الدرس : 169 - الفوائد – من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه.

2015-06-18

من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه :

 أيها الأخوة الكرام؛ لا يغيب عنكم أن أحد كبار العلماء ابن قيم الجوزية هذا تلميذ أستاذه الكبير ابن تيمية، لكن العلماء قالوا: فاق أستاذه، له كتاب من أدق الكتب: مدارج السالكين في إياك نعبد وإياك نستعين، أنا درسته في موقعي بمئة درس، الكتاب الثاني هو الفوائد، من أجمل ما كتب كتاب الفوائد، نحن في هذا الشهر الكريم عندنا كل يوم فائدة، هذه الفوائد هي ملخص الملخص، فالفائدة الأولى في هذا الكتاب، من أعجب العجب، الإنسان قد يعطش فيذهب إلى نبع الماء ويشرب، وضع طبيعي، وقد يعطش ولا يجد الماء فيموت، الوضع طبيعي، أما أن يعطش عطشاً شديداً والماء موجود ولا يذهب إليه فهذا من أعجب العجب، ملخص هذه الفائدة الأولى في هذا اليوم الأول قول هذا العالم الجليل: من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، تعرف رحمته، عدله، حلمه، صبره على عباده المؤمنين، تعرف إنصافه، كل أسماء الله حسنى، من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، هذا شيء لا يمكن أن يقبل، قال ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه.

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــــا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــــــــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـــــــــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنــــــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـــــــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنــــــــــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكــن  فما القرب والإبعاد إلا بأمـــــــــــــرنـــــا
فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنــــــــــــا
فأيسر مافي الحب للصب قتـلـه  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـــا
***

واحد من الأخوة الحاضرين ذاق الطعام والشراب وأنا معكم، ذاق طعم الزواج، ذاق طعم البيت، ذاق طعم شراء مركبة، أشياء كلها ذاقها، هل حاول الإنسان أن يذوق طعم القرب من الله؟
 الحقيقة الإنسان إذا حاول جاهداً أن يخطب ود الله بطاعته، بالتقرب إليه، بالأعمال الصالحة، بخدمة عباده، إذا حاول أن يخطب ود الله بخدمة عباده مستحيل وألف ألف ألف مستحيل ألا يخطب الله وده، يخطب الله ود المؤمن بالتيسير، بالراحة النفسية، يقول لك المؤمن: أنا أسعد الناس وهو صادق، حتى قال لي أحدهم مرة عقب أدائه فريضة الحج: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني لكنه ذكي قال: إلا أن يكون أتقى مني، أنت موصول بالخالق، موصول بقيوم السموات والأرض، موصول بالرحمن الرحيم، موصول بصاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، موصول بجهة قوية، كن فيكون زل فيزول، هذا الاتصال بالله لا بد من أن ينعكس تجلياً بالتعبير الآخر بالتعبير القرآني سكينة، هذه السكينة التي تتنزل على قلب المؤمن يسعد بها الإنسان المؤمن ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء، فأنت عندما تصوم أنت تخطب ود الله عز وجل.

(( كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أنت بالصوم منعك الله من المباحات، منعك من شرب الماء، من الطعام، حتى تقوى إرادتك إلى أعلى درجة، أنت تركت المباحات تقرباً إلى الله فلأن تدع المعاصي من باب أولى، إذا قلنا مثلاً قوله تعالى:

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 الله عز وجل ما نهى عن ضرب الأم والأب؟ الجواب الفقهي الأصولي إذا منعك أن تقول لهما أف فالضرب من باب أولى، إذا الله عز وجل منعك من الطعام والشراب فلأن تمتنع في رمضان عن الغيبة والنميمة وفعل الزور من باب أولى.

 

رمضان شهر الاستقامة و الصلح مع الله :

 رمضان ليس شهراً عادياً، انضباط كامل في البيع والشراء، فيه أيمان لا تنتهي، يقسم أيماناً أن رأس مالها أغلى، و هذا ليس صحيحاً، يكون رابحاً الضعف، هذه الأيمان الكاذبة، إطلاق البصر، الغيبة، النميمة، التحريش بين المؤمنين، هذه الأمراض النفسية، عندنا مشكلة لو أخذنا مئة ألف مسلم، بصراحة الزناة قلائل، وشاربو الخمر قلائل، لكن أين المشكلة؟ بهذه الصغائر التي إذا اجتمعت كانت حجاباً بينك وبين الله عز وجل، مثلاً طريق يقدر عرضه بستين متراً، وأنت تمشي بسيارتك، لو حرفت المقود سنتمتراً واحداً بالنهاية وثبت الانحراف تسقط في الوادي، هذا السنتمتر ثبته، تنتقل السيارة ببطء خلال دقائق إلى الطرف الآخر، إلى الوادي، وإذا حرفته تسعين درجة، ولأن الطريق عريض أرجعته، النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ ابن المنذر والديلمي عن ابن عباس ]

