المنارات - قطر : 1 - كليات الدين : العقيدة - السلوك : الاستقامة ـ العمل الصالح - الاتصال بالله ومنه نعم الأمن والتوفيق والسكينة - صور من آياته الكونية.

2017-02-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

آيات في القرآن تصف من شرد عن منهج الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ درسنا جميعاً في مراحل التعليم أن الكون جماد ونبات وحيوان وإنسان، من مسلمات ما تعلمناه أن الجماد شيء مادي له وزن، وله أبعادٌ ثلاثة، بماذا يتميز عليه النبات؟ بالنمو، وبماذا يتميز الحيوان عن النبات؟ بالحركة، أما هذا الإنسان المخلوق الأول المكرم والمكلف بماذا يزيد عن كل هؤلاء؟ أودع الله فيه قوة إدراكية هي العقل، هذه القوة الإدراكية تلبى بطلب العلم، فالإنسان إذا عزف عن طلب العلم، وعاش لحظته، وعاش غرائزه وشهواته، هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به.
 الآن استمعوا إلى آيات القرآن الكريم تصف هذا الإنسان الذي شرد عن الله، وعاش شهواته وغرائزه، هذا الإنسان وصفه في القرآن الكريم:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

 الصحة طيبة، النبض ثمانون، الضغط 12/8 نعمة، لأنه عزف عن طلب العلم، لأنه نسي الآخرة، لأنه نسي سرّ وجوده وغاية وجوده، هذا الإنسان الذي غرق في شهواته هو عند الله ميت، قال تعالى:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

 أو قال تعالى:

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون: 4 ]

 أو قال تعالى:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

 أو قال تعالى:

﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحمِلُ أَسفارًا ﴾

[سورة الجمعة: ٥]

 أوصاف الذين شردوا عن الله في القرآن الكريم، معنى ذلك أن الدين ليس وردة تتزين بها ولكنه هواء تستنشقه، الحاجة إلى الدين كالحاجة إلى الوجود.

 

الإنسان هو الأول رتبة عند الله لأنه قبِل حمل الأمانة :

 أيها الأخوة الكرام؛ لذلك أودع الله في الإنسان قوة إدراكية، نأكل ونشرب ونتزوج ونسافر، لا بد من أن نعرف من نحن، الإنسان هو المخلوق الأول لأنه في عالم الأزل قبِل حمل الأمانة، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

 لأنه قبِل حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة، ولأنه قبِل حمل الأمانة، قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية : 13 ]

 والسموات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، كل شيء مخلوق مسخر لك أيها الإنسان لأنك قبلت حمل الأمانة، فالإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا غذى الإنسان عقله بالعلم وقلبه بالحب وجسمه بالطعام والشراب تفوق، بل حقق الهدف من وجوده.

 

الفرق بين النجاح و الفلاح :

 بالمناسبة ما الفرق بين النجاح والفلاح؟ الإنسان قد ينجح في جمع المال، يوجد أشخاص يملكون عشرين ملياراً، وقد ينجح في تسلم منصب رفيع، وقد ينجح، وقد ينجح، لكن الفالح هو الذي حقق الهدف من وجوده، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157 ]

 لماذا خلق الإنسان؟ خلق لجنة عرضها السموات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أنت مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض.
 دليل آخر قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود :119]

 خلقنا ربنا ليرحمنا في الدنيا والآخرة.

 

قضية الدين قضية مصيرية :

 لذلك أيها الأخوة الأكارم؛ قضية الدين قضية مصيرية، قضية سعادة أو شقاء، استقرار أو ضياع، قضية وجدان أو انعدام، قضية مصيرية للإنسان فلا بد من طلب العلم، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل الإنسان عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
 أيها الأخوة الكرام؛ القضية مصيرية، قضية وجود أو عدم وجود، سعادة أو شقاء، توفيق أو عدم توفيق، فالحاجة إلى الدين حاجة مصيرية، فلذلك الله عز وجل قال:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

 عندما قبِل حمل الأمانة كان المخلوق الأول.

