الدرس : 209 - قال عليه الصلاة والسلام - (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ....... ))

2016-01-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

المبادرة إلى الأعمال الصالحة :

 أيها الأخوة الكرام، سوف نتابع إن شاء الله بدءاً من يوم الأحد كما اتفقنا قبل أن أسافر، أنا سافرت إلى هولندا وإلى إيطاليا مرتين وإلى العمرة، فقبل أن نتابع الدروس التي وعدنا بها في تفسير جزء عم اليوم، ودرساً تنبيهياً، خطر في بالي وأنا في طريقي إليكم أن من آثار النبي عليه الصلاة والسلام:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ))

[الحاكم عن أبي هريرة ]

 ما معنى بادروا؟ إذا شخص عقد عقد زواج، ومضطر ضرورة بالغة إلى شراء بيت، وبلغه أن هناك بيتاً معروض بثمن أقل من ثمنه بثلاثين بالمئة بداعي السفر، والبيت مناسب جداً، والموقع مناسب، والمساحة مناسبة، والسعر منخفض، يقول: أريد أن أشتريه، يقول له زميله: الآن اذهب قبل أن يأتي شخص ويسبقك، هذا معنى بادر، فالإنسان كما قال النبي الكريم:

(( أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك))

[أبو يعلى وابن حبان في صحيحه]

 فإذا الشخص وصل للأربعين يوجد سؤال محرج: هل بقي له بقدر ما مضى؟ في الأعم الأغلب لا، الذي بقي له أقل مما مضى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "معترك المنايا بين الستين والسبعين".
 يوجد حالات نادرة، شيخ بالأهر عاش مئة و ثلاثين سنة، وقد قام بشرح الكلمات على هامش المصحف، يوجد إنسان يعيش سبعاً و تسعين سنة، أما معترك المنايا، العمر المتوسط للبشر بين الستين و السبعين، فإذا الشخص جاوز الأربعين احتمال كبير أنه اقترب من الموت، تجاوز الخمسين اشتد الاحتمال، تجاوز الستين احتمال أشد، تجاوز السبعين أشدّ و أشد، هذا الواقع، هذه الحقيقة المرة، عود نفسك أن تقبل الحقيقة المرة، سوف تنتقل من بيت إلى قبر، من زوجة وبنات صبايا وأصهار وشباب وكنائن ومكانة اجتماعية ولقاءات وسهرات وولائم وسفر وسياحة إلى قبر، أي هذا الشيء واقع، لا يوجد حقيقة صارخة يقينية قطعية كمغادرة الدنيا، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به.
 يوجد شخص اضطر إلى ثلاثمئة ألف كقرض في الشام، فلم يستجب أحد لطلبه، عنده مزرعة ثمنها ثلاثة ملايين، قال: هذه المزرعة أضعها بذمة من يقرضني، أتى إنسان أقرضه وأخذ المرزعة، بعد سنتين أصبح معه المبلغ، لأنه قرض، ردّ له القرض، قال: لا، كل شخص حقه معه، أي كأنه اشترى هذه المزرعة التي ثمنها ثلاثة ملايين بثلاثمئة ألف، هذا من القهر جاءته أزمة قلبية.
 أنا أذكر بيته بحي بشمال دمشق، وهذا الذي أقرضه المبلغ ساكن بحي بجنوب دمشق، فأمر ابنه أن تمشي الجنازة من أقصى المدينة إلى أقصاها الآخر، ويمر أمام صاحب هذا المبلغ الذي قد أقرضه المبلغ وأخذ المزرعة، كتب له رسالة قال: أنا ذاهب إلى دار الحق إن كنت بطلاً لا تلحق بي فقط.
أي كل بلد له ترتيب، لي قريبة هنا في عمان توفيت، وكنت بالتشييع، رأيت القبر عميقاً جداً، فيه قعر، وضع الميت على الطرف الأيمن والأيسر يوجد بلوك ارتفاعه يقدر بأربعين سنتمتراً، وضعوا خمسة أحجار طويلة، وأهالوا التراب، أنا أعرف هذه الإنسانة أين كانت تسكن بعمان، أين بيتها، مساحة بيتها، سيارات، ثريات، هي من أهل الغنى، فهذه موعظة كبيرة جداً، فأنا أتمنى الإنسان إذا تبع جنازة يتأمل تأملاً عميقاً، يقول سيدنا سعد بن أبي وقاص: " ثلاثة أنا فيهن رجل.."
 ذكر أي بطل، كلمة رجل بالقرآن والسنة لا تعني أنه ذكر يعني ما كل ذكر برجل، ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها- الشاهد في الثالثة - ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى.