 الصغيرة إذا أصررت عليها تنقلب كبيرة، والكبيرة إذا تبت منها تنقلب صغيرة، هذا الشهر طبعاً الطعام والشراب يترك، وسائر المفطرات، إلا أن الاستقامة في هذا الشهر جزء من الصيام، الذي يغتاب كأنه أفطر حكماً لا شرعاً، الذي يغتاب، يحرش بين المؤمنين، يتكلم كلاماً غير صحيح، يكذب، كل هذه المعاصي الكلامية قد تفطر الصائم عند المقربين إلى الله، أما عند عامة الناس فصائم، الصيام شهر يعد دورة مكثفة إلى الله عز وجل، هذا الشهر شهر القرآن، هذا الشهر شهر العمل الصالح، هذا الشهر شهر الصلح مع الأقارب، يجب ألا يكون هناك عداوة بهذا الشهر مع الأقارب، اعمل ترتيباً إذا كان هناك جفوة بينك وبين أحد الأقارب تخصه بزيارة برمضان مهنئاً له بهذا الشهر، لك مشكلة مع شريكك يجب أن تحلها، هذا شهر فضيل، شهر القرب من الله، شهر الاستقامة، شهر الصلح مع الله.
 إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.

 

قراءة القرآن الكريم في رمضان تعبداً و تدبراً :

 أنا أتمنى أن نقرأ القرآن الكريم قراءتين؛ قراءة تعبد وقراءة تدبر، التعبد تقرأ كل يوم جزءاً، وهذا جيد جداً ينتهي القرآن الكريم برمضان، تقرأ جزأين تعمل ختمتين، أو ثلاث ختمات، هذه قراءة تعبد، أما التدبر فلو أمضيت بالآية الواحدة ثلاثة أيام لا يوجد مانع، التدبر أن تفهم أبعاد هذه الآية، مدلولاتها، ثمارها، هذا شيء من واجب المسلم في رمضان، لا أريد أن نفهم الصيام ترك الطعام والشراب فقط، نحن مع الأسف الشديد - وهذه الحقيقة المرة أهون ألف مرة من الوهم المريح - ينقلب رمضان في بعض المجتمعات الإسلامية إلى شهر ولائم، أي المواد الغذائية تباع ثلاثة أضعاف في رمضان، سبحان الله، الله أراده شهر صيام فصار شهر طعام، اللقاءات يومية، وهناك سهرة مفتوحة فيها غيبة و نميمة و مسلسل للسحور، نأكل وننام فوراً بينما:

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ أحمد]

 أنت في رمضان طبعاً التراويح مهمة جداً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 تاجر عليك ديون تقدر باثني عشر مليون دينار بثلاثين يوماً تعفى من هذه الديون مثلاً، هذا مكسب كبير جداً.

 

السكينة أكبر عطاء إلهي للمؤمن :

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 و:

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أنت أمام بحبوحتين، بحبوحة الصيام والقيام، القيام ثمرة الصيام، أنت بالنهار ضبطت البصر، ضبطت اللسان، عملت أعمالاً صالحة، دفعت صدقة، واسيت مسكيناً، وصلت رحمك، هذه كلها أعمال صالحة، متى تقبض ثمنها؟ في التراويح، لذلك لهذا المسجد في الحقيقة وظيفتان، أول وظيفة تأتي إلى المسجد فتتلقى من المتكلمين - مدرسون أو خطباء - تعليمات الصانع، وتأتي إلى المسجد لتقبض الثمن، الثمن سكينة تتنزل على قلبك أثناء الصلاة، هذه السكينة لا يعرفها إلا من ذاقها، سعادة سعادة، طمأنينة طمأنينة، ثبات ثبات، حكمة حكمة، والله لو أمضينا حياتنا لفهم أبعاد السكينة لا ننتهي، هذه السكينة تتنزل على قلوب المؤمنين، أنا أراها أكبر عطاء إلهي، ولها تعريف ملخص، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هل هناك أصعب من السجن؟ في بيتك تجلس مع زوجتك، مع بناتك، مع أولادك، مع أصهارك، مع كنائنك، زارك أخوك، ابن عمك، عملت سهرة، عزيمة، سفرة، تجلس في سجن هل هناك أصعب من هذا؟ والله الذي لا إله إلا هو هناك مساجين فكر يقول لك: قضيت السجن بجنة، أنا أصدقه، إذا كان الله معك فمن عليك؟ إذا سمح الله لك أن تكون معه هو صاحب الأسماء الحسنى، أنت ماذا تحب في الحياة؟ الجمال والكمال والنوال، تحب الشيء الجميل والعطاء، شيك بمليون دينار ألا تحب الذي أعطاك الشيك؟ تحب الجمال والنوال، الله رحيم، الخصائص الثلاث من كمالات الله عز وجل.