 

كليات الدين :

 أيها الأخوة الكرام؛ هناك تفاصيل لا تنتهي، هناك مئات الموضوعات بل ألوف بل مئات الألوف، ولكن إذا أردت أن أقف على كليات الدين، أساسيات الدين، لا بد من أن نقف عندها وقفة متأنية.
 أول شيء في كليات الدين العقيدة، إن صحت العقيدة صح العمل، وإن فسدت فسد العمل، إذاً لا بد من وقت تقتطعه من وقتك لمعرفة سرّ وجودك، وغاية وجودك، هذا الوقت التي تقتطعه من وقتك لمعرفة سرّ وجودك وغاية وجودك ليس وقتاً مستهلكاً، بل هو وقت مستثمر، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
 الآن يوجد آمر وهو الله عز وجل، و يوجد أمر افعل ولا تفعل، الأحكام الشرعية، هذا الآمر كيف أعرفه؟ الحقيقة الآمر لا تدركه الأبصار ولكن العقول تصل إليه من خلال التفكر في خلق السموات والأرض، والآية تقول:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 نحن أمام آيات، والدليل قال تعالى:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية :6]

 أمام آيات كونية هي خلقه، وآيات تكوينية أفعاله، وآيات قرآنية كلامه، آياته الكونية والتكوينية والقرآنية أدوات سالكة رائعة لمعرفة الله، من هنا كان في القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان، آية الأمر تقتضي أن نأتمر، وآية النهي تقتضي أن ننتهي، آية القصة تقتضي أن نتعظ، ماذا نفعل بألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان؟
 سؤال دقيق جداً: هذه الآيات من أجل أن نتفكر في خلق السموات والأرض والأصل في هذا الموضوع قوله تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

ومضات سريعة من التفكر في خلق السموات والأرض :

 ومضات سريعة من التفكر في خلق السموات والأرض، أخوتنا الكرام؛ الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، بين الشمس والأرض مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، الآن قال تعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾

[سورة البروج:1]

 الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً، أحد هذه الأبراج اسمه برج العقرب، هذا البرج فيه نجم صغير أحمر متألق اسمه قلب العقرب، هذا النجم الصغير الأحمر المتألق يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذه من مسلمات علم الفلك، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــــ ا فإنا منحنا بالرضا من أحبنــــــــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـــــــــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـــــــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنـــــــــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكــن  فما القرب والإبعاد إلا بأمـــــــــــــرنــــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لـــــــي  أيا عبدنــــــــا ما قــــــــــــــــرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنــــا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظــــــــــــر مـا به جـــــــــــاء وعدنــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــاً وما  خالفوا في مذهب الحب شرعنا
***

 الآن دقق:

فلو شاهدت عيناك من حسننـــا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـــــا
ولو سمعت أذنك حسن خطابــنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبـــــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبــنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمــة  لمت غريبـــــــاً واشتياقــــــــاً لقربنـا
فما حبنا سهل وكل من ادعـــــى  سهولتـــــــه قلنا له قـــد جهلتنـــــــا
***

 أيها الأخوة الكرام؛ أصل الدين معرفة الله.
 ومضة كونية ثانية؛ الأرض تدور حول الشمس، طبعاً هذه الدورة في كل عام، القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، لو وصلنا خطاً بين مركز الأرض ومركز القمر، هذا الخط هو نصف قطر الأرض مع نصف قطر القمر مع المسافة بين الأرض والقمر، هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، لو ضربنا هذا الرقم باثنين، لكان القطر، لو ضربنا بالبي 3,14 لكان المحيط، لو ضربناه باثني عشر في سنة، ضرب ألف بألف سنة، نحسب كم هي المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، أنت معك رقم الآن، كم هي المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، إذا قسمنا المسافة على الزمن، الجواب السرعة، لو قسمناها على ألف السرعة بألف، على ثلاثمئة وخمسة وستين السرعة بالسنة، على أربعة وعشرين السرعة بالساعة، على ستين السرعة بالدقيقة، على ستين السرعة بالثانية، إنها سرعة الضوء، هذا أنشتاين عالم فيزيائي كبير، يقول: كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوةً هي أقوى ما تكون، عليمةً هي أعلم ما تكون، رحيمةً هي أرحم ما تكون، هو إنسانٌ حي ولكنه ميت.
 أنشتاين عالم فيزيائي كبير اكتشف السرعة المطلقة في الكون، فما قولك أن هذه السرعة مدرجة في كلمات في آية واحدة في القرآن الكريم، ما هي الآية؟ قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ﴾

[سورة الحج: ٤٧]

 أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، تقسيم أربع وعشرين، تقسيم ستين تقسيم ستين سرعة الضوء، هل يعقل هذه النظرية العملاقة النظرية النسبية نظرية أنشتاين نراها مدرجة في القرآن الكريم؟
 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ الأنبياء السابقون جاؤوا بمعجزات لكنها حسية، والمعجزة الحسية كتألق عود الثقاب تتألق وتنطفئ، إلا أن هذا الدين العظيم آخر الأديان، والرسالة خاتمة الرسالات، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا بد من أن تكون المعجزة التي هي شهادة الله له أن تكون مستمرة، ولا تكون مستمرة إلا إذا كانت علمية، نحن أمام آيات تزيد عن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، هذه الآيات فيها سبق علمي، النظرية العلمية العملاقة جاء بها أنشتاين مدرجة بكلمات في القرآن الكريم.
 بعد اكتشاف أشعة الليزر، هذه تنطلق إلى مكان وتعود تقاس بها المسافات، وهي اكتشاف حديث، بعد اكتشاف هذه الأشعة قيست المسافة بين الأرض والشمس والأرض والقمر ثم استخدمت في غور فلسطين، فرأوا أن أعمق مكان على سطح الأرض هو غور فلسطين، والمعركة التي تمت بين الفرس والروم في غور فلسطين، والآية تقول:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ﴾

[ سورة الروم: 2-3]

 إعجاز علمي قال تعالى:

﴿ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾

[ سورة الروم: 3]

حرص الإنسان على سلامته و سعادته يكون باتباع تعليمات الصانع :

 أيها الأخوة الكرام؛ إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
 لذلك محور هذا اللقاء الطيب كليات الدين، أحد أكبر كلياته العقيدة، إن صحت العقيدة صح العمل، وإن فسدت فسد العمل، سمّها عقيدة، سمّها منطلقات نظرية، سمّها تطورات، مراد ذلك شيء واحد الجانب العقدي، الجانب الفكري، هذه إن صحت صح العمل، بعد هذا الجانب يوجد جانب آخر، الاستقامة على أمر الله، لماذا؟ لأن الإنسان أعقد آلة في الكون، ولهذه الآلة بالغة التعقيد صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، وانطلاقاً من حرصك اللامحدود على سلامتك وعلى سعادتك وعلى استمرارك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع، اي هناك قوانين مشتركة بين كل البشر، الآن على وجه الأرض سبعة مليارات ومئتا مليون إنسان، هل يوجد قواسم مشتركة بين كل هؤلاء؟ هل هناك إنسان واحد من هؤلاء البشر مهما اختلف دينه وعرقه يتمنى الشقاء؟ يتمنى الفقر؟ يتمنى المرض؟ مستحيل، فأي إنسان جبل على حبّ ذاته، أنت بالغ التعقيد، تعقيد إعجاز، سلامتك باتباع تعليمات الصانع، سلامتك أنت حريص عليها، ولا تكون إلا باتباع تعليمات الصانع، فالإنسان حينما يحب ذاته يستعمل تعليمات الصانع لصالحه، قبل أن تحب أحداً أحبب نفسك، إن أحببت نفسك لا بد من أن تستقيم على أمر الله.
 هناك جانب عقدي لا بد من أن تقتطع وقتاً لمعرفة الله، إنسان يمضي المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية ويدخل الجامعة الفرع الأدبي، أو الفرع العلمي، بكالوريوس ودبلومات عامة وخاصة ودكتوراه، خمس وعشرون سنة دراسة ليضيف كلمة دال على اسمه، تعبر عن خمس وعشرين سنة دراسة بمعرفة الله، معرفة هذا الإله العظيم، وقد خلقنا لجنة عرضها السموات والأرض، إذاً ألا يلزم أن نقتطع من وقتنا وقتاً لمعرفة الله؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

آيات الله في النفس :

 الله عز وجل قال:

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت: 53 ]

 هذا الشعر هل تصدقون أن لكل شعرة شرياناً و وريداً و عصباً و عضلة و غدة دهنية وغدة صبغية، ألا ترون معي من حكمة الله البالغة أنه لا يوجد أعصاب حس في الشعر، لو كان له أعصاب حس أنت مضطر أن تذهب إلى المستشفى لحلق شعرك و بالتالي ستخدر تخديراً كاملاً.
 هذه العين فيها عدسة، إذا وضعت أمامها شيئاً مضيئاً، تنعكس الأشعة على الشبكية أو على ورقة مقوى وهي المحرق فترى الأشياء، معنى هذا أن هناك عضلات هدبية فوق العدسة تضغطها فيزداد احتدابها، أو تبعدها عن بعضها فيقل احتدابها، هذه العملية أعقد عملية في العين، تتم وأنت لا تشعر، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[ سورة البلد: 8]

 في الدماغ مئة و أربعون مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، القشرة الدماغية فيها أربعة عشر مليار خلية، يوجد على القشرة أماكن للذاكرة بحجم حبة العدس، تتسع لسبعين مليار صورة، هذا خلق الإنسان، الإنسان إذا فكر في حركاته، سكناته، أعصابه، حواسه الخمس هذا التفكر يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله.

