الدرس : 225 - المؤمن القوي خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف.

2016-07-04

بطولة الإنسان أن ينجح في الابتلاء :

 أيها الأخوة الكرام؛ ورد في الأثر النبوي:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 القوي خياراته في العمل الصالح كبيرة جداً، إلا أن القوة أنواع، هناك التوحيد قوة، لا ييئس، لا يستخزي، لا يتفلت، التوحيد قوة، والعلم قوة، والعبادة قوة، قصة من أغرب القصص، رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه جليبيب، رجل فقير، معدوم، عليه أسمال بالية، جائع البطن، حافي القدمين، مغمور النسب، لا جاه، ولا مال، ولا عشيرة، ليس له بيت يأوي إليه، ولا أثاث في البيت، ولا متاع، يشرب من الحياض العامة بكفيه مع الواردين، ينام في المسجد، وسادته ذراعه، فراشه الأرض، لحافه السماء، هل هناك أقل من هذا مرتبة في الدنيا؟ أي هو في الدرجة الدنيا الدنيا الدنيا، وفوق كل ذلك في وجهه دمامة- تشوه بوجهه- لكنه صاحب ذكر لله، وتلاوة لكتاب الله، لا يغيب عن الصف الأول في كل الصلوات، ولا في كل الغزوات، ويكثر من الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم.
 أي هو واحد من الطبقة الدنيا الدنيا من المجتمع، لا يملك شيئاً، ولا بيتاً، ولا مأوىً، ولا ثياباً، ولا طعاماً، ولا شراباً، ولا وسامةً، قال له النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم: يا جُليبيب، ألا تتزوج؟ فقال: يا رسول الله ومن يزوجني؟ أي شبه مستحيل أن يتزوج، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا أزوجك يا جُليبيب.
 كي تعرفوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أقول دائماً: لو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه اليوم ما خرج الإسلام من مكة، أما أن يصل إلى الصين إلى مشارف باريس إلى بواتييه فهذا شيء عظيم.
 فقال: يا رسول الله ومن يزوجني؟ طبعاً هو من أصحاب رسول الله، ويجب أن نعلم من هم أصحاب رسول الله، فقال جُليبيب للنبي الكريم: إذاً تجدني كاسداً يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: غير أنك عند الله لست بكاسد.
 أذكر أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقير جداً فالنبي بشّ له ورحب به ترحيباً شديداً و قال له: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال له: أنا؟ قال له: أنت، قال له: أو مثلي؟ قال له: نعم يا أخي، أنت خامل في الأرض، علم في السماء.
 كل واحد منا علاقته مع الله قد يعاني ما يعاني من ضيق ذات اليد، من ضعف، من قلة في المال، قلة في الجاه، أما طريق التفوق عند الله فواضح.
 لذلك دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وقد توفي زوج ابنته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ليتزوجها، فقال له النبي: نعم، عندما قال له: نعم، اختل توازنه، ابنته التي توفي زوجها ستغدو بعد حين زوجة رسول الله، ولكن قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أتزوجها أنا، فسأله الأب: لمن يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أزوجها جُليبيباً، الأب لم يتوقع هذا، تصور إنساناً لا يملك شيئاً، لا يملك بيتاً ولا مالاً ولا حرفة ولا مصلحة ولا جمالاً، فقال ذلك الرجل: يا رسول الله تزوجها لجُليبيب؟ انتظر حتى أستأمر أمها- يريد أن ينسحب كيف ينسحب؟- ثم مضى إلى أمها، وقال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إليك ابنتك، قالت: نعم لرسول الله، ومن يرد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال لها زوجها: إنه لا يريدها لنفسه، قالت: لمن؟ قال: يريدها لجُليبيب، قالت: لجُليبيب؟! لا لعمر الله، لا أزوج جُليبيباً، وقد منعناها فلاناً وفلاناً، فاغتم أبوها اغتماماً شديداً، ثم قام ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فصاحت الفتاة من خدرها، وقالت لأبويها: من خطبني إليكما؟ قال الأب: خطبك رسول الله، قالت: أفتردان على رسول الله أمره؟ أي هل من المعقول أن يرد أمر النبي عليه الصلاة والسلام؟ هكذا كان أصحاب رسول الله، ادفعاني إلى رسول الله، أنا موافقة، فإنه لن يضيعني، وافقت البنت، جُليبيب كما قلت قبل قليل، لا يوجد أدنى منه في المدينة، إنسان فقير، يعيش في الطرقات، ثم ذهب إلى النبي الكريم وقال: يا رسول الله شأنك بها، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جُليبيباً ثم زوجه إياها، ورفع النبي صلى الله عليه وسلم كفيه الشريفتين، وقال: اللهم صب عليهما الخير صباً- على جُليبيب وعلى زوجته- ولا تجعل عيشهما كداً، ثم لم يمض على زواجهما عدة أيام حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في غزوة، وخرج معه جُليبيب.
 فلما انتهى القتال اجتمع الناس، وبدؤوا يتفقدون بعضهم بعضاً، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم يا رسول الله نفقد فلاناً وفلاناً، ونسي الصحابة جليبيب، فقال صلى الله عليه وسلم: ولكنني أفقد جُليبيباً- انظروا إلى الانتماء لإنسان بأدنى مرتبة في الأرض- فقوموا فالتمسوا خبره، فقاموا وبحثوا عنه في ساحة القتال، وطلبوه مع القتلى، ثم مشوا فوجدوه في مكان قريب، وقد استشهد، وقف النبي صلى الله عليه وسلم أمام جسده المقطع، ثم قال: أنت مني وأنا منك.
 هذا أقل إنسان بالمستوى الاجتماعي، والاقتصادي، والجمالي، الإسلام سوى بين المسلمين، ثم تربع النبي صلى الله عليه وسلم جالساً بجانب هذا الجسد، ثم حمل هذا الجسد ووضعه على ساعديه، وأمر أن يحفروا له قبراً، قال أنس: فمكثنا والله نحفر القبر وجُليبيب ليس له فراش غير ساعدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أنس: فعدنا إلى المدينة وما كادت تنتهي عدة زوجة جليبيب حتى تسابق إليها كبار الصحابة.
 هذا الامتحان، والامتحان ينتهي، فإن نجحت في الامتحان انتهت متاعبه وبقي أجره، وإذا الإنسان لم ينجح بالامتحان تنتهي المتعة الآنية ويبقى الجزاء:

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

 الأب امتحن، والأم امتحنت، والبنت امتحنت، وجليبيب امتحن.
 مرة قرأت كتاباً عن قصص العرب من أربعة أجزاء، استفدت فائدة منه، الأقوياء ماتوا، والضعفاء ماتوا، والأغنياء ماتوا، والفقراء ماتوا، والأذكياء ماتوا، والأغبياء ماتوا، الموت لا يبقي أحداً، كل من عليها فان، ويبقى الأجر والثواب.
 أيها الأخوة الكرام؛ ليست البطولة ألا تبتلى، البطولة أن تنجح في الابتلاء، هذا جُليبيب نجح، والفتاة التي قالت: أتردون على النبي دعوته، نجحت، ثم تزوجها أحد كبار الصحابة، الدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طماعة عودها القناعة.

 

سنة النبي قوليّة و عمليّة و إقراريّة :

 أيها الأخوة الكرام؛ بالمناسبة النبي له سنة قولية أحاديث، وله سنة عملية أفعاله، الأولى دليلها:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

 السنة العملية قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 السنة الثالثة إقرارية، أي إنسان تكلم أمام النبي وسكت النبي فسكوته إقرار، كان إذا صافح آخر من يسحب يده من المصافح.
 عندنا سنة قولية، وسنة عملية، وسنة إقرارية، وسنة وصفية، والإنسان إذا اتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم سينجو على مستوى أفراد، وعلى مستوى أمة، على مستوى الفرد قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 على مستوى أمة، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 آخر كلمة أقولها: كل عام وأنتم بخير، وبارك الله بكم، وحفظ لكم إيمانكم وأهلكم وأولادكم وصحتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.