 

بطولة المؤمن أن يجعل شهر رمضان شهر عبادة خالصة :

 أنت في رمضان تتعامل مع الخالق، مع رب السموات والأرض، مع الجميل، مع القيوم، مع الرحيم، مع الغني، مع اللطيف، كلما تبحرت في أسماء الله الحسنى ازددت منه قرباً وحباً، هذا رمضان لله عز وجل، لا نجعله كما قلت قبل قليل شهر ولائم، وشهر سهرات، وسفرات، ومسلسلات، والله بطولة المؤمن أن يجعله شهر عبادة خالصة، شهر القرآن الكريم، شهر غض البصر، ترك كل برنامج لا يرضي الله نهائياً، هذا الشهر إذا طبقت هذه التعليمات تقبض الثمن فيه، وإذا قبضت الثمن فيه هنا المشكلة الكبيرة أنه إذا جاء إن شاء الله عيد الفطر لا يفطر إلا فمه فقط، أما كان تاركاً الغيبة فيتابعها؟! لا يوجد نميمة، لا يوجد إطلاق بصر، لا يوجد برامج هابطة وساقطة يراها كل يوم، لا يوجد لقاءات مختلطة، لا يوجد كذب، لا يوجد غش، هذا كله انتهى.
 الإنسان عندما يستقيم يفتح له باب من السماء لا يعلم من دخله إلا الله.

 

نجاح الإنسان مع الله سبب سعادته و استقراره :

 أرجو الله عز وجل أن يكون هذا الشهر شهر قرب من الله، شهر توبة، شهر قرآن، هذا القرآن الكريم الكتاب المقرر، إنسان عنده مكتبة من أربعة جدران للسقف، لكن يوجد عنده امتحان في اليوم الثاني، وعنده مادة أساسية في الامتحان، إن نجح بها نجح في الليسانس، وإن نجح في الليسانس تعين بوظيفة عالية، وإذا تعين بوظيفة عالية تمكن أن يتزوج، ويشتري بيتاً، كل هذه النتائج الضخمة جداً بين زواج وشراء بيت واستقرار مبنية على النجاح في هذه المادة، هذه المادة أساسية في حياته، وأنت نجاحك مع الله عز وجل سبب سعادتك، سبب استقرارك، من نتائجه: من اصطلح مع الله يكون أسعد الناس في بيته.

الكمال الحقيقي للإنسان أخلاقه في البيت :

 أنا سأقول كلمة: الأب عندما يدخل صار في البيت عيد، لأنه أب محسن، رحيم، يحبه أولاده كثيراً، وهناك أب العيد إذا خرج من البيت، فأنت راقب العيد بالدخول أم بالخروج؟ إذا كان كلامه قاسياً وعنيفاً في تربيته، إذا خرج من البيت تنفس أهل البيت الصعداء، وهناك ملمح دقيق دقيق جداً الإنسان خارج البيت بحكم مصلحته فقط يتجمل، يتأنق، يتعطر، يبتسم، يصافح، يأتيك ضيف تقدم له ضيافة، تسلم عليه بحرارة، هذا كله جزء من مصلحتك، لكن أين كمالك الحقيقي؟ في البيت، أما النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]

 في البيت لا يوجد رقابة عليك، أنت السيد، أنت الآمر، أنت الناهي، بطولتك وقربك من الله أخلاقك في البيت، وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم:

((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الصيام، والقيام، وغض البصر، وحفظ اللسان، وأن يعيننا على الاستقامة التامة في رمضان، وكل المعاصي والآثام والأشياء التي لا ترضي الله ندعها في رمضان، وأن يجعل هذا الصيام مقبولاً، والعمل متقبلاً إن شاء الله، وكل عام وأنتم بخير.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.