 

جوانب الدين :

1 ـ الجانب النفسي الأيديولوجي :

 أيها الأخوة الكرام؛ هذا الدين فيه كليات، بدأنا بكلية العقيدة الجانب الأيديولوجي، الأسماء والمعنى واحد، الاعتقاد، الأيديولوجيا، السلوك، هناك منهج لله عز وجل في الكتاب والسنة، افعل ولا تفعل، هناك شيء مباح، وشيء مكروه، وحرام، أنت حينما تتبع منهج الله عز وجل تتألق، تطمئن، قال تعالى:

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد: 28]

 أنت انطلاقاً من حرصك اللا محدود على سلامتك وسعادتك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع، والإنسان كما تعلمون يحب الجمال والكمال والنوال، الشيء الجميل محبب، والعطاء محبب، والكمال محبب، موقف أخلاقي، عطاء كبير، شيء جميل، والجمال والكمال والنوال عند الله.

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 هناك جانب عقدي، أيديولوجي، نظري، منطلقات نظرية، فلسفة سمّها ما شئت، هذا الشيء لا بد من طلبه، إن صحت عقيدتك صح عملك، وإن لم تصح العقيدة فسد العمل، هذا أول شيء.

2 ـ جانب الاستقامة على أمر الله :

 الشيء الثاني لا بد من أن تستقيم على أمر الله، افعل ولا تفعل، لأن الله عز وجل هو الخبير، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 أنت بحاجة إلى تعليمات الصانع، إذاً لا بد من طلب العلم، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل الإنسان عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل.

3 ـ جانب العمل الصالح :

 أيها الأخوة الكرام؛ أول جانب عقدي أيديولوجي، فلسفي نظري، الجانب الثاني سلوكي، هذا الجانب نوعان، استقامة وعمل صالح، الاستقامة، يقول لك: أنا ما أكلت مالاً حراماً، أنا ما كذبت، أنا ما غششت، أنا ما زورت، الاستقامة طابعها سلبي ترك، والعمل الصالح طابعه إيجابي، أنفقت من مالي، من وقتي، من خبرتي، من علمي، من صحتي، جانب استقامي وجانب عمل صالح، أول ركن الجانب النفسي الأيديولوجي، والثاني الترك الاستقامة، والثالث العمل الصالح.

4 ـ جانب الاتصال بالله :

 أيها الأخوة الكرام؛ والرابع الاتصال بالله، لذلك قال تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة:125]

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

.

[ سورة طه :14]

 الصلاة ذكر، لكن هذه الصلاة التي هي ذكر تحتاج إلى مقومات، لا بد من تأمين مقوماتها، أحد هذه المقومات الاستقامة، إذا كان هناك خطأ، أو عدوان، أو أكل مال حرام، أو تفلت، هذا ينشئ عداء بينك وبين الله، والآية تقول:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[سورة المطففين: 15]

 وأنا لا أرى عقاباً أكبر من أن تحجب عن الله، قال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[سورة المطففين: 15]

 فالخطأ، وعدم الانضباط، والتعامل غير الصحيح، وإنفاق الشهوات، بالمناسبة ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، بالإسلام لا يوجد حرمان، والدليل قال تعالى:

﴿ وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[سورة القصص: ٥٠]

 الذي يتبع شهوته وفق منهج الله لا شيء عليه، إذاً جانب ايديولوجي نظري، عقدي، فلسفي، جانب سلوكي سلبي الاستقامة، جانب سلوكي إيجابي العمل الصالح، لذلك الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، تنفق من مالك، من علمك، من وقتك، من خبرتك، قال تعالى:

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 3]

 أنت بالإنفاق تقترب من الله، تتألق مع الله بالإنفاق، بالإنفاق تشعر أنك محبوب عند الله.
 الشيء الأخير الذكر قال تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة:125]

 إنك إذا أديت الصلاة ذكرته، وأديت واجب العبودية، لكن إذا ذكرك الله ماذا يكون؟ الذي يحصل أن الله عز وجل منحك نعمة الأمن، أغلى نعمة على الإطلاق، هذه النعمة لا يتمتع بها إلا المؤمن، والدليل قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 81-82]