باب التوبة مفتوح مادام القلب ينبض :

 بادروا؛ بيت مناسب جداً، وسعره أقل من سعره الحقيقي بثلاثين بالمئة بداعي السفر، والمبلغ تملكه، وأنت عاقد عقد قران بأمس الحاجة إلى بيت، لا تنتظر للصباح، تدق باب بيته الساعة العاشرة ليلاً، أريد أن أشتري البيت، هذا معنى بادروا.
 أنا أذكر قصة؛ كنت بجدة يوجد بناء في جدة من أربعة عشر طابقاً، مضيفي قال لي: هذا البناء له قصة، ما قصته؟ قال لي: أرض هذا البناء كان يملكها بدوي، جدة توسعت تسعين كيلو متراً، قطر جدة تسعون كيلو متراً، فلما توسعت اقتربت من أرضه، عندما اقترب توسع جدة من أرضه ارتفع ثمنها، فأتى مكتب عقاري اشتراها واحتال عليه بربع قيمتها، هو لا يوجد عنده خبرة، رأى المبلغ كبيراً جداً، بعدما قبض الثمن وانتقلت الملكية تبين له أنه أخذ ربع القيمة، وثمن الأرض أربعة أمثال ، فهناك ثلاثة شركاء- القصة مؤثرة جداً- الشريك الأول وقع من أعلى البناء نفسه ومات، والثاني دهس، فانتبه الثالث لأن أول شريك مات، والثاني مات، كأنه سوف يأتي دوره، بحث عن هذا الأعرابي البدوي ستة أشهر بالتمام والكمال حتى عثر عليه و أعطاه الفرق، أعطاه ثلاثة أمثال حصته، قال له هذا البدوي: ترى أنت لحقت حالك.
 وكل واحد منا يا أخوان مادام قلبه ينبض يستطيع أن يلحق نفسه، عليه دين قديم عند الله لا يُنسى شيء، كله بحسابه، قال الله تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسأَلَنَّهُم أَجمَعينَ*عَمّا كانوا يَعمَلونَ﴾

[سورة الحجر: ٩٢-٩٣]

 وأنا أقول: كل شخص جاوز الأربعين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار))

[أبو الفتح الأزدي عن ابن عباس]

 كلمة أربعين كلمة دقيقة جداً، هذا سن النضج، سن العقل، سن التقوى:

إلى متى وأنتم باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول؟
***

 إلى متى؟ سهرات مختلطة والإنسان يمتع عينه بمرأة لا تحل له، يدير معها حديثاً مضحكاً، هذه السهرات واللقاءات والاختلاطات والولائم والسياحة هو يصلي لكن هذه الصلاة بدون استقامة، لا تقدم ولا تؤخر، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد رضي الله عنه]

 هذه الصلاة، الصوم:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[ أخرجه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي]

 الحج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من أم هذا البيت من الكسب الحرام، شخص في غير طاعة الله، فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب، وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزوراً غير مأجور، وأبشر بما يسوؤك))

[أخرجه البزار في مسنده عن أبي هريرة]

 الشهادة:

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

الإسلام من دون استقامة لا قيمة له :

 أخواننا الكرام؛ عندنا عبادة شعائرية هي الصلاة والصوم والحج والزكاة، قال الله تعالى:

﴿قُل أَنفِقوا طَوعًا أَو كَرهًا لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُم إِنَّكُم كُنتُم قَومًا فاسِقينَ﴾

[سورة التوبة: ٥٣]

 هذه خمسة أركان، إسلام من دون استقامة ليس له قيمة، ولا يقدم ولا يؤخر، ولا نقطف ثمار هذه العبادة، لذلك قالوا:" ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام".
 معنى بادروا أي لحق حالك، بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ كل واحد منا له سن معين، تجاوز الأربعين ما الخبر المفاجئ في المستقبل؟ أخطر خبر المغادرة، مغادرة الدنيا، النعوة، من بيت إلى قبر، من زوجة لقبر، من بنات صبايا إلى قبر، من شباب إلى قبر، من لقاءات، من سهرات، من نعيم، من دخل كبير، من سفريات، من سيادة إلى قبر، بطولتك وذكاؤك ونجاحك وتوفيقك أن تعد لهذه الساعة.
 لي قريب من أهل الغنى، لما دفن فتح عن وجهه، وأداروا وجهه نحو القبلة، أنا واقف أمامه، لي معه علاقة قريبة جداً، وضعت البلاطة على القبر، أهيل التراب، أنا أتتني ومضة إيمانية ما وجدت على وجه الأرض إنساناً أعقل ولا أذكى ممن يعمل لهذه الساعة، والعمل لها ليس بصعب، ضمن إمكانياتك، ضمن استطاعتك، قال تعالى:

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلّا وُسعَها ﴾

[سورة البقرة: ٢٨٦]

من يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه :

 هناك آية مطمئنة:

﴿ وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[سورة القصص: ٥٠]

 أي شهوته، المعنى الدقيق جداً الذي يتبع هواه، الذي يتبع شهوته وفق هدى الله لا شيء عليه، بالإسلام لا يوجد حرمان، اشتهيت المرأة تزوج، اشتهيت المال اعمل، طرق الكسب المشروعة معروفة، لا يوجد شيء محرم إلا الحرام، أما ما دمت حياً ترزق يمكن أن تحصل على المال، وأن تتزوج، وأحياناً الله يوفق الإنسان.
 عالم من الشام من العلماء الكبار جاءه شاب قال له: متى سأتزوج؟ قال له: اتق الله، قال له: هذه أين تصرف؟ لا يوجد عندي بيت، ولا مهر، ولا عمل، قال له: اتق الله، هذا يعمل موظفاً بمحل تجاري، رنت بأذنه اتق الله، فأصبح يأتي في الوقت المطلوب تماماً، يدخل الزبون يعامله بلطف حتى يبيعه، أول شيء كان يقول: هذا الحاضر مع السلامة، هو ليس له علاقة بالربح، كان قاسياً مع الزبائن، فلما سمع: اتق الله بدأ يتلاطف مع الزبون، يقنعه أن يشتري، صاحب المحل وجد أن الربح يرتفع، هذا ليس طبيعياً، لاحظ أن هذا الارتفاع بسبب أن هذا الموظف أخذ قراراً آخر، فلما استقر الوضع على غلة جيدة جداً، أحب أن يأخذ رأيه أنا أريد أن أشتري بيتاً، هذا البيت مناسب؟ قال له: لا، هذا صغير، فنظر إلى بيت آخر حتى أعجبه، وقال له: أنا أريد أن أكسوه ما رأيك بالبلاط؟ قال له: هكذا، أخذ رأيه بالكسوة، وكسا البيت، بعد ذلك زوجه لابنته، فتذكر كلمة الشيخ الذي قال له: اتق الله.

 

حرص الإنسان على سلامته و سعادته و استمرار وجوده :

 والله يا أخوان زوال الكون أهون على الله من أن تصطلح معه ثم لا ترى مواقفاً ومعاملة من الله جديدة، مثل التوفيق، قال تعالى:

﴿وَاللَّيلِ إِذا يَغشى*وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى*وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثى*إِنَّ سَعيَكُم لَشَتّى*فَأَمّا مَن أَعطى وَاتَّقى*وَصَدَّقَ بِالحُسنى﴾

[سورة الليل: ١-٦]

 صدق أنه مخلوق للجنة، فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على الاستقامة، الرد الإلهي:

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرى*وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاستَغنى*وَكَذَّبَ بِالحُسنى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرى*وَما يُغني عَنهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾

[سورة الليل: ٧-١١]

 أخواننا الكرام؛ الموقف خطير، وكل شخص حريص على سلامته وسعادته، سلامته بالاستقامة، وسعادته بالعمل الصالح، وكل واحد منا أي واحد من دون استثناء حريص على سلامته وسعادته واستمراره، الاستمرار بمن؟ بالأولاد.
 أعرف شخصاً بالشام كان الدولار بثلاث ليرات سورية، ترك سبعين مليوناً، صديق المتوفى التقى بابن المتوفى قال له: إلى أين أنت ذاهب؟ قال له: أنا ذاهب لأسكر على روح أبي، أصبح معه مال.
 أي إذا الشخص ترك مالاً يجب أن يترك ذرية صالحة حتى ينفق هذا المال في الشيء المشروع، أما أهمل أولاده فيتفاجأ أن ابنه لا يوجد به دين إطلاقاً، ومعه مبلغ فلكي.
 فالدين قضية خطيرة أخواننا الكرام، الدين قضية مصيرية، الدين قضية لا تحتاج إلى تردد، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ابن عمر قال:" دينك.. دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا".