، هذا درس لنا كلنا، الله موجود، اليأس ليس من صفات المؤمنين، مثلاً إنسان أهدر دمه - النبي صلى الله عليه وسلم- ووضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، هل هناك شيء أصعب من ذلك؟ أي إنسان قوي قبض عليه، سلمه للدولة يحال إلى المحاكمة رأساً، مهدور دمه، فالنبي أهدر دمه، ووضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، في أثناء الهجرة تبعه سراقة، لينال الجائزة يقتله أو يأسره، فقال له النبي الكريم: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ إنسان مهدور دمه، ملاحق، ووضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، وهو واثق من نصر الله، أنا سأصل إلى المدينة سالماً، هذه ثقته بالله، وسأنشئ دولة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب أكبر دولتين في العالم، وسأنتصر عليهما، وسوف تأتي إلى المدينة غنائم كسرى، و لك يا سراقة سوار كسرى، أين تقول لي: انتهينا؟ هذه أمة، أنا أقول لكم يا أخوان: لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله، ولكن لنقلق جميعاً ما إذا سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً له، اقلق على نفسك فقط، لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، بل اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له، فلذلك الله عز وجل ينصر دينه بأشياء منوعة جداً، أحياناً زلزال يهلك القوم، أحياناً يرتكبون أخطاء فاحشة فينهزمون، أحياناً يقذف الله في قلب المؤمنين شجاعة تفوق حدّ الخيال، الحقيقة التاريخ الإسلامي شيء عجيب، ثلاثون ألفاً أمام ثلاثمئة ألف، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟
 كان هذا الإنسان العظيم زاهداً عابداً، لا يحب حياة الترف، وكان مؤمناً بالنصر على الفرنجة، وانتزاع الأقصى من أيديهم، لدرجة أنه صنع منبراً ليعلوه الخطيب بعد فتح القدس، ما هذا التفاؤل؟! والمنبر إلى الآن موجود بالقدس، من أتقن المنابر في العالم الإسلامي، صنع هذا المنبر ليصعده خطيب القدس بعد فتح القدس، ليلقي من عليه الخطبة.
 وامتد سلطانه رحمه الله إلى بلاد الشام ومصر وقسم من العراق، صارت دولته دولة عظمى، امتدت لتشمل بلاد الشام ومصر وأجزاء من الجزيرة والأناضول، وعلى الرغم من اتساع ملكه وعظمة سلطانه إلا أنه كان يتوسل إلى الله قبل كل معركة، ففي ليلة من الليالي خرج نور الدين إلى فناء ﻣﻬﺠﻮﺭ، ابتعد عن بيته، وسجد على الأرض ولطخ رأسه بالتراب، وأخذ يبكي ويدعو الله بانكسار، ويقول: اللهم إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر، إن نصرت الجنود نصرت دينك، لأن محمود قد يكون غير مستحق للنصر، ومن الكلب المحمود حتى ينصر؟ هكذا قال عن نفسه، انظر التواضع، ومن الكلب محمود حتى ينتصر؟
 لذلك شيخ كبير من شيوخ المسلمين الكبار رأى في المنام النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أعلم نور الدين أن الفرنج قد رحلوا عن دمياط، فقال: يا رسول الله ربما لا يصدقني فاذكر له علامة يعرفها؟ فقال له: قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم وقلت: يا رب انصر دينك ولا تنصر محموداً فمن هو محمود الكلب حتى تنصره؟ هذه العلامة، قال: بهت ونزلت إلى المسجد الذي كان يقوم فيه نور الدين قيام الليل، حتى أصلي الصبح عنده فأخبرته بالمنام، وذكرت له العلامة، إلا أنني لم أذكر كلمة كلب، فقال له نور الدين: اذكر العلامة كلها، فاستحى الشيخ فألح عليه في ذلك فقالها، فبكى رحمه الله، وصدق الله الرؤيا، فجاء الخبر برحيل الفرنج عن دمياط.
 هؤلاء نماذج من قادة المسلمين؛ التواضع، والتوحيد، والخضوع لله عز وجل ثمن النصر، عفواً من هم الصحابة؟ علية القوم في بدر افتقروا فانتصروا، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 هم هم، وهم نخبة البشر في حنين لم ينتصروا، قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 25 ]

التولي و التخلي :

 الآن نريد درسين بليغين حاكمين من هذه القصص، أنت كل يوم تقول: أنا بخبرتي، بمعلوماتي، أحمل الشهادة الفلانية، بتراكم خبراتي، لا تنتصر، قل: الله، تنتصر، ملخص الملخص، تقول: أنا، يتخلى عنك، تقول: الله، يتولاك، مثل بسيط قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 أنت، أنت يا محمد، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

الدعاء و الافتقار الدائم إلى الله عز وجل :

 أخواننا؛ أكثركم لكم وظائف، بعضكم أطباء بعضكم تجار، افتقر إلى الله، والله قبل أن أقدم على أي عمل: اللهم إني تبرأت من حول وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين.
 أحياناً أعدله: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك يا ذا القوة المتين، الطبيب والمدرس والمحامي والتاجر، للتاجر يا رب اجعل فيها الفرج، اجبرها عني، مادام هناك دعاء إذاً هناك قرب من الله، أنا أرى أن قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[ سورة المعارج: 23]

 هو الدعاء،ـ أنت بالدعاء تصلي، نوع من الصلاة، تتوجه إلى الله قبل الدخول إلى الصف إن كنت مدرساً، قبل البدء بالعملية الجراحية إن كنت طبيباً جراحاً، قبل عمل صفقة إن كنت تاجراً، إني تبرأت من حول وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين، قبل أن تدخل البيت اسأل الله أن يكون هذا الدخول مباركاً، قبل الخروج من البيت، أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد، عود نفسك على الدعاء المستمر، بالدعاء المستمر أنت مع الله دائماً، إنسان سافر يا ترى ممكن أن يقع حدث في بيته في غيابه؟ أحياناً ماء ساخن يصيب وجه ابنه، الوجه تشوه طوال حياته، وإن كانت بنت فالمشكلة أكبر، اللهم أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد، عود نفسك على الدعاء المستمر، اسأل ربك حاجتك كلها حتى شسع نعلك إذا انقطع، شسع النعل يا رب تيسر لي إصلاحه، عود نفسك قبل أن تتاجر، قبل أن تعمل صفقة، قبل أن تلقي درساً، قبل أن تعالج مريضاً، قبل أي عمل جراحي افتقر إلى الله عز وجل.
 أذكر قصة نادرة جداً في بلد عربي طبيب جراح ومشهور جداً، مرة ذكر أمامه أسماء أطباء جراحين، فقال كلمة فيها عجرفة وكبر لا تحتمل، عمل عملاً جراحياً ارتكب خطأ لا يرتكبه طالب الطب، وهو الإنسان الوحيد بهذا البلد سحبت منه الدكتوراه، اعتبر كل الجراحين الآخرين بهائم، فارتكب خطأ بعمله الجراحي اقتضى سحب الشهادة منه، والآن بلا شهادة، لا تقل: أنا، قل: الله، اللهم وفقني، وفقني بهذا الزواج، وفقني بهذا العمل، وفقني بهذا التصرف، دائماً كن موحداً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، إذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ ويا ربي ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.