 ما قال: الأمن لهم، لو قال كذلك لهم ولغيرهم، لكن الآية:

﴿ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

[سورة الأنعام: 82]

 فيها حصر وقصر، أي لا يتمتع بنعمة الأمن إلا المؤمن، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام:81-82]

 إذاً أول نعمة من نعم الاتصال بالله نعمة الأمن، النعمة الثانية هذه النعمة من أدق النعم، نعمة الزوجة، قال تعالى:

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود: 88 ]

 موفق بزواجه، موفق في بيته مع أولاده، تتألق:

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 هذه نعمة ثانية من نعم الاتصال بالله، وهناك نعمة ثالثة هي السكينة، السكينة سعادة، طمأنينة، نظرة ثاقبة، شخصية قوية، تفاؤل، حكمة، السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، الحكمة والسكينة والأمن.

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 النعم التي تتوافر للمؤمن بعد أن عرف الله واستقام على أمره، فلذلك أيها الأخوة؛ الإنسان إذا عرف الله وعرف منهجه واستقام على أمره دخل بسعادة لا توصف، هذا كلام واقعي، وكل إنسان مشى بهذا الطريق يعلم يقيناً أن هذه النتائج بين يديه.

 

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 أيها الأخوة الكرام؛ لكن الأعمال الصالحة متنوعة، وقد قيل: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، كل عمل صالح معنى صالح أي يصلح للعرض على الله، والعمل الصالح ينبغي أن يكون خالصاً وصواباً؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، هذا العمل الصالح، من هنا العمل الصالح يرفعك، الاستقامة سلبية، أنا ما أكلت مالاً حراماً، أنا ما كذبت، العمل عطاء، قال تعالى:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 بل إن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، بل إن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، والدليل قال تعالى:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

 أنا أردت في هذا اللقاء الطيب أن أضع يدي على الكتل الكبرى في الدين، عقيدة، استقامة، عمل صالح، والاتصال بالله، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً.
 الإنسان عندما يقف على بنيان الدين، على الكتل الكبيرة في الدين يتحرك وفق منهج الله، لذلك إذا قال لك المؤمن: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، أنت متاح لك أن تكون أسعد الناس، وقيل من أسعد الناس؟ أسعد الناس من يُسعد الناس.
 يا أيها الأخوة الكرام؛ الدين قضية مصيرية، قضية نكون أو لا نكون، سعادة أو شقاء، توفيق ما بعده توفيق، سكينة، والدين منهج الله عز وجل، والجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 الآن بيتك، البيت فيه سكينة، فيه توفيق، فيه زوجة صالحة، أولاد أبرار، هذا كله بين يديك، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 الاستقامة والعمل الصالح يسعداك، فلذلك أنت أسعد الناس إذا أسعدت الناس.

 

الكون هو الثابت الأول :

 أيها الأخوة الكرام؛ هذه بعض كليات الدين، لكن هناك مثلاً آخر، هذا الكون العملاق، هذا الكون يشف عن وجود الله، ووحدانيته، وكماله، هذا الكون هو الثابت الأول، فكل شيء في الكون يدل على الله، كل شيء في هذا الكون يشف عن وجود الله، ووحدانيته، وكماله، الآن الاستقامة أحد أركان الدين، ترك الحرام، الكذب، الغش، الإيذاء، العمل الصالح يساوي حجمك عند الله، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وفي النهاية الصلاة:

(( الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن عمر]

 و الصلاة معراج المؤمن، أنت تتصل بالرحيم، تشتق منه الرحمة، فمن لا يَرحم لا يُرحم، تتصل بالحكيم تشتق منه الحكمة، أنت حكيم، تتصل بكل الكمالات الإلهية، هي عند الله عز وجل، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً.
 فيا أيها الأخوة الكرام؛ نحن في أشدّ الحاجة لفهم الدين فهماً إيمانياً، فهم عطاء، الله عز وجل جميل يحب الجمال، كما قلت قبل قليل:

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــــا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــــــــــــــــــا
فلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليــــــــت عنا لغيرنـــــا
***

 فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم مفتاح الطريق إلى الله عز وجل، وطلب العلم فريضة على كل مسلم، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن توفقوا إلى ما يحب الله ويرضى، ونسأله أن يحفظ لكم إيمانكم وأهلكم وأولادكم وصحتكم ومالكم واستقرار بلادكم.